بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما من به من أن أمد في أعمارنا حتى بلغنا موسم الخير في هذه العشر المباركة، التي هي أفضل أيام العام، وقد أقسم الله عز وجل بها في قوله سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، وهي عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين رحمهم الله تعالى. وأقسم الله عز وجل بها دليل على شرفها، والله عز وجل عظيم لا يقسم إلا بعظيم، وهي من مخلوقاته تعالى، فلذلك الله عز وجل يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله تعالى أو بصفة من صفاته.
وأيضا هذه العشر أخبر النبي ﷺ فيها أنها أفضل أيام الدنيا، فقال: «ما من أيام العمل الصالح فيهم أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، يعني عشر ذي الحجة. قالوا: يا رسول الله، والجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا، والجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».
هذا الحديث نسمعه مرارا وتكرارا كل سنة، لكن أين العمل؟ أين التطبيق؟ أحيانا في بعض المسائل لا ينقصنا العلم بها، إنما ينقصنا العمل، فتجدنا نعلم كلنا فضل السنن الرواتب مثلا، لكن من الذي يحافظ عليها؟ لذلك من هدي السلف رحمهم الله تعالى أنهم يديمون على العمل الصالح الذي تعلموه.
ولذلك في حديث السنن الرواتب الذي روته أم حبيبة رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ، قالت: «ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ»، والراوي عنها كذلك، والراوي عنه كذلك، أربع روايات كلهم يقولون: «ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ».
وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذكر النوم، لما أخبره النبي ﷺ وهو وفاطمة لما قال: «أدلكم على خير لكما من خادم؟ إذا أخذتما مضجعكما تسبحان الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدان الله ثلاثا وثلاثين، وتكبران الله أربع وثلاثين، فهو خير لكما من خادم». قال علي رضي الله عنه: «ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ»، فقال له في الليلة التي حصل فيها معركة بين علي وبين أعدائه، فقال: «ولا ليلة فيها مثل الليلة التي فيها حرب وخوف»، ما ترك هذه الوصية التي أوصاه بها النبي ﷺ.
أرجع إلى فضل العشر، فنحن سمعنا فضلها كثيرا، وتجد طلاب العلم يبحثون في مسألة: هل هي أفضل، أو العشر الأواخر، أو ليالي هذه أفضل وأيام تلك أفضل، أو أن ليالي وأيام العشر الأوائل أفضل ما عدا ليلة القدر؟ فهي أقوال لأهل العلم، لكن إذا جئت للتطبيق، ما تجد أن الإقبال والتنافس الشديد عليها.
لذلك من عمل السلف الصالح، كما روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنهما، كان إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا لا يقدر عليه. ولذلك ينبغي للمسلم عموما ولطالب العلم خصوصا أن يولي هذه العشر قدرها، وأن يشكر الله عز وجل على نعمة بلوغها. نجد كثيرا من الناس يستغلون رمضان خاصة أيامه الأولى، وبعضهم يستغله كله ويجتهد في آخره، وهذا كثير لله الحمد، لكن الاجتهاد في هذه العشر قليل، فينبغي لنا أن نحيي هذه السنة التي كادت أن تندثر، نحييها بالاجتهاد في الأعمال الصالحة، أسأل الله أن يتقبل من الجميع.
وقفنا في باب الوديعة على قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن تعدى في الوديعة». الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ما له، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «ومن تعدى في الوديعة، بأن أودع دابة فركبها لغير نفعها، أي سقيها وعلفيها، أو أودع ثوبا فلبسه لغير خوف من عث ونحوه، أو أودع دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها إلى حرزها، أو رفع الختم عن كيسها، أو كانت مشدودة فأزال الشد، أخرج منها شيئا أو لا، ضمن».
بين المؤلف رحمه الله تعالى أن الوديعة أمانة، وبين في أول هذا الباب أن صاحبها لا يضمن إذا لم يتعد ولا يفرط، ثم ذكر مسائل على التعدي. قال: «ومن تعدى في الوديعه»، وهذه أمثلة التعدي.
أودع دابة فركبها لغير نفعها، أي لغير علفها وسقيها، فإنه يضمن، أما إذا ركبها لنفعها -وهذا مفهوم المخالفة- فإنه لا يضمن؛ فلو ركبها ليسقيها أو ليعلفها فلا ضمان لأنه مأذون فيه عرفا وشرعا. وكون المودع يضمن بالتعدي هذا لا خلاف فيه، لأن يده انقلبت من كونها يد أمانة إلى يد ضمان.
قال: «أو أودع ثوبا فلبسه»، أي استعمله له لغير خوف من عث ونحوه. العث هي السوسة التي تلحس الصوف، وهذه تأتي للشيء الذي طال وقته في مكان ما، فيقول: أنا سألبس هذا الثوب ثم أعيده، ثم ألبسه ثم أعيده فترة الوديعة، لماذا؟ لكي تأتي هذه السوسة، فهل يضمن أو لا؟ لا يضمن، لأن هذا لا يعد تعديا.
المثال الثالث: «إذا أودع دراهم فأخرجها من محرزها ثم ردها إلى حرزها». هنا ذكر في الدراهم ثلاثة أمثلة: أودع دراهم محرزة، مثلا في صندوق، فأخرجها ثم ردها، وقوله «ثم ردها» من باب أنه لو لم يردها فإنه يضمن. وكذا لو رفع الختم عن كيسها، يعني مثلا أعطاه في ظرف وألصق هذا الختم، فجاء هو وفتحه، مجرد فتحه يعتبر تعديا، فلو سرقت أو ضاع بعضها فإنه يضمن.
والمثال الثالث في الدراهم إذا كانت مشدودة، يعني مثلا أعطاه في سرة والسرة مربوطة فأزال الربط، زال الشد هنا فإنه يضمن، لأنه هنا هتك الحرز. وإذا تعدى في الوديعة، يضمن سواء أخرج منها شيئا أو لا، حتى لو فك فقط، أو في المثال الذي قبله إذا رفع الختم فقط ولم يأخذ منها شيئا فإنه يضمن، بمعنى لو سرقت أو تلفت مثلا بعدما فك الشد.
