دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 73 | باب الوديعة 1

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد: فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض ربعًا على باب الوديعة، بعد أن أنهينا في الدرس الماضي الكلام على مسائل باب الشفعة. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر للمصنف ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

قال المؤلف رحمه الله: باب الوديعة. من ودع الشيء إذا تركه؛ لأنها متروكة عند المودَع. والإيداع توكيل في الحفظ تبرعًا، والاستيداع توكل فيه كذلك، ويعتبر لها ما يعتبر في الوكالة، ويستحب قبولها لمن علم أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره إلا برضا ربها. وإذا تلفت الوديعة من بين ماله...

انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى الكلام على الوديعة وذكر معناها في اللغة واشتقاقها، فقال: من ودع الشيء إذا تركه، لأنها متروكة عند المودَع. الوديعة في اللغة من «ودع»، جاء منها المضارع «يدع» والأمر «دع»، واستعمالهما كثير في اللغة، أما الماضي والمصدر فاستعمالهما قليل. وأنكر بعض اللغويين الماضي والمصدر، اللي هو «ودع» و«ودع»، وقالوا إن الآتي منهما فقط المضارع والأمر، ولكن جاء المصدر في السنة؛ جاء المصدر في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات»، و«ودع» أي ترك. وجاء الماضي في السنن: «ودعوا الحبشة ما ودعوكم أو دعوا الترك ما ودعوه».

فجاء هذا في السنة، على أن بعض اللغويين ينازع في الاستدلال بالسنة على فصاحة بعض الألفاظ أو بعض الأساليب العربية، وذكر أن الأحاديث تروى بالمعنى، وأن بعض رواة الأحاديث من رجال الأسانيد ليست لغتهم عربية، فربما عبروا بغير اللفظ المستعمل عند العرب. نقول إن هي مسألة خلافية عند أهل اللغة: هل يستدل بألفاظ السنة على بعض الأساليب وبعض الألفاظ أو فصاحتها أم لا؟ أما الاستدلال بألفاظ القرآن فهذا لا إشكال فيه، وإنما وجد الإشكال في الاستدلال ببعض القراءات، خاصة القراءات الشاذة، هل يستدل بها على فصاحة هذا الاستعمال العربي أم لا؟

نرجع إلى كلام المؤلف يقول: من ودع الشيء إذا تركه، قال لأنها متروكة عند المودَع. والوديعة معروف أنها... ذكر المؤلف أن الإيداع توكيل في الحفظ تبرعًا، والاستيداع توكل فيه كذلك؛ يعني صاحب المال يودع فهو إيداع، فيوكل غيره في الحفظ، وهو المودَع، والمصدر منه استيداع. فهو يدخل في هذا العقد؛ فلفظ «استفعل» غالبًا في اللغة يدل على الطلب، مثل «استكبر» يدل على طلب الكبر، و«استغفر» طلب المغفرة، و«استجوب» طلب الجواب، وهكذا. وقد يدل على الزيادة وليس الطلب، مثل «استكبر» يعني زاد في الكبر.

لكن هنا «استودع» والاستيداع، الاستيداع هنا ليس فيه طلب ولا زيادة، بل هو من الشروع في الشيء، أي الدخول في الشيء؛ دخل في هذا العقد. وذكرنا نظيرًا له: «تصبح» دخل في الصباح. والوديعة هي حفظ مال الغير تبرعًا، من غير تصرف فيه. فإذا تصرف فيه، مثل أن يأتي محمد يريد أن يسافر، فجاء لجاره الصالح وقال: سأحفظ عندك سيارتي، الأصل أنه يحفظها عنده ولا يتصرف فيها، فإذا تصرف فيها هل تبقى وديعة أم لا؟ فإن كان بإذنه فإنها تنقلب إلى عارية فتكون يده يد ضمان، وإن كان بغير إذنه فتكون أيضًا يده يد ضمان، لكنه يعتبر غاصبًا.

والوديعة من باب الأمانة، والأصل فيها دل عليها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى الصحيح. فمن الكتاب الآيات التي تدل على حفظ الأمانة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [المائدة: 28]. ومن السنة أيضًا أحاديث كثيرة، ومنها: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». وأيضًا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت عنده ودائع قبل الهجرة فأودعها عند أم أيمن لما أراد الهجرة، وأمر عليًا أن يردها إلى أصحابها.

وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى على جواز الإيداع والاستيداع؛ إذا قلنا الجواز في مقابل المنع، وهذا لا يعني أنه قد يرتقي هذا إلى الاستحباب، لكنهم يعبرون بالجواز في مقابل المنع. وأيضًا المعنى يقتضي أن الناس إليها حاجة، فإنه يتعذر على جميع الناس الذين يملكون أموالًا أن يحفظوها بأنفسهم، فلذلك يحتاجون إلى من يحفظه لهم، فلذلك جوزت هذه لمصلحة الناس.

قال: ويعتبر لها ما يعتبر في الوكالة. والوديعة تطلق على المال نفسه، وتطلق على العقد المقتضي لحفظ المال، هذا كله يطلق عليه وديعة؛ تطلق على المال نفسه وتطلق على العقد الذي بين الطرفين، كما ذكر ذلك المرداوي رحمه الله في حاشيته على التنقيح.

قال: ويعتبر لها ما يعتبر في الوكالة، يعني يشترط لها ما يشترط في الوكالة لأنها هي وكالة في الحفظ. صاحب المال هو الموكل، والمودَع هو الوكيل في حفظ ماله. وأركانها نظير أركان الوكالة؛ فالوكالة لها ثلاثة أركان: موكل، ووكيل، والعمل الموكل فيه، ومقابلها في الوديعة: مودِع وهو صاحب المال، ومودَع وهو الذي سيحفظ المال، والوديعة وهي المال الذي اتفق على حفظه.

والوديعة تنفسخ بما تنفسخ به الوكالة، مر معنا أن الوكالة تنفسخ بالموت، موت أحد الطرفين، وجنون أحد الطرفين، وتنفسخ بالعزل، والوكالة تنفسخ بالعزل ولو لم يعلم على المذهب، والوديعة تنفسخ بالعزل إذا علم. والوديعة عقد جائز من الطرفين مثل الوكالة، فمتى أراد المودع أخذ وديعته لزم المودَع ردها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾. وفي المقابل، متى ما أراد المودَع أن يردها إلى صاحبها لزم صاحبها قبولها؛ لأن المودَع متبرع بإمساكها فلا يلزمه التبرع في المستقبل، يعني مثلاً هو حفظ هذا المال لمدة شهر.

