دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 76 | باب إحياء الموات 2

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب إحياء الموات، ووقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ويملك المحيي حريم البئر العادية».

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا وللمصنف وللحاضرين والمسلمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ويملك المحيي حريم البئر العادية» بتشديد الياء، أي القديمة المنسوبة إلى عاد، ولم يرد عادًا بعينها، «٥٠ ذراعًا من كل جانب، إذا كانت انطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمارتها، أو انقطع ماؤها فاستخرجه، وحريم البئر المحدثة نصفها».

أحسن الله إليك يا شيخ. قال رحمه الله تعالى: «وحريم البئر المحدثة نصفها»، أي ٢٥ ذراعًا، لما روى أبو داود في الأموال عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: «السنة في حريم القليب العادي ٥٠ ذراعًا، والبدي ٢٥ ذراعًا». وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعًا. «وحريم شجرة قدر مد أغصانها، وحريم دار من موات حولها مطرح أو تراب وكناسة وثلج وماء ميزاب، ولا حريم لدار محفوفة بملك، ويتصرف كل منهما بحسب العادة».

هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ويملك المحيي حريم البئر العادية» بتشديد الياء، أي القديمة. يقصد المؤلف رحمه الله تعالى أن الشخص إذا حفر بئرًا بأرض الموات، فقط، لا يريد أن يعني يتحجر أرضًا ويزرعها ليحييها، لا، فقط حفر بئرًا ليسقي منها، مثلاً عنده بهائم فحفر بئرًا ليسقي منها؛ فهنا إذا حفر البئر، فكم يملك من حريمها؟ يعني مما يحيط بها من جوانبها؟

فرق المؤلف رحمه الله تعالى بين البئر العادية والبئر المحدثة. البئر العادية فسرها بأنها القديمة، نقول العادية بتشديد الياء أي القديمة. لماذا سميت عادية؟ قال: منسوبة إلى عاد، ولم يرد عادًا بعينها، وإنما نسبت إلى عاد لأن عادًا، الذين هم قوم عاد لما كانوا في الزمن الأول، كانت لهم آثار في الأرض فنسب إليهم كل قديم، فنسب إليهم كل قديم، وإلا فهي ليست منسوبة إلى قوم عاد الذين أرسل إليهم نبي الله عليه السلام.

وبهذا فسرها الإمام أحمد رحمه الله، أقصد العادية بأنها القديمة، فسرها الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور، وعند بعض الأصحاب أن العادية يعني التي أعيدت، يعني كانت محفورة سابقًا فطمت، ثم أعيدت؛ فطمت يعني أنها دفنت مرة أخرى ثم أعيدت مرة أخرى، فهذه هي العادية، وهذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، لكن المشهور الأول؛ فيقول البئر العادية يعني إذا حفر إنسان بئرًا وهذه البئر كانت موجودة سابقًا لكنه هو جدد حفره.

ولذلك قال: «إذا كانت انطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمرتها، أو انقطع ماؤها فاستخرجه»، يعني قد لا تكون انطمت، أي دفنت ونحو ذلك، لكن ما فيها ماء فاستخرج فيها حتى استخرج الماء الذي فيها، فهنا يملك ما حولها ٥٠ ذراعًا من كل جانب. وإنما فسر الأصحاب رحمهم الله تعالى العادية بذلك بما إذا كانت انطمت وذهب ماؤها أو انقطع ماؤها فاستخرجه، احترازًا مما إذا كانت لا زالت يخرج منها الماء، فقالوا إذا كانت لا زالت يخرج منها الماء فإنه لا يحق للشخص أن يتحجرها ليملكها؛ لماذا؟ لأن الناس شركاء في ثلاث، وقالوا الماء يقاس على المعادن الظاهرة فهي لا تملك بالإحياء ولا بالتحجر.

قال: «٥٠ ذراعًا من كل جانب»، ٥٠ ذراعًا يعني بالأمتار قرابة ٢٥ مترًا من كل جانب، يعني من جوانبها كلها، هذه إذا كان الملك إذا كان أحيا بئرًا عادية. أما إذا كانت البئر جديدة هو الذي ابتدأ حفرها، قال: «حريم البئر المحدثة نصفها»، أي ٢٥ ذراعًا. واستدل على التفريق بأثر عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه قال: «السنة في حريم القليب العادي ٥٠ ذراعًا، والبدي ٢٥ ذراعًا». قال: وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعًا، يعني من حديث سيدنا بنيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، لكن المرسل أصح، وقالوا هذا يعني أعلى ما في الباب من ذلك، وسعيد بن المسيب ذكر أنه هو السنة، يعني أنه مما أثر من سنة النبي ﷺ وسنة الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

هنا إذاً، إذا كان حفرها كما قلنا للسقي، لكن إذا كان حفرها للزراعة، فإنه يملك ما يريد أن يزرعه، فلو كان مثلاً حفر بئرًا وهو يريد أن يزرع مثلاً ١٠٠ ذراع من كل جانب، فنقول يملك هذه كلها بشرط أن يكون قد تحجرها، تحجر يعني فعل أحد الأمور التي يحصل بها الإحياء؛ إما بأن يحيطها أو يحفر بها بئرًا أو يجري إليها الماء أو يمنع عنها الماء إذا كانت لا يمكن الزرع إلا بمنع الماء.

قال: «وحريم شجرة قدر مد أغصانها»، إن شاء الله، حريم شجرة قدر مد أغصانها، يعني لو أنه أحيا هذه بأن زرع شجرة فقط، أو غرس شجرة فقط، لأن الغرس يحصل به الإحياء، يقول حريم الشجرة قدر مد أغصانها؛ فإذا غرس شجرة فينظر ما تمت إليه أغصانه، خمسة أذرع أو نحو ذلك، فيكون هذا الذي يملكه منها. ويستدل الأصحاب على ذلك بما رواه أبو داود عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «اختصم إلى النبي ﷺ في حريم نخلة، فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع فقضى بذلك». يعني أن الذي غرسها اختصم مع من هو قريب منه في حريم النخلة، يعني فيما يملك من الأراضي أو فيما يملك من الأرض قرب هذه النخلة التي غرسها، فأمر النبي ﷺ بذرع جريدة من جرائدها فذرعت فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع فقضى بذلك.