بعض الدراهم ونحو ذلك فلم يعلم بها، فأخذت؛ يعني فلم يعلم بها فإنه هنا يضمن، يضمن، له الحرج، وهذا كله من التعدي. وإذا تعدى المودع في الوديعه، إذا تعدى المودع في الوديعه فانتفع بها، فإنه يترتب عليه أمور: الأول بطلان الوديعه، والثاني أن يده يد ضمان، والثالث أنه يلزمه الرد فوراً، وهذا يترتب على الأمر الأول؛ إذا بطلت الوديعه يلزمه الرد فوراً. والأمر الرابع أنها لا تعود وديعة إلا بعقد جديد؛ لأن يده تزول من يد أمانة إلى يد ضمان، فلا ترجع يده إلى يد أمانة إلا بعقد جديد.
وهذه ذكرها الشيخ أحمد القعيمي في الحواشي السابقات؛ إذاً هي أربعة أمور ترتبت على تعدي المودع في انتفاعه بالوديعه: بطلان الوديعه، يده يد ضمان، يلزمه الرد فوراً، ولا تعود يده يد أمانة إلا بعقد جديد.
أحسن الله عليك. قال رحمه الله: «أو خلطها بغير متميز كدراهم بدراهم، وزيت بزيت في ماله أو غيره، فضاع الكل ضمن الوديعه لتعديه، وإن ضاع البعض ولم يدري أيهما ضاع ضمن أيضاً، وإن خلطها بمتميز كدراهم بدنانير لم يضمن، وإن أخذ درهماً من غير حرزه، وإن أخذ درهماً من غير حرزه ثم رده فضاع الكل ضمنه وحده، وإن رد بدله غير متميز ضمن الجميع».
أحسنت. كلم المؤلف رحمه الله تعالى عن نوع من التعدي في الوديعه وهو خلط الوديعه بغيرها، لكن لما كان الخلط أحياناً لا تتأثر به الوديعه فإنه صار فيها تفصيل هنا. قال لك: إذا خلطها بغير متميز كدراهم بدراهم؛ الآن لو جبت خمس ورقات، خمس ريالات وورقة ثانية خمس ريالات، هل تفرق بين التي أودعتها والتي هي ملك لك؟ لا، الأصل أنك لا تفرق. فهنا خلطه بغير متميز، أو زيت بزيت؛ زيت زيتون بزيت زيتون وخلطتهما، فهنا خلط المودع بما كان مملوكاً، سواء كان في ماله أو غيره؛ يعني سواء خلط الزيت الذي أودعه بزيته هو، أو خلط الزيت الذي أودعه بزيت شخص ثالث، فهذا كله لا يختلف به الحكم، فإنه يترتب عليه أنه يضمن.
ولذلك قال هذا -طبعاً إذا خلطه بغير متميز-: «فضاع الكل ضمن الوديعه لتعديه». فيضمنها في خلطها بما لا تتميز، سواء خلطها بمثلها، أو دونها، أو أجود من جنسها، أو من غير جنسها؛ لأنه خلطها بمال خلطاً لا يتميز عنه، فوجب أن يضمنها. لماذا يضمنها؟ لأنه فوت على نفسه، فإن ردها فلزمه ضمان. قد تقول إنه يستطيع رد البدل، فلماذا نضمنه؟ أو مثلاً لو خلط زيتاً بزيت، خلط زيته بزيت غيره، فإنه يعطيه مثلاً لتراً بلتر، خلاص، قال أريد زيتاً فأعطاه لتراً من هذه المخلوط؛ هي سعينا، أحسنت. لأن الوديعه ترجع عين ما للشخص، تأخذ تحفظه تعيد عيناً، القرض هو الذي تعيد عينه، أما الوديعه هنا تعيد عينه، فهنا تعذر عليك إعادة عينه بتعذرٍ من فعل نفسك أنت الذي خلقت، فلذلك تضمن.
قال: «وإن ضاع البعض ولم يدرِ أيهما ضاع ضمن»، إنه أيضاً ضمن لأنه فرط، لأنه تعدى بالخلط. طيب، هذا إذا كان الخلط بغير متميز، طيب إذا خلطها بمتميز؟ قال: «إن خلطها بمتميز كدراهم بدنانير لم يضمن». يعني مثلاً أودع دراهم فضة فخلطها بدنانيره الذهب، أو أودع دولارات فخلطها بريالات، فهنا خلط الوديعه بمال متميز، فهل يضمن؟ لا يضمن. فلو جاء شخص وسرق هذه الدراهم المودعة وترك الدنانير، فهل يضمن؟ أو سرق هذه الدولارات وترك الريالات، فلا يهم؛ هنا خلطها بمتميز فهنا لا يضمن، لأنها تتميز عنها، فلا يعجز بذلك عن ردها على صاحبها، فلم يضمنها. قال الموفق: «لا نعلم فيه اختلافاً»، يقصد في خلط المتميز بمتميز آخر؛ يعني خلط المالين المتميزين.
قال: «وإن أخذ درهماً من غير حرزه ثم رده فضاع الكل ضمنه وحده». أودع دراهم، فبعها مثلاً في صندوق مفتوح وليس مغلقاً، فأخذ درهماً منها، أخذ درهماً وجلس ينظر إليه ثم رده في هذا الصندوق، فسرق هذا الصندوق كله، فهل يضمنه كله؟ كم يضمن؟ يضمن هذا الدرهم وحده، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله؛ لأنه لم يتعدى في غيره، هو تعدى في هذا فقط، في الدرهم فقط، لم يتعدى في غيره. وإنما يضمن ما أخذه؛ لأن الضمان تعلق بذمته بالأخذ، يعني مجرد أخذه له خلاص، يعني يوم أخذ الدرهم هذا ترى من حين أخذه انقلبت يده من يد أمانة إلى يد ضمان، فإذا أعاده فيضمنه سواء ضاع وحده أو ضاع الكل، لكن لا يضمن الباقي.