كل هذا الشهر متبرع، فقال لصاحب: خلاص أنا أريد أن أرجعها إليك. فهنا صاحبها يلزمه قبولها، ولا يلزم المودع بالاستمرار في الوديعه؛ لأن المودع أصلاً متبرع، فلا يلزم بالتبرع في المستقبل.

الوديعة المصرفية، الوديعة الآن التي في البنوك، هل هي وديعة تأخذ أحكام الوديعة الموجودة عندنا في الفقه أو لا؟ لا تأخذ؛ ترى تضرون من ذنوب إذا قلنا تأخذ الوديعة المصرفية حكم الوديعة المذكورة عند الفقهاء. البنك الآن هل يأخذ مالك ويجعله عنده ما يتصرف فيه؟ لا، يتصرف فيه؛ فلذلك تُكيف الوديعة البنكية على أنها قرض من صاحب الحساب إلى البنك، فهو يقترضه ويرده متى شئت. وإلا لو قلنا وديعة، لقلنا لصاحب البنك: لا يجوز لك أن تتصرف فيها، بل تبقيها وديعة، متفقين على إطلاقها، لكن لا تأخذ حكم الوديعة في الفقه، وإنما تأخذ حكم القرض. ولو قلنا إنها تأخذ حكم الوديعة، لو سرقت أموال الناس في البنك، في الخزينة، فقلنا وديعة، ما يضمن البنك شيئاً.

ويستحب قبولها لمن علم أنه ثقة قادر على حفظها. الآن يتكلم لك عن حكمها بالنسبة للمودع، فيقول: طبعاً حكمها بالنسبة للمودع مباح، لكن المودع مستحب له بشرط أن يكون ثقة قادراً على حفظها؛ لماذا استحببنا له ذلك؟ لأن في قبوله للوديعة قضاء حاجة أخيه المؤمن ومعاونته، والنبي ﷺ يقول: «ما كان العبد في عون أخيه ما كان العبد في عون أخيه».

وقال: ويكره لغير الثقة القادر على حفظها، هنا عبر بالكراهة، وهذا هو الذي ذكره في المبدع وابن قدامة في الكافي. ذكر أنه لا يجوز، يقول ابن قدامة في الكافي: «وإن كان عاجزاً عن حفظها أو خائفاً من نفسه عليها لم يجز له قبولها؛ لأنه يغرر بها»، إلا برضا ربها. إذا رضي وكان عالماً بحال المودع وأنه ليس ثقة أو ليس قادراً على الحفظ.

لأن الثقة يعني الأمانة والقدرة على الحفظ، وهو القوة، وهذان ركنا الولاية. والله عز وجل يقول في قصة ابنة صاحب مدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، والقوة والأمانة ركنا الولاية. وهنا ثقة قادرة على حفظها، الثقة هذه الأمانة والقدرة على حفظها هي القوة. وإذا رضي وقد علم بحال المودع، فهنا تزول الكراهة؛ فإذا أخبر المودع صاحب الوديعة بكونه ليس أميناً، أو أنه يخشى على نفسه، أو أنه ضعيف في حفظه ونحو ذلك، ورضي صاحب الوديعة بذلك، فإنه يجوز للمودع قبول الوديعة بلا كراهة؛ لأن الحق لصاحب المال، وقد رضي بصاحب المال في اختيار من يحفظ ماله.

أحسن الله إليك. وإذا تلفت الوديعة من بين ماله ولم يتعدَّ ولم يفرط لم يضمن؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من أودع وديعة فلا ضمان عليه» رواه ابن ماجه. وسواء ذهب معها شيء من ماله أو لا.

هنا قال: إذا تلفت الوديعة من بين ماله. المثال أولاً: نقرر أن المودع أمين، وسبق معنا مراراً أن الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، فهذه هي القاعدة؛ أنه إذا تلفت ولم يتعدَّ ولم يفرط لم يضمن. وهنا قال: من بين ماله، هل لها مفهوم؟ هل نقول إذا تلفت مع ماله ضمن؟ يقصد أنه عنده مال في بيته وعنده صندوق حفظ بهذه الوديعة، فجاء شخص وسرق هذه الوديعة، هذا تلفت من بين ماله بدون تعدٍ وتفريط من المودع، فهنا يقول: لا يضمن.

فإذا تلفت مع ماله -طبعاً بدون التعدي والتفريط- فإنه لا يضمن من باب أولى، لكن المؤلف رحمه الله ذكر قيد "من بين ماله" إشارة إلى خلاف؛ حيث إن في المسألة رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله، وهي التي ذكرها بعد أن ذكر الحديث: "سواء ذهب معها شيء من ماله أو لا". في رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله أن الوديعة إذا تلفت من بين ماله غرمها، يعني إذا تلفت وحدها، عنده مال وعنده وديعة تلفت الوديعة فقط هي التي سرقت أو هي التي احترقت مثلاً وسائر مالي لم يصب بشيء، فإنه يضمن. وهذا يستدلون له بأثر عن عمر أنه ضمن أنس بن مالك رضي الله عنه وديعة ذهبت من بين ماله.

والقول الأول هو المشهور من المذهب وهو قول الجمهور، وهو المذهب كما قلنا؛ لأن الله سماها أمانة، ودليل رجحانه أن الله سماها أمانة والضمان ينافي الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. وللحديث الذي ذكره المؤلف، حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. من هو أبوه ومن هو جده؟ هو عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب، عن جده؛ وجد شعيب هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وبعضهم يقول جده هو جد عمرو، وهو تابعي، لكن المشهور أنه جده عبد الله بن عمرو بن العاص.

ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هذه قبلها أئمة الفقهاء رحمهم الله تعالى، لأن بعض المحدثين طعن في هذا السند، لكن أئمة الفقهاء رحمهم الله تعالى قبلوه. وابن القيم رحمه الله تكلم عليه في زاد المعاد، الظاهر أنه في حديث الحضانة تكلم عليه، وهذه السلسلة هي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وهذا الحديث "من أودع وديعة فلا ضمان عليه" هو حديث ضعيف، لكن معناه صحيح، يدل عليه المعاني الأخرى وعمومات الشريعة.

وأيضاً مما يدل على رجحان هذا القول، أنه مروي عن بعض الصحابة كأبي بكر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، أنه لا يضمن المودع إذا تلفت الوديعة من بين ماله.

وأيضاً من التعليل أن المستودع، أي المودع، يحفظها لصاحبها تبرعاً من غير نفع يرجع إليه، فلو لزمه الضمان لأمتنع الناس عن قبول الودائع فيحصر عليهم ضرر. ويدل على ذلك القاعدة الفقهية التي دلت عليها الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الْمُحْسِنِينَ فِي سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91]، والمودع محسن ولم يتعدَّ.

