دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما من به من ترتيب هذا اللقاء، وهو تعليقة على رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. والشيخ أشهر من نار على علم، وقد امتاز علم الشيخ رحمه الله وتأليفه بسهولة الأسلوب ووضوحه، ولذلك تجد تفسيره «تيسير الكريم الرحمن لتفسير كلام المنان» تفسيرًا مباركًا على وجازته، فقد تضمن من المعاني واللطائف ما لا تجده في كثير من كتب التفسير. ومن قارن عرف؛ فمع سهولة أسلوبه رحمه الله تعالى وتسهيل عباراته، يتضح لك كثير من مقاصد أهل العلم رحمهم الله تعالى في الكتب المتقدمة.

وهذه الرسالة في أصول الفقه كما هو معلوم، وقد ألف أهل العلم رحمهم الله تعالى في أصول الفقه كتبًا كثيرة ما بين مطول ومختصر. ومن أوائل من ألف في الأصول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه «الرسالة»، وهي في أصلها جواب لطلب من أحد أهل العلم في وقته، حيث اقترح عليه أن يكتب في طريقة الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة، فكتب هذه الرسالة التي صارت مرجعًا لأهل العلم رحمهم الله تعالى في هذا العلم.

نستفيد من هذا أن الإنسان لا يحتقر نفسه في اقتراح أي شيء، فقد يذكر هذا الاقتراح لشخص فينشأ عنه عمل عظيم. ولذلك مما قيل في سبب تأليف الإمام البخاري رحمه الله لكتابه «الصحيح» الذي هو أصح الكتب المصنفة، أن شيخه إسحاق بن راهويه رحمه الله قال في مجلس: «لو أن أحدًا انبرى لجمع الصحيح من هذه الأحاديث»، فوقعت هذه الكلمة وهذا الاقتراح في ذهن الإمام البخاري رحمه الله، فعكف على تأليف كتابه بضعة عشرة سنة حتى خرج لنا هذا الكتاب الذي عكف عليه الناس من زمنه إلى وقتنا هذا.

أقول: الشيخ رحمه الله ألف هذه الرسالة، وهي رسالة جمعت المهم من مسائل علم أصول الفقه بأسلوب واضح وبجمل مختصرة، والشيخ رحمه الله لم يقصد الاستقصاء، فلذلك لا تتضمن كل مسائل الأصول، وأيضًا لم يعتنِ بالاستدلال لكل مسألة لأنه كتاب مختصر، فهو مثل المتون التي تؤلف في الفنون، فهي تشتمل على مسائل وموضوعات.

الموضوعات المهمة في علم أصول الفقه خمسة: الأحكام الشرعية، والأدلة الشرعية، ودلالة الألفاظ، والاجتهاد والتقليد، والتعارض والترجيح. وضابط كون المسألة مسألة أصولية أن تكون مما يبنى عليه أحكام شرعية، فإن لم تكن كذلك فهي دخيلة على الفن. يقول الشاطبي رحمه الله في مقدمة «الموافقات»: «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونًا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية». فكأنها مستعارة من كتب أخرى أو من فنون أخرى، فضابط المسألة الأصولية أن يبنى عليها أحكام شرعية.

أصول الفقه كما قلت ألف فيه مؤلفات كثيرة ودخلت فيه علوم كثيرة، وتوسع فيه زيادة على اللازم، ولذلك جاءت الدعوات لتنقيح ما كتب في هذا الفن. وبعض الناس يعزف عن تعلم علم أصول الفقه ويظن أنه علم جامد لا فائدة منه، وهذا لا صحة له. صحيح أن الكلام في كتب الأصوليين رحمه الله تعالى فيه كلام كثير قد يُعتاض عنه، وإن كان قد يكون فيه فائدة لتمرين الذهن، لكن قد يُعتاض عنه في الوصول إلى الأحكام الشرعية، إلا أن علم أصول الفقه علم مهم وله فوائد كثيرة.

فمن فوائده أنه هو المنظم لقواعد الشريعة، فالعلم به وسيلة عظيمة لإدراك الأحكام الشرعية بتطبيق قواعده على الأدلة لاستخراج الأحكام منها؛ تتعلم هذا العلم لكي تطبق ما تعلمته على الأدلة وتستنبط منها الأحكام. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «ولهذا كان المقصود من أصول الفقه أن يفقه مراد الله ورسوله بالكتاب والسنة».

ومن فوائده أيضًا أنه آلة المجتهد في دراسة النوازل والأحكام؛ فإذا جاءت مسألة نازلة فقهية وأراد المجتهد أن يتوصل إلى حكم النازلة، فلا بد أن تكون عنده معرفة بعلم أصول الفقه، كيف ينزل حكمها على الأدلة وكيف يستنبط حكمها من الأدلة من الكتاب والسنة. أيضًا هذا العلم ينمي الملكة الاجتهادية الاستنباطية من خلال النظر والتأمل في الأدلة.

أيضًا علم الأصول أكبر مانع من التخبط والتعارض في الأقوال والآراء. فلو كان المجتهد ليس عنده علم بأصول الفقه، وإنما يقول أنا سآخذ علمي من الكتاب والسنة وسأقلد من قبلي من الفقهاء، فجاءته مسألة نازلة فبحث فما وجد شيئًا فاجتهد، ووجد دليلًا فيه أمر فقال: إذًا ننزله على هذه النازلة ونقول إنها واجبة. وجاءته مسألة أخرى ليس فيها حكم شرعي لمن قبله، فقال: هذه نقول إنها مستحبة، مع أن فيها أمرًا، فتخبط مرة حمل الأمر على الوجوب ومرة حمل الأمر على الاستحباب.

طبعًا كون الفقيه يحمل الأمر أحيانًا على الوجوب وأحيانًا على الاستحباب هذا لا يعد تناقضًا، لأن عندنا أصلًا، فالأصل في الأمر الوجوب، ويُحمل على الاستحباب إذا وجدت قرائن، فيقول الفقيه: أنا حملت الأمر في هذا الدليل على الاستحباب لوجود قرائن، هذا لا يعد تناقضًا. لكن المجتهد الذي نقلت حاله لا، تشهيه بمجرد التشهي، يحمل مرة أمرًا على الوجوب ومرة أمرًا على الاستحباب ولا يوجد شيء يفرق بين هذين الأمرين. فإذا علم أصول الفقه، كان مانعًا من التخبط في الآراء.

ولذلك من مليح قول ابن دقيق العيد رحمه الله فيما نقله الزركشي في «البحر المحيط»: «أصول الفقه هو الذي يقضي ولا يقضى عليه». أي أنه هو الذي تستطيع به أن تتوصل إلى الحكم الشرعي، ولا يقضى عليه بمعنى أنك لا تحاكمه إلى غيره. والمقصود أنه هو الذي تُبنى عليه أحكام المجتهد.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولسائر المسلمين.

أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده على ما له من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين والعقاب للمجرمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأسماء والصفات والعبادة والأحكام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بين الحكم والأحكام، ووضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها حتى استتم هذا الدين واستقام. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، خصوصًا العلماء والأعلام. أما بعد، فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني، نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها، إنه جواد كريم.

أحسن الله إليك. هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في مقدمته أو بدأ مقدمته بالحمد لله تعالى، وهذا اقتداء بكتاب الله عز وجل، فقد بدأ الكتاب بالحمد لله رب العالمين، واقتداء بمخاطبة النبي ﷺ؛ فقد ورد حديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أبتر»، وفي بعضها: «باسم الله فهو أبتر»، وإن كانت الأحاديث لا تخلو من مقال، لكن هو ابتداءً اقتداءً بكتاب الله عز وجل.

وحمد الله عز وجل على أسمائه الحسنى، وعلى صفاته العليا، والحمد ليس مثل الشكر؛ فالحمد هو ذكر المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، والله يُحمد على كماله وعلى إنعامه. قال: «وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود»، و«أحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع»، و«أحكام الجزاء بالثواب للمحسن والعقاب المسيء».

ذكر ثلاثة أحكام: الحكم القدري، أي أقدار الله عز وجل، ما قدره الله عز وجل، فحمد الله عليه. والحكم الشرعي، ما شرعه الله عز وجل؛ قدر الله عز وجل أن يخلق فلانًا ويمرض فلانًا وتقوم الحرب الفلانية، هذه أحكام قدرية. وأما الأحكام الشرعية، فقدر الله عز وجل وشرع الله عز وجل وجوب الصلاة، وجوب الزكاة، استحباب الوتر ونحوه، هذه أحكام شرعية، فحمد الله على هذا وعلى الأحكام. ثم ذكر أحكام الجزاء، وفسرها أن المحسن يثاب والمسيء يعاقب في الدنيا وفي الآخرة، فحمد الله على ذلك كله.

ثم ثنى بالشهادتين؛ شهادة لله بالوحدانية، وللنبي ﷺ بالرسالة، ووصف النبي ﷺ بأنه بين الحكمة والأحكام، وأوضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها حتى استتم هذا الدين واستقام، فكأنه إشارة إلى ما سيذكره في هذا الكتاب من أنه في مسائل أصول الفقه.

ثم صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، خصوصًا العلماء الأعلام؛ أخص العلماء الأعلام. وما دام أنه ذكر معهم أتباعه، فالآن هنا المؤمنون من قرابته، والأتباع هم من تبع النبي ﷺ بإحسان على دينه من الصحابة والتابعين إلى آخره، فصلى الشيخ رحمه الله على العلماء الأعلام، وهذا فيه الدعاء لأهل العلم والوفاء لهم.

وهذا مما ينبغي لطالب العلم أن يؤدي حق الوفاء لأهل العلم، فكم من مسألة ما تعلمناها إلا من أهل العلم بسببهم، لا هو بفضل الله عز وجل وحده، لكن بسبب أهل العلم تعلمناها. فينبغي لطالب العلم أن يعود لسانه على الثناء لأهل العلم؛ إذا جاء يذكر مسألة عن إمام قال: شيخ الإسلام رحمه الله، أو قال: ابن القيم رحمه الله، أو قال: الإمام أحمد رحمه الله، وإذا كان صحابيًا قال: أبو هريرة رضي الله عنه، وهكذا يدعو لهم. فهذا من الدعاء لأهل العلم ومن الوفاء لهم ومن الدعاء لهم بظهر الغيب، والإنسان إذا دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، الله عز وجل يوكل ملكًا يؤمن ويقول: آمين، ولك بمثل؛ فأنت تدعو لغيرك والملك يدعو لك بهذه الدعوة التي تدعو بها لغيرك، فتأخذ أجر الدعاء وتنال دعاء الملك.

ثم قال: أما بعد، يبين موضوع كتابه؛ فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سيبين المراد بأصول الفقه بعد قليل. ثم بين أسلوبه في هذه الرسالة، وأنها سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني؛ أي يعاني العلم، يعاني ويكابد في تعلم العلم، ومن كابد في تعلم العلم وأخلص النية لله عز وجل فليبشر بالفتح والتيسير.

وليقرأ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. الإنسان في طلبه للعلم يعاني من العوائق والشواغل والمكدرات والمنغصات، ويجد أقرانه يلهون ويلعبون وهو عاكف على دروسه، عاكف على كتبه يحفظ ويفهم ويقرأ ويلخص. اصبر على هذا العلم واثبت عليه، واعلم أنك في سبيل الله، وأن هذا طريق الجنة؛ «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».

وإذا صبرت وأخلصت النية لله عز وجل، وإن استصعب عليك العلم وكررته مرة بعد مرة، فأبشر بالفتح من الله عز وجل؛ ﴿وَلَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾، ما قال «سنهديهم»، اللام هذه لام القسم، واقعة في جواب القسم، أي والله لنهدينهم، أكدها بالقسم المحذوف الذي دل عليه اللام، وأكدها باللام، وأكدها بنون التوكيد؛ أكدها بثلاث مؤكدات. ومن الذي يؤكد؟ الله عز وجل الذي على كل شيء قدير.

فليحسن الطالب ظنه بربه، وأنه إذا استصعب عليه شيء من العلم فليصبر، وليدعُ ربه أن يسهل له وأن يثبته على طريق العلم. فالناس الذين ذهبوا في لهو وعبث ولعب، وإن كان لعبًا مباحًا، سينقضي الوقت الذي يلهون به ويلعبون وسيندمون على ما فات، وأنت إذا صبرت على العلم وصابرت وكابدت، فأبشر بتيسير الله لك، وبتوفيقه، وبفتحه؛ ﴿وَلَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، أبشر بالمعية من الله عز وجل.

ثم ختم الشيخ رحمه الله المقدمة بالدعاء، نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها؛ يدعو الشيخ لنفسه ولمن يقرأ رسالته، ونسأل الله أن نكون منهم، وأن ينفعنا الله بهذه الرسالة اللطيفة المفيدة، إنه جواد كريم سبحانه وبحمده.

فصل، أصول الفقه هي العلم بأدلة الفقه الكلية. وذلك أن الفقه إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة، وإما دلائل يستدل بها على هذه المسائل؛ فالفقه هو معرفة المسائل والدلائل. وهذه الدلائل نوعان.

