دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 75 | الدرس الأول باب إحياء الموات

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما من به من العودة لاستكمال مجالس التعليق على الروض المربع، وأسأل الله أن تكون هذه المجالس خالصة لوجهه، ويتقبلها عنده، وتكون نافعة للملقي والمستمعين.

أيها الأحبة، إن مما يوصى به طلاب العلم الصبر على طلب العلم ومجاهدة النفس على ذلك، لا سيما وأن الشواغل كثيرة والفتن تحيط بالمسلم من كل جانب. وإذا كان الشيخ موسى الحجاوي رحمه الله في مقدمته المختصرة على المقنع قد ذكر أنه تصرف فيها، وأنه حذف منها مسائل نادرة الوقوع، وزاد على ما مثلها يعتمد ذكر السبب؛ إذ الهمم قد قصرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت، هذا قبلنا بنحو 500 سنة، فكيف بالحال في هذه السنوات الأخيرة؟

ولذلك نحتاج إلى التواصي على الصبر وبذل الجهد وعدم استعجال الثمرة. لا يحسب الإنسان أنه يكفيه من العلم شهراً أو شهرين، أو سنة أو سنتين، العلم كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «مع المحبرة إلى المقبرة». وطالب العلم إذا ازداد علماً ازداد بصيرة بنفسه، وأنه يجهل أشياء كثيرة.

الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. إذا كانت الروح التي بين جنبيك لا تعلم حقيقتها، وهي التي تعيش بها، لا تعلم حقيقتها؛ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. فمهما ازداد الإنسان من العلم فإنه يزداد بصيرة بحاله وأنه يجهل أشياء كثيرة.

ولذلك تجد بعض الكبار من المشايخ يتوقف في مسائل لو عرضت في مجلس بين المبتدئين من طلاب العلم يتسابقوا في الجواب إليه. هل توقفه لعدم علمه؟ بل يعلم في المسألة أثراً ونحو ذلك، لكن أحياناً يخفى عليه وجه الترجيح بينها أو بما يجاب عن هذا ونحو ذلك. فذلك لعلة حصول نوع تعارض لديه بين الأدلة التي لم يصل إليها المبتدئون من طلاب العلم؛ فتجدهم ينظرون إلى ظاهر الكتاب، ظاهر الآية أو ظاهر الحديث الذي علموه، والحديث مشهور مثلاً، لكن العالم الكبير يعلم أحاديث أخرى، يعلم أشياء تعارض هذا الحديث من أحاديث أخرى، يعلم مثلاً أن هذا الحديث حصل فيه أن الأئمة لم يحتجوا به ونحو ذلك، فحصل له نوع توقف. وهذا هو الذي يفسر توقف الإمام أحمد رحمه الله في جملة من المسائل؛ فالإمام أحمد رحمه الله من يقرأ في أجوبته يجدها كثيراً يقول: لا أدري، لا أعلم ما هذا، ولا أعرف ما هذا ونحو ذلك. هل أنه لم يعلم شيئاً في المسألة؟ لا، بل يعلم في المسألة أثراً ونحو ذلك، لكن أحياناً يخفى عليه وجه الترجيح.

فلذلك يقول طالب العلم: لا يستعجل الثمرة، بل يترقى في العلم شيئاً فشيئاً. «ومن رام العلم جملة، ذهب عنه جملة» كما قال الإمام ابن شهاب الزهري رحمه الله؛ وإنما يؤخذ العلم على مر الأيام والليالي. ويقول يحيى بن أبي كثير رحمه الله: «لا ينال العلم براحة الجسم». هذا الأثر أورده الإمام مسلم رحمه الله في الصحيح، وإن كان الإمام مسلم قليل الإيراد لأقوال الصحابة أو التابعين عكس البخاري. الإمام مسلم أورده في كتاب العلم في الصحيح، لكن لم يرده هناك، بل أورده في الصلاة في باب المواقيت لما ذكر حديثاً وذكر له أسانيد وختمها بهذا الأثر؛ ليبين لك أنه ما جمع هذه الأسانيد وهو متكئ على أريكته، لا، بل تعب وبحث وجمع.

لذلك الإمام مسلم رحمه الله امتاز في صنعه عن البخاري بأنه يجمع أسانيد الحديث الواحد في موضع واحد، وقلما يكرر الحديث في موضع آخر، حصل وتكرر في كتبه خلاف الإمام البخاري رحمه الله الذي يكرر الحديث في مواضع بحسب ما يريد التبويب عليه. ولذلك مثلاً كرر حديث «إنما الأعمال بالنيات» سبعة مواضع، وكرر مثلاً حديث ابن عباس لما بات عند النبي ﷺ عند خالته ميمونة في نحو عشرين موضعاً، في كل موضع يستدل به ويبوب عليه بباب. والإمام مسلم رحمه الله لم يضع أبواباً للأحاديث، والأبواب التي فيه من وضع الشراح.