قال: «وإن رد بدله غير متميز ضمن الجميع». إذا أخذ درهماً فجلس ينظر إليه ثم رده، فسرق هذا الدرهم، الآن هو ضامن لهذا الدرهم، فجاء بدرهم آخر ورده في هذه العلبة، فسرقت هذه العلبة كلها، فهل يضمن درهماً أو يضمن الدراهم كلها؟ هنا ماذا قال المؤلف؟ «وإن رد بدله غير متميز». واضح، كيف عندها غير متميز؟ يعني لو أنه رد درهماً مثل الدراهم، لكن لو أنه رد درهماً يختلف عنه؛ يعني مثلاً بعض الدراهم تكون من كثرة الاستعمال قد تمسح شيء منها، فهي كلها مثلاً كاملة إلا هذا الدرهم البديل متمسح شيئاً ما، فهنا رد بدله متميزاً، فضاع الجميع فهل يضمنه كله؟ لا يضمن فقط الدرهم الذي أخذه.
إذاً قوله: «إن رد بدله»، نقول إذا أخذ درهماً من غير حرزه فإن رده بنفسه وباع الجميع فيضمنه وحده، وإن رد بدله فضاع الجميع فنقول ننظر: هل هذا البدل متميز أو غير متميز؟ فإن كان متميزاً فالحكم كالسابق يضمنه وحده، وإن كان غير متميز -وهو الذي ذكره المؤلف هنا- فإنه يضمن الجميع. لماذا يضمن الجميع؟ قالوا لأنه خلط الوديعه بما لا يتميز عنها، فضامن الكل؛ خلطها بما لا يتميز عنها وضامن الكل لأنه فوتها على صاحبها.
طبعاً عن الإمام أحمد رحمه الله رواية في المسألة الأخيرة، إذا رد بدله غير متميز، أنه يضمنه وحده. وحكي عن أحمد رحمه الله أنه قال في القول بتضمين الجميع إنه قول سوء. هذا التفصيل إذا لم تكن الدراهم داخل شيء محرز أو مشدود، أنه تقدم معنا قبل قليل.
إذا رُفع الختم عن كيسها أو كانت مشدودة فأزال الشد فإنه يضمن. فهذا التفصيل إذا لم تكن لذلك قبل قليل؛ مثلتُ لكم الصندوق مفتوحًا، فلو كان الصندوق مغلقًا، فسواء أخذ واحدًا ورده أو أخذ واحدًا ورد بدله، سواء كان متميزًا أو غير متميز، إذا كانت مشدودة أو مسورة فإنه إذا ضاع الكل فإنه يضمن الجميع لتعديه بهتك الحرز.
يقول: لو أخذ دينارًا ثم رده وأخبر صاحبه بذلك قبل التلف ولا بعد التلف، نقول إن أذن له صاحبه وسمح له، فإن هذا يعد استئمانًا جديدًا، فكأنه عقد معه عقدًا جديدًا، فإذا تلفت فإن يده تكون يد أمانة فلا يضمن. لكن إذا لم يأذن له فإن يده انقلبت يد ضمان فيلزمه الرد، فإذا لم يرد وتلفت فيلزمه الضمان.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «ومن أودعه صبي وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه، ومن دفع لصبي ونحوه وديعة لم يضمنها مطلقًا، ولعبد ضمنها بإتلافها في رقبته».
تذكرون في أول باب الوديعة قال المؤلف: «ويعتبر لها ما يعتبر في الوكالة من شروط الوكالة أن يكون الوكيل والموكل جائزي التصرف». هنا المودع -الذي هو في مقابلة الموكل في الوكالة- ليس جائز التصرف، فهل تصح الوديعة؟
قال المؤلف رحمه الله: «ومن أودعه صبي وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه». الصبي هنا إما أن يكون مميزًا أو غير مميز. غير المميز الحكم في حقه صحيح أنه لا يبرأ إلا برده لوليه، أما المميز فيصح إيداعه لما أذن له بالتصرف فيه.
نميز الآن هل يؤذن له بالتصرف بالبيع والشراء فيما أذن له وليه فيه، أما في الأمور التي جرت بها العادة مثل أمور المحقرات، أو أذن وليه فيه لأجل الاختبار والامتحان ليختبر بلوغه ورشده، فهنا هذا الصبي إذا أودع شيئًا أذن له بالتصرف فيه فإنه يأخذ حكم البالغ. فلو أودع المميز شخصًا مكلفًا مالًا عنده وهذا المميز مأذون له بهذا التصرف فإن هذه الوديعة صحيحة.
لكن إذا أودع شيئًا لم يؤذن له بالتصرف فيه، أو كان المودع غير مميز، مثل شخص عمره ست سنوات جاب مئة ريال وأعطاها -مثلاً- لإمام المسجد وقال له: «احفظها عندك هذه لي واحفظها عندك»، فهنا لا تصح وديعة؛ لأن هذا الصبي غير مميز فغير مأذون له بهذا التصرف بالمال، فلما لم يؤذن له بالتصرف لم تصح وديعته.
ماذا يفعل من أخذها؟ يرجعها مباشرة إلى وليه، لذلك قال: «لم يبرأ إلا بردها لوليه». فلا يصح الإيداع إلا من جاز التصرف؛ إذا أودع جائز التصرف، وإذا أودع ناقص التصرف شخصًا وديعة فإنه يضمنها بقبضها، يعني بمجرد ما يقبضها تصير يد ضمان؛ لأنه أخذ مالًا من غير إذن شرعي فضامنه كما لو غصبه، ولا يزول الضمان عنه إلا بردها لوليه.
أحيانًا يأخذها المكلف من الصبي ليحفظها؛ لأنه يخشى عليه أن يضيعها، يأخذها بقصد حفظها لا على باب الوديعه، فهنا لا يضمن. ولذلك ذكر في «الكافي» أنه إن خاف أن لم يأخذ هذا المال من الصبي أو المجنون أتلفه، مثل من أخذ مع صبي أو مع مجنون خمسمئة ريال ليحفظها، فإذا اشتري بها أشياء غير نافعة فإنه لا يضمن، فلو أخذها فسرقت منه وهو أخذها لأجل يحفظها ويبحث عن وليهم، فسرقت منه فهنا لا يضمن؛ لأنه قصد تخليص أموالهم من الهلاك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115].