كلية تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا: الأمر للوجوب والنهي للتحريم ونحوهما، وهذه هي أصول الفقه.

وأدلة جزئية تفصيلية تفتقر إلى أن تُبنى على الأدلة الكلية، فإذا تمت حكم على الأحكام بها. فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة إلى الأدلة الكلية. وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه وأنها معينة عليه، وهي أساس النظر والاجتهاد في الأحكام.

هنا عقد المؤلف رحمه الله تعالى فصلاً وتكلم على المقصود بأصول الفقه. كل العلماء يتكلمون، مَنْ يؤلف في أصول الفقه يبدأ كتابه بالمراد بأصول الفقه؛ ما المراد به؟ ما معنى أصول؟ ما معنى فقه؟ وهكذا يطيلون فيها. لكن الشيخ رحمه الله لأن كتابه مختصر اختار لك تعريفًا يوضح المقصود.

المناطقة يقولون لابد أن يكون التعريف جامعًا مانعًا، يعني يجمع كل ما يشمله ويمنع دخول ما لم يشمله. والحقيقة أن وجود تعريف جامع مانع هذا سبب إشكالاً كثيراً، فكل شخص يأتي يقول عن تعريف من قبله أنه ليس جامعاً أو ليس مانعاً، ووردت في هذه الإشكالية ونحو ذلك. والحقيقة أن التعريف إنما هو لتقريب المعرف وتوضيحه، المراد التوضيح.

ولذلك الشيخ رحمه الله وضحه، قال: أصول الفقه هي العلم بأدلة الفقه الكلية. العلم بأدلة الفقه الكلية، ثم قال: لكن الأدلة قد تكون كلية وقد تكون جزئية. أدلة الفقه الكلية مثل المثال: الأمر للوجوب أو النهي للتحريم، هذا دليل كلي، ليس مختصاً بمسألة معينة وليس مختصاً بدليل معين، بل إن إذا جاءك أمر فالأصل أنه للوجوب، هذا دليل كلي. وإذا جاءك نهي فالأصل فيه أنه للتحريم، هذا دليل كلي، طبعاً يخرج عن الوجوب الأمر عن الوجوب، ويخرج النهي عن التحريم إذا وجدت صوارف، وهذا معلوم.

فيقول لك هذا هو أصول الفقه، تعريف أدلة الفقه الكلية، هذا هو المقصود. طبعاً هذا جزء من أصول الفقه، لكن هو أهم ما في الأصول لأن ما بعده مبني عليه؛ لأن الأصول كما قلنا هي أحكام وأدلة، وكيفية الاستنباط منها، يعني كيفية أخذ الحكم من الدليل. فهي كلها تتعلق بالدليل، الحكم يؤخذ من الدليل، والدليل هو الأصل. كيفية الاستنباط، كيف تأخذ الحكم من الدليل؟ الاجتهاد والتقليد، هؤلاء هم الذين يتعاملون مع الدليل. طرق التعارض والترجيح، هذه تتعلق بالأدلة، فحقيقة أصول الفقه ترجع إلى الأدلة، ولذلك الشيخ رحمه الله قال لك أصول الفقه العلم بأدلة الفقه الكلية.

ثم قال لك: لماذا عرفه بأنه أدلة الفقه الكلية؟ قال لك الفقه إما مسائل وإما دلائل. يعني إذا جاءتك مسألة فقهية فهنا مسألة تحتاج أن تحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة التي سيذكرها: الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهة، التحريم. وتحتاج إلى دليل عليها. هذا هو الفقه؛ معرفة الحكم بدليله.

الفقه هو معرفة المسائل والدلائل، العلم معرفة الحكم بدليله، والاجتهاد والتقليد يجتمعان. فالفقه معرفة المسألة بدليلها، يعني يأتيك شخص يقول: ما حكم صلاة الضحى؟ تقول: سنة. طيب، ما الدليل؟ تقول له مثلاً: فعل النبي ﷺ أو قوله في بعض الأحاديث القولية التي دلت على سنة الضحى. فهنا هذا هو الفقه، الفقه معرفة الحكم بدليله. طيب، كيف عرفت أن الدليل يدل على الاستحباب أو الدليل يدل على الوجوب؟ هذا تأخذه من أصول الفقه.

قال: هذه الدلائل نوعان، دلائل كلية تشمل كل حكم من جنس واحد من أصول الفقه إلى آخره، مثل الأمر للوجوب أو النهي للتحريم. هذه هي التي مبحثها في أصول الفقه. يعني أن الأمر للوجوب أو النهي للتحريم، هل هو في كتاب الطهارة فقط؟ هل هو في كتاب الصلاة فقط؟ لا، هذا يمشي معك في كل الفقه.

وعندنا أدلة جزئية تفصيلية، مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، هذا دليل على وجوب إقامة الصلاة، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. هذه كلها أوامر ونواهي، لكنها تفصيلية، كل دليل جاء لمسألة معينة.

هذا يبحثه الفقيه، أما الأصولي يبحث لك هذا الدليل، مثل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، يبحث لك هل الأمر هذا دلالته على ماذا؟ على الوجوب ولا على الاستحباب ولا على الإباحة ونحو ذلك. يقول: الأدلة الجزئية التفصيلية هذه تفتقر إلى أن تُبنى على الأدلة الكلية، فإذا تمت حكم على الأحكام بها. يعني يقول الفقيه الآن إذا جاءه ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أو جاءه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، كيف يأخذ منها الحكم؟ لا يأخذ منها الحكم إلا إذا عرف أصول الفقه، وأن دلالة هذا اللفظ تدل على الوجوب أو دلالة هذا اللفظ تدل على التحريم أو دلالة هذا اللفظ تدل على الإباحة ونحو ذلك.

فالفقيه إذاً في الأدلة الجزئية لا يستطيع أن يتوصل إلى الحكم إلا بمعرفة الأدلة الكلية التي هي أصول الفقه. قال: فالأحكام مضطرة إلى الأدلة التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة إلى الأدلة الكلية، يعني أنها مبنية بعضها على بعض. إذا أردت أن تتوصل إلى حكم مثلاً حكم الربا، تتوصل إليه بالدليل الجزئي من القرآن أو من السنة، فإذا وجدت الدليل الجزئي من القرآن أو من السنة، هذا الدليل هو الذي يوصلك إلى جزء من المطلوب، ويكمل لك المطلوب الدليل الكلي. يعني عندنا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، كيف عرفنا أنها دلت على تحريم الربا؟ عرفنا في أصول الفقه أن الأمر بالترك هذا يدل على التحريم ونحو ذلك.