فأقول: طالب العلم لا يستعجل الثمرة، ويصبر ويصبر، ويراجع نيته وقصده في الطلب؛ لأن النية تتقلب على الإنسان. فقد يأتي ويسمع العالم الفلاني وطريقته في الفتوى واستحضاره للأحاديث وأقوال العلماء، فيريد أن يكون مثله، فيقع في قلبه أنه يريد أن يكون مثله ليخرج للناس في المجالس وفي القنوات ويفتي ونحو ذلك، فيقع في قلبه مثل ذلك، وهذا قد يؤدي به إلى الرياء ونحو ذلك. فيعالج نفسه، ولا نقول يترك الطلب، لا، فهذه خطوة شيطانية؛ لا يترك الطلب، بل يقول: أخشى أن أكون ممن تعلم العلم ليقال عالم، ثم أكون ممن أول من تسعر بهم النار. بل يصحح النية ويجاهد نفسه على ذلك. ولذلك قال سفيان رحمه الله: «ما عالجت شيئاً شد علي من نيتي».

يحتاج الإنسان إلى مجاهدة؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. جاهدوا فينا، يعني في الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه إشارة إلى الإخلاص. فإذا جاهد الإنسان ربه، وإذا جاهد الإنسان نفسه في الإخلاص، وعده الله عز وجل بأنه سيهديه سبلنا، طريقه المستقيم الواضح. وهنا أكد الله عز وجل هذا الجواب بثلاث مؤكدات: اللام، ونون التوكيد، والشيء المحذوف وهو القسم؛ لأن اللام هذه لام القسم، والتقدير: والله لنهدينهم سبلنا. فأكده الله عز وجل بثلاث مؤكدات، والقرآن جاء على أسلوب العرب، والعرب إذا أرادوا تأكيد شيء فإنهم يقسمون ويؤكدونه بأنواع من المؤكدات. فتأكيد الله عز وجل للشيء وهو الصادق في وعده هذا يزيدك يقيناً بوعد الله عز وجل.

وختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. فتحصل على الهداية وتحصل على معية الله عز وجل لك إذا أحسنت في عبادة الله عز وجل وأخلصت له، فإن الله معك، ومن كان الله معه فلن يغلب. «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فإذا أحببته...

كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه؛ فيسدده الله عز وجل في سمعه وفي بصره وفي بطشه وفي مشيه وفي جميع أموره، ويستجيب له دعاؤه، ويعيده مما التجأ إلى الله منه.

فيحرص الإنسان على الصبر على طلب العلم، وعدم استعجال الثمرة، والإخلاص لله عز وجل، ومجاهدة نفسه على ذلك. أسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح.

وكنا قد توقفنا على باب إحياء الموات. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب إحياء الموات». بفتح الميم والواو، وهي مشتقة من الموت، وهو عدم الحياة. واصطلاحًا: الأرض المنفكة عن الاختصاصات والملك المعصوم، بخلاف الطرق والأفنية ومسيل المياه والمحتطبات ونحوها، وما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية أو غيرهما؛ فلا يملك شيء من ذلك بالإحياء.

أحسنت. هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب إحياء الموات»، بفتح الميم والواو، وهي مشتقة من الموت، وهو عدم الحياة. الموات هو الأرض الخراب الدارسة، تسمى ميتة، ومواتًا، وموتانًا. أما الموتان بضم الميم وإسكان الواو، فهو الموت الذريع. وجاءنا من علامات آخر الزمان أنه يحصل موت أن شنيع، ورجل موتان أعمى قلب لا يفهم؛ هذا تعبيرها أو تعريفها في اللغة.

قال: «واصطلاحًا: الأرض المنفكة عن الاختصاصات أو ملك معصوم». يعني إذًا الموات هي أرض، وسيأتينا أنه يحيي الأرض وقد يحيي جزءًا منها، يعني يحيي بئرًا أو يحيي معدنًا أو نحو ذلك. فلا إحياء لغير الأرض؛ يعني السلع التي تباع ونحوها لا يسمى العمل فيها إحياءً، إذًا الإحياء مختص بالأرض.

ما الأرض التي تحيا؟ هي الأرض المنفكة، يعني الخالية عن الاختصاصات أو الملك المعصوم. إذًا لا بد أن تخلو من أمرين: عن الاختصاصات، والاختصاص يعني الذي لا يملك لكن صاحبه أحق به أو مجموعة من الناس أحق به، وسيأتينا أمثلة عليه. وعن الملك المعصوم، يعني ما هو مملوك، فإنه لا يحيى كما سيأتينا.

ونمثل عليه: أرض منفكة عن الاختصاصات أو ملك معصوم، أرض فضاء، جاء إنسان وقال: أنا أريد أن أجعلها مزرعة لي، فاختار مثلاً 40 مترًا في 20 مترًا، وبدأ وأحاطها بجدار وبدأ يزرع ويغرس فيها. هي ليست ملكًا لأحد، وليست لم يتعلق بها حق اختصاص لواحد من المسلمين أو للمسلمين؛ فهذه هي الموات.

