دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 77 | باب اللقطة 2 واللقيط

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم. أما بعد:

كنا قد توقفنا في التعليق على الربط المربع أثناء باب اللقطة، ووقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما».

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا وللمصنف وللحاضرين والمسلمين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما لقيامه مقامهما، ويلزمه أخذها منهما، فإن تركها في يدهما فتضمنها، فإن لم تعرف فهي لهما».

تكلم المؤلف رحمه الله تعالى هنا على اللقطة إذا وجدها من ليس بأهل لحفظ المال، مثل السفيه والصبي، وكذلك المجنون. إذا التقط أحدهم لقطة، فعندنا في اللقطة -على حسب التفصيل السابق- هناك لقطة لا تملك، وهناك لقطة تملك بعد التعريف، وهناك لقطة تملك مباشرة.

اللقطة التي تملك مباشرة بما فيها إشكال عندنا، واللقطة التي لا تملك إلا بعد التعريف هي القسم الثالث، وهذه فيها أمران: تعريف وتملك. التعريف يقوم به الولي؛ ولذلك قال: «والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما لقيامه مقامهما». فإذا التقط أحدهم لقطة، فإنه تثبت يده عليها بعموم الأخبار، وهذا في الشيء الثاني وهو التملك؛ أنه يتملك لعموم الأخبار ولأن هذا تكسب فصح منه كالصيد، أي يصح التقاطه وينتج عن ما يترتب عليه من الملك.

لكن يعرفها عنه وليهما، لأن الصبي والسفيه ليس من أهل التعريف وهو يقوم مقامهما. قال: «ويلزمه أخذها منهما»، إذا علم الولي أنهما التقطا اللقطة فيلزمه أخذها منهما؛ لماذا؟ لأنهما ليس من أهل الحفظ والأمانة. إذا تركها في يدهما فإنه يكون فرطًا في الشيء الواجب عليه، والواجب عليه رعاية من تحت يده.

قال: «فإن تركها في يدهما فتلف ضمنا». نقول: أولًا تلف اللقطة في يد الصبي والسفيه والمجنون لا يخلو من أحوال، ذكرها المؤلف رحمه الله هنا. إذا علم الولي باللقطة وتركها في أيديهما فتلفت، فإنه يضمنها؛ لماذا؟ لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي، وهذا يتعلق به حقه، فلما تركها في يده كان مضيعًا لهذا الواجب عليه فيضمن.

الحالة الثانية: أن تتلف في يد الصبي والسفيه والمجنون قبل أن يعرف الولي بوجود اللقطة، وكان ذلك بغير تفريط منهما. يعني مثلًا صبي وجد جدوالا في السوق، الأرض في السوق ساقط لا يدري لمن هو فأخذه، وليه ليس معه، وليه في البيت، فلما أخذه وذهب قبل أن يذهب إلى البيت سقط منه وتلف، تكسرت شاشته؛ هنا الضمان ليس على الصبي، ليس هناك تفريط وليس هناك علم من الولي، فهنا لا ضمان على أحد؛ لأن الولي لا يعلم، والصبي غير مفرط، وقد أخذ المال لأن الالتقاط يصح منه لكن لا يصح منه التعريف، فلا ضمان عليه.

لكن الحالة الثالثة: إذا التقط الصبي أو السفيه أو المجنون بغير إذن وليه أو بغير علم وليه، ولكنه فرط في الحفظ بتفريطه فتلفت. كان مثلاً أخذ جوالاً وبدأ يلعب فيه، بمعنى أنه يرفعه وينزله إلى أن سقط منه، فهنا سقوطه تفريطي؛ فالضمان على من؟ الضمان على الصبي في ماله لعموم الأخبار.

إذًا قول المؤلف رحمه الله تعالى: «فإن تركها في يدهما فتلفت ضمنا»، نقول: ضمان الصبي -من كان في حكمه- للقطة لا يخلو من ثلاثة أحوال: أما أن يكون تلف اللقطة بعد علم الولي باللقطة أو تركها في أيديهما، فهنا إذا تلفت فالضمان على الولي. الحالة الثانية: أن تتلف قبل علم الولي بغير تفريط من الصبي ومن في حكمه، فالحكم ليس هناك ضمان. الحالة الثالثة: أن تتلف في يد الصبي بتفريطه قبل علم الولي، والضمان على من؟ على الصبي.

طيب، قال: «فإن لم تعرف فهي لهما». يعني إذا عرفها الولي عامًا كاملاً ثم لم يجد صاحبها، فهل تكون اللقطة ملكًا للولي الذي عرفها، أو ملكًا للصبي والمجنون الذي التقطها؟ نعم، ملك للصبي أو السفيه أو المجنون؛ لماذا؟ لأن الولي قائم مقامهما في التعريف، كان وكيلاً عنهما، كان مقامهما في التعريف. وسبب تملك المال الملتقى هو الالتقاط نفسه، والالتقاط هو سبب التملك، والالتقاط تم من الصبي أو من في حكمه، لم يتم من الولي؛ فإن لم تعرف فهي لهما؛ لأن سبب الملك تم شرطه فيثبت الملك له كما لو اصطاد صيدًا.

أحسن الله إليكم شيخنا. قال رحمه الله تعالى: «وإن وجدها عبد عدل فسيده أخذها منه وتركها معه ليعرفها، فإن لم يأمن سيده عليها سترها عنه وسلمها للحاكم، ثم يدفع سيده بالمكاتب كالحر، ومن بعضه حر فهي بينه وبين سيده».

يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن لقطة العبد؛ فيقول إذا وجدها عبد عدل. إذا كان فاسقًا -مر معنا في اللقاء الماضي أن الفاسق لا يصح التقاطه- طيب الكلام إذا عن عبد عدل، فالعبد العدل إذا وجد اللقطة، فسيده مخير بين أمرين: إما أن يأخذها منه ليعرفها، أو يعتمد ويقوم العبد نفسه بالتعريف. وإنما جاز لسيده أخذها منه لأنها من كسب العبد، وللسيد انتزاع كسبه من يده. ويجوز ويصح التقاط العبد بغير إذن سيده لعموم الخبر، ولأن الالتقاط سبب يملك به الصبي ويصح منه، فصح من العبد.

وإذا مضى الحول، سواء قام السيد بالتعريف أو قام العبد بالتعريف ومضى الحول، فاللقطة تكون للعبد، وما يملكه ملك سيده؛ طبعًا هذه ترجع إلى مسألة هل العبد يملك أو لا يملك، وهي مسألة خلافية بين الفقهاء: هل العبد يملك مطلقًا، أو لا يملك مطلقًا، أو يملك إذا ملكه سيده؟ هناك ثلاثة أقوال للفقهاء، والمشهور عندنا أنه لا يملك مطلقًا.

طيب، هذا إذا كان السيد مأمونًا عليها. طيب، إذا التقط العبد لقطة ويخشى أنه لو أخبر سيده فإن سيده يأخذها لنفسه مباشرة ولا يعرفها، فهنا العمل؛ فإن لم يأمن سيده عليها، أي العبد لم يأمن السيد على هذه اللقطة، فإنه يسترها عنه ويسلمها للحاكم. خلاص، إذا سلمها للحاكم بدأت...