قال: وبهذا تعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه وأنها معينة عليه، وهي أساس النظر والاجتهاد في الأحكام. هذا يبين لك أهمية علم أصول الفقه وأن عمل الفقيه مبني على أصول الفقه.

أحسن الله إليكم. فصل: الأحكام التي يدور الفقه عليها خمسة: الواجب الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه، والحرام ضده، والمسنون الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والمكروه ضده، والمباح مستوي الطرفين. وينقسم الواجب إلى فرض.

هنا ذكر لك الأحكام التي يدور الفقه عليها، وهي التي تسمى الأحكام التكليفية. عندنا الأحكام الشرعية يقسمها الأصوليون إلى أحكام تكليفية ووضعية، هنا ذكر لك الأحكام التكليفية، لكن الوضعية لم يفصلها.

بمبحث مستقل أو يذكرها هنا، لكنه ذكرها في أثناء كتابه، وستأتي معنا إن شاء الله، اللي هي الرخصة، العزيمة، الشرط، السبب، المانع، إلى آخره.

الأحكام التكليفية التي يدور عليها الفقه يقول خمسة، اثنان متقابلان: الواجب وضده المحرم، والمسنون وضده المكروه، والمباح قسم مستقل وهو بينهما.

الواجب يقول: الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه. إذا فعله الإنسان مثلًا الصلاة، فعلها الإنسان يثاب -وبعضهم يزيد قصد الامتثال، يثاب فاعله امتثالًا- ويعاقب تاركه، يعني هو الأصل أن يعاقب إذا ترك الصلاة، والأصل أن يعاقب ما لم يغفر الله له، لكن هذا هو الحكم أنه يثاب إذا امتثل، ويعاقب إذا ترك. وبعضهم يعبر بـ "يستحق العقاب تاركه"، وهذا تعبير بالحكم، والأصوليون بعضهم يعبر بذلك، وبعضهم يعبر بالنظر إلى أصله فيقول: الواجب ما أمر الشارع به أمرًا لازمًا.

والمحرم ضده، أو الحرام ضده، إذا قلنا ضده يعني يثاب تاركه ويعاقب فاعله، ونقول فيها ما قلنا في الواجب: يثاب تاركه امتثالًا، ويعاقب فاعله إن لم يعف الله عنه، وبعضهم يعبر بـ "يستحق العقاب". والحرام على التفسير الثاني ما نهى الشارع عنه نهيًا جازمًا.

المسنون: الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، مثل فعل السنن الرواتب، يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، لو ترك السنن الرواتب لا يعاقب. والمكروه ضده، يعني يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. مثلا من المكروهات في الصلاة الالتفات الذي لا يقتضي الانحراف عن القبلة، فهذا مكروه فيثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.

المباح قال: مستوي الطرفين، يعني أنه لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وسيأتينا نوع من المباح قد يثاب وقد يعاقب.

أحسن الله إليكم، وينقسم الواجب إلى فرض عين يطلب فعله من كل مكلف بالغ عاقل، وهو جمهور الأحكام الشرعية الواجبة، وإلى فرض كفاية وهو الذي يطلب حصوله وتحصيله من المكلفين لا من كل واحد بعينه، كتعلم العلوم والصناعات النافعة، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.

هنا ذكر لك تقسيمًا للواجب باعتبار فاعله: هل هو موجه لكل أحد؟ أو يكفي فعله من بعض؟ فقال لك الواجب قسمان: قسم يعد فرض عين، وهذا لابد أن يفعله كل شخص من المكلفين، فالشخص الذي توجه له الأحكام هو المكلف البالغ العاقل، فالصغير والمجنون لا توجه له الأوامر والنواهي. وهذا لابد من فعله من كل أحد من المكلفين، وهذا قال جمهور الأحكام الشرعية الواجبة، مثل الصلوات الخمس، هذه كل مكلف يلزمه أن يصلي الصلوات الخمس، لا نقول إذا صلى بعضهم كفى وسقط الإثم عن الباقين. والزكاة مطلوبة من كل من توفرت فيه شروط وجوبها أن يزكي، وهكذا كل من توفرت فيه شروط وجوب عبادة من العبادات فإنه يطلب منه فعلها.

وهناك نوع من أنواع الواجبات يعد فرض كفاية، وهو الذي يطلب حصوله وتحصيله من المكلفين لا من كل واحد بعينه، يعني أنه لا يلزم كل أحد فعله، لكن يلزم أن يقوم به من يكفي من المسلمين، ومثل لك بتعلم العلوم والصناعات النافعة، فالعلوم النافعة لابد أن يقوم بها نفر من المسلمين، لا يلزم كل أحد تعلم العلم النافع.

عندنا علم يلزم كل أحد تعلمه وهو ما لا تتم العبادة إلا به، فمثلاً إنسان مطلوب منه أن يصلي، يلزمه أن يتعلم صفة الصلاة الواجبة وصفة الوضوء الواجبة، لكن مثلاً أحكام الزكاة، هل لابد أن يتعلم أحكام الزكاة؟ إذا كان عنده أموال نقدية نقول يتعلم حكم زكاة المال، ما الواجب عليه في زكاة المال، لكن لا يلزمه أن يتعلم حكم زكاة الذهب والفضة إذا لم يكن عنده ذهب، ولا يلزمه أن يتعلم حكم زكاة السائمة إذا لم تكن عنده سائمة، وهكذا.

وكذلك العلوم النافعة مثل علم الطب وعلم الهندسة، يلزم أن يكون من المسلمين من يتعلم لئلا يحتاجوا إلى غيرهم. وقال: الأذان، لابد أن يؤذن في البلد ولو واحد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن يقوم به من يكفي، فهذه عبادات لا يلزم بها كل أحد، إنما يلزم من المسلمين أن يقوم بها من يكفي، فإذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركوها كلهم أثموا جميعًا.

أحسن الله إليكم، وهذه الأحكام الخمسة تتفاوت تفاوتًا كثيرًا بحسب حالها ومراتبها وآثارها، فما كانت مصلحته خالصة أو راجحة أمر به الشارع أمر إيجاب أو استحباب، وما كانت مفسدته خالصة أو راجحة نهى عنه الشارع نهي تحريم أو كراهة، فهذا الأصل يحيط بجميع المأمورات والمنهيات.

هنا يبين الشيخ رحمه الله أن الأوامر والنواهي ليست على مرتبة واحدة بل هي مراتب، ولذلك هناك أوامر لعظم مصلحتها أمر بها أمر إيجاب، وهناك أوامر مصلحتها أقل أمر بها أمر استحباب، وهناك نواهي مفسدتها عظيمة فنهي عنها نهي تحريم، وهناك نواهي مفسدتها أقل فنهي عنها نهي كراهة.