إحياء الموات من أسباب الملك في الشريعة الإسلامية، وأسباب الملك في الشريعة الإسلامية كثيرة، منها أسباب قهرية، ومنها أسباب اختيارية. القهرية يعني يتملك الإنسان رغماً عنه، لا تحتاج إلى قبوله، مثل الإرث؛ فالإرث ملك قهري، بمعنى أن الإنسان لو مات أبوه وله مال، فإن جزءًا من المال سينتقل إليه، فانتقاله إليه انتقال قهري، لا يملك أن يتنازل عنه قبل الوفاة، فلا بد أن يتملكه بعد الوفاة، ثم إذا أراد بعد الوفاة أن يتنازل فالحق له في ذلك، لكنه إنما يتنازل بعد ثبوت الملك له.

عندنا إذًا ملك قهري، وعندنا ملك اختياري. الملك الاختياري أحيانًا يكون عن طريق المعاوضة، مثل البيع؛ اشترى سيارة، اشترى بيتًا، اشترى جوالًا، فهذا ملك اختياري عن طريق المعاوضة. وقد يكون عن طريق التبرع، مثل الهبة، والصدقة، والزكاة الواجبة ونحو ذلك؛ فهذه تملكها عن طريق التبرع. ومنه ما يتملكه عن طريق فعل مباح، ومنه إحياء الموات، ومنه الاصطياد؛ فهذا تملك عن طريق فعل، تملك اختياري عن طريق فعل مباح، ونحو ذلك، وهذه أمثلة وليست محصورة فيما ذكرت.

قال رحمه الله: «بخلاف الطرق والأفنية ومسيل المياه والمحتطبات ونحوها». الآن سيذكر لك الأشياء التي لا تدخل تحت التعريف. إذًا التعريف الذي يدخل تحته المنفكة عن أمرين: الاختصاصات والملك المعصوم. أما التي ذكرها فهي أمثلة للاختصاصات، فهذه لا تحيا.

قال: «بخلاف الطرق». لو أن شخصًا وجد طريق سيارات، قال: أنا سأزرع فيه، والناس يمرون من خلف المزرعة للطريق، نقول: هذا الطريق هل يملكه أحد؟ لا، لكن المسلمين يختصون بالانتفاع بالمرور به، فلذلك لا يملك إحياءه.

وكذلك الأفنية، فناء العامر ما كان مفتوحًا أمامه، مثل البرحة التي أمام بيت الإنسان؛ فهذه هل يملكها؟ لا يملكها، فلو أراد شخص أن يحيي الفناء الذي أمام بيت آخر، فلا يملك ذلك لأن هذا يرتفق به صاحب البيت. أيضًا مسيل المياه، المكان الذي هو مجرى الوادي؛ فلا يأتي إنسان يحيي هذا المجرى، لأن هذا يتعلق به مصلحة الناس. أيضًا المحتطبات، المكان الذي يحتطب منه الناس، فهذا لا يحيى لأنه يتعلق به اختصاص الناس، ونحوها مثل مدفن الموتى.

فما تعلق به مصالح المسلمين فإنه لا يحيا؛ لأن الإحياء أصلاً شرع الملك بالإحياء لنفع المسلمين، فإذا كان سينتفع بما يتضرر به غيره، عاد السبب هذا الضرر على المقصد بالإبطال؛ يعني انتفعت بما أضررت به غيرك.

طيب، هذا إذاً أمثلة على الاختصاصات. قال: «وما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية أو غيرهما فلا يملك شيئًا من ذلك بالإحياء». عندنا إذاً هذا ما تعلق به ملك معصوم. شخص أصلاً عنده مزرعة، هي ما زالت في ملكه لكنه بدأ لا يهتم بها، جاء شخص وقال: ما دام أنه لا يهتم بها، أنا سأحييها، سأزرعها خلاص وسأتملكها؛ هل له حق التملك؟ ليس له حق التملك، لماذا؟ لأن هذه الأرض ملك لمعصوم.

والمقصود بالمعصوم هنا هي المعصوم الدم والمال، وهو المسلم أو الذمي، لإخراج الحربي؛ فلو كان هذا ملكًا لحربي جاز أن يحييه لأن الحربي أصلًا دمه وماله مباح. طيب، الآن سيذكر لك...

ما يترتب على الإحياء، أحسنتم.

قال رحمه الله: «فمن أحياها، أي الأرض الموات، ملكها لحديث جابر رضي الله عنه: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له». رواه أحمد والترمذي وصححه. وعن عائشة رضي الله عنها مثله، رواه مالك وأبو داود. وقال ابن عبد البر: هو مسند صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم».

يترتب على الإحياء أن من أحيا أرضًا مواتًا -وموات قلنا التي انفكت عن اختصاصاتها وملك معصوم- فإنه يملكها، والدليل ذكر لك الدليل؛ الأصل في إحياء الموات حديث جابر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، رواه أحمد والترمذي وصححه.