الحاكم ماذا يفعل؟ يقول: ثم يدفعها. الحاكم الآن يدفعها إلى سيده، يدفع الحاكم اللقطة؛ ارجع للقطة، إذا سيده، سيد العبد، ثم يدفعه لسيده بشرط الضمان. إيش معنى بشرط الضمان؟ هذا تلف، أو نقول بشرط الضمان أنه لو جاء سيده صاحبها يوم ما، هذا الظاهر أن هذه اللقطة الملك فيها مراعى بعد الحول، فإذا جاء صاحبها يوم الدار فإنه يدفعها إليه.

قال: «والمكاتب كالحر». المكاتب كالحر؛ لأن المكاتب يملك، الذي يشتري نفسه من سيده كالحر، وإكسابه له دون سيده، واللقطة من إكسابه. قال: «ومن بعضه حر فهي بينه وبين سيده». يعني المبعض، إذا عرف اللقطة ومضى حول فالمِلك بينه وبين سيده على قدر ما فيه من الحرية والرق. إذا كان... لا، هم ذكروا أنه ملزم، لكن يقولون السيد مخير بين أخذها أو تركها، ويظهر أنه لا يلزم العبد أن يسلمها لسيده.

أحسن الله إليكم شيخنا. قال رحمه الله تعالى: «ومن ترك حيوانا لا عبدا أو متاعا بفلات لانقطاعه أو عجز ربه عنه ملكه أخذه، بخلاف عبد ومتاع، وكذا ما يلقى في البحر خوفا من غرق فيملكه أخذه، وإن كسرت سفينة فاستخرجه قوم فهو لربه وعليه أجره المثل، ومن أخذ نعله ونحوه من متاعه ووجد موضعه غيره فلقطة، ويأخذ حقه منه بعد تعريفه، وإذا وجد عنبره على الساحل فهي له».

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن ترك الأموال قصدا، سواء كان لعذر أو لغير عذر، فهل تعد لقطة أو لا؟ قال: «ومن ترك حيوانا لا عبدا أو متاعا»، فهنا فرق بين الحيوان وبين العبد والمتاع. من ترك حيوانا مثلا عنده شاة أو دجاج فتركها في فلات لانقطاعه، يعني هذه الشاة تعبت من المشي فتركها، أو عجز ربه عنه، عجز عن ألفه فتركها، هنا تركها قصدا، قال: «ملكه أخذه».

ويستدل الأصحاب على ذلك في حديث رواه الشعبي، جاء مرسلا جاء موصولا عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيّبها فأخذها فأحياها فهي له». عند أبي داود وغيره، وهذا دليل على أنه يتملك الحيوان، ولأن في القول بأنه يملكها إحياؤها وإنقاذها؛ لو قيل إنه لا يملكها ربما يتركها من يجدها فتموت، فإذا قيل لك إنك إذا أطعمتها واعتنيت بها تملكها، فإن هذا يدفع الناس ويحفزهم إلى أن يحيوها.

قال: «بخلاف عبد ومتاع». يعني لو أن شخصا كان مسافرا ومعه عبده وترك عبده قصدا مثلا، ما عنده شيء ما يطعم به عبده فتركه، أو متاعا له في الصحراء قصدا، قالوا فإنه لا يملك، يعني أنه لا بد من تعريف، لا يملك بمجرد الالتقاء، لا بد من تعريفه. قالوا: لأن العبد يمكنه في العادة أن يتخلص إلى الأماكن التي يعيش فيها خلاف الحيوان، وأما المتاع قالوا لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كما يخشى على الحيوان، وله أخذ العبد والمتاع ليخلصه لصاحبه وله أجره مثله، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في المتاع.

قال: «وكذا ما يلقى في البحر خوفا من غرق فيملكه أخذه». لو أن أناسا في سفينة فهاج بهم البحر وخاشوا أن يغرقوا فالقوا بعض متاعهم خوفا من الغرق، وكان شخص يسبح فأخذ بعض متاعهم؛ فهاجوا به وألقوه خوفا من الغرق، قال: «فيملكه أخذه». هذه عبد ومتاع تركه في البر، وهنا ألقاه في البحر خوفا من الغرق؛ تركه في البر قد يكون يريده سيرجع إليه ونحو ذلك، أما في البحر ألقاه خوفا من الغرق، قال هنا تركه رغبة عنه.

قال: «وإن كسرت سفينة فاستخرجه قوم فهو لربه وعليه أجره المثل». إن انكسرت سفينة فاستخرجه قوم فهو لربه، يعني هنا المتاع غرق، إن صاحبه ليس هو الذي قذفه في البحر، إنما لما انكسرت السفينة سقط المتاع في البحر، فيفرق بينها وبين ما قبلها التي صاحبها ألقاه رغبة عنه، وهذه لم تكن رغبة عنه، سقط خطأ في البحر، فالمتاع هنا يكون لمن أنقذه، فهو لربه وعليه أجره المثل.

هذه مرت معنا في الجعالة، ما أدري ذكرها في الروض أو لا، أن الأصل أن الإنسان لا يستحق شيئا إلا بعقد إجارة أو جعل، يعني من عمل لغيره عملا فلا يستحق إلا بعقد إيجار أو جعل، استثنوا من رد إبقا، وهذه من أنقذ شيئا من الغرق فإنه يكون له أجره مثله، لأجل أن يحفز الناس إلى حفظ مال المسلمين؛ لأنه لو قيل له لا بد أن تنقذه من البحر وليس لك شيء ما خاطر بنفسه، لكن لو قيل لك أجره مثلك فإنه سيفعل، ففيه مصلحة لصاحب المال ولمنقذ المال.

قال: «ومن أخذ نعله ونحوه من متاعه ووجد موضعه غيره فلقطة ويأخذ حقه منه بعد تعريفه». وهذه تحدث كثيرا، أحيانا يأتي الإنسان المسجد ويخرج منه ويجد نعليه مأخوذتين ويوجد نعلان آخرتان مشبهتان لنعليه، هل له أن يأخذ هذه مباشرة؟ أو نقول لا، لقطة؟ أو كلقطة؟ هنا ماذا قال؟ بعض الأصحاب قالوا كلقطة، يعني أنها تشبه اللقطة وليست لقطة.

لماذا؟ لأن الجملة التي بعدها هي التي تفسر قولهم، قال: «يأخذ حقه منه بعد تعريفه». نمثل عليه: شخص خرج من المسجد ووجد نعليه مفقودتين ويوجد نعلان قريبتان من نعليه لكنه يعلم أنها ليست له، هنا إذا قلنا إنها لقطة فإنه يحذفها، إذا لم تكن نعليه لا يتملكها. وإذا قلنا إنها كلقطة قالوا يعرفها سنة، فإن لم تعرف فهنا يأخذ حقه منه بعد التعريف، معنى يقال: كم قيمته عليك؟ قال مثلا: قيمته عليك مئة ريال، باع هذا بـمئتي ريال، فالنعلان اللتان لم يأخذهما صاحبها أغلى من نعليه، فباعها بـمئتي ريال، نقول هل يأخذ مئتين كاملة؟ لا، قالوا يأخذ حقه، يأخذ المئة والـمئة الأخرى يتصدق بها عن صاحبها، هذا معنى قولهم كلقطة. هذا ما يقرره الأصحاب رحمهم الله.

قال الإمام أحمد رحمه الله في من سرقت ثيابه ووجد غيرها لم يأخذها، فإن أخذها عرفها سنة ثم تصدق بها. طيب لماذا لا يقولون إنه يملكها بمجرد حصوله عليها؟ لأن صاحبها معروف أنه أخذها عليه. لماذا نقول خذ نعلاً بدلاً من نعل؟ يقولون إنما لا نقول ذلك، لا نقول تأخذ هذه بدل هذه، وإنما نقول تعرفها لأن سارق الثياب ومنه...