وأحيانًا لا نعرف نحن المصلحة من أمر الله بالشيء أو نهي عنه، لكن إذا لم نعرف فنقول سمعنا وأطعنا، ولكن هنا يبين الشيخ رحمه الله أن هذه الأوامر والنواهي ليست على مرتبة واحدة، ولذلك لو تعارض أمران أو تعارض واجبان، فنقول يقدم ما مصلحته أعلى، فلو تعارض واجب ومستحب يقدم الواجب على المستحب، ولو كان فعله للمستحب يفضي إلى أمر محرم، فنقول يترك المستحب لئلا يقع في المحرم.

مثلاً من المستحبات في الصلاة أن يتورك المصلي في التشهد الأخير في الصلاة التي لها تشهدان، فإذا كان فعله للتورك يؤدي إلى التضييق على من بجانبه تضييقًا محرمًا، والتورك مستحب، فنقول يترك هذا المستحب لئلا يقع في الحرام.

أحسن الله إليكم، وأما المباحات فإن الشارع أباحها وأذن فيها، وقد يتوصل بها إلى الخير فتلحق بالمأمورات، وإلى الشر فتلحق بالمنهيات، فهذا أصل كبير أن الوسائل لها أحكام المقاصد.

قال لك المباحات، هي الأصل أنها مباحة لا فيها ثواب ولا عقاب، لكن المباح قد يكون وسيلة إلى أمر واجب.

أو مستحب، فيأخذ حكمه. وقد يكون وسيلةً إلى أمرٍ مكروهٍ أو محرم، فيأخذ حكمه. فإذًا، الأصل في المباح أنه لا ثواب فيه ولا عقاب، لكن إذا كان المباح وسيلةً إلى أمرٍ مأمورٍ به، أمر إيجابٍ أو استحباب، فإنه يثاب على ذلك ثواب الواجب أو المستحب. وإذا كان وسيلةً إلى أمرٍ مكروهٍ أو محرم، فإنه يعاقب، أو يكون له حكم ما هو وسيلةٌ إليه من مكروهٍ أو محرم.

فمثلًا المشي؛ كون الإنسان يمشي هذا مباح، لكن كونه يمشي إلى صلاةٍ من الصلوات الخمس، هذا وسيلةٌ إلى أمرٍ واجب، فيكون واجبًا. وكونه يمشي مثلًا إلى حضور درس علم، وسيلة، هذا المشي وسيلةٌ إلى أمرٍ مستحب، فيكون مستحبًا. وكونه يمشي إلى فعل أمرٍ محرم، كالسرقة مثلًا والعياذ بالله، هذه وسيلةٌ إلى أمرٍ محرم، فيكون محرمًا. وكذا لو مشى لفعل أمرٍ مكروه، فيكون المشي مكروهًا.

ولذلك قال: هذا أصلٌ كبير، أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وبنى عليها ما سيأتي بعده. وبه نعلم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وما يتوقف الحرام عليه فهو حرام، ووسائل المكروه مكروهة.

بنى عليه ما تقدم، فقال لك: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا ذكرنا مثاله؛ الصلاة واجبة، ويتم فعلها بالمشي إليها، فيكون المشي واجبًا. وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، مثل حضور درس العلم مستحب، وترتب على ذلك أو لا يتم الحضور إلا بالمشي إليه. أو مثلًا التسوك قبل الصلاة مستحب، فشراؤه للسواك مستحب لأنه وسيلة إلى مستحب. وما يتوقف الحرام عليه فهو حرام، قلنا مثلًا: من أراد أن يذهب للسرقة أو نحو ذلك، أو مثلًا أراد أن يشرب الخمر فتوقف شربه للخمر على شرائه الخمر، فالشراء حرام. ووسائل المكروه مكروهة، هذا تقدم التمثيل عليه.

وهذا مما تتميز به هذه الرسالة، أنه بث الشيخ رحمه الله فيها مسائل أصولية، مسائل قواعد فقهية، قواعد أصولية، ذكر بعض أحكام المقاصد، بعض أحكام مقاصد الشريعة، فهذه تميزت هذه الرسالة على قصرها وإيجازها بهذه المسائل اللطيفة التي قد لا توجد في كتب الأصول الكبار.

أحسن الله إليكم. فصل: الأدلة التي يستمد منها الفقه أربعة: الكتاب والسنة، وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون وانبنى دينهم عليه، والإجماع والقياس الصحيح، وهما مستندان إلى الكتاب والسنة. فالفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة. وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة؛ تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح، لما فيها من المنافع والمصالح إن كانت مأمورًا بها، ومن المضار إن كانت منهيًا عنها. والقليل من الأحكام يتنازع فيه العلماء، وأقربهم إلى الصواب فيها من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لما أنهى الكلام على الأحكام انتقل إلى الكلام على الأدلة، فقال لك: الأدلة التي يستمد منها الفقه أربع، يعني الفقيه الآن يريد أن يستدل بأدلة، فالأدلة التي يستدل بها أربع، وهذه الأدلة هي الأدلة المجمع عليها، بعد القياس فيه خلاف لكنه شاذ، فمجمع على هذه الأدلة الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

قال: الكتاب والسنة، وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون وانبنى دينهم عليه؛ فديننا مبني على الوحي من الكتاب أو السنة، هذا هو الأصل. والإجماع والقياس الصحيح، وسيتكلم على هذه الأدلة بالتفصيل، لكن هنا ذكرها بالإجمال. وقوله: القياس الصحيح، دليل على أن هناك قياسًا فاسدًا وسياتينا إن شاء الله في موضعه. والإجماع والقياس الصحيح، يقول حقيقة هو أنهما مستندان إلى الكتاب والسنة.

فالإجماع قد نجد مسألة مجمع عليها لا نعلم دليلها، لكن هو دليلها إما من الكتاب أو من السنة؛ يعني قد تجد المسألة مجمعًا عليها ومضى عليها إجماع عملي، لكن تبحث عن دليل في القرآن أو في السنة عليها لا تجده، لكن يجمع عليها، فهذا قد يكون أهل العلم الأولون علموا دليلها لكن لم يتناقل هذا الدليل من الكتاب أو السنة، لكن تنقل الحكم الذي استنبط منه لم يخفَ.

وهذا من حفظ الله للشريعة، الله عز وجل حفظ الشريعة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وذكر بعض المفسرين أن الذكر يشمل الكتاب والسنة. قد يقول قائل: طيب الأحاديث التي ضاعت؟ نقول: وإن نسي بعضها، لكن الذي نسي أو لم يعرف، هذا بقي حكمه، فالأحكام التي فيها لم تُنسَ ولم تضع، فالشريعة محفوظة.