المسألة الثانية، إذا كان العكس؛ المودع بالغ مكلف لكن المودع غير مكلف، قال: «ومن دفع لصبي ونحوه وديعة لم يضمنها مطلقًا». يعني شخص أعطى صبيًا مئة ريال وقال: «احفظها عندك أنا بسافر وبعد أسبوع سأرجع»، فرجع بعد أسبوع فوجد الصغير قد اشتراها، هل يضمن الصغير؟ هل يطالب والده بذلك؟ لماذا لا يضمن؟ هو الذي سلطه، قالوا: لأن هو الذي سلطه، سلط هذا غير المكلف على إتلاف ماله فلا يلزمه ضمانها.
وقوله «مطلقًا» هنا يعني سواء حفظها أو فرط في حفظها، سواء حفظها فتلفت منه تعديًا أو تفريطًا في حفظه، فالحكم واحد أنه لا يضمنها، وهذا هو أحد القولين في المذهب، وهو المذهب عند المتأخرين. وقيل القول الثاني في المذهب إنه يضمنها إذا أتلفها أو أكلها، بخلاف ما إذا تلفت عنده ولم يباشر إتلافها، وهذا قول القاضي ومال إليه الموفق رحمه الله.
وقال المرداوي: هذا المذهب على ما اصطلحنا؛ إذ ذكر المرداوي رحمه الله في مقدمة «الإنصاف» طريقة يقرر فيها المذهب، فذكر من ضمنها ما اختاره الموفق أو اختاره كثير من الأصحاب أو اختاره الشيخان -اللي هو الموفق والمجد- فإنه يكون هو المذهب. فبناءً على الاصطلاح، فإن القول الثاني قد ترى هو المذهب، لكن هذا قيد أو إطلاق أغلب، ولذلك المذهب في هذه المسألة هو الأول، هو الذي عليه المتأخرون، وعللوا ذلك بأنه يضمنه بإتلافه قبل الأداء، كالغاصب.
وعللوا قول القول الأول بأنه سلطه على ماله، فقالوا: لا، لم يسلطه عليه وإنما استحفظه هذا المال.
قال: «ولعبد»، يعني إذا سلم الوديعة لعبد فهل يضمن العبد أو لا؟ قال: «ضمنها بإتلافها في رقبته». يعني العبد يضمن هذه الوديعة إذا أتلفها، يضمنها في رقبته. وتقدم معنا معنى قولهم «في رقبته» في الغصب؛ أن المراد بها أن هناك ثلاث خيارات: إما أن يكون هذا سيد العبد يقول خلاص أنا أتحملها، أو يسلم العبد لصاحب الوديعة، أو الخيار الثالث أن يبيع العبد ثم يسدد من ثمنه صاحب الوديعة والباقي يسترجعه، فإن كان الثمن أكثر من قيمة العبد فإن العبد يتحمل الباقي، هذا معنى قولهم «في رقبته».
وهنا قال «بإتلافها»؛ يعني يضمن العبد إذا أتلف الوديعة. طيب إذا تلفت بغير تعدٍ وتفريط، فهل يضمنها؟ ظاهر كلامهم أنه لا يضمن إلا إذا أتلف، يعني هو الذي...
باشر إتلاف ما إذا تلفت بتعدٍ أو تفريط، فإن إذا تلفت بتعدٍ أو تفريط، لكن لم يباشر إتلافها فإنه لا يضمن. لكن قال في الكشاف: «وكذا إن تعدى أو فرط»، وهو مقتضى تعليلهم.
إذا نظرنا إلى تعليلهم نقول أيضًا إذا تلفت بتعدٍ أو تفريط، ولكن إذا نظرنا إلى إطلاقهم فإنهم يطلقون أنه يضمن إذا أتلفها.
السلام عليكم. قال رحمه الله: فصل، ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها، أو من يحفظ مال ربها، أو غيره بإذنه؛ بأن قال: دفعتها لفلان بإذنك، فأنكرها مالكها، أو أنكر الإذن أو الدفع. ويقبل قوله أيضًا في تلفها وعدم التفريط بيمينه؛ لأنه أمين. لكن إن ادعى التلف بظاهر كلف به بينة، ثم يقبل قوله في التلف. وإن أنكر ردها بعد طلبها بلا عذر ضمن، ويمهل؛ يمهل لأكل ونوم وهضم طعام بقدره. وإن أمره بالدفع إلى وكيله فتمكن وأبى ضمن، ولو لم يطلبها وكيله.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل في الاختلاف بين المودع والمودع. تقدم معنا مرارًا الكلام في الأمين، ومتى يقبل قول الأمين، وما المقصود بالأمين؟ وقلنا سابقًا إن الأمين هو من قبض عيناً من غيره بإذن من الشارع أو المالك، لا يختص بنفعها، وهو لا يختص بنفعها لإخراج المستعيد.
فهنا المودع قبض هذه العين التي لغيره بإذن من الشارع أو المالك، مثل ولي اليتيم. والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، ويقبل قول الأمين في نفي التعدي والتفريط. وإذا ادعى الأمين التلف، فإن استند التلف إلى أمر ظاهر فُكلف البينة عليه، ثم يقبل قوله في أن هذا المال الذي ائتمن عليه تلف بهذا الأمر الظاهر. وإن كان بأمر خفي قبل قوله فيه. وفي دعوى الرد يقبل قول الأمين، يقبل قول الأمين إذا ادعى الرد وكان قد قبض المال لمصلحة مالكها.
أما إذا قبض المال لمصلحته هو، كالرهن، أو مصلحتهما معًا كالمستأجر، فلا يقبل قوله، وفيه خلاف في المذهب. وكل من قلنا القول قوله فمحله عند عدم البينة، وكل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه. هذه تقدمت معنا مرارًا هذه القواعد، ونعيدها لأننا سنأخذها الآن ونطبقها على المودع هنا.