وقوله: «سواء ذهب معه شيء من ماله أو لا»، قلنا إن هذا إشارة إلى الرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله، وأنه إذا لم يذهب معها شيء من ماله بأن تلفت وحدها فإنه يضمن. واستدلوا بأثر عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضمن أنس بن مالك رضي الله عنه وديعة ذهبت من بين ماله. وأجاب الأصحاب عنه بحمله على أن أنس رضي الله عنه فرط في حفظ هذه الوديعة، بأن لم يحفظها كما يحفظ ماله.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: «ويلزمه، أي المودع، حفظها في حرز مثلها عرفاً كما يحفظ ماله؛ لأن الله تعالى أمر بأدائها، ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ». قال في الرعاية: «من استودع شيئاً حفظه في حرز مثله عاجلاً مع القدرة وإلا ضمن، فإن عينه، أي الحرز، صاحبه فأحرزها بدونه ضمن، سواء ردها إليه أو لا؛ لمخالفته له في حفظ ماله، وإن أحرزها بمثله أو أحرز منه فلا ضمان عليه؛ لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله، فما فوقه من باب أولى».

لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المودع يلزمه حفظ المال، ذكر ما حفظ المال وأين يحفظه؛ فذكر لك القاعدة العامة أنه يلزمه حفظها في حرز مثلها. هذا إذا أطلق المودع ولم يعين له مكاناً، قال: «خذ هذه النقود» أو «خذ هذه السيارة» أو «خذ هذا الجوال احفظه عندك حتى أرجع من السفر»، ما قال له: «احفظه في بيتك» أو «في سيارتك» أو «داخل مزرعتك»، بل أطلق. فهنا نقول: الأصل نرجع إلى القاعدة العامة، الأصل أنه يحفظها في حرز مثلها، يعني فيما يحفظ به أمثالها.

قال: «كما طبعاً قال لك في حرز مثلها عرفاً»، يعني الحرز يختلف باختلاف البلدان والأزمان، وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه، كما يذكره الفقهاء رحمه الله تعالى في حد السرقة. وكل مال له حفظه، وكل بلد يختلف عن بلد آخر في طريقة حفظ المال المعين. فلذلك يقول لك: كيف نعرف أن هذا حرز مثله أو لا؟ يقول لك نعرفه بالعرف، وذلك لأن الحرز لم يحدد في الشرع فرجع به إلى العرف. قال شيخنا رحمه الله، الشيخ عثمان بن حامد رحمه الله في منظومته في القواعد الفقهية والأصول: «وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف يُحلى».

ثم علل: لماذا يلزمه حفظها في حرز مثلها؟ قال: لأنه تعالى أمر بأدائها، الله عز وجل أمر بأداء الأمانات: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ؛ فهل يمكنه أن يؤدي الأمانة وهو لم يحفظها؟ إنه إذا لم يحفظ ستضيع، فهذا من إتمام الحفظ.

قال في الرعاية لابن قدامة، وله الرعاية الصغرى والكبرى، الصغرى مطبوعة قديمة، والكبرى طبع جزء منها قبل سنوات لكن لم تطبع، وأيضاً من مصادر المرداوي في الإنصاف يُلجأ إليها كثيراً. قال في الرعاية: «من استودع شيئاً حفظه في حرز مثله عاجلاً مع القدرة وإلا ضمن». لا يقول "إذا"، قال في الرعاية، فهل نقول يراعي الصغرى أو الكبرى؟ لا أعرف أنهم اصطلحوا على إطلاق الرعاية على أحد الكتابين غالباً، لذلك المرداوي دائماً يقول في الرعاية الصغرى، أو الرعاية الكبرى، أو أحياناً يقول: "قال في الرعايتين" يعني النص عليه فيهما، لكن إذا قال في الرعاية وأطلق، لا أعرف أنهم يريدون بها أحداً منهما.

قال في الرعاية: «من استودع شيئاً حفظه في حرز مثله عاجلاً مع القدرة وإلا ضمن، وإن لم يحفظه في حرز مثله مع عدم التعيين ضمن لتعديه وتفريطه». وقوله: «عاجلاً»، يدل على أنه إذا تأخر في حفظها مع قدرته على ذلك فإنه يضمن. الموفق في الكافي قال: «إن أخر إحرازها فتلفت ضمنها لترك الحفظ من غير عذر».

يعني مثلاً: أتى إليه بسيارته وقال: «خذ هذه السيارة احفظها عندك»، أعطاه إياها من العصر، فقال: «إن شاء الله غداً سأدخلها في مواقف البيت»، وكانت هذه المدينة مخوفة، وأن من ترك سيارته في الشارع قد تسرق أو تتلف أو نحو ذلك، فهو أخر حفظها إلى الغد فسرقت أو تلفَت في الليلة ذاتها، فهنا يضمن.

لكن أحياناً في مسائل -وهذه ذكرها في المغني- يقول: لو أتى شخص إلى آخر في السوق وقال له: «خذ هذا المال وديعة عندك»، واشترى صاحب المحل أو جاء يتسوق في السوق وجاء آخر وقال: «خذ هذا المال وديعة عندك احفظه في بيتك»، هل يلزمه أن يرجع الآن إلى بيته ليحفظه أو يكمل تسوقه؟ وإذا كان يبيع فإذا انتهى من بيعه رجع إلى بيته، فتأخره هنا هل هو مسموح به أو ليس بمسموح؟ الموفق رحمه الله يرى أن هذا يتسا التسامح فيه، وأنه مما جرت العادة على التسامح فيه، وأنه حتى لو لم يستأذن من المودع فإن ظاهر حال المودع أنه راضٍ بجلوس هذا في السوق إلى نهاية وقته ثم يرجع إلى بيته، أي لو سرق في هذا الوقت فإنه لا يضمن؛ لأنه سرق من غير تعدٍ وتفريط.

طيب، هنا قال لك: "يلزم حفظه في حرز مثلها"، هذا قلنا إذا أطلق، أما إذا عين له حرزاً، قال: «فإن عينه، أي الحرز، صاحبه فأحرزها بدونه ضمن». يعني عندنا إذا عين له حرزاً، قال له: «خذ هذا الجوال واحفظه في بيتك في صندوق»، هنا عين له حرزاً، أو قال: «احفظه داخل البيت»، فهنا عين له حرزاً وهو داخل البيت، فنقول هذا المودع إما أن يجعله في نفس الحرز -وهذا ما فيه إشكال- أو يجعله في مثله، مثل لو قال: «احفظه في بيتك في الغرفة الفلانية»، فحافظها في غرفة أخرى لكن نفس مواصفات الغرفة هذه ونفس الأمانة التي فيها وكل شيء، فهنا لا يضمن. هذا إذا حفظه في مثله. قلنا إذا حفظه في عينه لا يضمن، وإذا حفظه في مثله لا يضمن، وإذا حفظه في حرز أقوى منه، قال: «حفظه في بيتك فحفظه في صندوق».