قال: «وحريم دار من موات حولها مطرح أو تراب وكناسة وثلج وماء ميزاب»، يعني إذا بنى بيتًا في أرض الموات، فما الذي يملكه؟ ليس عنده أحد، أو مثلاً المساحة التي قرب بيته كبيرة لا يوجد فيها أحد وليست مختصة ولم يختص بها أحد، فهنا ما الذي يملكه؟ يقول: يملك حريمها مما يحتاج إليها، قال: من مطرح تراب أو كناسة وثلج وماء ميزاب، يعني مما يحتاج...

تحتاج إليه في أمور بيته، ومثلها لو كان مثلاً بنى مزرعة أو أنشأ مزرعة؛ فالمدخل الذي يدخل إليها من الشارع مثلا يملكه ونحو ذلك، لأن هذا كله مما يرتفق به ساكنها.

هذا إذا كان بنى داراً في أرض الموات، لكن إذا كان بنى داراً عند دور أخرى، فهل لها حريم؟ قال لك: ولا حريم لدار محفوفة بملك. يعني لو أن شخصاً بنى بيتاً وبجواره بيت آخر، ومن اليسار بيت آخر، ومن الخلف بيت ثالث، فهنا هل يملك حريم هذه الدار؟ نقول: لا، ما المجاورون له كله مملوك له، فلا يملك شيئاً، ولا حريم لدار محفوفة بملك. هم يريدون التصرف في ما حول بيوتهم، فيقول: يتصرف كل منهم بحسب العادة، وإنما لا يوجد لها حريم؛ لأن الحريم من المرافق، ولا يرتفق الشخص بملك غيره لأن مالكه حق.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال المصنف رحمه الله تعالى: «ومن تحجر ما حول داره إحجاراً ونحوها لم يملكه، وهو أحق به ووارثه من بعده، وليس له بيعه».

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة تشبه الإحياء وهي التحجر. والتحجر ضابطه أن يشرع في إحياء الشيء لكن لا يتم إحياءه؛ مثلما ذكرنا الإحياء يكون ببناء حائط منيع، أو يحفر بئراً ويصل إلى الماء أو يمنع عن الماء أو ينقل إليها الماء، فلو أنه فقط وضع أحجاراً فقط ولم يبنِ حائطاً مانعاً، أو أنه حفر البئر لكن ما وصل إلى الماء حتى الآن، فإنه يعتبر متحجراً وليس محيياً.

ما الفرق في الحكم بين التحجر والإحياء؟ نقول: المحيي يملك ما أحياه، والمتحجر لا يملك ما تحجره، لكن هو أحق به؛ يعني لو أن شخصاً مثلاً أحاط أرضاً بحجر فقط، حاطها بحجر ولم يبنِ حائطاً وبدأ مثلاً يزرع في نحو ذلك، نقول: لا يعتبر ذلك إحياءً، لكن يعتبر تحجراً وهو أحق به من غيره. وكذلك لو حفر فيها بئراً لكن لم يصل إلى الماء فإنه يعتبر متحجراً، لكن لو وصل إلى الماء فإعتبر محيياً. فلا يملك بالتحجر لأن الملك بالإحياء، وهذا ليس بإحياء لكن يكون أحق به.

ويستدل الأصحاب على ذلك بقول النبي ﷺ: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به»، وفي رواية: «فهو له»، وهذا رواه أبو داود رحمه الله تعالى.

قال: «ووارثه من بعده»، يعني لو أنه تحجر وزرع لكنه ما أحياها ثم مات، فوارثه من بعده أحق بهذه الأرض. يعني لو أن شخصاً جاء وقال: أنا أريد أن أحييها، أخرج أيها الوارث أنا سأحييها، أنت ما عملت شيئاً، أبوك الذي عمل؛ نقول: لا، للوارث أن يتم التحجر وينتفع بها، فهو له حقية الانتفاع وحقية السبق بالإحياء.

قال: «وإن مات فوارثه أحق به»، ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على ذلك بحديث: «من ترك حقاً أو مالاً فهو لورثته». والحقيقة أن هذا الحديث اللفظ المؤثر فيه هي كلمة «حقاً»، لأن هذا حق؛ التحجر والانتفاع هو حق يورث من بعده. ويستدل الأصحاب بهذا اللفظ «من ترك حقاً أو مالاً فهو لورثته»، وبعض من خرج عن الأصحاب يعزونه إلى الصحيحين، والحقيقة أن في الصحيحين «من ترك مالاً» دون كلمة «حقاً»، ليس لها وجود في الصحيحين، ولا أعلم هل لها وجود في كتب السنة أو لا.

ولذلك مما نبه عليه الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى لما تكلم في المدخل المفصل عن إرواء الغليل، نبه بتنبيهين؛ الأول منهما هو أن قد يستدل الأصحاب برواية ويقصدون لفظاً معيناً، والشيخ الألباني رحمه الله تعالى يخرجه بالنظر إلى أصل الحديث. ما في إشكال إذا كان لو كان مثلاً قالوا: «من ترك حقاً ومالاً فليورثته» ويقصدون لفظه «مالاً»، لأنهم يذكرونها أيضاً في موضع آخر وهي إرث المال، فما في إشكال من باب الرواية بالمعنى، لكن إذا كانوا قصدوا لفظاً وخرجت وعُزيت إلى الصحيحين فهذا فيه إشكال، فيتنبّه بذلك.