يقول: «يقبل قول المودع في ردها إلى ربها». قلنا في دعوى الرد يقبل قول الأمين في الرد إذا كان قد قبض المال بمصلحة مالكها، فهذا المودع قبض المال لمصلحة المالك، والمودع ليس له مصلحة في الدنيا، إلا في الآخرة في أجر الإحسان، أما في الدنيا فليس له مصلحة؛ إنه حفظها بدون أجر.
قال: «في ردها إلى ربها»، لأنه لا منفعة له في قبضها، وكذلك في ردها إلى من يحفظ مال ربها. تقدم معنا من يحفظ مال ربها مثل الزوجة أو الخادم. لو رد المودع الوديعة هذه إلى زوجة المودع أو ردها إلى خادم المودع، فجاء المودع يطالب بالمال فقال: رددتها إلى زوجتك أو إلى خادمك، فأنكر هذا وقال: لا لم تردها، فيقبل قول المودع، فيقبل قول المودع إذا لم يكن هناك بينة للمودع.
قال: «أو غيره بإذنه»، أي إلى ربها أو غيره بإذنه. يعني إذا اختلف المودع والمودع؛ لما جاء المودع مثلاً أودع عشرة آلاف ريال، جاء بعد شهر قال: أين العشرة آلاف ريال؟ قال: دفعتها إلى محمد، أنت قلت لي ادفع إلى محمد. قال: لا ما قلت لك ادفعها إلى محمد. هذه المسألة الأولى؛ أو قال: نعم، هذا أنكر الإذن أو أنكر الدفع. قال: نعم قلت لك ادفع إلى محمد لكنك لم تدفعها، فهنا اختلفوا إما في الإذن، أو في الدفع.
في هذه الحالة يقدم قول المودع، نص عليه أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور؛ لأنه ادعى دفعًا يبرأ به من الوديعة، فكان القول قوله. كما لو ادعى ردها إلى مالكها، فهنا قول المؤلف: «كما لو ادعى ردها إلى مالكها»، يعني يقيسها على المسألة الأولى؛ إذا ادعى ردها على مالك. ما وجه القياس؟ نقول وجه الشبه بينهما أنه في كلتا المسألتين ادعى دفعًا يبرأ به من الوديعة، فكان القول قوله.
هذه إذا أنكر الإذن، لكن إذا أنكر الدفع، قال: دفعت، قال: صحيح أنا قلت لك ادفع إلى محمد لكنك ما دفعتها، قال: بل دفعتها، نقدم قول المودع، لكن نذهب نسأل محمد هذا. فإذا أقر أنه قبضها، خلاص برئ المودع. إذا أنكر محمد أنه استلم هذه الريالات، فلا يخلو أمر المودع بدفعها إلى محمد من حالين:
إما أن يقول: ادفعها إلى محمد سدادًا لدين علي لمحمد. مثل أن يعطي زيد صالحًا ثلاث ريالات وديعة، ويقول له: أنا مسافر بعد شهر بطلبها منك، جاء بعد عشرين يوم واتصل عليه وقال: إن محمدًا يطالبني بعشرة آلاف ريال، فاجعل الوديعة التي عندك سدد بها لمحمد. فإذا أمره أن يدفعها إليه على أنها سداد دين، فذهب وسلمها إليه، فالمودع زيد والمودع صالح، جاء زيد من السفر قال لصالح: أين الثلاث ريالات؟ قال: أنت قلت ادفع لمحمد، قال: نعم قلت لك، قال: أنت ما دفعتها، قال: بل دفعتها. فهنا نقدم قول صالح، ونذهب إلى محمد: هل استلمتها؟ فإذا أقر انتهينا، وإذا أنكر قال: لا ما استلمتها، فهنا من يقدم قوله؟ صالح أم محمد؟
الآن نفترض ما في بينات، فمن نقدم قوله؟ المسألة مرت معنا؛ المودع ما أنكر الإذن، لكنه لم يذهب ويسلمها، ومحمد أنكر وقال: ما استلمت منك. فالقول قول محمد؛ لأنه أمين بالنسبة للمودع، لكنه ليس أمينًا بالنسبة للمدائن. ولذلك أصحابنا رحمهم الله تعالى يقولون: معنى هذه المسألة في الوكالة؛ المسألة هذه مرت معنا في الوكالة إذا وكله في سداد الوديعة.
أو في الإيجاب، فوكله في سداد الدين، فقالوا: إذا وكله في سداد الدين فقضاه بغير إشهاد، هنا يضمن المودع؛ لماذا؟ فرّط ما أشهد، فرّط ولم يشهد فيضمن.
لكن إذا هذه المسألة الأولى، قلنا لا تخلو من حالين: إما أن يقول له سلمه على أنه الدين، إذا قال سلمه وديعة مثلا. اتصل محمد على زيد، قلنا زيد أودع عند صالح، قال: سأسافر وبعد شهر إن شاء الله برجع، بعد عشرين يوم اتصل صالح على زيد وقال: أنا سأسافر، والمال الذي عندي ما أين تريد أن أجعلها؟ قال: اذهب إلى محمد واجعلها عنده، فذهب إلى محمد وجعلها، ثم راح سافر صالح، ثم لما رجع من السفر ورجع زيد من السفر جاء زيد يطالب بماله، قال: إنني أودعت عند محمد، قال: لا ما أودعت عند محمد، ذهبوا إلى محمد قال: لا ما أودعني.
فهنا يقدم قول من؟ عن زيد أو صالح؟ زيد ينكر أن صالحاً أودع محمد، ومحمد ينكر أنه استلم شيئاً من صالح، وصالح يدعي، وصالح هو الأمين يدعي أنه أودعه عند محمد؛ فيقبل قول المودع هنا.