مغلق داخل بيته، هنا أعلى من الذي حدده له المودع، فهنا أيضًا لا يضمن؛ لا يضمن إذا مثلاً سرقت أو تلفت أو نحو ذلك؛ لأنه هنا لم يتعدَّ ولم يفرط.

متى يضمن؟ إذا حفظه في حرز أقل مما عينه له، قال: «احفظه في بيتك»، فحفظه في داخل سيارته؛ هنا هذا حرز لكنه أقل مما عينه له صاحب المال، فهنا يضمن. لذلك قال: «إن عينه الحرز صاحبها فاحرزها بدونه ضمن»، سواء ردها إليه أو لا؛ لمخالفته له في حفظ ماله، إنه خالف. قال: «احفظها في كذا»، فحفظها في مكان أقل فهو خالف ما طلب منه.

قال: «سواء ردها»، يعني حتى لو أنه في اليوم الأول جعلها داخل السيارة، ثم في اليوم الثاني نقلها إلى داخل البيت على المكان الذي حدده له المودع، فجاء في اليوم الثالث وسرقت هذه الوديعة، فهل يضمن أو لا؟ كلامه أنه يضمن. لماذا يضمن؟ لأن هناك مخالفة.

أحد الأخوات تقول: تحولت يده لضمان؛ لما خالف تحولت يده لضمان، فلا تعود يده يد أمانة إلا باستئمان جديد. خلاص الآن انقلبت يده يد الضمان، ما تعود يده يد أمانة إلا باستئمان جديد. قال له صاحبها: «أذنت لك الآن أن تقيها في يدك»، على اتفاقنا السابق، فهنا صار استئمانًا جديدًا؛ انقلبت يده لضمان، أنه بمخالفته ترتب الضمان في ذمته، فلا ينتقل الضمان عنه.

قال: «وإن أحرزها بمثله أو أحرز منه فلا ضمان عليه»، لماذا لا ضمان عليه؟ قال: لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله فما فوق من باب أولى. يعني أنه كونه قال في الغرفة الفلانية، فحفظها في غرفة أخرى لكن نفس الأوصاف ونفس الأمان ونحو ذلك، فهنا تقييده بهذا الحرز يدل على أنه يرضى به بما كان مثله، وأيضًا من باب أولى أنه يرضى بما هو فوقه.

أحسن الله إليك، قال المؤلف رحمه الله: «وانقطع العلف عن الدابة المودعة بغير قول صاحبها ضمن»، لأن العلف من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فكأنه مأمور به عرفًا. «وإن نهاه المالك عن علفها لم يضمن»، لإذنه في إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها، لكنه يأثم بترك علفها إذا لحرمة الحيوان.

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن إيداع الدابة، ومن أودع دابة أو ما فيه روح فإنه يلزمه أن يحافظ على حياتها، ولا يتوقف ذلك على أمر صاحب المال له بذلك؛ يعني لا يلزم أن يقول: «أنا لن أنفق عليها»، لأن صاحب المال لم يأمرني بذلك، نقول لا؛ هو في توكيله لك في الحفظ، وما أعطاك إياها لتموتها، توكيلها لك في الحفظ يقتضي أنه يريد منك أن تحافظ عليها، محافظتك على مالك وأنت في محافظتك على دوابك تسقيها وتعلفها.

الأصل إذاً أنه يعلفها، فإن قطع العلف عنها، فنقول: قطع العلف والماء عن الدابة محرم مطلقًا، سواء أذن صاحبها أو لم يأذن، لكن يختلف الحكم في الضمان، هل يضمن لو تلفت أو هزلت؟ نقول لا يخلو من أمرين: إما أن يأذن له صاحبها في ترك علفها وسقيها، يعني إما أن صاحبه يأمره يقول: «اعلف وسقها»، أو يسكت عن ذلك، فهنا لم يحصل إذن من صاحبها في ترك علفها وسقيها، وهذا ترك علفها أو سقيها فتلفت أو هزلت فإنه يضمن؛ لأن هنا يعتبر متعديًا في ترك العلف والسقيا.

أما إذا نهاه صاحبها عن علفها وسقيها فتلفت، فإنه لا يضمن، لكنه يأثم. المؤلف يقول: «وانقطع العلف عن الدابة المودعة بغير قول صاحبها ضمن»، لماذا يضمن؟ لأن العلف من كمال الحفظ بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتضي علفه وسقيه، فحتى لو لم يأمره صاحبه بذلك فالعرف يقتضي علفه وسقيه، فكأنه مأمور به عرفًا.

ثم ذكر لك الحالة الثانية: «وإن نهاه المالك عن علفها وسقيها»، إن قال المالك: «لا أسمح لك أن تعطيها علفًا ولا تسقيها ماء»، فتلفت فإنه لا يضمن؛ لماذا؟ لأن عندنا الآن حقان: حق الآدمي وحق الله، فحق الآدمي لا يضمن؛ لأنه أذن في إتلافها، أي أذن صاحب الدابة للمودع في إتلاف دابته بإذنه في إتلافها حيث نهاه عن علفها وسقيها. قال: «أشبه ما لو أمره بقتلها»، يعني لو أنه قال له: «اقتل دابتي» فقتلها فإنه لا يضمن، فكذلك لو قال له: «لا تعلفها ولا تسقها». قال: «لكن يأثم بترك علفها إذا لحرمة الحيوان في نفسه»، فيجب إحياؤه لحق الله تعالى.

أحسن الله إليك، قال المؤلف: «وإن عين جيبه»، يعني قال: «احفظها في جيبك»، فتركها في كمه أو يده ضمن؛ لأن الجيب أحرز، وربما نسي فسقط ما في كمه أو يده. «وعكسه بعكسه»، فإذا قال: «اتركها في كمك أو يدك»، فتركها في جيبه لم يضمن؛ لأنه أحرز. وإن قال: «اتركها في يدك»، فتركها في كمه أو بالعكس، أو قال: «اتركها في بيتك»، فشدها في ثوبه وأخرجها ضمن؛ لأن البيت أحرز.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى على ما إذا خالف المودع تعيين المودع في مكان حفظ المال، والقاعدة ذكرناها لكم سابقًا: إذا عين له شيئًا فإن حفظه في نفس ما عين له أو في مثله أو فوقه لم يضمن، وإن حفظه في دونه ضمن. هذه القاعدة الآن يذكر لك تطبيقًا.