قال: فالفقه من أوله لآخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة. ما هناك في أدلة مختلف فيها كالشرع من قبلنا، وقول الصحابي، إلى آخره، لكن هي حقيقة ترجع إلى أحد هذه الأصول الأربعة، وإن كان في بعضها نوع تفصيل.

قال: أكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة؛ الأحكام الضرورية الكلية، هذه أقصد، التي الأحكام المهمة هذه تجدها جاءت عليها الأدلة الأربعة كلها، يعني تجد الدليل من القرآن، ومن السنة، ومن الإجماع، ومن القياس الصحيح. طبعًا القياس بمعناه الأعم؛ القياس الذي هو من الأدلة يعني إلحاق فرع بفرع آخر في الحكم لوجود الشبه، لكن بمعناه الأعم يعني قواعد الشريعة.

يعني مثلًا يكون البيع دل عليه القياس الصحيح، تقيس ماذا على ماذا؟ لا، لا يقيسون شيء على شيء، يقولون مثلًا: الإنسان محتاج إلى ما بيد غيره، والذي بيده شيء، اللي هو مالك السلعة، لن يبذلها بدون عوض، فكان في تصحيح البيع مصلحة لكلا الطرفين، هذا من القياس الصحيح. طيب تقول قياس ماذا على ماذا؟ لا، هذا ليس قياس فرع على فرع، هذا قواعد الشريعة يقصدون بها.

فهنا يقول: الأكثر أحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح، يعني القياس الذي هو قواعد الشريعة بمعناه العام، تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليه العلماء، ويدل عليه القياس الصحيح، لما فيها من المنافع والمصالح إن كانت مأمورًا بها.

ومن المضار إن كانت منهيا عنها. هنا يقول لك: إن كل ما أمر الله به فإن فيه مصلحة قد نعرفها وقد لا نعرفها، وكل ما نهى الله عنه فإن فيه مفسدة قد نعرفها وقد لا نعرفها. فالله عز وجل لا ينهى عن أمر فيه مصلحة محضة، ولا يأمر بأمر فيه مفسدة محضة.

فكل ما أمر الله عز وجل به ففيه منفعة ومصلحة، قد يكون فيه مفسدة لكن مصلحته أعظم؛ مثل أمر الله عز وجل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مصلحته ظاهرة، لكن قد يقول قائل فيه مفسدة كون الإنسان يأمر بالمعروف قد يتعرض للأذى، ففيه مفسدة عظيمة وهي مفسدة الأذى، لكن نقول: المفسدة التي فيه منغمرة في المصالح التي تتحقق به.

وهكذا المفاسد أو المنهيات التي منعها الله عنها فيها مفسدة، وقد يكون فيها مصلحة؛ مثلاً الربا فيه مفسدة عظيمة، وفيه مصلحة للمرابي أنه ينمو ماله، طبعاً نماء ظاهر وإلا فهو ممحوق البركة، لكن هذه المصلحة منغمرة في جانب المفاسد. ولذلك الله عز وجل قال في الخمر والميسر -وهذا كان قبل التحريم البات-: ﴿لَسَأَلُونَكُمْ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۚ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].

قال: والقليل من الأحكام يتنازع فيه العلماء. يقول لك ترى كثير من مسائل الفقه مجمع عليها، ما فيها خلاف، أو يكون الخلاف فيها شائع، القليل من الأحكام هي التي فيها النزاع. تقول: نجد الكتب الخلافية مليئة بالخلاف، فكيف يقول الشيخ الخلاف قليل؟ نقول: نعم، الخلاف في مسائل جزئية.

يعني مثلاً عندنا مسألة كلية في الصلاة: حكم الصلوات الخمس أنها واجبة وركن من أركان الإسلام، هذه مسألة كبيرة. كون صلاة الظهر أربع ركعات مجمع عليها، كون الركوع قبل السجود مجمع عليه، لو أتيت لمسائل الصلاة تجد المسائل المجمع عليها كثيرة، لكن لأنها واضحة فالعلماء يمرونها ولا يتكلمون فيها كثيرا، يتكلمون فيما كان فيه الخلاف، وإلا فلو جينا ووجدنا مسائل الإجماع أو الاتفاق أكثر من مسائل الخلاف.

قال: قليل من الأحكام يتنازع فيه العلماء، وأقربهم إلى الصواب فيها من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة. إذا جينا لمسألة خلافية تجد فيها الخلاف، وأسباب الخلاف كثيرة ويتكلم عليها العلماء رحمهم الله تعالى. وشيخ الإسلام رحمه الله له رسالة في «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، ذكر فيها جملة من أسباب الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى في الأحكام، وذكر العذر لهم في ذلك.

فيقول لك الشيخ رحمه الله هنا: أقرب العلماء إلى الصواب، ما قال لك أقربهم إلى الصواب فيها الإمام أحمد أو الإمام الشافعي أو الإمام مالك أو الإمام أبو حنيفة أو فلان أو فلان؛ لأن المسائل قد يكون في مسألة ما أقرب إلى الصواب الإمام أبو حنيفة، وفي مسألة أخرى أقرب إلى الصواب الإمام مالك، وفي مسألة ثالثة الإمام الشافعي، وفي مسألة رابعة الإمام أحمد، فليس هناك مذهب فقهي كل مسائله راجحة، بل يختلف الرجحان من شيخ لشيخ ومن مذهب لمقرر، ومن اختلاف في الأدلة ونحو ذلك، والإنسان يتبع ما يراه أقرب إلى نصوص الوحي؛ لذلك يقول: أقرب من الصواب فيها من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة.

ولذلك ينبغي لمن تأهل للترجيح في المسائل إذا أراد أن يرجح أن يرجح بناء على الأدلة، لا بناء على أن فلاناً أو فلاناً رجحها. صحيح أن ترجيح العلماء له قدره، ومن نحن من دونهم؟ لكن إذا أردت أن ترجح ترجح بناء على الدليل.

أحسن الله إليكم، فصل في الكتاب والسنة. أما الكتاب فهو هذا القرآن العظيم، كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ﴿لِتَكُونَ لِلْمُنذِرِينَ نَبَأً ۚ وَلِنُنَذِّرَ بِهِ قَوْمًا لُّبَدًا﴾ [يس: 70]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين للناس كافة في كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم، وهو المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].