شو الفرق بينها وبين السداد؟ قلنا ما يقبل قولك لأنك ما أشهدت الوديعة، وقالوا إنه يقبل قوله لأنه وكله في إيداع فهو وكيل، والوكيل -طبعاً هو وكيل ومودع، وكيل في إيداع ومودع في أصل المسألة فهو أمين من الوجهين- والأمين لا يقبل قوله، نعم، والأمين يقبل قوله في الرد والتلف بيمينه. فلا فائدة من الإشهاد هنا ما دام أنه سيقبل قوله لو تلفت، فلا فائدة من الإشهاد هنا.
أيضاً مما يقبل فيه قول المودع، قال: يقبل قوله أيضاً في تلفها وعدم التفريط. طبعاً في تلف وعدم التفريط بيمينه؛ لأنه أمين، وكونه يقبل قوله في تلف وعدم التفريط بيمينه هذا بغير خلاف. قال ابن المنذر: «أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت، فإن القول قوله»، وقال أكثرهم: «مع يمينه»، لأنه قبض هذه العين لمنفعة مالكها، وأيضاً عدم التفريط.
يعني لو جاء المودع وقال: أعطني ما أودعتك مثلاً سيارة أو حيواناً أو مبلغاً مالياً، فقال: سرقت، فهنا يقبل قوله. والمودع قال: لا لم تسرق، فهنا يقبل قول المودع، طبعاً سيأتينا التفصيل في التلف. وكذلك عدم التفريط، إذا قال: سرقت وكنت مفرطاً في المحافظة عليها، فقال المودع: لا سرقت وكنت مفرطاً في المحافظة عليها، فهنا يقبل قول المودع أنه ينفي التفريط، فيقبل قوله لأنه أمين.
ثم فصل المؤلف رحمه الله تعالى في التلف، فقال: إذا ادعى التلف بآمن ظاهر فإنه يكلف البينة عليه، وإذا كان بآمن خفي فإنه يقبل قوله. بآمن ظاهر مثل الحريق، لو قال: شب حريق في المستودع الذي عندي فتلف هذا المال أو تلفت هذه السيارة ونحو ذلك، فهنا هذا الحريق أمر ظاهر، فتطلب منه البينة على الحريق، فإذا أحضر البينة على الحريق يقبل قوله في أن هذا المال المودع تلف بالحريق بيمينه، لكن الأمر الظاهر يقيم عليه البينة، لأن الأمر الظاهر لا تتعذر إقامة البينة عليه، بخلاف الأمر الخفي، الأمر الخفي يقبل قوله مباشرة لأنه يتعذر إقامة البينة عليه.
قال: ويكفي في ثبوت أمر الظاهر الاستفاضة. فلو كان مثلاً مستفيضاً عند الناس، كأن يكون مجمعاً تجارياً كبيراً سطى عليه مجموعة من اللصوص وسرقوا، وكان شخص أودع مبلغاً من المال عند أحد المحلات في هذا المجمع، فلما طالبه في المحكمة قال المودع: إن المجمع سرق، وإن مما سرق هذا المال، وهذا الأمر مستفيض عند أهل البلد أنه سرق، فهنا هل يطلب القاضي من المدعى عليه المودع بينة على أنه سرق أو لا؟
لكن هنا قال: إذا تلف من الظاهر فبه بينة، هل القاضي يحكم بعلمه هنا؟ طبعاً القاضي الأصل أنه لا يحكم بعلمه إلا في ثلاث مسائل استثنوها ومن ضمنها الاستفاضة. فلو قال: إن المحل في المكان الفلاني، المجمع الفلاني، وقد سرق في اليوم الفلاني سطا عليه مجموعة من اللصوص وسرقوا هذا المال، فهنا القاضي لا يحتاج أن يقول أحضر ليبين أنه سرق، هذا أمر مستفيض عند أهل البلد، لكن لو كان لا يعلم به إلا مثلاً أهل الحي فقط، فهنا لا بد من إحضار البينة عليه.
قال: إن تأخر ردها بعد طلبها بلا عذر يعد تعدياً من المودع. المودع يلزمه رد الوديعة على مالكها إذا طلبها وأمكن أداؤها إليه بغير ضرورة، وقد أمر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، والنبي ﷺ قال: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك». ولأنها حق لمالكها لم يتعلق بها حق غيره، فلزم أداؤه إليه كالمغصوب والدين الحال.
فإن امتنع المودع من دفعها في هذه الحال، قال: أعطني الوديعة، قال: لا، لن أعطيك، بعد أسبوع سأعطيك، فمن الغد سرقت بلا تعدٍ، فالمودع فإنه يضمن؛ لأنه لما امتنع عن أدائها صار غاصباً، والغاصب يده يد ضمان. لكن لو كان هناك عذر، قال: أعطني إياها، قال: أنا الآن مسافر وسأرجع غداً، هنا عذر، فلما كان ذاك اليوم العصر سرق هذا المال المودع، فهل يضمن؟ لا، لا يضمن، هنا ما في تعدٍ منه.
ذكر لك أمثلة على العذر، قال: يمهل للأكل والنوم والهضم بقدره. لو جاء المودع واتصل بالمودع وقال: سلمني هذا المال الآن، قال: الآن أنا رجعت من العمل وسآكل وجبة الغداء وسأنام، ثم العصر إذا خرجت لصلاة العصر أسلمك هذا المبلغ، فهنا يمهل، لأن هذا مما جرت به العادة، والتأخير لمثل هذا لا يعد تعدياً.
قال: وإن أُمِر بالدفع إلى وكيله فتمكن وأبى ضمن. يعني لو قال: ادفع هذا المال إلى وكيل، وأمكنه الدفع إلى وكيله لكنه لم يدفه له فتلف هذا المال فإنه يضمن، لأنه أمسك مال غيره بغير إذنه. لكن هنا قوله: ولو لم يطلبها وكيله، هنا ما الواجب على المودع؟ هل الواجب عليه أن يسلم الوديعة، أو الواجب عليه أن يعلم المودع أو وكيله أن الوديعة عنده وأنك متى ما أردت تعال استلمها؟ هذه مسألة خلافية بين الفقهاء، هل الواجب على المودع التسليم حقيقة أو فقط يعلم صاحبها بذلك؟
ذلك ويترتب عليه مؤنة الرد، إذا قلنا يجب عليه التسليم حقيقة؛ إذاً مؤنة الرد على المودع، وإذا قلنا الواجب عليه فقط الإعلام، وهذا يجب أن يستلمها، فمؤنة الرد على المودع. والواجب عليه هو الإعلام، وليس التسليم حقيقة.