«وإن عين جيبه»، يعني قال: «احفظها في جيبك»، الجيب هنا لعل المراد به في ثياب السابقين، الجيب يدخل مع مكان الإزار هنا التي أمام الثوب، في جيب داخلي، فلعله هو المقصود كما ذكره الخلوتي. «إن عين جيبه فتركها في كمه أو يده ضمن»، لأن الكم واليد أقل من الجيب في الحفظ؛ لأن الكم واليد دون الجيب في الحفظ، فربما نسي وهو يمشي أنزل يده فبسطها فسقط الذي في يده أو في كمه، بخلاف الجيب الذي داخل الثوب، فحتى لو نسي أن معه وديعة فإنه أصلاً محفوظ، فالجيب أحرز.

«وعكسه بعكسه»، فلو قال: «احفظها في يدك أو في كمك»، فحفظها في جيبه فهل يضمن؟ لا يضمن؛ لأنه أحرز. طيب قال: «إن قال اتركها في يدك فتركها...»

فهل يضمن اليد والكم؟ كم هذا، أي يكون كبيراً فيدخل فيه شيء، يعني بعضهم يقول: بعض أهل العلم لما كانوا يتنقلون في رحلات طلب العلم يقولون: يجعل كتبه في أكمام، كتاب يعني يدخل في الكم. فالكم واليد، أيهما أحرز؟ هم طبعاً اختلفوا، ترى حتى الأصحاب اختلفوا أيهما أحرز، وبعضهم فرق بين وقت المغالبة، يعني لو كان يتغالب مع غيره ووقت الدعاة، لكن الذي مشى عليه الأصحاب أن كلاً منهما أحرز من جهة؛ فالكم أحرز من جهة، يعني هو أقوى، واليد أحرز من جهة.

فلذلك قالوا لما كان كل منهما أقوى من الثاني من جهة وضعف من جهة، فقالوا إذا يتعين بالتعيين، فلو نقلها إلى غيره فكأنما نقلها إلى الأضعف فهنا يضمن. أو قال اتركها في بيتك فشدها في ثيابه وأخرجها، يعني أخرج الثياب من البيت فإنه يضمن؛ جعل الوديعة داخل الثياب وشد الثياب وأخرجها والثياب كانت داخل البيت فأخرجها من البيت فإنه يضمن، لماذا؟ لأن البيت أحرز، لكن هذا الذي يذكرونه هنا. لكن اعرف القاعدة العامة: إذا عيّن له حرزاً فحفظه في عينه أو مثله أو فوقه لم يضمن، وإذا حفظه في دونه ضمن.

نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وإن دفعها إلى من يحفظ ماله عادة، كزوجته وعبده، أو ردها لمن يحفظ مال ربه، لم يضمن؛ لجريان العادة به، ويصدق في دعوى التلف والرد كالمودع، وعكسه الأجنبي والحاكم بلا عذر، فيضمن المودع بدفعها إليهما».

لأنه ليس له أن يودع من غير عذر، ولا يطالبان -أي الحاكم والأجنبي- بالوديعة إذا تلفت عندهما بلا تفريط، إن جهلاً جزم به في الوجيز؛ لأن المودع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ، فلا يجب على الثاني الضمان، لأن دفعاً واحداً لا يوجب ضمانين. وقال القاضي: له ذلك، فللمالك مطالبة من شاء منهما، ويستقر الضمان على الثاني إن علم، وإلا فالفعل الأول، وجزم بمعناه في المنتهى.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من يقوم مقام المودع في حفظ المال. عندنا المودع، الأصل في المودع أن يحفظ مال المودع بنفسه، يعني محمد أودع أموالاً عند زيد، فزيد يحفظها بنفسه وله أن يحفظها عند من يحفظ ماله عادة، وهذا هو الخيار الثاني، وهذه قوله: «من يحفظ ماله عادة»، هذه هي الضابط.

هذا الضابط يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ بعضهم مثلاً لا يثق بأحد إلا بزوجته، وبعضهم لا يثق بأحد إلا بابنه، وبعضهم لا يثق إلا بخادمه، وهكذا. لكن عندنا الضابط: من يحفظ ماله عادة، ونثلك على زوجته وعبده، وبعضهم قال خادمه، وبعضهم أضاف ولده، لكن الضابط: من يحفظ ماله عادة.

فجاء مثلاً زيد أو محمد أودع عند زيد عشرة آلاف ريال، وزيد مثلاً هي عنده في البيت، أراد أن يخرج من البيت مثلاً إلى المسجد أو إلى العمل فجعلها عند زوجته، فهنا هل فرط زيد في الحفظ؟ نقول: لا لم يفرط بجريان العادة بذلك؛ لأن الأصل في المودع أن يحفظ مال المودع بما يحفظ به ماله، وهو هذه عادته في حفظ ماله الخاص، يحفظه عند زوجته، فحفظ مال المودع عند زوجته فلا بأس بذلك.

قال: «أو ردها لمن يحفظ مال ربه»، يعني عندنا الأصل أنه إذا انتهت الوديعة، المودع يرد الوديعة إلى صاحبها، سواء انتهت أو أن المودع قال خلاص لن أستمر في الوديعة لأنها قد جازت، فإنه يردها إلى المودع، وله أن يردها إلى من يحفظ مال المودع عادة، قال لك: «أو ردها لمن يحفظ مال ربه» كالخادم والزوجة مثلاً، فهنا لا يضمن.

لو جاء مثلاً محمد وأعطى زيد عشرة آلاف ريال، سافر محمد إلى مكة وقال سأرجع بعد شهر، ولما رجع بعد شهر جاء إلى زيد يطلب عشرة آلاف ريال، قال: أنا أعطيتها ذهبت وأعطيتها زوجتك، قال: ما سمحت لك أن تعطي زوجتك، قال: أليست زوجتك تحفظ مالك؟ قال: بلى، قال: أنا أعطيتها أنا خفت أن تشرق أو أنني ثقل علي أن أجعل مالاً ليس مالي أجعلُه عندي فأرجعت إلى زوجتي، فهنا لا يضمن؛ لإجراء العادة بأن الإنسان يحفظ ماله عند من يحفظ ماله عادة كالزوجة والخادم ونحوه.