سارقنا عليه أيضا لم تجرِ بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عن ثيابه، فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره ولم يعرف صاحبه، فيعرفه كاللقطة خطأ، هذا ما يقرر الأصحاب رحمه الله.

يقول الموفق ابن قدامة رحمه الله: «يحتمل أن ننظر إلى القرائن، فإذا كانت هناك قرينة تدل على السرقة، وأن الذي أخذها أخذها قصدا، أن عليك جديدتين وأن عليك قديمتين... يحتمل أن ينظر، فإن كان ثم قرينة تدل على السرقة بأن تكون ثيابه خيرا من المتروكة، وكانت لا تشتبه بثياب الآخر، فلا حاجة للتعريف».

لماذا يقول لا حاجة للتعريف؟ يقول: لأن التعريف جعل للضائع ليعلم به ربه، وهذا يعني ربه رب هذا المال تركه قصدا، فليس منصوصا عليه ولا في معنى المنصوص؛ قلت: فليس منصوصا عليه أنه لقطة يعرفها، وليست في معنى المنصوص لاختلاف العلة التي لأجلها شرع التعريف.

يقول: «ويباح له أخذها؛ لأن صاحبها في الظاهر تركها له، بادلا إياها عوضا عما أخذ»، وهذا أقرب إلى الرفق بالناس كونه يأخذها مباشرة، لأن فيه نفعا لمن سرقت ثيابه بحصول عوض عنها، خاصة إذا كان فقيرا لا يملك مالا يشتري به شيئا بدل الذي أخذ، فيستفيد من هذا المشروع.

يقول هنا: إذا قلنا خذها مباشرة هذا أقرب إلى الرفق بالناس؛ يقول: لأن فيه نفعا لمن سرقت ثيابه بحصول عوض عنها، ونفعا للسارق. كيف؟ قال: نفعا للسارق بالتخفيف من الإثم؛ لأنه إذا شرع لهذا أن يأخذ هذا البدل، يخفف عنه الإثم لأن جزءا من الذي سيتحمله في الآخرة أخذ في الدنيا، وحفظا للثياب المتروكة من الضياع؛ فإن هذه الثياب المتروكة إذا تركت قد تضيع.

فيقول تحقيقا لهذه المصلحة: نقول إذا كان ثم قرينة تدل على أن هذه سرقت، وأن صاحبها سرقها قصدا، فهذا يتملكه مباشرة، هذا يلجأ إليه في حال الحاجة، لكن لو كان الإنسان مستغنيا فنقول: يترك هذه كلها. وتعليل الموفق رحمه الله بالنفع بالتخفيف يذكرني بصنيع الإمام النووي رحمه الله.

وهذه يذكرها بعضهم من الطرائف ولا يعرفون مقصود النووي رحمه الله؛ مرة سرقت عمامته، فلحقه السارق وقال له: «وهبتك إياها»، فقال له الإمام النووي رحمه الله: «قل قبلت»، قل قبلت؛ لأن على مذهب الشافعي لا بد من القبول، هنا التنازل لا بد من القبول، فإذا لم يقبل لم تصح وهبتك إياها. فالإمام النووي رحمه الله عطف على هذا السارق، لا يريد أن يعذب في الآخرة، أراد أن يحلله في الدنيا قبل الآخرة.

و{طالب العلم} ووارث الأنبياء ينبغي أن يكون في قلبه رحمة لمن يعاشرهم ويعاملهم من الناس. تجد العاصي الذي ابتلي بشيء من المعاصي، بعض الناس إذا رأى العاصي الذي يبتلى بالدخان أو بالأغاني ينقبض قلبه ويكفهر في وجهه ونحو ذلك، وهذا يعني صحيح أننا نبغضهم في الله، لكن لا بد من الجهة الثانية أن نرحمهم، ننظر إليهم بعين الرحمة، وننظر إليهم أنهم دروا بهذه المعصية التي يظنون بها السعادة، والله المستعان.

قال: «وإذا وجد عنبره على الساحل فهي له»، العنبر إذا قذفها البحر ووجدها على الساحل فهي لآخذها، ودل عليها فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه، كان في سرية هو رئيسهم أبو عبيدة، فمروا على الساحل فوجدوا عنبرا، وكانوا قد أخذهم الجوع فأكلوا من هذا العنبر، فاستفتوا النبي ﷺ فأفتاه بجوازه وإباحته. فيقول: إنه لا يلزم أن يعرفها، لكن لو كانت ليست عند الساحل قالوا تكون لقطة، وهذا ذكره البهوتي؛ ربما يكون شخص أخذها وحازها ثم ذهب لغرض ما، وجاء شخص آخر ووجدها، فيقول: هنا ليست لأخذها بل تكون لقطة، لكن لو كانت عند الساحل فالظاهر ظاهر الحال أن البحر هو الذي قذفها وأنها لم تكن مملوكة لأحد.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب اللقيط» بمعنى ملقوط، وهو اصطلاحا: «طفل لا يعرف نسبه ولا رقه، نبذ أي طرح في شارع أو غيره، أو ضل، وأخذه فرض كفاية»، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، ويسن الإشهاد عليه. لما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من اللقطة، انتقل إلى باب اللقيط، فاللقطة في الأموال، واللقيط في الأشخاص.

قال: «بمعنى ملقوط»، عيل بمعنى مفعول كقولهم قتيل وجريح، وقريح بمعنى مقتول أو مجروح أو مطروح. ثم ذكر تعريفه في الاصطلاح: «طفل لا يعرف نسبه ولا رقه، نبذ أو ضل». الطفل عندنا الذي لم يميز، أما الطفل المميز فقد حصل الخلاف بينهم؛ هل يعد لقيطا أو لا؟ والصحيح في المذهب أنه لا يعد لقيطا، وقيل إنه يعد لقيطا إلى البلوغ، وذكر في الفائق أن هذا هو المشهور، وقال الزركشي إن هذا هو المذهب، وذكر في التنقيح والإقناع والمنتهى أن هذا عليه الأكثر، لكنهم قدموا أنه لا يعد لقيطا، وقصروا اللقيط بمن لم يميز.

قال: «لا يعرف نسبه»، يعني لا يعرف أبوه ولا أمه، «ولا رقه»، يعني هل هو رق أو حر، «نبذ» أي طرح في طريق عام ونحوه، «أو ضل» ضاع عن أبويه وعن عائلته. قال: «أخذه فرض كفاية»، التقاطه فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، ولأن فيه إحياء نفس، فكان واجبا كإطعام المضطر وإنجاء الشخص الغريق، وجوبه على الكفاية؛ فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركوه كلهم أثموا إذا علموا به فتركوه مع إمكان أخذه.

قال: «الإشهاد عليه»، والإشهاد على ما معه من مال كاللقطة. «لا تراوده نفسه باسترقاقه والاستيلاء على ما معه من مال». أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «وهو حر في جميع الأحكام»، لأن الحرية هي الأصل والرق عارض، وما وجد معه من فراش تحته، أو ثياب فوقه، أو مال في جيبه أو تحته ظاهرا أو مدفونا طريا أو متصلا به كحيوان وغيره مشدودا بثيابه أو مطروها قريبا منه فهو له؛ عملا بالظاهر، ولأن له يدا صحيحة كالبغلة. لما كان هذا لا يعرف نسبه ولا رقه، فسيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن حكمه من حيث...