قال: «وليس له بيعه»، يعني ليس للمتحجر بيع هذه الأرض التي تحجرها، وكذلك ليس لوارثه بيع؛ لأن من شروط البيع أن يكون من مالك، وهو لم يتملك. هل له أن ينزل عنه مقابل عوض؟ يعني تنازل عن حقه مقابل عوض، هو الآن شرع في الإحياء لكن لم يكمل، فجاءه شخص فقال: أنا أعطيك مبلغاً مقابل أن تتنازل لي وأنا أكمل وأحييه؛ فهل له ذلك على غير سبيل البيع؟ نعم، له ذلك، له النزول عنه بعوض لا على وجه البيع. وهذا ذكره البهوتي في شرح المنتهى نقلاً عن ابن نصر، قال: له النزول عنه بعوض لا على وجه البيع، كما ذكره ابن نصر قياساً على الخلع؛ فالزوج يتنازل عن استحقاقه بوضع المرأة مقابل العوض الذي سيدفع له، لكن هو هل يملك هذا البضع؟ لا يملك، يملك الانتفاع به، فهذا وجه القياس.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال المصنف رحمه الله تعالى: «وللإمام إقطاع موات لمن يحييه»، لأنه ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق، ولا يملكه بالإقطاع بل هو أحق من غيره، فإن أحياه ملكه. «وللإمام أيضاً إقطاع غير موات تمليكاً وانتفاعاً للمصلحة، وله إقطاع الجلوس للبيع والشراء في الطرق الواسعة ورحبة مسجد غير محوطه ما لم يضر بالناس»، لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه فضلاً عما فيه مضرة، ويكون المقطع أحق بجلوسها.

قال رحمه الله تعالى: «ويكون المقطع أحق بجلوسها، ولا يزول حقه بنقل متاعه منها لأنه قد استحق بإقطاع الإمام، وله التضليل على نفسه بما ليس بملاء بلا ضرر، ويسمى هذا إقطاع إرفاق».

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المقطع الإقطاع الذي من الإمام، وقسم الأصحاب رحمهم الله تعالى الإقطاع إلى ثلاثة أقسام: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال، وإقطاع إرفاق، وإقطاع الإرفاق وهذه كلها من الإمام. عندنا الآن مضى الإحياء والتحجر وهذا الإقطاع؛ فالإحياء من الشخص ويكون بالأمور التي ذكرت بما يحصل به الإحياء، والإقطاع والتحجر يكون من الشخص نفسه أيضاً، ويكون بالشروع في الإحياء من غير إكمال.

أما الإقطاع فهذا يكون من الإمام. وكما قلنا، إقطاعاته ثلاث أنواع: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال، وإقطاع إرفاق.

إقطاع التمليك هو الذي ذكره في أول المقطع؛ وللإمام إقطاع موات لمن يحييه، فيكون في أرض موات فيقطعها، ويعطيها لشخص مقابل أن يحييها. هذا الشخص لا يملك هذه الأرض بمجرد إقطاع الإمام، لابد أن يحييها، فإذا أحياها ملكها، وإذا لم يحيها فلا يملكها، وللإمام استرداده.

وهذا كان يعمل به في الأراضي الزراعية؛ حيث كان يُعطى الشخص أرضًا زراعية لكي يزرعها، ويُعطى مدة، لا يملكها وإنما يملك الانتفاع بها، ويُعطى مدة يمكن أن تكون خمس سنوات أو أكثر أو أقل، وتخرج لجنة من وزارة الزراعة، فإذا وجدوا أنه قد أحياها منحوه صك ملكية. ولا أدري هل يُعمل بها إلى الآن أو لا، لكن الذي يُعمل به الآن في بعض المواضع هو الأرض السكنية؛ حيث يُعطى الشخص أرضًا سكنية لكي يبنيها، ويُعطى مهلة للبناء، فإذا لم يبنها في هذه المدة تُسترد منه.

فهذا هو إقطاع الموات، وهو خاص بالإمام؛ يقطع الموات لمن يحييه. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على جوازه بفعله ﷺ؛ بأنه عليه الصلاة والسلام أقطع بلال بن الحارث العقيق، وأقطع أبيض بن حمال الملح في مأرب، لكن قيل له إنه بمنزلة الماء العد -أي الماء الجاري- فاسترد هذا الإقطاع. وثبت عن جمع من الصحابة كعمر وعثمان أنهم حصل منهم إقطاع لبعض الأراضي.

قال لك ولا يملكه بالإقطاع، بل هو أحق من غيره. وهذه مسألة: هل يملك المقطع الأرض بمجرد إقطاع الإمام له، أو نقول لا يملكها إلا إذا أحياها؟ نبه هنا أنه لا يملكه بل هو أحق من غيره، فإذا أحياها ملكها. وإنما لم يملكه لأن عمر رضي الله عنه قال لبلال بن الحارث: «إن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحوزه عن الناس، إنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته، ورد الباقي»، ويصير المقطع أحق بإحيائه، فإن أحياها ملكها، وإن لم يحيها قال له السلطان: «إن أحياها وإلا فارفع يدك ونعطيها لغيرك». فإن طلب المهلة لعذر أمهل بقدر ما يراه الإمام، وإن لم يكن له عذر فلا يمهله الإمام.

أيضًا قال: وللإمام إقطاع غير موات تمليكًا وانتفاعًا للمصلحة. يقصدون الأرض العامرة للإمام أن يقطعها ويملكها لغيره، وهي مثل أراضي المساكن التابعة لبيت المال التي ليست لأحد معين من المسلمين، فللإمام أن يقطعها لغيره طبعًا للمصلحة كما قيده المؤلف رحمه الله تعالى.

قال: تمليكًا وانتفاعًا؛ هذا النوع الثاني هو إقطاع الانتفاع، حيث يقطع الإمام شخصًا أرضًا لكي ينتفع بها، يزرعها أو يؤجرها ونحو ذلك، لمدة معينة ثم يستردها الإمام منه ليسلمها لغيره ونحو ذلك، وهذا هو إقطاع الانتفاع.