قال: «ويصدق في دعوى التلف والرد كالمودع»، سيأتينا أن المودع إذا ادعى التلف -يعني تلف إباناً بدون تعدٍ وتفريط- أو ادعى أنه ردها إلى صاحبها، فإنه يقبل قوله لأنه أمين، طبعاً يقبل قوله بيمينه. وكذلك من قام مقام المودع كاللي يحفظون ماله عادة كزوجته وخادمه ونحو ذلك، لو ادعوا الرد؛ فقد هذا المودع جعل المال عند زوجته، جاء المودع إليه وقال أين هذا المال؟ فذهب المودع إلى زوجته وقال أين مال فلان؟ قالت رددته إليه، فقال المودع: لا لم ترديه إلي. المودع حقيقة لم يستأمن هذه الزوجة وإنما استأمن زوجها، فهل يقبل قولها في الرد؟ هنا المؤلف يقول: «ويصدق»، يعني من يقوم مقام المودع يصدق في دعوى التلف والرد كالمودع؛ المودع أمين فيصدق في دعوى التلف والرد، وكذلك من قام مقامه ممن يحفظ ماله له عادة، لو ادعى التلف أو ادعى الرد فيصدق في ذلك، نتقدم معنا في العارية، الظاهر الكلام في العارية ولا في غيره، الكلام فيما إذا ادعى التلف بأمر ظاهر، وأنه إذا ادعى التلف بأمر ظاهر فإنه تُطلب منه البينة على حصول الأمر الظاهر، ثم إذا أثبت البينة قبلنا قوله أنه تلف بهذا الأمر الظاهر.

قال: «وعكسه الأجنبي والحاكم بلا عذر»، وعكسه يقصد أنه لا يصح له دفعه إليهما وإن دفع إليهما ضمن. هنا في المسألة الأولى أن دفع إلى من يحفظ ماله عادة أو من يحفظ مال ربه عادة لم يضمن، قال: «وعكسه الأجنبي والحاكم»، يعني أنه يضمن إذا دفع للأجنبي. والأجنبي المقصود به هنا ليس هو المودع ولا من يقوم مقامهما، بل غير الحاكم لأنه عطف الحاكم على الأجنبي. فهنا الأصل أنه لا يودع المودع هذه الوديعة عند غيره، يعني لو جاء محمد وأعطى زيد عشرة آلاف ريال وقال خذها وديعة، زيد ما يجي ويقول خلاص بعطيها أنا والله إني ثقل علي حفظ هذا المال ساعطيها جاري خالد، فهنا ليس له أن يعطيها إياه.

بلا عذر، بلا عذر، فإن وجد العذر مثل من حضره الموت وعنده ودائع، فله أن يعطيها إلى أجنبي أو إلى الحاكم. وكذا من أراد السفر، وستأتينا مسألة السفر؛ إذا أراد السفر وكان سيسافر إلى بلد مخوف أو الطريق مخوفاً، فهنا له أن يسلمها إلى أجنبي وإلى الحاكم، كما سيأتي هنا.

قال: «فيضمن المودع بدفعها إليهما». هذا إذا دفع إلى الأجنبي أو الحاكم بلا عذر. يعني مثلاً: محمد أودع عند زيد، وجاء زيد فأودعه عند خالد، فتلفت عند خالد بلا تعد ولا تفريط، فجاء محمد يطالب زيداً بهذا المبلغ، فذهب زيد إلى خالد وقال: والله سرق هذا المال. فهنا زيد، هل يضمن أو لا؟

نحن شكلنا المودع زيد، والمودع هو محمد، هل محمد يضمن أو لا؟ يضمن، لأنه سلمها إلى غيره من غير عذر، فيضمن؛ لأنه ليس له أن يدعي من غير عذر.

إذا ضمن الآن، هنا هل صاحب المال، الذي هو محمد في المثال السابق، هل له مطالبة من شاء منهما؟ مثل ما ذكرنا في الغصب، قلنا الآثار المترتبة على الغصب لصاحب المال أن يطالب الغاصب، وله أن يطالب من انتقلت إليه العين الموصوفة، فهو مخير في مطالبة من شاء منهما. هنا هل له مطالبة من شاء منهما؟ أما مطالبة المودع الأول فهذا ما فيه إشكال، لأنه متعدٍ حيث أودعها عند غيره بلا عذر.

الكلام في مطالبة المودع الثاني، هل له أن يطالبه أو لا؟ نقول إذا كان المودع الثاني عالماً بالحال، يعلم أن هذه وديعة، وأن صاحب الوديعة هو فلان، وأنه لم يأذن بأن تنقل الوديعة من المودع الأول، المودع الثاني يعلم بذلك، فهنا يضمن بلا إشكال، وتلفت عنده بلا تعد، فإنه يضمن سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط؛ لماذا؟ لأنه أخطأ في قبول الوديعة، الأصل أنه لا يقبل وديعة لأن المودع لم يأذن بنقل هذه الوديعة من فلان إلى فلان.

فإذا عندنا المودع إذا أودع مثلاً محمد عند زيد، وزيد جاء نقلها إلى جاره صالح، وتلفت عند صالح، لمحمد أن يطالب زيد المودع الأول هذا بلا إشكال؛ لأنه تعدى بنقل الوديعة إلى شخص آخر هو صالح، وصالح هذا ليس ممن يحفظ مال زيد. الحالة الثانية: محمد هل له أن يطالب صالح؟ نقول صالح إذا كان عالماً بالحال فله أن يطالبه، لماذا؟ لأنه متعدٍ في قبول الوديعة، فالأصل أنه لا يقبل الوديعة وصاحبها لم يأذن بها.

بقينا في الحالة الثالثة وهي محل الخلاف الذي ذكره المؤلف رحمه الله هنا: إذا كان صالح جاهلاً بالحال، جاء زيد أعطاه 3000 ريال، قال هذه وديعة، صالح يحسب أن العشرة لزيد، ما علم أنها لمحمد، حسب أنها لزيد فقبلها، ثم بعد يومين سرقت من عند صالح. هنا محمد هل له أن يطالب صالح أو لا؟

هنا محل خلاف في المذهب. المؤلف رحمه الله قال: «ولا يطالبان»، وهذا سواء كان أودعها عند صالح أو أودعها عند الحاكم بلا عذر، إذا أودعها عند الحاكم أو أودعها عند صالح بلا عذر فإنه يقول: «ولا يطالبان»، يعني إذا تلفت عندهما بلا تفريط إن جهلا. أما إذا تلفت عندهما بتعدٍ أو تفريط فإنهما يضمنان.

إذاً المودع الثاني يضمن إذا علم، أو إذا تلفت عنده بتعدٍ أو تفريط. أما إذا تلفت عنده بدون تعد ولا تفريط وهو يجهل الحال، فهل يضمن أو لا؟ ذكر لك المؤلف قولين: القول الأول أنه لا يطالب، يعني لا يضمن، قال: «جاز ما به»، وهو الذي ذكره الحجاوي هنا: «ولا يطالبان إن جهلا»، فهذا هو قول الحجاوي، وهو الذي قدمه الموفق في المقنع، وقالوا جزم به في الوجيز. وغالباً الحجاوي في الزاد إذا خالف المذهب فإنه يوافق صاحب الوجيز، وهو اختيار أيضاً شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

علل المؤلف رحمه الله بقوله: لأن المودع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ. يعني يقول لك المودع الأول، الذي هو زيد، بمجرد نقلها إلى صالح خلاص ضمن، حتى لو ما تلفت، ضمن خلاص صارت يده يد ضمان، فيقول لك ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ، فلا يجب على الثاني ضمان، لأن الثاني متى يضمن؟ إذا تلفت، فيقول لا يجب على الثاني ضمان؛ لأن دفعاً واحداً لا يوجب ضمانين. هذا هو القول الأول. وذكر القاضي أبو يعلى أن هذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله؛ لأنه ذكر أن الضمان على الأول فقط لأنه قبض قبضا موجبا للضمان على الأول، فلم يوجب ضماناً على الآخر.

القول الثاني: قال القاضي: «له ذلك»، يعني له المطالبة، والمودع له ذلك. قال: «فللمالك مطالبة من شاء منهما»، أما المودع الأول فهذا ما فيه إشكال، الكلام عن المودع الثاني؛ قال: «فللمالك مطالبة من شاء منهما»، يعني يتخير في المطالبة؛ أن يطالب المودع الأول الذي تسبب في التلف حيث نقلها إلى الثاني، أو الثاني الذي تلفت عنده.

لكن قرار الضمان عندنا، المطالبة في الضمان يطالب من شاء، لكن قرار الضمان يستقر الضمان على من؟ هنا فرق بين علم الثاني وجهله؛ قال: «يستقر الضمان على الثاني إن علم وإلا فعلى الأول»، وجزم بمعناه في المنتهى وكذلك في الإقناع. وفي الإقناع الحجاوي ذكر نفس هذا الكلام أنه له أن يطالب من شاء منهما.

إذاً عندنا المالك على القول الثاني، وهو المذهب، له أن يطالب من شاء منهما. ثم إذا طالب الأول فهل له أن يرجع للثاني؟ وإذا طالب الثاني فهل له أن يرجع إلى الأول؟ هذا معنى قرار الضمان. فنقول: إذا كان الثاني عالماً بالحال وطالبه المالك الثاني مباشرة، فإنه لا يرجع على الأول؛ لأن قرار الضمان عليه. أما إذا كان الثاني جاهلاً بالحال وطالبه المالك مباشرة، فإنه يرجع على الأول، هذا معنى قوله: «ويستقر الضمان على الثاني إن علم وإلا فعلى الأول».

إذا كان الثاني جاهلاً بالحال وطالبه المالك، فيسدد هو المالك ثم يرجع على الأول بما سدد. طلب الثاني لأنها تلفت تحت يده، فانقضوا على من تلفت تحت يده العين المغصوبة؛ من تلفت تحت يده فهو ضامن وإن كان جاهلاً، قالوا ضمانه لتلفها تحت يده، وكونه جاهلاً هنا يسوغ له الرجوع على من قبله.

نحن قلنا والثاني جاهل، أما مطالبة المالك فما فيها إشكال، ومطالبته صالحة لأن العين تلفت تحت يده، فجاز له مطالبته كما تقدم لنا في القابض للعين المغصوبة التي تلفت تحت يده، فللمالك مطالبته. وكونه جاهلاً بالحال، نقول: جهلك يسوغ لك الرجوع على من قبلك.

يقول: أصل الأمانة أصل الوديعة هي أمانة، وقلنا في تعليل عدم ضمان المودع لو قلنا بتضمينه لامتنع الناس من حفظ أموال غيرهم. فهنا لماذا ضمن الثاني وهو دخل على أنه أمين؟ نقول: ضمنناه لا لكونه ليس أميناً، ولكن ضمنناه لوجود التلف تحت يده. تلف تحت يده وهو أمين؟ قالوا: لأن الأمانة الآن نقصت لوجود التعدي السابق لها. فلما وجد التعدي السابق لها، خيرنا المالك بين مطالبة الأول ومطالبة الثاني.

قال رحمه الله: «وإن حدث خوف أو حدث للمودع سفر ردها على ربها». وإن حدث خوف أو حدث للمودع سفر، ردها على ربها أو وكيله فيها؛ لأن في ذلك تخليصاً له من دركها، أي من تحمل ضمانها. فإن دفعها للحاكم فإنه يضمن لأنه لا ولاية له على الحاضر. فإن غاب ربها حملها المودع معه في السفر، سواء كان لضرورة أو لا، إن كان أحرز ولم ينه عنه؛ لأن القصد الحفظ وهو موجود هنا، وله ما أنفق بنية الرجوع، قاله القاضي. وإلا، إن لم يكن السفر أحفظ لها أو كان قد نهى عنه، دفعها إلى الحاكم؛ لأن في السفر بها غرر؛ لأنه يعرضها للنهب أو غيره، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته. فإن أودعها مع قدرته على الحاكم ضمنها؛ لأنه لا ولاية له. فإن تعذر حاكم، أودعها ثقة؛ لفعله ﷺ لما أراد أن يهاجر، حيث أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن رضي الله عنها، ولأنه موضع حاجة، وكذا حكم من حضره الموت.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يفعله المودع عند تغير الحال من الأمن إلى الخوف، أو من الإقامة إلى السفر. المودع كان في بلاد أمن ثم حصل خوف، ماذا يفعل بالوديعة التي عنده؟ أو كان مقيماً ثم أراد السفر، فماذا يفعل بالوديعة التي عنده؟ يقول: إذا حدث خوف أو سفر، فالأصل أنه يردها على صاحبها أو وكيله فيها؛ لأن في ذلك تخليصاً له من دركها، أي من تحمل ضمانها.

طبعاً هنا الكلام فيما إذا كان صاحبها موجوداً وليس غائباً، هل له أن يسافر بها؟ وصاحبها موجود، هل له أن يسافر بها؟ هنا ما ذكرها المؤلف، لكن ذكر أنه يردها على ربها أو وكيله فيها. هذه مسألة خلافية، ولعل صاحب الروض رحمه الله أحياناً من اختصاره يدع المسائل الخلافية الدقيقة فلا يذكرها. فهنا مسألة خلافية: إذا كان صاحب الوديعة موجوداً وأراد المودع أن يسافر، ولم ينهه، أي لم يقل له لا تسافر بها، وكان السفر بها أحفظ لها من كون المودع يجعلها عند غيره في البلد، فهل له أن يسافر بها أم لا؟

الحقيقة فيه خلاف في المذهب؛ له أن يسافر بها أو لا. والمذهب أنه له أن يسافر بها، وهو الذي ذكره في الإقناع. قال المرداوي في الإنصاف والتنقيح: إنه المذهب، والقول الثاني أنه ليس له أن يسافر بها، وهو الذي قدمه في المنتهى وقدمه في الإنصاف أيضاً وصوبه، وقبلهم الموفق بن قدامة مال إلى ذلك.