سيتكلم عن حكمه في الدين، وسيتكلم عن نسبه، فحكمه في الحرية والرق الأصل فيه أنه حر، قال: وهو حر في جميع الأحكام التي تترتب على الحر فإنه يأخذ حكمه فيها. لماذا يكون حراً؟ يقول: لأن الحرية هي الأصل في بني آدم، والرق عارض؛ أي أن الرق يكون بسبب الكفر، الاسترقاق الذي تم بسبب الكفر الذي نتج عن الحرب، حرب المسلمين على الكفار، فينتج عنه الاسترقاق. ولذلك جعل الله عز وجل أسباب العتق.

أسباب الرق واحد، وهذا يتشوف في الشرع إلى الحرية. تكلم عن الأموال التي توجد معه، يقول: ما وجد معه من فراش تحته، أو ثياب فوقه، أو مال في جيبه أو تحته ظاهراً، أو وجد تحت رأسه مثلاً مجموعة من الأوراق النقدية، أو مدفوناً طرياً، يعني واضح أنه لم يحفر إلا قريباً منه، أو متصلاً به كحيوان غير مشدث ثيابه، فهذا كله يكون له. فالطفل يملك وله يد صحيحة، بدليل أنه يرث ويورث منه، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع، ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة كالبغلة فيملك ما كان متصلاً به أو متعلقاً بمنفعته.

فهو له، قال: أو متسمك به حيوان غير مفسد لثيابه، أو مطروحاً قريباً منه، وجد مثلاً هو ملقى عند باب مسجد وبجانبه حقيبة فيها ملابس، فهذه قريبة منه فنقول أيضاً تكون له، فهو له عملاً بالظاهر؛ لأن الظاهر أن ما كان قريباً منه فهو له، أما إذا كان مطروحاً بعيداً منه فالظاهر أنه ليست له.

الآن يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى على النفقة عليه، لكن فيه من كتب أنه ما في صوت، هل فيتابع الصوت أو واضح؟

عن الملتقط وولايته عليه، ومن بيت المذهب، والنفقة عليه. يقول: ينفق عليه من ماله، من أين ينفق عليه؟ يشترى له ما يحتاجه من أكل وشرب وملابس، من ماله؟ يقول: الأصل أنه ينفق عليه من ماله، يعني من المال الذي وجد قريباً منه، فإنه يكون له، إذاً ينفق عليه من هذا المال.

كل من كان قاصراً وليس هناك من تجب نفقته عليه، فإنه ينفق عليه من ماله؛ يعني مثلاً لو أن طفلاً صغيراً توفي أبوه وورث عن أبيه مالاً كثيراً وتولى عليه عمه، هل عمه ملزم بالنفقة على الصغير من ماله؟ نقول: لا، ينفق على الصغير من ماله هو لأنه عنده مال. وكذلك الملتقط الآن ينفق على اللقيط من ماله هو، من مال اللقيط.

قال: ينفق عليه بالمعروف، فلا ينفق عليه مبالغاً فيها، بل ينفق عليه بالمعروف كما تقدم ذكره في ولي اليتيم. فلو بلغ اللقيط واختلف في قدر ما أنفق أو في التفريط، فالقول قول المنفق أنه أمين. وقال: وإن لا يكن معه شيء، فمن بيت المال؛ يعني لو أنه ليس معه شيء، هذا اللقيط ما وجدنا عنده شيئاً، فهل يجب على الملتقط الإنفاق عليه من ماله الخاص؟ نقول: لا، المرحلة الثانية ننتقل إلى بيت مال المسلمين فينفق عليه.

عمر رضي الله تعالى عنه قال: «اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته»، وهذا قاله عمر رضي الله تعالى عنه لأبي جميلة لما وجد طفلاً، فكان عمر رضي الله عنه ظن أنه ولد على فراشه وأنه يريد أن ينتفي منه، فقال له: «عرّفه»، كما سيأتي. قال له: «عرّفه»، أنه رجل صالح يعني فلا يظن به السوء. وقال عمر رضي الله عنه: «اذهب فهو حر»، يعني هذا الطفل حر، «ولك ولاؤه وعلينا نفقته»، يعني لك الولاء أنك تتولى عليه، وعلينا النفق عليه، أي على بيت مال المسلمين، وفي لفظ: «وعلينا رباحه».

وقال: ولا يجب على الملتقط الإنفاق عليه في قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لأن أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك والولاء، هذه كلها منتفية في الملتقط، والالتقاط تخليص لهذا اللقيط من الهلاك وتبرع بحفظه، فلا يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط.

الحالة الثالثة: إذا تعذر الإنفاق من بيت المال، قال: فعلى من علم حاله من المسلمين. وذكر بعض الأصحاب كالحارث، وتبعه صاحب المنتهى والإقناع أنه يقترض له؛ يقترض الحاكم له من بيت المال قبل أن يجعل على من عليه محله من المسلمين. فإذا تعذر الإنفاق عليه من بيت المال، وتعذر الاقتراض أيضاً -كأن يكون بيت المال لا مال فيه أو يكون في بلد لا إمام فيه- فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. ولأن في ترك الإنفاق عليه هناك حفظاً عنه، وهذا واجب.

وهل النفقة هنا مجاناً بمعنى لا يرجع على اللقيط لو وجد فيه مال، أو لا يرجع على بيت المال؟ نقول: ليس بمجان، فله أن يرجع. هذا لا إشكال فيه إذا نوى التبرع، أما فيما إذا قال: أنا لا يجب علي أن أنفق، لكن سأنفق لأني علمت بحاله وسأرجع. واللقيط ليس عنده مال وبيت المال تعذر الإنفاق، فهل له الرجوع لو وجد للقيط مال أو وجد مال في بيت المال؟ فهل يرجع أو لا؟ خلاف بين الأصح والمشهور؛ الأصح رحمه الله تعالى والمشهور أنه لا يرجع، هذا ذكره في الإقناع أنه ينفق مجاناً ولا يرجعها فرض كفاية. والموفق رحمه الله يميل إلى أن له الرجوع، ويعلل بقاعدة: «من أدى عن غيره واجباً عليه فله الرجوع عليه بما أنفق عنه»، وهذه ذكرها ابن رجب رحمه الله في القاعدة الخامسة والسبعين.

نعم، أحسن الله إليكم شيخنا. قال رحمه الله تعالى: وهو مسلم إذا وجد في دار الإسلام، وإن كان فيها أهل ذمة تغليباً للإسلام والدار، وإن وجد في بلد كفار لا مسلم فيه فكافر تبعاً للدار.

أحسنت، هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن ديانته؛ فعندنا تكلم عن حريته وقال: هو حر، هذا هو الأصل، وتكلم عن ديانته فقال: إنه مسلم، هذا هو الأصل أنه مسلم عندنا. هذا اللقيط إما أن يعثر عليه في بلد الإسلام، أو في بلد الكفر؛ فنقول إذا عثر عليه في دار الإسلام فهو مسلم، إذا كان كل أهلها مسلمين أو كان فيها أهل...