النوع الثالث: إقطاع الإرفاق. قال: وله إقطاع جلوس في البيع والشراء في الطرق الواسعة، وهذا الذي تقوم به البلديات؛ فمثلاً أرض واسعة يريدون أن يقيموا فيها سوقًا، فيأتون ببضائعهم وليس لهم أماكن مستقرة، فتعطيهم البلدية الإذن في أن يبيعوا بهذا المكان، فهذا له الإقطاع، وطبعًا هنا البلدية تقوم مقام الإمام. والآقطاع للبيع والشراء كذلك لا يملك به، وإنما يكون أحق من غيره.

قال: في الطرق الواسعة؛ لأن الطرق الضيقة يضر لو أن الإمام أقطع الناس الجلوس فيها، فيضر بالمسلمين، فلا يجوز للإمام فعل ذلك، لابد أن يكون الطريق واسعًا ولا يضر بالمسلمين. قال: ورحبة مسجد -بفتح الحاء وإسكانها- أو رحبة، ورحبة المسجد غير محوطة؛ أي الفناء الذي عند المسجد غير محوط، لأنها إذا كانت محوطة تكون تابعة للمسجد في حكم المسجد، والمسجد لا يجوز فيه البيع والشراء، وهذا تقدم معنا في باب الاعتكاف، وأن الرحبة المحوطة للمعتكف أن يخرج إليها لأنها من المسجد، فالرحبة المحوطة هذه من المسجد فلا يُقطع فيها للجلوس للبيع والشراء.

أما الرحبة غير المحوطة، وهي فناء عند المسجد لكن ليس عليه سور، فهو تابع للمسجد لكن ليس عليه سور، فهذا يجوز فيه البيع والشراء؛ فيجوز للإمام أو نائبه أن يقطع أماكن يجلس فيها الناس للبيع والشراء ما لم يضر بالناس. وهذا هو الشرط؛ أنه لا يضر بالناس. ولماذا لا يجوز له أن يقطع في المكان الذي يضر بالناس؟ لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه، فضلاً عما فيه مضرة، وهذا تقدم معنى التعليل به مرارًا، وأن تصرف الإمام -أو بمعنى أعم من يتصرف لغيره- فإنه مخير تخيير من يتصرف لنفسه، فإنه يخير تخييرًا تشدّدًا؛ وتصرف الإمام لغيره لابد أن يكون دائراً حول المصلحة.

قال: لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه، فضلاً عما فيه مضرة؛ يعني إذا كان يضر هذا لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يأذن في الشيء الذي لا مصلحة فيه، فكيف إذا كان فيه مضرة؟

ويقول: ويكون المقطع أحق بجلوسها، فلا يملكها لكن يكون أحق بجلوسها، ويكون بمنزلة السابق إليها، ولا يزول حقه بنقل متاعه منها لأنه قد استحق بإقطاع الإمام، وبهذا يفارق من جلس من غير إقطاع كما سيأتي. الذي يجلس للبيع في مكان لكن الإمام لم يأذن له، فنقول هذا الذي يجلس من غير إقطاع إذا نقل متاعه خلاص، إذا جاء من الغد لا يكون أحق بهذا المكان الذي جلس فيه بالأمس؛ لأن الإمام لم يقطعه.

أما الشخص الذي أقطعه الإمام، بمعنى مثلاً سوق البلدية مقسمة إلى مئة مربع، فلان له مربع رقم واحد، وفلان له مربع رقم اثنين، وشخص له مربع رقم عشرة؛ باع تمراً وانتهت سلعته باليوم، ثم لما أراد أن يغادر السوق في الليل أخذ الباقي إلى بيته، ثم رجع من الغد ووجد شخصًا جالسًا مكانه، فهنا نقول: هل الجالس أحق، أو الذي كان بالأمس جالسًا أحق؟ الذي كان بالأمس أحق؛ لأنه لا يزول حقه بنقل متاعه، بخلاف ما لو مثلاً البلدية ما نظمت.

كل من جاء وباع في هذا السوق، فإذا كان جلس من غير إقطاع، فنقول: من سبق إلى مكان فهو أحق به. فلو باع هذا البائع في أول السوق، أول ما تدخل السوق، في بائع اسمه محمد، وقد جاء محمد، وإبراهيم جالس في هذا المكان، فنقول: إبراهيم هو الأحق؛ لأنه سبق. هذا اليوم محمد الذي بالأمس ليس له أحقية بهذا المكان؛ لماذا؟ لأنه لم يقطعه الإمام. ولذلك قال: ولا يزول حقه بنقل متاعه منها، بخلاف من جلس من غير إقطاع كما سيأتي.

لماذا لا يزول حقه؟ لأنه قد استحق هذا الحق بإقطاع الإمام، فلم يزل حقه بنقل متاعه ولا لغيره الجلوس فيه. وقال: وله التظليل على نفسه بما ليس ببناء؛ يعني له أن يظلل نفسه، يجعل لنفسه مظلة ونحوها مما ينتقل معه، لكن لا يبني بناء ثابتًا.

لماذا؟ قالوا: لأنه طبعًا له أن يظلل لأن الحاجة تدعو إليه، وليس له البناء؛ لأنه يضيق على الناس ويعثر به المارة في الليل. هذا طبعًا كلامهم وتعليلهم، وفي السابق لم يكن فيه إضاءة، فقالوا: يعثر به المار في الليل والاعمى في الليل والنهار، ولأنه إذا بقي على الدوام فربما ادعى ملكه، فيقول: خلاص أنا باني فيه، خلاص أنا هو ملك لي. فيقولون: لذلك ليس له أن يبني، وليس له أن يظل على نفسه ببناء ثابت.

وقال: ويسمى هذا إقطاع إرفاق، اللي هو إقطاع الجلوس. يقول: هل الإقطاع من ولي الأمر له وقت معين؟ نقول: على حسب ما أقطعه ولي الأمر؛ إذا قال لك سنة، فيتقيد بذلك، وإذا كان مطلقًا، ومثلاً جلس أسبوعين أو شهرًا وما جاء، فنقول: لا يملك، لكن للسلطان أن يسترده؛ لأن هذا راجع لتصرف الإمام. فإذا كان أخذ بقعة وتركها مدة، فالإمام يراعي ذلك وينظر: هل يجعل له مدة محددة؟ هل يستردها مباشرة؟ فهذا راجع إلى اجتهاد الإمام.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «ومن غير إقطاع للطرق الواسعة والرحبة غير المحوطة، الحق لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال، جزم به في الوجيز؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فلم يمنع، فإذا نقل متاعه كان لغيره الجلوس. وفي المنتهى وغيره: فإن أطال أزيل؛ لأنه يصير كالمالك. وإن سبق اثنان فأكثر إليها وضاقت اقترعا؛ لأنهما استويا في السبق والقرعة مميزة. ومن سبق إلى مباح من صيد أو حطب أو معدن ونحوه فهو أحق به، وإن سبق إليه اثنان قسم بينهما».

من هذا، إذا جلس شخص للبيع والشراء في مكان لكن لم يقطع الإمام، كالمثال السابق الذي ذكرناه؛ جلس في مكان في السوق، أو وجد مكانًا في الطريق، فجلس يومًا أو يومين فالناس يشترون منه، ولما جاء اليوم الثالث وجد شخصًا جالسًا في نفس المكان ويبيع، مثلاً ذاك يبيع حبحب وجاء هذا يبيع حبحب نفسه، فهنا هل الذي كان يأتي كل يوم له حق، أو الثاني الذي جاء هذا اليوم له حق؟

قال المؤلف: «ومن غير إقطاع، الطرق الواسعة والرحبة غير المحوطة، الحق لمن سبق بالجلوس». فنقول: الذي جلست أسبوعًا، أنت تأتي إلى نفس المكان بعد أسبوع جئت ووجدت شخصًا آخر، فنقول: هو أحق، لأنك ما أُقطعت من الإمام، لو أُقطعت من الإمام لملكت الحق، لكن ما أُقطعت من الإمام فالحق للسابق.

قال: «لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها»، يعني متاعه الذي يبيعه فيها وإن طال. يعني لو مثلاً ما أقطعه الإمام، لكن هو جعل طاولة عليها أغراضه، ثم لما جاء الليل ذهب إلى البيت وأغراضه موجودة، فلما جاء من الغد إذا جاء شخص في مكانه، فنقول: لا، هذا الذي جاء ولمس وترك أغراضه أحق منك؛ لأن أغراضه موجودة، وهي التي قال: «ما بقي قماشه فيها وإن طال».

وهنا "وإن طال" قال: هذا إشارة إلى خلاف، ولذلك قال: "جزم به في الوجيز". قال المؤلف البغوتي تعليقًا عليها: "جزم به في الوجيز"، وصاحب الزاد يتابع الوجيز في كثير من المسائل التي يخالف فيها صاحب المقنع ويخالف فيها المذهب، ولذلك هذا مما خالف فيه صاحب الزاد المذهب. وعلل بذلك بأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فلم يمنع، والحديث: «ما من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به».

قال: «فإذا نقل متاعه كان لغيره الجلوس»، إذا كان متاعه موجودًا فالسابق هو الأحق، فإذا لم يكن متاعه موجودًا فمن جلس أحق به. قالوا: ويقوم مقام وضع المتاع وضع شخص يحرس له هذا المكان، لو وضع شخصًا سواء تابعًا له أو أجنبيًا، يعني لو وضع مثلاً سائقه أو وضع شخصًا آخر قال له: احرس في هذا المكان أنا سآتي من الغد، قالوا: هذا يقوم مقام المتاع. هذا ذكره في الإقناع: «أو أجلس غلامه أو أجنبيًا ليحفظ له المكان حتى يعود، فهو بمنزلة وضع المتاع».

قال: «وفي المنتهى وغيره»، هذا القول الثاني في المسألة إذا طال، أي إذا أطال، المراد أطال على الجلوس أو طال مكث المتاع؟ كان المراد مكث المتاع، صحيح. يبدو أن المراد أطال مكث المتاع، أزيل هذا المتاع الموجود، وهذا هو المشهور في المذهب وهو الذي اقتصر عليه في التنقيح وذكره في المنتهى والإقناع. يعني هذا مما اختلف فيه كلام الحجاوي بين الزاد والإقناع، فالمنتهى والإقناع كلها على أنه إذا طال لمن جاء لاحقًا أن يزيله، لأنه يصير كالمالك. يعني إذا قلنا لا يزال، فيصير هذا الذي وضع قماشه وطنًا كالمالك لا يحق لنا أن نزيله، فلذلك قالوا: يزال؛ لأن لو لم نزل صار كالمالك.

قال: «وإن سبق اثنان فأكثر إليها وضاقت اقترعا؛ لأنهما استويا في السبق والقرعة مميزة». يعني لو كان مكانًا مميزًا في السوق فجاء اثنان في وقت واحد إلى هذا المكان، فمن يقدم؟ نعم، إذا كانت تتسع لهما، أي يمكن هذا يضع متاعه وهذا يضع متاعه ولا يضيق أحدهما على الآخر، فإنهما يجعلان كلاهما يجلسان في السوء، لكن إذا ضاقت فإنهما يقترعان؛ لأنهما استويا في السبق والقرعة مميزة، والقرعة تسرع لتمييز المستحق من المتساويين.

تمييز المستحق من المتساوي؛ يعني إذا تساوى اثنان في استحقاق شيء ولا مزية لأحدهما على الآخر، فإنه تسرع القرعة لتمييز المستحق منهما. والقرآن ذكرها الأصحاب رحمهم الله تعالى في أمثلة كثيرة.

والحافظ ابن رجب رحمه الله في آخر قاعدة من قواعده مشى على الأمثلة التي ذكر الأصحاب فيها القرعة، بدأ من أول باب في الفقه إلى آخر باب. قالوا: من سبق إلى مباح من صيد أو حطب أو معدن ونحوه فهو أحق به؛ الحديث: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به». فلو أن شخصين يتسابقان إلى صيد أرنب مثلا فسبق أحدهما، فنقول: إذاً الأرنب له. أو قال: من صيد أو حطب أرادوا أن يحتطبوا فأحدهما أخذ الحطب قبل الآخر، فنقول: الحطب له. أو معدن ونحوه، قال: فهو أحق به.