يعني عندنا إذا كان صاحب المال حاضراً في البلد والمودع أراد السفر، الأصل أنه يردها إلى صاحبها، فهل له أن يسافر بها؟ طبعاً إذا كان نهاه عن السفر بها فليس له أن يسافر بها، وإذا كان السفر بها قد يضيعها وتركها عند غيره في البلد أحفظ لها، فكذلك لا يسافر بها. أما إذا كان السفر بها أحرز لها، وصاحبها لم ينه عن السفر بها وهو يستطيع أن يرجع إلى صاحبه، فهل له أن يسافر بها أو لا؟ قلنا لكم: خلاف في المذهب، ولم يذكرها صاحب الروض هنا. الذي ذكره صاحب الإقناع أن له أن يسافر بها، وهو الذي ذكره المرداوي في الإنصاف والتنقيح أنه المذهب، والقول الثاني أنه ليس له أن يسافر بها، وأنه إن سافر بها في هذه الحالة ضمن، وهذا هو الذي مال إليه الموفق في المغني، ورجعه وصوبه المرداوي في الإنصاف وقدمه في التنقيح والفتوح في المنتهى.

طيب، هذا إذا كان صاحب المال حاضراً. أما إذا كان صاحب المال غائباً، يعني صاحب المال أصلاً مسافر وهذا المودع سيسافر، فماذا يفعل؟ يقول: إن غاب ربها حملها المودع معه بشرطين: إذا كان أحرز ولم ينه عنها. حملها المودع معه في السفر، سواء كان السفر لضرورة أو لا، بشرط أن يكون أحرز، يعني كونها معه أحرز من لو تركها عند غيره في البلد، وكذلك لم ينهوه عن السفر بها؛ لأن القصد الحفظ وهو موجود هنا. قال: وله ما أنفق بنية الرجوع، قاله القاضي؛ يعني لو أنها مثلاً دواب وأنفق عليها وهو ينفق عليها أصلاً في الحضر، لكن دواب وأنفق عليها في السفر بنية الرجوع على صاحبها فله أن يرجع، لكن إذا أنفق عليها بنية التبرع فإنه لا يرجع.

قال: «وإن لا يكن السفر أحفظ لها أو كان نهى عنه»، هنا احترز بالقيدين اللذين ذكرناهما؛ ألا يكن السفر أحفظ لها أو كان قد نهى عنه، فماذا يفعل؟ قال: يدفعها إلى الحاكم. طبعاً دفعها إلى الحاكم هذا كلام البهوتي في الروض، والحجاوي ماذا قال؟ أودعها ثقة.

على طول تجاوز الحاكم، قال: إلا ثقة. لكن البوتي في الروض قال: أودعها إلى الحاكم.

لماذا يدفعها إلى الحاكم؟ قال: لأن في السفر بها غررًا. هو يقول إن السفر ليس فضلاً، بل السفر بها غرر، وهو عرضه للنهب وغيره، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته. إن الحاكم يقوم مقام الغائبين، وحتى الآن القضاة هم الولاة على أموال الغائبين. في الفترة الأخيرة استحدثت الهيئة العامة لشؤون القاصرين، وهي مستقله، قبل ذلك كان هناك حساب في البنوك تابع للمحكمة لأموال الغائبين وأموال القاصرين ونحوهم التي تودع في المحكمة.

قال: فإن أودعها مع قدرته على الحاكم ضمنها. يعني إن جعلها عند شخص آخر ولم يجعلها عند الحاكم ويستطيع أن يجعلها عند الحاكم فإنه يضمن. لماذا؟ ماذا علل به المؤلف؟ قال: لأنه لا ولاية له، لأن هذا الأجنبي لا ولاية له على مال المودع. لأن الغائب ملمود على الغائب؛ لماذا؟ لأن الحاكم هو الذي له ولاية على الغائبين.

قال: فإن تعذر حاكمه. يعني عندنا الأصل أنه يسافر بها إذا كان السفر آمنًا لها ولم ينهوا عنها، فإذا اختل أحد القيدين فإنه يجعلها عند الحاكم، ولو جعلها عند غيره فإنه يضمن. إذا اختل قيد الحاكم، ما وجد حاكمًا أو كان الحاكم ليس أهلًا لتحفظ الأموال عنده لما فيه من الجور ونحوه، فإنه يودعها عند ثقة.

قال: لفعله ﷺ لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن رضي الله عنها، ولأنه موضع حاجة. قال في تخريج الحديث: لم نقف على من أخرجه، وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق عما لا يتهم عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ أمر عليًا أن يتخلف بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس. قال ابن الملقن في البدر المنير: مشهور في السير وقوي إسناده، وابن حجر في التلخيص قال: وليس به ذكره أمينة.

قال: ولأنه موضع حاجة، قال: وكذا حكم من حضره الموت. يعني حكمه حكم السفر على ما مضى من أحكامه وتفصيله، إلا في أخذها معه؛ فمن حضره الموت فإنه لا يأخذها معه، بل يودعها الحاكم أو أجنبي إن لم يستطع الحاكم. قالوا: لأن كل واحد منهما، اللي هو الموت والسفر، سبب يخرج الوديعة عن يده.

نقف عند هذا ونسأل الله الجميع التوفيق والسداد. هناك أسئلة، هذه هي التي وقفنا عليها. الدرس القادم إن شاء الله نتكلم عن قوله: من أودع وديعة فاستخدمها استخدامًا لا يضر. الاستخدام الذي لا يضر بها مثل ركوبها ونحو ذلك، هذا لا يحتاج إلى إذن، سقيها لا يحتاج إلى إذن، لكن الذي يحتاج إلى إذن ما زاد على العادة. عندنا الأشياء التي جرت العادة بها هذه لا تحتاج.

يقول: هل للحاكم شروط أو أي حاكم في البلد؟ عندنا الفقهاء إذا قالوا في المسائل هذه "يقدمها إلى الحاكم" ونحو ذلك، يقصدون بها القاضي، قاضي البلد، وأحيانًا يقصدون به السلطة، لكن هنا المقصود به قاضي البلد.

يقول: إذا كان الشخص يحفظ ماله عادة عند صديقه أو عند قريبه مثلاً ليس ابنه ولا زوجته، مثلاً ابن عمه أو خاله أو نحو ذلك، فهل له أن يحفظ مال المودع عند هؤلاء؟ نقول: نعم، لأن عندنا الضابط العام: من يحفظ ماله عنده عادة. الفقهاء يقولون: زوجته عبده، هذا هو الذي يحفظ ماله في العادة، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان.

هذا والله أعلم، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.