ذمة وأهل إسلام تغليباً للإسلام والدار، أما إذا وجد في بلد كفر، فإذا كان لا مسلم فيه، والبلد كلها كفار، فإنه يعتبر كافراً تبعاً للدار. وإذا كان فيها مسلمون وكفار، عباده كفر فيها مسلمون وكفار، في الحقيقة في خلاف في المذهب، وإن كانوا متأخرين؛ على أنه إذا كان المسلمون قلة، فإنه يأخذ حكم الكفار. وإذا كانوا كثيرين، هل المراد الأكثر أو كثيرين فقط عرفاً؟ ويظهر أنهم يريدون كثيرين عرفاً، فإنه يأخذ حكم المسلمين.

والمؤلف رحمه الله ما ذكر هذه فقط، قال: «إذا وجد في بلد كفار لا مسلم فيه فكافر تبعاً للدار».

نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «وحضانته لواجده الأمين؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه إنه رجل صالح، وينفق عليه مما وجد معه من نقد أو غيره بغير إذن حاكم؛ لأنه وليه، فإن كان فاسقاً أو رقيقاً أو كافراً واللقيط مسلم، أو بدوياً ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية لم يقر بيده».

أحسنت، الحضانة لواجده الأمين، يعني إذا الآن أخذه الشخص الذي وجده، ينفق عليه مثلاً من ماله، وجد له مالاً، من الذي يرعاه؟ يقول الأصل أن الذي يرعاه هو واجده بشرط أن يكون أميناً. والأمانة يدخل فيها العدل، ويشترط الأصحاب أيضاً أن يكون مكلفاً، عاقلاً، بالغاً، ويشترطون الرشد؛ لا يكون سفيهاً. هذه ثلاثة شروط، وفي شرط رابع تختلفون فيه وهو الحرية؛ هل يشترط أن يكون حراً أو يجوز أن يكون عبداً؟ هذا يختلف فيه. والخامس الإسلام؛ فحقيقة الإسلام تدخل في الأمانة، لأن الأمانة هي العدالة، والكافر ليس بعدالة.

قال: «وحضانته لواجده الأمين؛ لأن عمر رضي الله عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة»، الذي قلنا لكم قبل قليل حين قال له العريف إنه رجل صالح. وهذا الأثر أورده البخاري رحمه الله في الصحيح معلقاً، ذكر ذلك فقط، ذكره البخاري معلقاً في صيغة الجزم، وذكره في الشهادات.

قال رحمه الله، يعني يتفنن في التبويب، ذكره في الشهادات؛ الظاهر من باب هل يكفي في التزكية رجل واحد؟ وذكرها في مسألة خلافية: هل في تزكية الشهود لابد من مزكين، أو يكفي مزك واحد؟ هنا عمر رضي الله عنه أخذ بتزكية واحد لما قال العريف لعمر إنه رجل صالح، فأخذ بتزكيته. ويستفاد منه أيضاً أنه لا بأس من المدح، مدح الشخص في وجهه إذا صار هناك حاجة ولم يخشَ على الممدوح من الفتنة، وهنا مدحه في وجهه ولم ينكر عليه عمر رضي الله تعالى عنه.

قال: «وينفق عليه، أو ينفق عليه مما وجد معه من نقد أو غيره»، أن ينفق عليه وليه من نقد أو غيره بغير إذن حاكم؛ لأنه وليه. يعني لا يشترط إذن الحاكم، وهذه إنما ذكرها لوجود الخلاف بين الأصحاب رحمه الله تعالى، هل يشترط إذن الحاكم أو لا يشترط؟ هل يستأذن الواجد من الحاكم؟ يقول: أنا وجدت معه مالاً، فهل تأذن لي بذلك؟ أو ينفق مباشرة؟ المذهب أنه لا يشترط إذن الحاكم لأنه ولي، والولي لا يشترط إذن الحاكم كوصي اليتيم، ولأن هذا من الأمر بالمعروف، فاستوى فيه الإمام وغيره، لكن المستحب أن يكون بإذن الحاكم لأنه أبعد من التهمة، وأقطع للظنة، وخروجاً من الخلاف.

قال: «فإن كان فاسقاً»، يعني واجده فاسقاً؛ الفاسق هذا اختل فيه شرط الأمانة، «أو رقيقاً»، لخل فيه شرط الحرية الذي اشترطه بعض الأصحاب، «أو كافراً واللقيط مسلم»، هذه في الثلاث حالات. ثواب الشرط الذي ذكر بعد: «لم يقر بيده»، يعني لابد أن يسلم إلى شخص أمين؛ لأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية، يعني هي ولاية أخذ اللقيط، بخلاف أخذ اللقطة فإنها من باب الأمانة، هذه من باب الولاية، والفاسق لا ولاية له.

وكذلك العبد ليس له التقاط الطفل مثل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه؛ لأن منافعه منافع سيده، ولا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه، ولا يثبت على اللقيط الولاية؛ لأنه لا ولاية للعبد. هذا إذا وجد غيره أن يلتقط، لكن إذا لم يوجد إلا العبد فإنه يلتقطه؛ لأن فيه حفظاً وتخليصاً لهذا اللقيط من الهلاك.

قال: «أو كافراً واللقيط مسلم»، لا يلتقط ولا يقر بيده؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم. لكن لو كان كافراً واللقيط كافراً، لأن وجد في بلد كفر كلها كفار لا مسلمة فيها، فإن هنا لا بأس من أن يلتقط الكافر؛ لماذا؟ لأن المنع لأجل أن يتولى الكافر على مسلم، وهنا سيتولى الكافر على كافر.

قال: «أو بدوياً ينتقل في المواضع»، يعني لو أنه بدوي التقطه في الحضر أو في البادية، فهو سيتنقل من موضع إلى موضع، فنقول لا يقر بيده؛ لأن في هذا إتعاباً للطفل، ولأن أهله ربما لو تنقل من موضع إلى موضع لا يجدونه، بخلاف ما لو كان في بلد واحد ربما يجدونه.

قال: «أو وجده في الحضر فأراد نقله للبادية فإنه لا يقر بيده»، لأنه مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له، ولأن اللقيط إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه، فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله.

نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «وميراثه وديته كدية حر لبيت المال إن لم يخلف وارثاً كغير اللقيط، ولا ولاء عليه؛ لحديث «إنما الولاء لمن أعتق»، ووليه في القتل عمد العدوان الإمام يخير بين القصاص والدية ببيت المال؛ لأنه ولي من لا ولي له، وإن قطع طرفه عمداً انتظر بلوغه ورشده ليقتص أو يعفو».

أحسنت. قال: «ميراثه ديته كدية حر لبيت المال»، الميراث لبيت المال، لماذا؟ طبعاً يقول: «إن لم يخلف وارثاً»، فإن خلف وارثاً، كان مثلاً هذا اللقيط تزوج وجاء أولاد، فهنا ميراثه لقرابته، لكن لو أنه توفي ولم يتزوج، لا يعرف له إخوان ولا أب ولا أم، فهنا الميراث يكون لبيت المال، وكذلك ديته تكون لبيت المال؛ لأن بيت المال هو الذي يرثه، ومن يملك الإرث يملك الدية.

قال: «إن لم يخلف وارثاً»، فإن خلف وارثاً فميراثه وديته لورثته. قال: «كغير اللقيط»، «ولا ولاء عليه»، يعني لا يرثه أحد بالولاء؛ فالملتقط لا يرث من اللقيط، فلو أن شخصاً التقطه الآخر ورباه وأحسن إليه، ثم توفي هذا اللقيط، فهل يرثه الملتقط؟ أقول: لا، بما أنه لم يعتق، وهذا حر، و«الولاء لمن أعتق»، ووليه في القتل عمد العدوان، في القتل العمد العدوان الإمام.