وإن سبق إليه اثنان قُسم؛ لو أن اثنين كلاهما سبق إلى مثلاً يريد أن يصيد غزالاً فوصل إليه في وقت واحد، فهل يقرع بينهما؟ مشك المؤلف، لا، قسم بينهما، يقسم لأنه يمكن القسمة، بخلاف ما تقدم قبل قليل سبقوا إلى مكان يبيعون فيه، هل نقسمه نصفين؟ وهو ما يسع إلا لواحد، لا، إنهما هنا لن يستفيد لا هذا ولا هذا، بخلاف مثلاً الصيد، فإنه ما سيستفيده كل واحد يأخذ نصف هذا الصيد.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «ولمن في أعلى الماء المباح كماء مطر، السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه، فيفعل كذلك وهلم جره، فإن لم يفضل عن الأول أو من بعده شيء فلا شيء للآخر».

اللام مش عليها، ما أدري ما إيش اسمه، نطقتها مضمومة ومفتوحة؟ مضمومة، ثم يرسله؛ يرسلها معطوفة على السقي وحبس الماء، هي ليست معطوفة على يرسله، ليست معطوفة على أن يصل، معطوفة على السقي وحبس الماء. السقي وحبس الماء؛ فعل مضارع معطوف على المصدر، عطف الفعل على المصدر؛ أنصب بأن محذوف، وفي الألفية: «وإن على اسم خالص فعل عطف تنصبه أن»، ثابتاً أو منحرفاً؛ يعني يذكرنا شاهد: «لبس عداءة وتقاطع عيني، أحب إلي من لبس الشحوف».

نعم، يرسله، كونها مرفوعة؛ ممكن أن النصب يعني أو له وجه الرفع، طبعاً إذا رفعناه تكون معطوفة مرفوعة: السقي وحبس الماء مرفوعة، فيكون معطوفاً.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «ثم يرسله إلى من يليه، فيفعل كذلك وهلم جره، فإن لم يفضل عن الأول أو من بعده شيء فلا شيء للآخر». لقوله عليه السلام: «اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجد» [متفق عليه]. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه قال: نظرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجد»، فكان ذلك إلى الكعبين.

فإن كان الماء مملوكاً قُسم بين الملاك بقدر النفقة والعمل، وتصرف كل واحد في حصته بما شاء. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى آلية الاجتماع في السقي من الماء والمخاصمة فيه، فإذا كان الماء يستفيد منه أكثر من شخص، فكيف نقسمه بينهما؟

طبعاً إذا كان الماء عظيماً وجارياً، يعني مثل نهر النيل مثلاً ونحوه، فهذا لا حاجة فيه إلى هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأنه ما في تزاحم، لكل واحد من الحاضرين أن يسقي منه ما شاء وكيف شاء. لكن كلامه هنا في الماء الصغير الذي يتزاحم فيه الناس، مثل ما قال: «لمن في أعلى الماء المباح». المباح هنا عكس المملوك، وليس عكس المحرم، مقصود المباح يعني الذي لا مالك له، مثل ماء المطر. يعني لو أن ماء المطر جاء الوادي الآن وجرى يسقي المزرعة الأولى، ثم المزرعة الثانية وهكذا؛ فهل صاحب المزرعة الأولى له أن يأخذ منه ثم يجعله يمشي إلى مزرعة جاره؟ قال: إن يسقي ويحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، يعني مقدار كعب الإنسان، ثم يرسله إلى من يليه، فيفعل ذلك كذلك، وأهل مجرى؛ يعني الذي يليه يرسله إلى من يليه، والذي يليه يرسله إلى من يليه وهكذا.

فإن لم يفضل عن الأول أو من بعده شيء، فلا شيء للآخر. يعني يقول له: أن يسقي حتى يصل الماء إلى الجد، يعني إلى الكعب، ثم الذي يليه ثم يرسله إلى من بعده، وهذا يسقي إلى أن يصل الكعب ثم يرسله إلى من يليه. لو كانت مثلاً خمس مزارع لما وصل إلى الثالث، انتهى. فهل نقول هم ظلموا الرابع والخامس؟ لا، يقولون هم مثل العصبة، فالعصبة ليس لهم شيء إلا ما فضل عن أصحاب الفروض، وهؤلاء الثاني ليس له شيء لما فضل عن الأول، والثالث ليس له شيء لما فضل عن الأول والثاني، وهكذا.

واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مخاصمة الزبير بن العوام لجاره الأنصاري في شراك الحرة، حيث اختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزبير: «اسقِ يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جاره». فغضب الأنصاري وقال: إن كان ابن عمتك! عشان ابن عمتك تقول اسقِ؟ صلى النبي صلى الله عليه وسلم عَرْبَها صلحاً، أعطى الزبير أقل من حقه الذي يستحقه، فقال: صلحاً. فلما قال الأنصاري رضي الله عنه وعفى عنه ما قال، غضب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال لزبير: «اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجد». خذ حقك كاملاً، أنا كنت أقول لك خذ أقل من حقك ومشه لجاره. ولا يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ظلم هذا الأنصاري رضي الله عنه لما أغضبه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقاً في الغضب والرضا عليه الصلاة والسلام: «اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجد».

عندكم: يصل إلى الجد؛ لأن في بعض النسخ يرجع، وهو الذي في الصحيحين، في الصحيحين يرجع إلى الجد، الجد، لأن في رواية بالدال.

لماذا قال الأصحاب إلى الكعب؟ ذكر رواية معمر عن الزهري: «نظرنا إلى قول النبي ﷺ ثم احبس الماء حتى يصل إلى الكعبين فكان ذلك إلى الكعبين»، فلذلك قالوا يسقي حتى يصل إلى الكعبين. هذا إذا كان الماء غير مملوك، كما ذكر سابقًا؛ إذا كان الماء جاريًا وقليلًا وغير مملوك قلنا إذا كان كثيرًا فلا فيه تزاحم، وإذا كان قليلًا وغير مملوك، أي مباح، فهذا يفعل به.

فإن كان مملوكًا، قال: يقسم بين الملاك بقدر النفقة والعمل. مثل أن يكون نهر كبير، فيحفر إنسان حفرة قريبة منه ويأتي هذا النهر الكبير إلى هذا النهر الصغير، فهذه الحفرة ملك لمن حفرها، قد يكون شخصًا واحدًا حفرها وقد يكون مجموعة أشخاص اشتركوا في حفرها فيتشاركون في ملكيتها، فإذا تشاركوا في ملكيتها قال: يقسم بين الملاك بقدر النفقة والعمل.

نظرنا إلى قول النبي ﷺ: «حتى يرجع» وليس «حتى يصل إلى الجدر»، يعني حتى يرجع إلى الجدر عندكم، هذه الظهر أننا ليست في الصحيحين، الأصل رواية الزهري، ولفظ البخاري ليس بهذا اللفظ، يعني قريب، يمكن لفظ يرجع. يقول: إذا كان الماء مملوكًا قُسم بين الملاك بقدر النفقة والعمل، بينهم على حسب النفقة والعمل، لأن هذا الماء ملك بالعمارة، يعني بحفر هذا النهر مكان النهر الصغير، والعمارة تكون بالنفقة.

طبعًا إذا كفى جميعهم يأخذون منه جميعًا، أما إذا لم يكفِ جميعهم فهو وتراضوا على قسمته بينهم بالمهايأة. والمهايأة تمر في كتب الفقه، يعني كل واحد في زمن معين، كل واحد يوم أو يومين أو أسبوع، هذه تسمى مهايأة، فإذا اتفقوا بينهم على قسمته بالمهايأة فالأمر على حسب اتفاقهم، لا يخرج عنهم. وإن تشاحوا في قسمته، قسم بينهم الحاكم على قدر أملاكهم، لأن كل واحد منهم يملك على قدر ذلك.

قال: وتصرف كل واحد في حصته بما شاء، يعني لو كانوا مثلا خمسة، كل واحد يملك الخمس، واتفقوا مثلاً على القسمة بالمهايأة، اليوم الأول لفلان واليوم الثاني لفلان، هذا يتصرف في حصته؛ إن أراد أن يسقي مزرعته فعل، وإن أراد أن يبيع هذا الماء فعل، وإن أراد أن يوزعه إلى غيره فعل، هو حر في التصرف بحصته.

أحسن الله إليكم شيخًا، قال رحمه الله تعالى: «وللإمام دون غيره حمى مرعى»، أي أن يمنع الناس عن مرعى لدواب المسلمين التي يقوم بحفظها كخير الجهاد والصدقة، ما لم يضرهم بالتضييق عليهم؛ لما روى عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «حمى النقيع لخير المسلمين»، رواه أبو عبيد. وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه. ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضًا من مرعى موات أو حمى؛ لأنه عليه السلام شرك الناس فيه.

تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الحمى، وأن للإمام أن يحمي، وهي معروفة عندنا بالمحميات، فللإمام أن يحمي، قال: للإمام دون غيره. وإذا اشترط للحمى ثلاثة شروط: أن يكون الحمى من الإمام، أو من ينيب الإمام؛ فالأمر يعني لا يأتي أحد ويجد بقعة من الأرض ويحميها، يعني لم يحيها ولا شيء، بس يحميها ويقول أنا أريد أن أرعى فيها دوابي، فهو ليس إمامًا ولا مخولًا من ذلك، هذا لا يحق له ذلك.

الشرط الثاني: أن يكون لدواب المسلمين، يعني حتى الإمام لا يحمي لنفسه، إنما يحمي لدواب المسلمين، أي التي كلف الإمام بحفظها مثل إبل الصدقة ونحو ذلك. والشرط الثالث: ألا يضر بالمسلمين؛ فإن كانت الأراضي مثلاً أراضي الرعي قليلة جدًا، فلو حمى الإمام لدواب المسلمين -ويقصد الدواب التي كلف الإمام بحفظها- ضيق على الناس في المرعى بمعنى أنه لا يوجد أراضٍ أخرى يرعون فيها، فإنه لا يجوز ذلك.

إذًا يجوز للإمام الحمى بثلاثة شروط: أن يكون الحمى من الإمام، وأن يكون لدواب المسلمين التي يقوم بحفظها كخير الجهاد والصدقة، ما لم يضرهم بالتضييق عليهم. قال: لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ حمى النقيع لخير المسلمين. الحمى أن يحمي أرضًا من الموات يمنع الناس من الرعي فيها من الكلاء ليختص بها، العرب كانت تفعل ذلك، فنهاهم النبي ﷺ وقال: «لا حمى إلا لله ولرسوله».

النبي ﷺ له أن يحمي لنفسه وللمسلمين، لكن النبي ﷺ لم يحمِ لنفسه وإنما حمى للمسلمين، أما سائر الأئمة فليس لهم أن يحموا إلا للمسلمين على وجه لا يضر بالناس. ولفعل عمر دليل الحمى، حمى الأئمة فعل عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما حيث حميا للمسلمين ذلك ولم ينكر، فكان إجماعًا، ولأن الأئمة يقومون مقام النبي ﷺ في حماية مصالح المسلمين. وإنما لم يجز حمي ما فيه ضرر للمسلمين، لأن الحمى إنما شرع لمصلحة، وليس من المصلحة إدخال الضرر على أكثر الناس.

قالوا: وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه، يعني الأماكن التي حماها النبي ﷺ مثل حمى النقيع لخير المسلمين، فهذا ليس لأحد نقضه حتى لو زالت الحاجة، ولا تغييره مع بقاء الحاجة إليه. ومن أحيا شيئًا لم يملكه. طبعًا إذا كانت الحاجة للحمى ما زالت موجودة فلا يجوز نقضه بالإجماع، أما إذا زالت الحاجة، فهل يجوز نقضه أو لا؟ وجه للأصحاب رحمهم الله تعالى، والأصح عندهم أنه لا يجوز نقضه؛ لأن النبي ﷺ نص على حمايته فلا يقدم الاجتهاد على النص.