شفت التخريج؟ قال في تخريجه: أخرجه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان. وما أشار إلى أن البخاري علقه، نعم، لم يذكر، وعلقه البخاري بصيغة التمريض. وعن عائشة مثله، رواه مالك وأبو داود وشكك في تخريجه؛ قال: أخرجه مالك وأبو داود عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وروي عن عائشة رضي الله عنها ولا يصح، انظروا إلى الترمذي؛ أخرجه مالك وأبو داود عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وروي عن عائشة من دون ذكر عائشة، ثم ذكر رواية عائشة: «وروي عن عائشة رضي الله عنها ولا يصح».

قال: انظروا إلى ابن أبي حاتم وإلى الدارقطني، وأخرج أحمد والبخاري من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق». انتهى.

وحديث عائشة قال: رواه مالك وأبو داود، فهو عند البخاري موصولًا باللفظ الذي ذكره هنا: «من أعمر أرضًا ميتة ليست لأحد فهو أحق». شاف في رواية خمسة فهو أحق بها، لا، حديث عائشة موصول عند البخاري، قال لك معلق، لا، حديث جابر هو المعلق، حديث عائشة موصول لكنه... ما عزوا لي البخاري لأن لفظ البخاري «فهو أحق»، ليس صريحًا في الملك، بخلاف «فهي له» فهي صريحة في الملك، فلذلك لعل هذا هو سبب عدم عزوه للبخاري.

لعلّك تراجع أبو داود إن نشوف بعض من خرجوا الحديث، حديث عائشة قالوا لم نجده عند أبي داود، وقال عند أبي داود مرسل عن عروة. يعني اثنين، بعضهم يعزوه لأبي داود الطيالسي، لكن هنا بعض كتب الأصحاب يعزونه لأبي داود، فإذا قيل أبو داود فهو المعروف السجستاني. في تأكد هل يمكن قصدهم أصله اللي هو عن عروة بدون ذكر عائشة؟

قال: «وابن عبد البر: ومسند صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم». ومسند صحيح يعني لما ذكر طرقه، وأن في بعض طرقه أنه روي مرسلاً، يعني ذكر أنه في مجموع طرقه يدل على أن له أصلًا بإسناد صحيح، وأيضًا هو متلقى بالقبول؛ يعني أن عامة العلماء رحمهم الله تعالى عليه أن من أحيا أرضًا مواتًا ملكها على اختلاف بينهم في الشروط، لكن المعنى العام أنه يملك بالإحياء هذا متفق عليه بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

عند أبي داود عن عروة ليس عن عائشة، طيب، إذاً الحديث عند أبي داود عن عروة بدون ذكر عائشة، هذا إيش؟ هذا حديث ثاني عن أبي سعيد بن زيد؛ لأنه اختلف في راوي هذا الحديث، حصل اختلاف في راوي هذا الحديث هو عائشة أو سعيد بن زيد، إنما يختلفون أصل الحديث، أصله صحيح، هو يمكن سنده عند مالك وأبي داود واحد، راجع سنده، فربما لأجل ذلك فمالك رواه موصولًا عن عائشة، وأبو داود رواه مفصلاً عن عروة، لعله لأجل هذا.

أحسن الله إليك يا شيخ. قال رحمه الله: «من مسلم وكافر ذمي، مكلف وغيره، لعموم ما تقدم، لكن على الذمي إخراج ما أحيا من موات عنوة، بإذن الإمام في الإحياء وعدمه، لعموم الحديث، ولأنها عين مباحة فلا يفتقر ملكها إلى إذن».

قال المؤلف رحمه الله تعالى: «من مسلم وكافر ذمي»، هنا كون المؤلف رحمه الله يفصل أن المحيي سواء كان مسلمًا أو كافرًا، سواء كان مكلفًا أو غيره، سواء كان بإذن الإمام أو عدمه، هذا التفصيل إشارة إلى وجود خلاف. إذا فصل -وخاصة أصحاب المختصرات، يعني في الزاد الذي فصل صاحب الزاد- فغالبًا إشارة إلى خلاف؛ لأنه لو قال من أحيا أرضًا فهي له ومشى، ما قال مسلم أو كافر ونحو ذلك، فهذا هو الموافق للإطلاق، لكن لما فصل إشارة إلى خلاف؛ لأن من الفقهاء من يقولون إن هذا الحكم خاص بالمسلم.

هنا في الزاد قال: «كافر ذمي»، إخراج الكافر الحربي، فإنه لا يملك بالإحياء. وقال: «مكلف وغيره»، يعني سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، لعموم الحديث؛ لعموم حديث: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له». العموم من وين؟ من شرطية وأدوات الشرط تدل على العموم، ولأن الإحياء جهة تمليك اشترك فيها المسلم والذمي كسائر جهاته؛ يقصدون ما ذكرنا قبل قليل: الإرث، والمعاوضة، والتبرع، والذبح يشترك فيه المسلم والذمي كذلك.

الإحياء مكلف وغيره لعموم ما تقدم، فيجوز الإحياء من كل من يملك المال للخبر: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، ولأنه فعل يملك به، فجاز ممن يملك المال كالصيد قياسًا على الصيد.

قال: «لكن على الذمي خراج ما أحيا من موات عنوة»، يعني لو كانت أرض فتحت عنوة، ووجد فيها موات، فجاء الذمي وأحيا قطعة منها، فهنا نقول عليه أن يدفع خراجها، يدفع الخراج للإمام، يعني جزءًا من المال يدفع كل سنة يدفعه للإمام. هل يملك أو لا يملك؟ خلاف بين الأصحاب رحمهم الله تعالى، حتى أنه خلاف في مفهوم كلام المردوي في الإنصاف، فمفهوم كلامه في موضع أنه يملك، ومفهوم كلامه في موضع آخر أنه لا يملك.

قال: «بإذن الإمام في الإحياء وعدمه»، يعني يقصد أنه لا يشترط في الإحياء إذن الإمام، فلو جاء إلى أرض وأحياها ولم يأذن الإمام فإنه يصح ويملكها بذلك، قال لعموم الحديث: «من أحيا أرضًا»، وقال: ولأنها عين مباحة فلا يفتقر ملكها إلى إذن، وهذا هو الذي عليه الجمهور، وهناك قول آخر.

إن الإحياء يفتقر إلى إذن الإمام؛ لأن للإمام مدخلاً في النظر في ذلك، بدليل ما سيأتينا أن من تحجر مواتاً فلم يحيِه، فإن الإمام يطالبه بأن يحييه أو يتركه لغيره، فقالوا: هذا دليل على أن للإمام مدخلاً في ذلك.

وأجيب عن هذا الدليل بأن نظر الإمام في ذلك لا يدل على اعتبار إذنه. وذكروا له نظيراً، قالوا: من وقف في مشرعة، يعني في مكان يستقي منه الماء، وأطال الوقوف ولم يستقِ، فدلهم أن يأمره أن يسقي ويذهب، يدع المجال لغيره، مع أن أصل استقائه للماء لا يحتاج إلى إذن الإمام. فقالوا: لا يعني أن الإمام يلزمه في ما تحجره أن يحيي ويترك، أننا نشترط إذن الإمام في الإحياء.

وهذا القول الثاني هو الذي عليه العمل في هذه البلاد نظراً للمصلحة، ولأنه كثر ادعاء الإحياء في سنوات مضت، فأصدر ولي الأمر -بارك الله فيه- عاماً تقريباً 1387 أو 88م بمنع الإحياء وتقييده بشروط. فبدأ الناس يتقدمون بطلب إثبات الإحياء لأراضٍ قبل هذا المنع، فيخرج لهم صكوك، أما ما بعده فلا يقبل.

لكن ولي الأمر لم يغلق هذا الباب، وإنما لو أن شخصاً مثلاً أحيا أرضاً لمسكنه الخاص، فيتقدم للجهة المختصة وهي البلدية، ويستوفون منه بعض الشروط ويملكونه، ويحصل له تملك هذه الأرض بشروط وضوابط وضعوها. لكن من مثلاً يدعي إحياء أراضٍ كبيرة ونحو ذلك، فقد فُتح الباب في سنوات مضت، فحصل من بعض الناس ادعاء إحياء أراضٍ شاسعة وضيق على المسلمين بذلك، ولذلك رأى ولي الأمر، وصدرت به الفتوى من الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله تعالى، بأن الإحياء لا بد فيه من إذن الإمام.

قال رحمه الله: «ولأنها في دار الإسلام وغيرها، فجميع البلاد سواء في ذلك. والعنوة كأرض مصر والشام والعراق كغيرها مما أسلم أهله عليه أو صولحوا عليه، إلا ما أحياه مسلم من أرض الكفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج».

قال لك هنا: في دار الإسلام وغيرها، فجميع البلاد سواء في ذلك، سواء أحيا أرضاً في بلاد الإسلام أو بلاد الكفر، فكل ما أحياه فإنه يملكه، هذا الأصل في الشرع، لكن كما قلنا لو صار في بعض البلاد تنظيمات وجعلوا أن هذا لا بد فيه من إذن الإمام ونحو ذلك وجعلوا قيوداً وشروطاً، فإنه يتقيد بذلك.

فجميع البلاد سواء في ذلك، والعنوة كغيرها. فتملك الأراضي التي كانت بلاد كفر ثم صارت بلاد إسلام إلى أربعة أقسام: أراضٍ عنوة فتحت عنوة، ومثل على أرض الشام ومصر والعراق ومكة أيضاً. وأراضٍ أسلم أهلها عليه مثل المدينة. وأراضٍ صالح أهلها عليه، هذا القسم الثالث، على أن الأرض للمسلمين ويبقى أهلها فيها ويدفعون الخراج، مثل خيبر.

هذه الأقسام الثلاثة تملك بالإحياء، سواء فتحت عنوة، أو أسلم أهلها عليه، أو تصالح المسلمون والكفار على أن تكون الأرض للمسلمين ويبقى الكفار فيها وينتفعون بها ويدفعون الخراج عليها. القسم الرابع الذي يختلف فيه الحكم، يقول: «ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج». يعني إذا حصل صلح بين المسلمين والكفار على أن تبقى الأرض للكفار مقابل أن يدفعوا خراجاً عليها للمسلمين، فهذه البلد لا يملك المسلم ما أحيا فيها. ولذلك قال: «إلا ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج»، فهذه لما صولح على أنها لهم يعني ملك لهم، فكل بقعة فيها ملك لهم، فلا يملك مسلم منها شيئاً، فلذلك لو وجد بقعة فيها موات فأحياها فإنه لا يملكها بالإحياء؛ لأنهم صولحوا في بلادهم فلا يجوز التعرض لشيء منها، لأن الموات تابع للبلد، فإذا لم يملك البلد لم يملك الموات الذي هو تابع له.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته لعموم ما تقدم وانتفاء المانع، فإن تعلق بمصالحه كمقبرة وملقى كناسة ونحوه لم يملك. وكذا موات الحرم وعرفات لا يملك بإحياء».

هنا ذكر ما يملكه المحيي إذا أحيا أرضاً، قال: إذا أحيا أرضاً فإنه يملك ما قرب من عامر، يعني مثلاً أحيا مزرعة، فالفناء الذي بجوارها يقرب منها هذا يكون يملكه، قال: إن لم يتعلق بمصلحة هذا العامر لعموم ما تقدم وانتفاء المانع، لعموم ما تقدم الذي هو من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وانتفاء المانع الذي هو تعلق المصلحة، فما دام أنه لا يتعلق بمصلحة غيره فإنه يملكه.

قال: «فإن تعلق بمصالحه»، إن تعلق بمصالح المساكن فإنه لا يملك، يعني لا يجوز له إحياؤها ولا يملك. قال: «كمقبرة» مرصدة لدفن الموتى، فلا يأتي إنسان ويجد مكاناً مثلاً أعده أهل البلد لدفن الموتى فيحييه، فنقول: لا، لأن هذا لمصلحتهم. أو «ملقى كناسة ونحوهما» فإنه لا يملك، لماذا؟ لأن هذا يتعلق بمصالحهم.

قال: «وكذا موات الحرم وعرفات». موات الحرم ما داخل الأميال، وعرفات، طيب مزدلفة ومنى؟ نفس الحكم؟ لماذا نص على عرفات؟ نعم، أحسنت، مزدلفة ومنى من الحرم، لذلك لم ينص عليهما، موات الحرم يشمل مزدلفة ومنى، وقال عرفات. فهذه لو أن إنساناً أحيا فيها شيئاً فإنه لا يملكه بالإحياء. عرفات من الحل، وهو يقول: موات الحرم وعرفات لا يملك بالإحياء، يعني موات الحرم كله الذي داخل الأميال وكذلك عرفات، هذه لو أحيا فيها شيئاً فإنه لا يملكه.

من التضييق في أداء المناسك. لو أننا قلنا يملكه جاء واحد أحيا مئة متر وواحد أحيا خمسمئة متر، جاء الناس يحجون السنة القادمة ووجدوا نصف عرفات مملوكة، أو نصف مزدلفة مملوكة، فضيّق على المسلمين فيها. فلذلك قالوا لأجل هذا لما فيه من التضييق على الناس في أداء المناسك، واختصاص هذا الموحى بمحل الناس فيه سواء. والنبي ﷺ قال: «منى مناخ من سبق».

يأتي اللفظ إن شاء الله، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وإذا وقع في الطريق وقت الإحياء نزاع، فلها سبعة أذرع. ولا تغيروا بعد وضعها». ويقصد هنا لو أن اثنين، رجلين أحيوا مزرعة بينهما ويريدون أن يفتحوا طريقًا بينهما، فاختلفوا؛ هذا يقول يفتح من مزرعتك، وهذا يقول افتح من مزرعتك، فيقولون يجعل عرضها سبعة أذرع.

لماذا قالوا سبعة أذرع؟ ورد حديث عن النبي ﷺ: «إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع». الحديث في صحيح مسلم. وهذا لعله يحمل على ما كان في زمنهم. يعني سبعة أذرع كم في الأمتار؟ ثلاثة أمتار ونصف تقريبًا، الذراع نصف متر. فلو جعلنا الطريق بين مزرعتين ثلاثة أمتار ونصف، لا تمر به السيارة واحدة، وطريقهم ضيق؛ فلذلك نقول هذا لعله يحمل على ما كان في زمنهم، ولذلك نقول يختلف هذا باختلاف الأزمان والأحوال. فربما نقول عندنا عشرة أمتار أو نحوها يُجعل. طبعًا إذا فتح الطريق يؤخذ من هذا النصف ومن هذا النصف إذا فتح الطريق بينهما.

قال: «ولا تغيروا بعد وضعها»، يعني لو اتفقوا مثلا أن يجعلوا عرض الطريق بينهم عشرين مترًا، اتفقوا ما يغيرون بعد وضعها؛ لماذا؟ لأنهم لما وضعوا الطريق الآن صار يختص به المسلمون، صار المسلمون كلهم يختصون بالمرور به، فإذا قالوا لا خلاص نرجع نحط قاعدة أمتار، فنقول لا، الآن ستعتدون على ما تعلق به حق اختصاص، فلا يمكنكم ذلك.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «ولا يملك معدن ظاهر كالملح والكحل والجص بإحياء، وليس للإمام إقطاعه. وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يحيَ بالبناء؛ لأنه يرد الماء إلى الجانب الآخر فيضر بأهله، وينتفع به بنحو زرع». هنا ذكر المعادن، هل تملك بالإحياء؟ بمعنى أنه يحيي، ليس يحيي أرضًا ثم يعثر فيها على معدن، لا، كأنه يأتي إلى معدن فيأخذه سواءً ظاهرًا أو باطنًا، ولا يحيي هذه الأرض كاملة.

فيقول: لا يملك معدن ظاهر كالملح والكحل والجص والقير، وليس للإمام إقطاعه. المعدن الظاهر قالوا الذي يوصل إليه بدون معونة، فمثل لك الملح والكحل والجص. والملح حقيقةً جزءٌ منه نستطيع أن نقول جزءٌ منه ظاهر وجزءٌ منه باطن يحتاج إلى حفر ونحو ذلك، لكن نأتي إلى تقييد المؤلف: المعدن الظاهر لا يملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعه، يعني لا يجوز للإمام أن يقطعه لأحد من المسلمين، والاحتجاج له دون المسلمين بماذا؟ لأن فيه ضررًا للمسلمين وتضييقًا عليهم. وقد أقطع النبي ﷺ أبيض بن حمال معدن الملح، فلما قيل للنبي ﷺ إن هذا الملح بمنزلة الماء الجاري استرده منه؛ هذا المعدن الظاهر.

أما المعادن الباطنة، وهي التي لا يوصل إلا بالعمل والمؤونة كمعادن الذهب والفضة ونحوها، فهذه إذا كانت ظاهرة، يعني لو وجدها ظاهرة الأرض لا تحتاج إلى عمل، فهذه أيضًا لا يملكها بالإحياء، وإن كانت باطنة ففي خلاف، لكن أيضًا المذهب أنها لا تملك بالإحياء. يعني قول المؤلف إذاً المعدن الظاهر؛ المؤلف ما ذكر الباطن، والباطن حكمه كالظاهر في ظاهر المذهب. قالوا لأن الإحياء الذي يملك به هو العمارة التي تهيأ بها الأرض للانتفاع من غير تكرار عمل، وهذا يعني إخراج المعدن، قالوا هذا حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فلذلك لا يحصل الملك بذلك. طبعًا هذا تقرير الفقهاء، وحتى في نظام الدولة نظام المعادن أن المعادن مملوكة للدولة.

قال: «ما نضب عنه الماء من الجزائر»، جزائر جمع جزيرة، «ما نضب عنه الماء من الجزائر لم يحيَ بالبناء»، يعني إذا جزر الماء عن مكان، فهذا المكان الذي كان فيه ماء ثم جزر عنه، فإنه لا يجوز إحياؤه بالبناء؛ لماذا؟ لأنه إذا أحياه وبنى فيه، الماء يمد ويجزر، فإذا امتد يصطدم بهذا البناء فيرتد إلى الطرف الآخر ويضر بأهل الطرف الآخر من الماء. ولذلك قال: «لأنه يرد الماء إلى الجانب الآخر فيضر أهله»، أو فيضر به. قال: «وإن انتفعوا به بنحو زرع»، يعني لا هو أن يزرع فيه، لكن لا يبني فيه؛ لأنه لو زرع فيه لا يتضرر أهل الجانب الآخر، لكن الزرع لا يرد الماء إذا امتد إليه.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «ومن أحاط مواتًا بأن أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت العادة به فقد أحياه، سواء أرادها للبناء أو غيره؛ لقوله ﷺ: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له» رواه أحمد وأبو داود عن جابر رضي الله عنه. «أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء فقد أحياها. أو أجراه» أي الماء إليه أي الموات من عين ونحوها، «أو حبسه» أي الماء عنه أي عن الموات إذا كان لا يزرع معه ليزرع فقد أحياه؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من الحائط. «ولا إحياء بحرث وزرع»».