إذا قتل اللقيط عمداً عدواناً، فمن الذي يطالب بدمه أو ديته؟ الإمام؛ يخير بين القصاص والدية لبيت المال، ويختار الإمام الأصلح. يجب على الإمام اختيار الأصلح لأنه ولي من لا ولي له.

قال: وإن قطع طرفاً، يعني أن جنى على ما دون النفس، فماذا يفعل الإمام؟ يقول: انتظر بلوغه ورشده ليطالب. قال: يقتص أو يعقل، هذا إذا كان عاقلاً وله مال، لكن إذا كان فقيراً لا مال له، فهل ينتظر بلوغه ورشده؟ نقول: لا، الإمام ينطالب بالدية، لا يطالب بالقصاص، لأنها أصلح للقيط.

يقول: قول عمر: «لك ولاؤه»، ولا يؤيد أن الملتقط يرث اللقيط، هذا قاله بعض أهل العلم، لكن المشهور أنه لا يرثه، وهو قول جماهير أهل العلم؛ أن الملتقط لا يرث اللقيط، وقول عمر: «لك ولاؤه» يعني الولاية عليه، رعايته، وليس المراد به الإرث.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «وإن ادعى إنسان أنه مملوكه ولم يكن بيده لم يقبل إلا ببينة، تشهد أن أمته ولدته في ملكه ونحوه». هنا لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الأصل في الحرية، نقول هذا هو الأصل، هو الحر، وهذا يكون في الضن، وهذا لا يعني أنه لا يمكن أن يكون رقيقاً، ولذلك قال: «إذا ادعى إنسان أنه مملوكه».

مثلاً هذا فيصل، والقيط لا يعرف نسبه ولا ربه، فالتقطه شخص اسمه صالح، رباه بعد سنة، جاء إبراهيم وقال: إن فيصل هذا مملوكي، عبدي ضاع عني، هنا ادعى أنه مملوك ولم يكن بيده، لو كان الملتقط هو الذي ادعاه قلنا اليد كافية، لكن لم يكن بيده هنا يقول: لا يقبل إلا ببينة. البينة تشهد على ماذا؟ قال: تشهد أن أمته ولدته في ملكه، يقولون: نشهد أن هذا الرقيق هو ولد فلان من فلانة، ولد من فلانة التي هي رقيقه فلان، فهنا يقبل ذلك، وإلا لو قالوا فقط: سمعنا أنه ملكه، كيف سمعت؟ هذا الذي نعرفه من قبل ولم يشهدوا أنه ولده من فلان أو من فلانة، فإنه لا يقبل ذلك.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «وإن أقر رجل أو امرأة، ولو ذات زوج مسلم أو كافر، أنه ولده لحق به؛ لأن الإقرار به محض مصلحة للطفل لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، وشرطه أن ينفرد بدعوته، وأن يمكن كونه منه حراً كان أو عبداً، وإذا ادعته المرأة لم يلحق بزوجها كعكسه، ولو بعد موت اللقيط فيلحقه وإن لم يكن له توأم أو ولد احتياطاً للنسب».

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن دعوى النسب؛ لو ادعى شخص أن هذا اللقيط ابنه، يقول: إن أقر رجل أو امرأة، ولو ذات زوج مسلم أو كافر، أنه ولده لحق به. إذا قال شخص: هذا اللقيط ولدي، فإنه يلحق به بشرطين، سواء كان إقرار رجل أو امرأة أو كافر. الشرط الأول أن ينفرد بذلك، لكن لو اثنين، واحد قال هذا ولدي، فهنا نقول: لا يلحق به بمجرد الإقرار، لا بد من بينة، لكن إذا لم يكن غيره ادعاه، ما نحتاج إلى بينة، يكفي الإقرار، لكن قلناه بشرطين.

الشرط الأول أن ينفرد بهذه الدعوة، والشرط الثاني أن يمكن كونه منه، ومعنى كونه يمكن كونه منه أن يمكن أن يولد له، بأن يكون هذا الأب المدعي ابن عشر، أو أن تكون هذه المرأة المدعية بنت تسع، لأن هؤلاء هم الذين يولد لهم. فلو أن شخصاً عمره ثلاثة عشر عاماً، جاء لقيط عمره ثمان سنوات وقال: إن هذا ابني، فهل يقبل؟ ما يقبل؛ كيف يولد لك وعمرك خمس سنوات؟ ما يقبل. إذاً، إذا أقر رجل أن هذا الولد اللقيط ابنه، فيقبل بشرطين: أن ينفرد في هذه الدعوة، وأن يمكن كونه منه.

الحالة الثانية أو الصورة الثانية أن تقر المرأة، ولو تزوجت مسلماً -في خلاف أنهم يقولون بشرط أن لا تكون ذات زوج- فلو أقرت المرأة بأن هذا الابن ابنها وانفردت بهذه الدعوة وأمكن كونه منها، فيقبل ذلك. أو كافر أقر أنه ولده، فإنه يلحق به، لكن الكافر يلحق به في النسب لا في الدين، يعني يصير ابنه في النسب لا في الدين، في الدين هو مسلم، لكن في صورة يلحق به في النسب ستأتينا بعد قليل إن شاء الله.

لماذا قبلنا الإقرار في هذه الصورة الثلاث؟ قال: لأن الإقرار به محض مصلحة للطفل لاتصال نسبه، فالشارع يرى أن هذا الإقرار فيه مصلحة للطفل لا يضيع نسبه فقبل، وقال: «ولا مضرة على غيره فيه»، ما في أحد يدعيه ثاني غيره، وكان في أحد يدعيه ثاني لو قلنا لا يقبل الإقرار بمجرد الإقرار. قال: «شرط أن ينفرد بدعوى يمكن كونه منه»، قال: «حراً كان أو عبداً»، سواء كان المدعي حراً أو عبداً فيقبل منه.

قال: «وإذا ادعته المرأة لم يلحق بزوجها كعكسه»، إذا ادعت امرأة قالت: هذا لابن زوجي، والزوج ينكره، فيقبل ويكون ابنها. وكذا لو قال الزوج: هذا الابن ابني، وأنكرته الزوجة، فيقبل ويكون هذا الابن ابنه ولا يكون ابناً للزوجة، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يجوز أن يلحق به نسب ولد لم يقر به. طبعاً هذه إحدى الجهات التي يثبت بها النسب؛ الإقرار، وهناك جهة أخرى وهي البينة، والثالثة القافة التي ستأتينا بعد قليل، والرابعة الفراش. هذه أربع طرق لإثبات النسب يتكلمون عليها في هذا الباب، باب اللقيط، وأيضاً في باب اللعان، في باب اللعان يلحقون به ما يلحق من النسب.

قال: «كعكسه»، هذه قلناها، إذا ادعته الزوجة لا يلحق بالزوج. قال: «ولو بعد موت اللقيط فيلحق»، يعني لو شخص ادعى نسب اللقيط الذي توفي، فهنا يقبل ويلحقه، والمصلحة من ذلك أنه لو كان له مال فإنه يرثه. قال: «وإن لم يكن له توأم أو ولد فيلحقه»، وإن لم يكن له توأم أو ولد، إلحاقاً احتياطاً للنسب، فيلحقه مطلقاً ولو كان ميتاً احتياطاً للنسب.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «ولا يتبع اللقيط الكافر المدعي أنه ولده في دينه إلا أن يقيم بينة تشهد أنه ولد على فراشه، لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار، فلا يقبل قول الكافر في كفره بغير بينة، وكذا يتبع رقيقاً في رقه». هذه ذكرنا قبل قليل أن الكافر إذا ادعى أن هذا اللقيط ولده ولم يكن هناك من ينازعه، فإنه يتبعه في النسب، لكن هل يتبعه في دينه؟

في الدين؟ لا، لا يتبعه في الدين، فليحكم بإسلامه. استثنى المؤلف رحمه الله أن يقيم بينه شهادة أنه ولد على فراشه، فإذا تبعته له في النسب يكفي الإقرار بالشرطين: ألا ينازعه غيره، وأن يمكن كونه من تبعيته له. لكن تبعيته له في الدين لا، لا يتبعه في الدين إلا إذا أقام بينه شهادة أن هذا الشخص ولد على فراشه.

فإذا أحضر الكافر بينة وشهدت أن هذا الطفل ولد من هذا الكافر على فراشه لما تزوج هذه الكافرة، فإنه يقبل منه، ويحكم بأن هذا اللقيط كافر لأنه ثبت أنه ابنه ببينة. قال الشارح ابن أبي عمر: «وقياس المذهب أنه لا يلحقه في الدين إلا أن تشهد البينة أنه ولد لكافرين حيين»، يعني أنهما أحياء الآن.

لماذا يقول ذلك؟ لأن الطفل يحكم بإسلام أحد أبويه أو بموته. هذه مسألة معنا في كتاب الجهاد؛ فالطفل الكافر يحكم بإسلامه لو أسلم أحد أبويه. ولأنهم ذكروا أنه يتبع في الدين أحد الأبوين، قالوا: أو مات أحد أبويه، يعني في بلاد الإسلام؛ حتى لو كان كافراً فإنه يحكم بإسلامه، بمعنى أنه لو كان صغيراً ومات وهو لم يبلغ، يعامل معاملة المسلم.

فلذلك الشارح ابن أبي عمر ذكر هذا، قال: «وقياس المذهب أنه يلحقه في الدين إذا شهدت البينة أنه ولد لكافرين حيين»، لأن الطفل يحكم بإسلام أحد أبويه أو موته. وذكره في "الإقناع" أيضاً قال: «وكذا لا يتبع رقيقاً في رقه»، يعني لو ادعى رقيق: «هذا الابن ابني»، فنقول: نحكم بأنه ابنه في النسب، لكن هل يتبعه في الرق؟ لا يتبعه في الرق إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشهم.

أحسن الله إليكم شيخنا. قال رحمه الله تعالى: «وإن اعترف اللقيط بالرق مع سبق مناف للرق من بيع ونحوه أو عدم سبقه لم يقبل؛ لأنه يبطل حق الله تعالى من الحرية المحكوم بها، سواء أقر ابتداءً لإنسان أو جواباً لدعوى عليه. أو قال اللقيط بعد بلوغه إنه كافر لم يقبل منه؛ لأنه محكوم بإسلامه، فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل».

أحسنت. هنا لما قرر المؤلف رحمه الله تعالى أن اللقيط حر ومسلم، ذكر أنه لو تكلم بما يخالف ذلك إذا بلغ، فإن كلامه في طفولته لا عبرة بها. قال: «إن اعترف اللقيط بالرق مع سبق مناف أو عدم سبق لم يقبل». طبعاً قوله «مع سبق منافٍ» هذه عبارة الحجاوي، أو «عدم سبقه» هذه عبارة البهوتي. هنا الحجاوي رحمه الله في "الزاد" اشترط أن يسبقه منافٍ، وهذا أحد قولين المذهب.

تكلمنا كثيراً عن تصرف البهوتي رحمه الله في "الروض" في بيان مخالفات صاحب "الزاد" للمذهب أحياناً، وما تنتبه له، وهذا من أدبه رحمه الله؛ فلا يقول مثل ما يقول بعض الناس: «وهذا خطأ ومخالف لمقرر الأصحاب ونحو ذلك»، لا، بل يقول: «هذا أحد القولين»، اختاره الحجاوي فقال: «أو عدم سبقه»، يعني يقول إذا اعترف اللقيط بالرق مع سبق منافٍ للرق بعينها ونحوه، لو كان الرقيق يبيع ويشتري، فقد حكم بحريته وإسلامه، فبلغ عمره 17 أو 18، ثم صار عمره 20 وقال: والله أنا رقيق! نقول: الآن اعترفت بالرق ولكن يوجد شيء سابق منافٍ للرق، كالبيع والشراء، فالرقيق أصلاً لا يبيع ولا يشتري لسيده، تسيّف نفسك، هذا أمر منافٍ للرق، فهل تقبل دعواه هنا أو اعترافه؟ نقول: لا يقبل. لماذا؟ قال: لأنه يبطل حق الله تعالى من الحرية المحكوم بها؛ فحكمنا بحريته حقاً لله تعالى، فلا يبطلها إقراره.

هذا إذا وجد الإقرار فقط، لكن لو وجدت بينة الكلام يختلف، أو جاء سيده وقال: «إنه عبدي» وأقام البينة، فهناك يختلف. لكن كلامه هنا عن الإقرار فقط. قال: «أو عدم سبقه لم يقبل»، يعني حتى لو أنه لم يسبقه بيع ولا شراء ولا اعتراف بحرية ونحو ذلك، فقط تم 20 سنة وقال: أنا رقيق، ولم يسبقه شيء يخالف الحرية، فهل يقبل منه ذلك أو لا؟ المؤلف البهوتي قال: لا يقبل أيضاً، وهو أحد الوجهين في المذهب، أنه لا يقبل لنفس العلة؛ لأنه يبطل حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها. قال: «سواء أقر ابتداءً لإنسان أو جواباً لدعوى عليه»، يعني لو هو لما أقيمت عليه دعوى قال: «أنا رقيق»، ففي كلتا الحالتين لا يقبل إقراره.

هذا بالنسبة للحرية والرق، وبالنسبة للكفر -والعياذ بالله- يقول الآن: اللقيط حكمنا بإسلامه إذا وجد في دار الإسلام، فيقول: لو بعد ما بلغ قال إنه كافر، والعياذ بالله، يكون لا يقبل منه؛ لأنه محكوم بإسلامه. فإذا قال إنه كافر، نقول: لا نقبل منك، هو يعتبر مرتداً فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأنه خرج من الإسلام إلى الكفر. كيف خرج من الإسلام؟ لأنه محكوم بإسلامه في بادئ الأمر، فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

نعم، أحسن الله إليكم شيخنا. قال رحمه الله تعالى: «وإن ادعاه جماعة، قدم ذو البينة مسلماً أو كافراً، حراً عبداً؛ لأنها تظهر الحق وتبينه. وإن لم يكن لهم بينة أو تعارضت، عُرض معهم على القافة، فمن الحقته القافة به حقاً، لقضاء عمر رضي الله عنه بحضرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وإن الحقته باثنين فأكثر لحق بهم، وإن الحقته بكافر أو أمة لم يحكم بكفره ولا رقه، ولا يلحق بأكثر من أمة. والقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، ويكفي واحد، وشرطه أن يكون ذكراً عدلاً مجرباً في الإصابة، ويكفي مجرد خبرته. وكذا إن وطئ اثنان امرأة بشبهة في طهر واحد، وأتت بولد يمكن أن يكون منهما».