قال: وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه؛ لو أن إمامًا حَمى ثم أتى إنسان بعده إمام فنقض هذا وجعله للمسلمين جميعًا فيجوز له ذلك، حتى وإن ترك وأحياه إنسان فإنه يملكه؛ لأن حمى الأئمة اجتهاد، وملكية الأرض بالإحياء نص، والنص يقدم على الاجتهاد. قال: ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب...

الدواب عوضًا عن مرعى موات أو حما. لو أن شخصًا جلس في طرف البر، في مكان ما، وقال: «من أراد أن يرعى إبله في هذا المكان سآخذ منه مقابلاً»، هل يجوز له ذلك أو لا؟ يقول: لا، لا يجوز. لماذا؟ لأن الناس تركاء، فالتلا في الماء والكلا والنار.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: «ومن جلس في نحو جامع لفتوى أو إقراء فهو أحق بمكانه ما دام فيه أو غاب لعذر وعاد قريبًا، ومن سبق إلى رباط أو نزل فقيه بمدرسة أو صوفي بخانقاه لم يبطل حقه بخروجه منه لحاجة».

هنا هذا المؤلف رحمه الله الحقها بمسائل الإحياء، وهي ليست من إحياء الموات، لكن فيها شبه بالتحجر. يقول: «من جلس في نحو جامع لفتوى أو إقراء فهو أحق بمكانه ما دام فيه»، مثل من سبق إلى مكان للبيع والشراء من غير إقطاع فهو أحق به ما دام فيه. فكذلك لو أن شخصًا معتادًا على الجلوس في مكان يفتي فيه أو يقرئ الناس فيه، فهو أحق بهذا المكان ما دام فيه، فإذا ذهب فإنه يزول حقه، ولو رجع ولم يجد أحدًا فرجع له. لكن لو خرج لحاجة وعاد قريبًا، فلما رجع وجد شخصًا مكانه، فإنه هنا هو أحق به؛ ولذلك قال: «أو غاب لعذر وعاد قريبًا». لو ذهب مثلًا لدورات المياه ليتوضأ ثم عاد ووجد شخصًا آخر سَمَكَ أنه يقرئ أو يفتي، فهنا هذا الشخص الذي سبق وذهب لعذر ثم عاد هو أحق، لعموم: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق».

ومثلها كذلك من سبق إلى رباط؛ ولا يقصدون رباط الجهاد، بل مثل مدارس سكن طلاب العلم، فمن سبق إلى رباط فهو أحق. لو أن مدرسة خاصة وقفت على الحنابلة مثلاً تكفي خمسين شخصًا، فدخلوا خمسون شخصًا، خلاص، ما حق من غيرهم. «من سبق إلى رباط أو نزل فقيه بمدرسة التدريس فيها لم يبطل حقه بخروجه، أو صوفي بخانقاه» وهو موضع الصوفي يجتمعون فيه، فهنا هل يبطل حقه بخروجه؟ يقول: لا يبطل حقه بخروجه منه لحاجة؛ يعني خرج لحاجة ذهب يشتري شيئًا أو نحو ذلك ثم عاد، أنه لا يبطل حقه، لكن لو خرج خروجًا نهائيًا بطل حقه بذلك.

بهذا نكون قد أنهينا الكلام على إحياء الموات، والباب الذي يليه الجعالة. يكون الدرس القادم إن شاء الله، أسأل الله جميع التوفيق والسداد.

إذا أرادوا أن يصطلحوا على شيء، فالأصل أن يصطلحوا. يقول السؤال: إذا كان هناك خمسة يستقون من الماء المباح، ومن المعتاد أن الماء يكفي للأول والثاني، والمزرعة الثالثة والرابعة والخامسة لا يسقون، فهل فيه ظلم لهم؟ نقول: لا، ليس ظلمًا لهم، لأن الفقهاء يكونون بمثابة العصبة، لا يستحقون إلا ما فضل، فإذا لم يفضل لا يكون ظلمًا. لكن ممكن أن يصلح بينهم كما أراد النبي ﷺ الصلح بين الزبير وجاره الأنصاري، يصلح بينهم على شيء، وإلا فإذا أصروا، فإذا أصر الأول والثاني على استيفاء حقهم كاملاً فلهم ذلك.

يقول: إذا كانت الأرض مستوية، أما إذا كانت غير مستوية فقد ذكروا تفصيلاً فيها، أنا لا يحضرني التفصيل. ذكروا إذا كانت أعلاها جاء الماء إلى أعلاها وبقي أسفلها ونحو ذلك، فهل لا بد أن يستوفى جميعًا أو لا؟

هنا يقول إن في بعض المدن أنه إذا جاء مطر، أو امتلاء السد الذي يسقى منه، فيجعلون الماء يأتي إلى المزرعة الأولى حتى يصل إلى الحاجز، والحاجز يقول طويل. نقول: لا، هنا يقول لك الحاجز طويل، لابد لأجل أن تنتفع المزرعة؛ وإذا اصطلحوا على شيء فالأمر لهم، اصطلحوا على شيء وكان الماء كافيًا فالأمر لهم، لكن إذا لم يصطلحوا، فالذي يحصل أن يردون إلى ما كرر النبي ﷺ: «أسقِ الماء حتى يصل إلى الجدر».

هنا حق، كأنه أحق من غيره، وليس لأنه عطفه على مال، لأن الحق ليس مالًا، المال يملك، والحق حق اختصاص لا يملك. لكن يُنتقد، ليست موجودة في الحديث، لكن أصحابنا يستدلون بها. أنت تقصد أنها تكون بمعنى المال فتؤول، والحق له معاني، ليس له معنى واحد؛ فالحق ضد الباطل، والحق بمعنى الملك.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.