وأما السنة فإنها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته على الأقوال والأفعال. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى دليل الكتاب والسنة، وفسر ووضح المراد بالكتاب جارياً على سنن أهل الأصول في تعريف القرآن، والقرآن لا يحتاج إلى تعريف لكنهم يعرفونه ليزداد قدره في قلب طالب العلم، وهذا هو المطلوب؛ أن يعظم طالب العلم الوحي من الكتاب أو من السنة، فإذا أتته الآية من كتاب الله أو أتاه الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكابر ويقول لمن نصحه أنا أعلم منك ونحو ذلك، بل يناقش بلطف إن كانت دلالة الآية أو الحديث فيها احتمال، وعليه إذا لم يجد مناصاً من الأخذ بها فلا بد أن يأخذ بها ولا يتركها.

قال: الكتاب هو هذا القرآن العظيم كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين. والشيخ رحمه الله تعالى يقتبس من سورة الشعراء: ﴿إِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَّلَهُ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 192-195]. فهو هذا القرآن جاء بلسان عربي مبين، وهذا مما يدل على أهمية تعلم اللغة، لغة العرب وأساليب العرب في كلامهم، هذا ليس ترفاً من العلم، بل تعلم أساسيات اللغة، تعلم علم النحو مثلاً، وأساليب الشعراء والأدباء خاصة في زمن الاحتجاج بالشعر، هذا يفيدك في فهم الكتاب والسنة ويفيدك كثيراً، فهو ليس ترفاً.

وقوله: ولذلك كان كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون من ذلك، ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان مرجعاً في معرفة شعر العرب، وعائشة رضي الله تعالى عنها كذلك، فلا بد للإنسان أن يتعلم من اللغة ما يزيده علماً بالكتاب والسنة. واقرأوا مقدمة تفسير البسيط للواحدي رحمه الله تعالى لتعلموا كيف استفاد الواحدي رحمه الله من تعلمه للغة في تأليفه لكتابه التفسير.

قال: وهو المقروء بالألسنة للناس كافة في كل ما يحتاجون إليه لمصالح دينهم ودنياهم، وهو المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. وأما السنة فإنها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته على الأقوال والأفعال؛ فالسنة التي يحتج بها الأصولي والفقيه هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته على الأقوال والأفعال.

فهذه كلها يحتج بها، هي التي يحتاجها الفقيه، ولذلك السنة في عرف المحدثين يزيدون عليها؛ وأوصافه: أقواله وأفعاله وتقريراته، وأوصاف النبي ﷺ الخلقية والخلقية. لكن الفقيه والأصولي لا يحتاج للأوصاف لأنه لا يحتج بها، فيحتج بالقول والفعل والتقرير.

الآن سيذكر لك كيف نأخذ الأحكام من أدلة الوحيين، أحسن الله إليكم. فالأحكام الشرعية تارة تؤخذ من نص الكتاب والسنة، وهو اللفظ الواضح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى. وتارة تؤخذ من ظاهرهما، وهو ما دل على ذلك على وجه العموم اللفظي أو المعنوي.

يقول عندنا: إذا جاءنا لفظ من الكتاب أو من السنة أحيانا يكون هذا اللفظ نصا على المعنى، يعني أنه لا يحتمل إلا معنى واحدا. مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، واضح أن معناها القطع، هل تحتمل معنى آخر؟ لا تحتمل. مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]؛ تلك عشرة كاملة، هل تحتمل معنى آخر أنها إحدى عشرة أو تسع؟ لا، تلك عشرة كاملة. فهذا نص لا يحتمل معنى آخر، فإذا كان اللفظ نصا يؤخذ به.

هناك ألفاظ ليست نصا وإنما ظاهرة، وتارة تؤخذ من ظاهرهما، وهو ما دل على ذلك على وجه العموم اللفظي أو المعنوي؛ يعني أحيانا اللفظ يحتمل أكثر من معنى، فنأخذه بالمعنى الأظهر، والمعنى الأظهر يعني يكون أحد المعاني جاءت قرينة تقويه، فنأخذ به وندع المعنى الآخر.

مثلا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]، هنا أمر الله عز وجل نبيه ﷺ أن من أتى بزكاته وبصدقته فإنه يصلي عليه. هنا يحتمل قوله «صل عليهم» معنيين: يحتمل الصلاة المعروفة التي لها ركوع وسجود، ويحتمل الدعاء. الاحتمال الثاني هو الدعاء، وقد دلت عليه قرينة وهي فعل النبي ﷺ؛ حيث إنه كان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم، يعني دعا لهم. فقد جاء في حديث عبد الله بن أبي أوفى أن أباه أتى بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى»، فهنا تقوى هذا المعنى بالقرينة فصار ظاهرا، والظاهر يؤخذ به ويترك الذي ليس بظاهر. فهنا ذكر لك النص والظاهر.

يذكر الأصوليون أيضا المجمل، والمجمل هذا لا بد من شيء يوضحه، وهو الذي يحتمل أكثر من معنى.

أحسن الله إليكم، وتارة تؤخذ من المنطوق، وهو ما دل على الحكم في محل ينطق. وتارة تؤخذ من المفهوم، وهو ما دل على الحكم بمفهوم موافقة إن كان مساويا للمنطوق أو أولى منه، أو بمفهوم المخالفة إذا خالف المنطوق في حكمه لكون المنطوق وصف بوصف أو شرط فيه شرط، إذا تخلف ذلك الوصف أو الشرط تخلف الحكم.

هنا يقول لك الحكم أحيانا يؤخذ من منطوق اللفظ، يعني دل عليه في محل النطق، أي أن الدلالة موجودة في اللفظ المنطوق به. مثلا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، الدلالة المنطوقة هي منع قول «أف» للوالدين ومنع نهرهما، أخذنا ذلك من هذا اللفظ المنطوق به.

وهناك أحكام تؤخذ من المفهوم، أي يفهم من هذا اللفظ الذي تكلمنا به معنى آخر، وقسم لك المفهوم إلى قسمين: مفهوم موافقة، وبعضهم يسميه التنبيه، ومفهوم مخالفة.

مفهوم الموافقة هو ما دل على الحكم بمفهوم موافقة إن كان مساويا للمنطوق أو أولى منه. مساويا للمنطوق، نأخذ مثالا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]؛ هذا فيه النهي عن أكل مال اليتيم، أي أن ينتفع به الولي. هناك حالة ليست أكل مال اليتيم، كأن يحرق مال اليتيم، هنا هل هو محرم أو لا؟ نقول نعم محرم، وأخذناه من «يأكلون أموال اليتامى»، فإحراقه مساوٍ في كون كل منهما فيه منع لليتيم من حقه، فهذا مفهوم موافقة مساوٍ.