نعم، أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «فإن قال لم تودعني، ثم ثبتت الوديعه ببينة أو إقرار، ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده، لم يقبلا ولو ببينة؛ لأنه مكذب للبينة، وإن شهدت بأحدهما ولم تعين وقتاً لم تسمع، بل يقبل قوله بيمينه في الرد والتلف، فيما إذا أجاب بقوله: ما لك عندي شيء ونحوه، كما لو أجاب بقوله: لا حق لك قبلي، أو لا تستحق علي شيئاً، أو ادعى الرد أو أتلف بعده، أي بعد جحوده بها؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة ولا يكذبها».
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عما إذا تناقض المودع في الجواب. فلو طالب المودع بالمال، قال: إني أودعت عندك ألف ريال قبل أن أسافر، فأعدها لي، قال: ما أودعت شيئاً. مثلاً تقدم القاضي وقال: إني أودعت عند فلان ألف ريال قبل أن أسافر، فلما سافرت طلبتها منه فلم يسلمها لي، أطلب إلزامه بتسليمها. أيا فلان، أجب! قال: ما أودع عندي شيئاً.
هنا أنكر الوديعه، ماذا يفعل القاضي؟ يطلب من المدعي البينة: أين بينتك؟ فجاء بشاهدين، أو بشاهد وحلف معه اليمين على أنه أودع عند فلان ألف ريال في اليوم الفلاني. فلما ثبتت الوديعه بالبينة، قال المودع: صحيح أودع عندي، لكن تلفت هذه الوديعه بغير تعدٍ ولا تفريط.
قال: «تلفاً سابقين لجحوده». يعني لو كانت مثلاً الجلسة القضائية كانت يوم الأحد، فهو أنكر يوم الأحد، ثم لما جاء يوم الاثنين وأحضر شهوده قال: صحيح هو أودعني لكن تلفت يوم السبت قبل جحوده؛ دعا تلفاً سابقاً لجحوده. فهنا قال المؤلف: لم يقبلا؛ يعني لا يقبل رده دعوى الرد أو التلف ولو ببينة، حتى لو أحضر بينة وقال عندي بينة أنها تلفت، فهنا نقول: لا نسمع منك ولا البينة؛ لماذا؟ لأنه مكذب لدعواه، والبينة تكذب جوابه الأول فهو متناقض، فلا تسمع البينة.
قال: «إن شهدت بأحدهما ولم تعين وقتاً لم تسمع». أنا تمنيت أن يجعل هذه في النهاية؛ لأن عندنا هذا الجواب، بأن إذا أجاب بأنك لم تودعني، ثم لما ثبتت الوديعه بالبينة قال: نعم لكنها تلفت. تلفت متى؟ أحياناً يقول: تلفت في اليوم الفلاني، وهو سابق لليوم الذي جحد به الوديعه. يعني مثلاً في المثال السابق، قلنا الأحد أنكر الوديعه، الاثنين قال: نعم الوديعه صحيحة لكنها تلفت يوم السبت، فهنا سابقة لجحوده.
الجواب الثاني، الاحتمال الثاني في الجواب، أن يقول: نعم أنا مودع وقد تلفت الوديعه مثلاً يوم الاثنين، الذي هو جاء بعد جحوده السابق. فهنا هل تقبل أو لا؟ سياتينا. فهنا المؤلف يقول: إذا جاء ببينة وشهدت البينة بالرد أو التلف لكن لم تعين وقتاً، لم تعين أنه قبل الجحود أو بعده، فإنها لا تسمع. لو أجل هذه إلى نهاية المسألة لكان أوضح.
قال: «بل يقبل قوله بيمين في الرد والتلف فيما إذا جاء بقوله: ما لك عندي شيء». يعني عندنا إما أن يجيب بقوله: لم تودعني، ثم تثبت البينة، ثم يقول: نعم أودعتني لكنني رددتها أو تلفت؛ فهنا نقول: متى رددتها أو تلفت؟ إذا قال رددتها أو تلفت مثلاً في يوم سابق ليوم الجحود فلا تقبل حتى لو أحضر بينة. وإذا ادعى أنه ردها أو تلفت في يوم لاحق للجحود، فإنها تقبل منه البينة.
وكذلك تقبل منه البينة إذا قال: ما لك عندي شيء، أو لا حق لك قبلي ونحوه، ثم ثبت بالبينة أنه أودعه هذا المبلغ أو هذا المال، ثم قال: نعم، وعندي ما يثبت هذا أو رددتها وعندي ما يثبت هذا؛ فهنا يقولون: تسمع البينة. لماذا؟ لأن بينته هنا غير مكذبة للجواب. لأن قوله: ما لك عندي شيء، لا ينافي أن يكون أودعه ثم تلفت بلا تعدٍ ولا تفريط، لأنها إذا تلفت بلا تعدٍ ولا تفريط فإنه يصدق عليها أنه ليس له عنده شيء.
وهذا غير ما لو قال: لم تودعني؛ إذا قال: لم تودعني، ثم ثبتت الوديعه، ثم قال: نعم أودعتني ولكن تلفت أو رددتها؛ فهنا يفرق الأصحاب. بينما إذا ادعى أن الرد والتلف سابقان للجحود فلا يقبل، أو لاحقان للجحود فيقبل بالبينة؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة ولا يكذبها.
نعم، أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «وإن مات المودع، وادعى وارثه الرد منه»، أي من وارث المودع لمورثه وهو المودع، «لم يقبل إلا ببينة؛ لأن صاحبه لم يأتمنه عليها، بخلاف المودع». هنا دعوى الوارث.