هنا ذكر ما يحصل به الإحياء، كيف نقول إنه أحيا الأرض؟ ماذا يفعل بالأرض؟ فيقول الإحياء يحصل بأمور. الأمر الأول أن يبني حائطًا، وهذا الحائط قال لك: «أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت العادة به»، والعادة تختلف من بلد إلى بلد. فيقول هذا مما يحصل به الإحياء إحاطة، يعني بناء حائط. قال: «من أحاط مواتًا بأن أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت العادة به فقد أحياه»، قال: «سواء أراده للبناء أو غيره»، ترى هذه إشارة خلاف؛ لأن من الفقهاء من قال: هذا إذا أراده للبناء، أما إذا أراده لغيره فإنه لا يلزم أن يكون حائطًا منيعًا ونحو ذلك. واستدل المؤلف رحمه الله بقوله ﷺ: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له». نص الإمام أحمد رحمه الله على ذلك في رواية علي بن سعيد فقال: الإحياء أن يحوط عليها حائطًا، أو يحفر فيها بئرًا أو نهرًا، في حديث سمرة عند أحمد وأبي داود، وجاء عن جابر.

مرفوعًا مثله، لمن أحاط حائطًا على أرض فانية، ولأن الحائط حاجز منيع فكان إحياءً، أشبه ما لو جعلها حظيرة للغنم. ولا بد أن يكون الحائط منيعًا، أن يمنع ما وراءه، ويكون مما جرت العادة بمثله، ويختلف باختلاف البلدان.

وتعداد هذه الأمور أن يحفر حائطًا، أن يحفر حائطًا ويحفر بئرًا، أو يجري ماءً، أو يحبس الماء؛ هذا هو المذهب أنها تكون بأحد هذه الأمور. وهناك قول آخر في المذهب، وهي أن الإحياء يكون بما جرت به العادة أو بما جرى به العرف فيختلف باختلاف كل بلد.

بعض البلدان كونك تحوط الأرض بالتراب تجعل حائطًا ترابيًا على الأرض وتحرثها، يقولون يكتفى به في الإحياء، وفي جيزان هكذا. وعلى المذهب لو أردنا أن نطبق نقول ليس هذا، لكن من أراد أن يجري على القول الثاني، الرواية الثانية في المذهب، أن الإحياء يكون بما جرت به العادة، أو بما جرى به عرف كل بلد؛ فإذا كان عرف البلد أن طريقة معينة تعتبر إحياء فيقال بها، وهذا هو المعمول به الثاني، أنه يرجع إلى العرف.

الأمر الثاني مما يحصل به الإحياء أن يحفر بئرًا فيصل إلى الماء، فإذا حفر في مكان ما بئر ووصل إلى الماء فإنه يعتبر بذلك قد أحيا هذا المكان، لكن لو حفر بئرًا ولم يصل إلى الماء فهذا يعتبر تحجرًا وليس إحياءً، وسيأتينا إن شاء الله حكم التحجر وأثره.

الأمر الثالث أن يجري الماء إلى الموات من عين ونحوها، يعني يجد أرضًا مواتًا وقرب مثلًا نهرًا أو قرب عين فيجري إليها الماء، فهذا يعتبر إحياء. الأمر الرابع أن يحبس الماء عن الموات، لو كانت هذه الأرض لا يمكن زرعها إلا بحبس الماء عنها، فإنه بحبس الماء عنها يعتبر بذلك قد أحياها.

لماذا يعتبر هذا كله إحياء؟ قالوا لأن نفع الأرض بذلك بالأمور الثلاثة الأخيرة: حفر البئر وإجراء الماء وحبس الماء، قال لأن نفع الأرض بدايته أكثر من الحائط، والمراد أنه يحييها بشيء تنتفع به، فالإحياء هو تهيئة الأرض لكي ينتفع بها، فسواء هيأها بحائط أو بئر أو إجراء ماء أو حبس ماء.

قال: ولا إحياء بحرث فقط أو زرع، لا إحياء بحرث أو زرع، يعني لو حرثها فقط لتتهيأ للزراعة فإنه يقول مجرد الحرث ليس بإحياء. ومجرد أن يزرع فيها شيئًا، هو فرق ترى بين الزرع والغرس، الغرس قالوا هو إحياء، والزرع لو زرع فيها شيئًا قال ليس بإحياء، لماذا؟ قال لأن هذا لا يتكرر، لأن الإحياء أن يهيئها لما ينتفع بها من غير تكرار، أما الحرث والزرع فهذا يتكرر كلما أراد الانتفاع به.

نكتفي بهذا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

نعم، في سؤال؟ يقول لما ذكر المؤلف رحمه الله قوله: «من مكلف وغيره»، كأنه يشير أنه لا تشترط النية في الإحياء، فتحتاج إلى مزيد تأمل. هل يشترط النية؟ لو حفر ووصل لبئر ولم يقصد التملك ولم يقصد إحياءه؟ الكافر منه نية لكن لا تصح من نية العباد، لكن توجد منه نية.