وقد يكون مفهوم الموافقة أولى بالحكم، يعني المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به. نرجع إلى آية: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، قلنا نهت عن «أف» ونهت عن النهر، وضرب الوالدين أشد من قول «أف» وأشد من النهر، فلذلك نقول يؤخذ منها تحريم ضرب الوالدين، أخذناه من مفهوم الموافقة الأولي؛ فإذا كان النهي عن كلمة «أف» وهي من حرفين، وعن النهر وهو رفع الصوت، فالضرب منهي عنه من باب أولى. إذن مفهوم الموافقة هو ما دل عليه لفظ في غير محل النطق ويكون موافقا لحكم المنطوق به، أحيانا يكون مساويا له في الرتبة وأحيانا يكون أولى منه.

النوع الثاني من المفاهيم هو مفهوم المخالفة، وهو إذا خالف المنطوق في حكمه، يعني دل عليه لفظ في غير محل النطق لكن حكمه مخالف للمنطوق، أي يعكسه. وذكر لك حالتين، هما أشهر حالتين: لكون المنطوق وصف بوصف، أو شرط فيه شرط؛ فإذا تخلف ذلك الوصف أو الشرط تخلف الحكم.

وصف بوصف، مثل قول النبي ﷺ: «في الغنم السائمة الزكاة»، فالغنم التي فيها الزكاة وُصفت بأنها سائمة، ومفهومه أن الغنم المعلوفة التي يشتري لها صاحبها العلف ليس فيها زكاة، فهذا مفهوم مخالفة للوصف.

أما مفهوم الشرط، فهو أن يأتي أمر شرط فيه شيء ما، ومفهومه أنه إذا لم يحصل هذا الشرط فإن الحكم يختلف. ومثاله قول النبي ﷺ لما سئل: أعلى المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء»، فمفهومه أنها إذا لم ترَ الماء فلا غسل عليها.

إذا لم ترَ الماء فلا غسل عليها؛ هذا مفهوم الشرط، ومفهوم مخالفة الصفة، وقلنا في الغنم السائمة الزكاة ومفهوم مخالفة الشرط، نعم إذا رأت الماء.

أحسن الله إليكم، والدلالة من الكتاب والسنة ثلاثة أقسام: دلالة مطابقة إذا طبقنا اللفظ على جميع المعنى، ودلالة تضمن إذا استدللنا باللفظ على معناه، ودلالة التزام إذا استدللنا بلفظ الكتاب والسنة ومعناهما على توابع ذلك ومتمماته وشروطه وما لا يتم ذلك المحكوم فيه أو المخبر عنه إلا به.

أحسنت، يقول لك الدلالات من الكتاب والسنة؛ إذا جاءك لفظ فهناك معنى واضح من اللفظ تفسر اللفظ بهذا المعنى، هذا يسمى دلالة مطابقة. وهناك تضمن، إذا استدللنا باللفظ على معناه. وهناك دلالة التزام، يعني استدللنا باللفظ على معنى لازم له.

مثلا دلالة المطابقة: من أسماء الله عز وجل العليم، المراد بها الذي يعلم كل شيء سبحانه، هذه دلالة مطابقة، أنت فسرت اللفظ بالمعنى المطابق له. وجئنا بدلالة التضمن: ما يتضمنه "إذا كان عليما" أنه حي سبحانه، فإذا كان عليما يتضمن أنه حي سبحانه، فهذه دلالة تضمن، يعني دلالته على جزء معناه، تضمن معنى آخر.

أما دلالة الالتزام، فهي دلالته على معنى لازم له، ليس على جزء معناه ولا على معناه المطابق، بل على معنى لازم. يعني إذا علمت أن الله عليم، فيلزم منه أن ألا تتكلم بما لا يرضيه سبحانه، ونحو ذلك، هذه دلالة على معنى لازم. ولذلك من استعمل هذه الدلالات في تفسير نصوص الكتاب والسنة، اتضح له سعة معاني الكتاب والسنة. وتجد مصداق ذلك، اقرأوا في تفسير الشيخ السعدي رحمه الله تعالى، فإنه استعمل هذه الدلالات استعمالاً واضحاً في تفسيره رحمه الله.

فهذه الدلالات؛ دلالة المطابقة كما قلنا دلالة اللفظ على معناه، والتضمن دلالة على جزء من المعنى، والالتزام دلالة على معنىً زائداً يلزم عليه. وبعضهم يقسم الدلالات، يقول دلالة صريحة ودلالة غير صريحة؛ الدلالة الصريحة هي دلالة المطابقة والتضمن، والدلالة غير الصريحة هي دلالة الالتزام.

ويقسم دلالة الالتزام إلى ثلاثة أقسام: دلالة اقتضاء، ودلالة إيماء وتنبيه، ودلالة إشارة. هذه كلها من أنواع دلالة الالتزام التي تدل على معنىً خارج. دلالة الاقتضاء هي دلالة الكلام على معنىً لا يستقيم الكلام إلا بتقديره. ويمثلون عليها بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. هنا في كلام مقدر، الكلام المقدر هو: فأفطر، فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر. هنا هذه لازمة فهي لم تذكر، لكن استدللنا بوجوب القضاء على أنها هي المحكوم عليها، يعني هي جزء من الحكم، لأن القضاء لا يجب إلا بالفطر.

الدلالة الإيماء والتنبيه، قالوا إن يقترن الحكم بوصف، لو لم يكن هذا الوصف علة له لكان ذكره حشوًا. مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. ذكر السارق والسارقة، يعني ذكرهما بوصف السرقة دليل على أن علة القطع هي السرقة، يعني فاقطعوا أيديهما لسرقتهما. هل الله عز وجل قال: فاقطعوا أيديهما لأجل السرقة؟ لا، قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. لو لم تكن العلة هي السرقة لما قال: والسارق والسارقة، فاستدللنا بهذا على أن الله عز وجل أومأ بذكر الوصف هنا على أنه هو العلة.

الدلالة الثالثة دلالة الإشارة، أن يدل اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، لكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام من أجله. مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]. دلت الآية طبعًا إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. الله عز وجل أباح الأكل والشرب والاستمتاع بالنساء حتى يطلع الفجر، هذه دلالة مطابقة.

أما اللازم الذي استفدناه وهي من دلالة الإشارة، قالوا يستفاد منها صحة صوم من أصبح جنبًا، هل الآية سيقت لذلك؟ لا، الآية سيقت لجواز الاستمتاع بالأكل والشرب والاستمتاع بالنساء إلى طلوع الفجر. فإذا قالوا كيف أخذناها؟ قالوا: إذا استمتع بزوجته إلى طلوع الفجر، يعني إلى قرب طلوع الفجر، فإنه سيطلع عليه الفجر وهو جنب، وهذا دليل على صحة صوم من أصبح جنبًا؛ فأخذنا من هذا الدليل حكمًا آخر لم يسق الكلام من أجله، وهذا من دلالة الإشارة.

نقف عند ما بلغنا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.