الكلام السابق إذا ادعى نسب اللقيط شخص واحد. أما إذا ادعاه أكثر من واحد، فهنا نقول: هل يتقاسمون؟ لا، ننظر من الذي له بينة. «ادعاه جماعة، قدم ذو البينة»، يقول: «مسلماً أو كافراً»، فلو ادعى أبوه هذا اللقيط اثنان؛ أحدهما مسلم والآخر كافر، هل نقول: خلاص الكافر نستبعده ونعطيها للمسلم؟ لا، نقول هما في درجة واحدة، من الذي له بينة يأخذه. فلو كان المسلم له البينة يأخذه، ولو كان الكافر هو الذي له البينة يأخذه. قال: «حراً أو عبداً»؛ لأن البينة تظهر الحق وتبينه. «وإن لم يكن لهم بينة»، لو كلهم قالوا: ما عندنا بينة، أو كل منهم قال: عندنا بينة وهذه البينتان تعارضتا، إذا تعارضت البينتان تتساقطان إذا كان في...

قوة واحدة فتتساقطان، يعتبر كأنهم لم يحضروا، فماذا نفعل هنا؟ يقول: يعرضون على القائف.

قال المؤلف رحمه الله في قوله بعدها: «والقائف قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ينظر وجه فلان، يقول هذا من القبيلة الفلانية، أو هذا أشباهه على قبيلة بني فلان، أو على فخ بني فلان من قبيلة فلان، وقد يعرف أباه أو جده أو أخواله ونحو ذلك من الشبه»، وهذا يحصل كثيرًا، وما زال إلى الآن هناك أناس يعرفون الأنساب بالشبه. قال: «فيعرضون على القائف، فما لحقته القافة به لاحقه، والعمل بالقافة».

هذا من عهد النبي ﷺ إلى عصرنا هذا. وكان في عهد النبي ﷺ شك بعض الناس في زيد بن حارثة وأسامة، لأن أحدهما أسود والآخر أبيض، فجاء النبي ﷺ مرة إلى عائشة تبرق أسارير وجهه، فقال: «أتمرون مجززًا المدرج؟». رأى أسامة وزيد، يعني نائمين ومغطيين لم تبدُ إلا أقدامهما، فقال: «مع أن أحدهما أسود والآخر أبيض، فإن هذه الأقدام بعضها من بعض». فعرف الأنساب بالشبه، شبه القدمين أيضًا، فأقر النبي ﷺ على ذلك وعمل به الصحابة. هنا المؤلف رحمه الله تعالى قال: «قضى به عمر رضي الله عنه بحضرة الصحابة ولم ينكر»، فكان إجماعًا، هذا إذا لحقته بأحدهم.

لكن لو لحقته باثنين أو أكثر، فإنه يلحق بهما؛ هذا إذا كان لحقته برجلين فأكثر، وهذا روي عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر واحد، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فشرك عمر بينهما، جعله بينهما. وأيضًا جاء عن رضي الله عنه نحوه. وإذا لحقته القافة بهما ورثاه إرث أب واحد؛ بمعنى لو أنه توفي هذا اللقيط وله زوجة وأبناء وبنات وهذان الأبوان، فالأب أصلاً له في هذه الحالة السدس، فإذا ادعاه القائف لحقته القافة بأبوين، فيكون لكل أب نصف السدس يشتركان فيه، وهو يرث اللقيط من كل منهما إرث ولد كامل. فلو أن أحد الأبوين توفي عن هذا اللقيط وعن ولد آخر، وولد الآخر هذا أيضًا له النسب.

قال: «وإن لحقته القافة بكافر أو أمه، فيلحق به في النسب، لكن لا يثبت له الكفر ولا الرق». فلا يلزم من لحوق النسب لحوق الدين والرق؛ لماذا؟ لأنه محكوم بإسلامه وحريته ظاهراً، ولا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن، كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد. وإنما قبلنا قول القائف في النسب للحاجة إلى إثباته، ولكونه غير مخالف للظاهر؛ يعني كون القائف يثبت نسبه إلى فلان هذا غير مخالف للظاهر، لكن كون القائف يثبت أنه كافر أو أنه رقيق هذا مخالف للظاهر، بأن الأصل في اللقيط الإسلام والحرية.

قال: «ولا يلحق بأكثر من أم»، لو قالت القافة: هذا جاء من أمين، فنقول: لا يؤخذ بذلك لأنه محال، فلا يجوز الحكم به، بخلاف الرجلين؛ يقرر الأصحاب رحمه الله أنه يمكن أن يكون من رجلين، ويستدلون بأثر عمر وعلي. قالوا أيضًا: لا يمكن أن يكون الطفل نشأ من ماء رجلين، إنما هو لمن يسبق، والله أعلم.

قال: «والقائف قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة»، فكل من عرف الإصابة في ذلك فإنه يكون من القافة، ولا يلزم أن يكون من قبيلة معينة. قال: «ويكفي واحد»، لأنه من باب الإخبار ليس من باب الشهادات، وشرطه أن يكون ذكرًا عدلاً مجربًا في الإصابة؛ ذكر وعدل ومجرب في الإصابة، لأن القيافة حكم، والحكم يشترط له ذلك، يشترط له الذكورية والعدالة وأن يكون مجربًا في الإصابة. قال: «ويكفي مجرد خبرته»، فلا يشترط أن يتلفظ بلفظ الشهادة، لأن هذا خبر وليس شهادة.

قال: «وكذا مثله في الحكم إذا وطئ اثنان امرأة بشبهة في طهر واحد وأتت بولد»، يمكن أن يكون منهما، فإنه يعرض على القافة سواء ادعياه أو جحداه، أو جحده أحدهما، فإنه يعرض على القافة، فبأيهما لحقوه لحق، كما لو وطئ اثنان جارية مشتركة بينهما في طهر، أو وطئ رجل امرأة أخرى بشبهة في الطهر الذي وطئ زوجها فيه.

وبذلك ننتهي ولله الحمد من باب اللقيط، وبه انتهينا من أبواب المعاوضات وما ألحق بها، وانتقل إن شاء الله في الدرس القادم إلى كتاب الوقف، وهو بداية أبواب التبرعات، أسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

نعم، في سؤال يقول: هل نعتمد على التحليل (DNA) في إثبات اللقيط، ويكون التحليل (DNA) هو البينة الأولى في هذا العصر؟ التحليل (DNA) إصابته كثيرة وشبه دقيق، لا نقول دقيق 100% لكن شبه دقيق، وإصابته يعني ممكن نقول إنها أكثر من القافة. هو يعتمد عليه في الإثبات لا في النفي؛ لو أن شخصًا نفى أن هذا الولد منه، وقال (DNA) يثبت أنه ليس مني، نقول: لا يكفي، لا بد من اللعان. أما في الإثبات فإنه يعتمد عليه، وهذا الذي جرى عليه العمل في المحاكم.

نعم، يقول: دور الرعاية الآن هي مما تهتم به الأقيال الذين لا يعرف نسبهم، فتهتم بهم، ويوجد أناس يتبرعون فيأخذون أطفالًا من دور الرعاية ويربونهم، فهذا من تطبيق أخذ اللقيط والإنفاق من المال الذي عنده. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.