الآن محمد أودع ماله عند زيد، ثم مات زيد، جاء محمد إلى الورثة وقال: إني أودعت مورثكم مبلغاً مالياً قدر عشرة آلاف ريال. فالورثة أقروا، قالوا: نعم نذكر أنك أودعت مورثنا عشرة آلاف ريال، لكنه ردها عليك أو رددناها عليك. هنا دعوى الرد صارت من الوارث لا من المودع نفسه. فالقول قوله، لكن ذكرنا الوارث، فهل يقبل قوله؟ لا، لا يقبل إلا ببينة.
لماذا؟ المودع يقبل قوله لأنه أمين استأمنه صاحب المال الذي هو المودع، لكن هنا الورثة لم يستأمنهم صاحب المال. فنرجع إلى الأصل: الأصل أن المدعي إذا ادعى شيئاً فلا يقبل إلا ببينة. وخالف هذا الأصل في اليمين في الأمين؛ فيقبل قوله في مسائل بدون بينة خلافاً للأصل، وإلا فالأصل أنه لا يقبل قول أحد إلا ببينة. فهنا كون الوارث لا يقبل قوله بدعوى الرد، سواء قال إن مورثي ردها أو قال إنني رددتها، لا يقبل قوله إلا ببينة؛ هذا تراه ماشي على الأصل. قال: «لأن صاحبه لم يأتمنه عليها، بخلاف المودع»؛ فالمودع قد ائتمنه صاحبه عليها، فلذلك قبل قول المودع بلا بينة.
نعم، قال رحمه الله: «وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم بلا ضرر أخذه»، أي أخذ نصيبه فيسلم إليه؛ لأن قسمتهما ممكنة بغير ضرر ولا غيره. أحسنت، بغير ضرر ولا غيره.
نعم شيخ، ثبت وغيره في أشهر نسخة غبني عندنا. طيب، أحسنت. طيب، هنا يتكلم على مسألة ما إذا أودع اثنان.
عند شخص أودع اثنان عند شخص مالاً لا يمكن قسمته، مال مثلي يمكن قسمته ولا تنقصه التفرقة، قال لك: من مكيل أو موزون. فهنا طبعاً هذه المسألة تقيد أيضاً بما كان الشريك غائباً، أو كان حاضراً وامتنع من القسمة وتسليم شريكه نصيبه.
فهنا قالوا للمودع: نعم، للمودع أن يعطيه نصيبه، نصيب هذا الذي طلب القسمة؛ لأن القسمة ممكنة بغير ضرر ولا غبن، وهذا أحد الوجهين في المذهب. وفيه وجه آخر أنه لا يجوز قسمته في غيبة الشريك إلا أن يحكم بها حاكم، وهذا قاله القاضي، وعلمه أن هذا الأمر يحتاج إلى قسمة ويفتقر إلى حكم حاكم أو اتفاق بين الطرفين، وهذا الحكم والاتفاق ليس إلى المودع.
كونه ليس إلى المودع وأنه لا بد من إذن الشريك وحكم الحاكم، هذا مقتضى قولهم في باب القسمة، وأنه لا بد من حكم حاكم أو موافقة الشريك.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر إذا غصبت العين منهم مطالبه غاصب العين؛ لأنهم مأمورون بحفظها، وذلك منه وإن صادره سلطان أو أخذها منه قهراً لم يضمن»، قاله أبو الخطاب.
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن مسألة: هل لمن ملك الانتفاع أو ملك الحفظ أن يطالب الغاصب، أو لا يمكن مطالبة الغاصب إلا من مالك العين؟ قال لك: لا، له أن يطالب الغاصب.
للمستودع، الذي هو المودع، إذا غصبت العين أن يطالب الغاصب. وللمضارب كذلك، إذا غصبت العين التي يضارب بها له المطالبة ولو لم يستأذن شريكه. وكذلك المرتهن له أن يطالب غاصب العين ولو لم يستأذن من الراهن أو يوكله الراهن. وكذلك المستأجر له مطالبة غاصب العين ولو لم يوكله المالك.
لماذا؟ قال: لأن هؤلاء الأربعة مأمورون بحفظها، حفظ المال في هذه المسائل الأربع، وذلك منه، والمطالبة بالغاصب بالعين تعتبر من وسائل الحفظ على المال.
وقوله هنا «للمستودع»، اللام هنا ماذا تفهمون منها؟ هل يقصدون الجواز هنا أو هو واجب؟ إما أنهم عبروا باللام في مقابلة المنع، وأنه ليس ممنوعاً وإنما هو له ذلك، وإلا فهي من الحفظ والإنسان مأمور بالمدافعة عن مال غيره، ويلزمه ذلك، كما نص عليه في كتاب الحدود: «يلزمه الدفع عن مال غيره». فلعله عبر باللام في مقابلة قول من قال المنع، أو من فهم المنع.
قال: «وإن صادره سلطان أو أخذها منه قهراً لم يضمن»، يعني هنا يتكلم على إذا أخذت العين من غاصب قهراً، إذا أخذت العين من المودع، فهل يضمن سواء أخذت منه قهراً أو أُلزم بتسليمها؟ فإنه لا يضمن في كلتا المسألتين؛ لأن الإكراه عذر له يبيح دفعها فلم يضمنها، قاله أبو الخطاب.
أبو الخطاب من فقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى، وممن له أثر في الفقه الحنبلي وفي أصول الفقه الحنبلي رحمهم الله تعالى، وله كتاب أو عدة كتب في الفقه وأصوله، ومنها هداية الخطاب، وله رؤوس المسائل ويسمى الخلاف الصغير، وله الخلاف الكبير المسمى الانتصار، وما طبع منه إلا أجزاء يسيرة، أجزاء من العبادات فقط. وفي الأصول تمهيد أبي الخطاب رحمه الله تعالى.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وهذا آخر درس إن شاء الله في هذا العام الدراسي، ونتوقف إلى أجل لاحق إن شاء الله.
وينبغي لطالب العلم أن لا يترك مراجعة العلم حتى في وقت انقطاع الدروس، فليجعل له وقتاً يومياً في مراجعة ما تعلمه، سواء من هذا الكتاب أو غيره؛ لئلا ينسى، فالعلم إذا لم يكرر سينسى، الله المستعان.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان