دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 72 | باب الشفعة 2

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الشفعة، وتكلمنا في الدرس الماضي عن أول هذا الباب، وذكرنا بعض الشروط التي أشار لها المؤلف لثبوت الشفعة. وذكر بعض الفقهاء الحنابلة -رحمهم الله- لها أربعة شروط، وبعضهم ذكر لها خمسة شروط، وهي: أن يكون بعوض مالي، وأن يكون للشفيع ملك سابق، وأن يكون مشاعا تمكن قسمته، وأن يأخذه جميعه، وأن يطالب بها على الفور.

فشرط أن يكون بعوض مالي تقدم لنا، وأن يكون مشاعا وتمكن قسمته تقدم، وأن يأخذه جميعه تقدم لنا، وأيضا أن يطالب بها على الفور تقدم؛ بقي أي أن يكون للشفيع ملك سابق، هي التي بقيت من الشروط.

بسم الله والحمد لله، أحسن الله إليكم إن شاء الله. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا وللمصنف وللحاضرين وللمسلمين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: «والشفعة لشريكين اثنين بقدر حقهما؛ لأنها حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك». فدار بين ثلاثة نصف وثلث وسدس، فباع رب الثلث، فالمسألة من ستة، والثلث يقسم على أربعة؛ لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد؛ فإن عفا أحدهما -أي أحد الشفيعين- أخذ الآخر الكل أو ترك. ثم قال رحمه الله تعالى: «لأن في أخذ البعض أضرارا بالمشتري، ولو وهبها لشريكه أو غيره لم يصح، وإن كان أحدهما غائبا فليس للحاضر أن يأخذ إلا الكل أو يترك، فإن أخذ الكل ثم حضر الغائب قاسمه».

تقدم لنا في الدرس الماضي أن الشفعة لشخص واحد؛ فإذا كانت الشفعة لشخص واحد بمعنى أن الشراكة بين اثنين فباع أحدهما حقه، فالشفعة تكون لشريك. هنا سيتكلم عن أن المطالبة بالشفعة لثنين فأكثر، بمعنى أن العقار شراكة بين ثلاثة أو بين أربعة، يعني بين أكثر من اثنين، فباع أحدهما نصيبه.

لو كان العقار شراكة بين ثلاثة: محمد وزيد وعلي، فباع علي نصيبه على صالح، فالآن محمد وزيد هما الشريكان لعلي. فنقول لمحمد وزيد: لكم الشفعة، كلكم تستحقون الشفعة، لكن هل يستحقون الشفعة على قدر رؤوسهم أم على قدر أملاكهم؟ هذه محل الخلاف، والمؤلف -وهو المذهب- يعني أنهم يستحقونها على قدر أملاكهم؛ فلذلك ذكر لك مثالا.

لماذا على قدر أملاك؟ قال: «لأنها حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك»، يعني إنما يستفيد الشفعة بسبب الملك، إذ إن من شرط الشفيع أن يكون مالكا، فكانت بحسب نسبته من الملك. ذكر لك مثالا لما يختلف به الرؤوس عن الأملاك، لكن المثال الذي يتفق به الرؤوس والأملاك هو ما ذكر لك، لأنها واضحة.

مثلا لو كانت أرضا بين ثلاثة، كل واحد يملك ثلثها، فباع أحدهما نصيبه؛ في المثال السابق: محمد وزيد وعلي، كل واحد يملك الثلث، فباع علي نصيبه، محمد وزيد لهم حق الشفعة، كل واحد يشفع بالنصف لأن أملاكهم متساوية. ولو كانت الأرض بين أربعة فباع أحدهم نصيبه، كل واحد يشفع بالثلث، يعني على حسب الرؤوس. لكن إذا اختلفت نسبة الملك منهم، فهنا ننظر إلى الأملاك، ننظر إلى نسبته من الملك.

ذكر لك مثالا: فدار بين ثلاثة نصف وثلث وسدس، يعني الثلاثة هم محمد وزيد وعلي؛ محمد يملك نصف الأرض، وزيد يملك ثلثها، وعلي يملك سدسه. فباع رب الثلث، اللي هو زيد، باع زيد نصيبه. الآن الشفعة تكون مستحقة لمحمد صاحب النصف ولعلي صاحب السدس. هل نقول كل واحد يشفع بالنصف؟ لا، أملاكهم ونسبهم متفاوتة، فكل واحد يشفع على قدر ملكه.

أحضر لك تأصيل المسألة؛ كيف هو؟ قال لك الآن المسألة من ستة، كيف جاءت من ستة؟ لأن النصف والثلث والسدس، تنظر مقاماتها: النصف مقامه اثنان، والثلث مقامه ثلاثة، والسدس مقامه ستة، فأقل عدد يشترك يقبل القسمة عليهما هو ستة، إذا المسألة من ستة. صاحب النصف من ستة ثلاثة، وصاحب السدس من ستة واحد، وثلث الستة اثنان.

هذه تقسيمة الآن، صاحب الثلث الذي باعه، القسمة ترجع إلى أربعة مثل مسائل الرد؛ فترجع إلى أربعة: صاحب النصف له من الأربعة ثلاثة، وصاحب السدس له واحد. لذلك قال: «فباع رب الثلث فالمسألة من ستة والثلث يقسم على أربعة؛ لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب السدس واحد». فنقول الآن في الشفعة، هذا صاحب الثلث اللي هو زيد باع نصيبه، فتقدم محمد وعلي بالمطالبة بالشفعة، فإذا أخذوه؛ يأخذ محمد الذي هو صاحب النصف ثلاثة أرباع، وعلي يأخذ ربعهم. واضح؟

طيب، لو باع صاحب النصف، المسألة من ستة وترد إلى ثلاثة؛ صاحب الثلث يأخذ اثنين وصاحب السدس يأخذ واحدا. طيب لو باع صاحب السدس، من ستة وترد إلى خمسة؛ صاحب النصف يأخذ ثلاثة وصاحب الثلث يأخذ اثنين. وهكذا عند أي مسألة تأتيك اجعلها كأنها مسألة فرائض، فاقسمها ثم اقسم نصيب الذي باع واقسم الباقي على من لم يبع.

ثم قال: «فإن عفا أحدهما» -أي أحد الشافعين- «أخذ الآخر الكل أو ترك»، لأن في أخذ البعض أضرارا بالمشتري. يعني عندنا الآن هذا العقار بين ثلاثة: محمد وزيد وعلي، باع علي نصيبه، وزيد قال: لن أطالب بالشفعة، عفا عن الشفعة، بقي محمد. نقول لمحمد: أنت الآن تقول أنا لي النصف، إذا سأطالب بالشفعة -وقبل قليل قلنا له ثلاثة من أربعة- إذا سأطالب بثلاثة أرباع هذه الأرض المشفوعة، نقول: لا، إما أن تأخذ الكل أو تترك؛ تأخذ الأرض التي هي نصيب علي كاملا أو تتركه. لماذا؟ نقل ابن المنذر الإجماع عليه، لماذا؟

لأن في أخذ البعض أضرارًا بالمشتري، لأن المشتري الآن اشترى الثلث، فإذا أخذت بعضها أضررت به لأنك نقصت من نصيبه. قالوا: لأن الأخذ بالشفعة تجويز الشفعة، هذا كما قلنا في الدرس الماضي جاء على خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن الإنسان لا ينتزع منه حقه إلا برضاه، فهنا انتزع حقه بغير رضاه.

لماذا جوزت الشفعة؟ لرفع الضرر عن الشريك. هنا إذا أخذ جزءًا من الأرض التي بيعت، يعني شفع تشفعًا جزئيًا، فنقول هنا لم يتحقق المقصد كاملًا من الشفعة، ولم يندفع عنه الضرر كاملًا، فلذلك لم يتحقق المعنى الذي لأجله جوزت الشفعة، ولذلك نبقى على الأصل فنقول: إذاً إما أن تأخذ الكل أو تترك.

قال: ولو وهبها لشريكه أو غيره لم يصح. لو كانوا مثلاً ثلاثة: زيد ومحمد وعلي، باع علي نصيبه لمحمد، وتنازل زيد، قال: أنا سأطالب بنصيب علي وسآخذه من محمد الذي تنازل عن المطالبة، فهل يصح؟ يقول لك: لا يصح، حتى لو قال هبها لغيره عمدًا، يعني الطرف الثالث ليس من الشركاء هنا، لا يصح؛ لأن هبته للغير دليل إعراضه عن الشفعة، وإذا أعرض عن الشفعة فإنها تسقط.

قال: وإن كان أحدهما غائبًا فليس للحاضر إلا أن يأخذ الكل أو يترك. يعني عندنا هؤلاء الثلاث شركاء: زيد ومحمد وعلي، علي هو الذي باع نصيبه، ومحمد غائب ولا أمكنت مراسلاته، ولا يعلمون هل سيطالب بالشفعة أو لا، علي الذي باع نصيبه ومحمد غائب، فما في إلا زيد، فنقول لزيد: لابد أن تأخذ بشفعتك كاملة أو تتركها كاملة. لو قال: أنا سآخذ بنصيبي فقط، نقول: لا؛ لأن في ذلك إضرارًا بالمشتري، لماذا؟ لأن المشتري أخذ نصيبه، فإذا أخذ زيد نصيبه منه، محمد سينتظر ويقول: أنا لا أريد أن أشتغل في المزرعة مثلاً، وأخشى بعد ما يجي محمد بعد ستة أشهر أو بعد سنة يأخذ مني المزرعة فيضيع علي جهدي. لذلك قال الفقهاء: لابد إما أن يأخذ الكل، اللي هو الحاضر هذا، أو يترك الكل؛ لأننا لا نعلم اليوم مطالباً سواه، ولأن في أخذ البعض تبعيضًا للصفقة على المشتري فلم يجز.

لو قال: سأنتظر إلى أن يأتي محمد، نقول: لا، لا ينتظر، إما تطالب بالشفعة الآن أو تتركها؛ لماذا؟ لأن في التأخير أضرارًا بالمشتري. قال: فإن أخذ الكل الآن، زيد أخذ شفع بنصيب المشتري الذي اشتراه من علي كاملاً، ثم قدم محمد، فنقول يا محمد أنت بالخيار: إما أن تترك الشفعة -وطبعاً الترك ما ذكره المؤلف لأنه واضح- أو الخيار الثاني أن تطالب بحقك وتقاسم زيداً فيما أخذ على حسب نصيبك من الملك. فمثلاً لو كان محمد يملك النصف، وزيد الذي باع محمد يملك النصف، وعلي كان يملك السدس، وعلي هو الذي أخذ نصيب المشتري من زيد، يأتي محمد يطالب بنصيبه من الشفعة، اللي هو إذا كان محمد يملك النصف فله ثلاثة أرباع النصيب المشفع، فنقول إذاً إما أن يقاسمه على حسب نصيبه فيأخذ نصيبه أو يترك الشفعة فتكون لعلي كاملة.

هنا مسألة لم يذكرها المؤلف رحمه الله، وهي لو أن زيداً في أثناء هذه المدة حصل له نماء منفصل من هذا العقار، بمعنى مثلاً لو حصل له أجر جزء من العقار فقبض الأجرة، أو حصل له ثمر من الشجر الذي في العقار فأخذه واستفد منه، سواء الأجرة أو الثمر، فهنا لو أتى محمد هل يطالبه بهذا النماء أو لا؟ الآن قاسمه في الأرض، هل يقاسمه في النماء الذي استهلكه علي أو زيد؟ لا يطالبه. لماذا؟ لأن ملك الغائب محمد هذا متى ملك؟ حينما طالب بالشفعة، فقبلها كان ملكاً تاماً لهذا الشافع الأول الحاضر، فالمُلك للشفيع الحاضر، إذاً يملك نماءه. أحسن الله إليكم.

ثم قال رحمه الله تعالى: «وإن اشترى اثنان حقاً واحداً فللشفيع أخذ حق أحدهما». لأن العقد مع اثنين بمنزلة عقدين، أو عكسه بأن اشترى واحد حق اثنين في صفقة واحدة، فللشفيع أخذ أحدهما؛ لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أرض. هنا ذكر لك ثلاثة أمثلة: تعدد المشترين، وتعدد البائعين، وتعدد المبيع. في كل هذه الصور الثلاث، إذا تعدد المشتري أو تعدد البائع أو تعدد المبيع ولو كان في صفقة واحدة، فيعتبر كل واحد منهما عقداً مستقلاً بذاته، ويترتب على ذلك أن للشفيع -المطالب بالشفعة- أخذ العقدين كليهما أو في أحدهما.

نرجع إلى المثال الأول: «إن اشترى اثنان حقاً واحداً»، فللشفيع أخذ حق أحدهما؛ لأن العقد مع اثنين بمنزلة عقدين، ما قال لك الخيار بين أخذهما أو أخذ حق أحدهما، لأن أخذهما هذا ما فيه إشكال، ويتكلم عن الذي قد يشكي ويقول له: أخذ حق أحدهما؟ مثلاً زيد وعمر جاءا إلى محمد وقال: نريد أن نشتري نصيبك من الأرض التي أنت شريك فيها مع علي، فباعه، الآن الأصل لو أن محمد باع لعلي فقط تقول لعلي: إما أن تأخذ العقار كله، يعني نصيب محمد كله، أو تتركه كله. لكن لما باع محمد نصيبه على زيد وعمر، نقول لعلي: يا علي أنت مخير بين أن تأخذ نصيب محمد كاملاً الذي باعه لزيد وعمر، أو تأخذ نصيب محمد الذي باعه لزيد، أو تأخذ نصيب محمد الذي باعه لعمر، لك الخيار في ذلك كله. لماذا خيرناه؟ لأن تعدد المشترين بمنزلة تعدد العقود، فكان محمداً باع لزيد جزءاً وباع لعمر جزءاً كأنه عقدا وإن كان في صفقة واحدة.

والمثال الثاني قال: «أو عكسه بأن اشترى واحد حق اثنين صفقة واحدة»، هم ثلاثة شركاء مثلاً: زيد وعمر ومحمد، زيد وعمر كل واحد يملك الثلث، زيد وعمر باعا نصيبهما لصالح، فنقول لمحمد: أنت بالخيار أن تطالب بما اشتراه صالح من زيد وعمر، ولك الخيار أن تطالب بأحد النصيبين بما اشتراه صالح من زيد أو...

ما اشتراه صالح من عمر؛ لأن تعدد البائع كتعدد المشتري، وتعدد المشتري كتعدد العقد.

المثال الثالث: تعدد المبيع، أو اشترى واحد شقصين -بكسر الشين- حصتين من أرضين في صفقة واحدة. لو قلنا محمد وصالح شريكان في أرضين، مثلاً أرض في الدمام وأرض في الرياض، فجاء محمد وباع نصيبه من الأرضين على زيد، سواء كان الشريك لمحمد في الأرضين واحداً وهو صالح في المثال السابق، أو كان الشريك مختلفاً لو كان شريكه في الأرض الأولى صالحاً وفي الثانية إبراهيم، فالحكم لا يختلف. فنقول: محمد هذا باع نصيبه في الأرضين على زيد، فنقول لصالح: له أن يشفع في الأرضين، وله أن يختار الشفعة في أرض واحدة من الأرضين.

قال لك: أو اشترى واحد شقصين من أرضين بصفقة واحدة، فللشفيع أخذ أحدهما؛ لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أخرى، قد يلحقه الضرر بأرض الدمام ولا يلحقه الضرر بشركة أرض الرياض، أو العكس. وقوله «صفقة واحدة»، لو كانت صفقتين من باب أولى، هو قال صفقة واحدة؛ لأنها قد تشكل، أما الصفقتان هذه ما فيها إشكال؛ لو أنه اشتراها مثلاً اليوم أرض الدمام وبعد أسبوع أرض الرياض، فكون الشريك له الحق بالشفعة في أحد الأرضين هذه فما فيها إشكال. أما لو كانت صفقة واحدة، هل له ذلك أو لا؟ نقول: نعم له ذلك؛ لأن تعدد المبيع، أو تعدد البائع، أو تعدد المشتري بمثابة تعدد العقد.

المسألة الثالثة: الذي اشترى واحد من شخص شقصين، فللشفيع أخذ أحدهما. ذكر المرداوي في الإنصاف أن هذا من المفادات.

ثم قال رحمه الله تعالى: «وإن باع شقصاً وسيفاً في عقد واحد، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن؛ لأنه تجب فيه الشفعة إذا بيع منفرداً، فكذا إذا بيع مع غيره، أو تلف بعض المبيع، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن؛ لأنه تعذر أخذ الكل فجاز له أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي».

فلو اشترى داراً بألف تساوي ألفين، فباع بابها أو هدمها فبقيت بألف، أخذها الشفيع بألف.

هذه المسألة إذا اشتملت الصفقة على مبيعين، أحدهما تثبت فيه الشفعة والآخر لا تثبت فيه الشفعة، ذكر لك مثال الشقص والسيف؛ تثبت فيه الشفعة، والسيف لا تثبت فيه الشفعة؛ لأنه منقول. فلو أن مثلاً شخصاً شريكاً مع أخيه، قلنا محمد وإبراهيم شركاء في ملكية أرض وفي ملكية سيارة، ومحمد احتاج للمال فباع نصيبه من الأرض ومن السيارة على صالح بمبلغ مائة ألف ريال، فجاء إبراهيم يقول: أنا أطالب بالشفعة. فالآن هذه الصفقة اشتملت على ما تثبت فيه الشفعة وهو الأرض، وما لا تثبت فيه الشفعة وهي السيارة، فهل نسقط الشفعة كاملة لأن السيارة لا تثبت فيها الشفعة؟ لا، نقول هنا كما قال المؤلف: «فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن».

فنقول: المائة ألف هذه، كم حصة الأرض؟ لو قلنا الأرض بأثمانين ألف والسيارة بعشرين ألفاً، يأخذ الأرض فقط بثمانين ألفاً، فيدفع إبراهيم لصالح ثمانين ألفاً وتكون الأرض له كاملة، أما السيارة فيكونان شريكين فيها. لماذا تثبت الشفعة في العقار الذي بيع مع السيارة؟ قال: لأن العقار لو بيع وحده ثبتت فيه الشفعة، فكذا إذا بيع مع غيره.

ذكر لك مسألة ثانية: إذا تلف بعض المبيع، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن؛ لأنه تعذر أخذ الكل فجاز له أخذ الباقي. يعني عندنا مثلاً اثنان شركاء في بيت، شركة مشاعة في بيت، فباع أحدهما نصيبه لآخر، والآخر هذا بدأ يشتغل في البيت يهدم ويبني، فهو هنا أتلف بعض المبيع، هدم بعض الجدران ثم جاء هذا يطالب بالشفعة، فهل تلف بعض المبيع يسقط حق الشفعة؟ لا، قال لك: «فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن»؛ لأنه تعذر أخذ الكل، فجاز له أخذ الباقي.

وقوله «كما لو أتلفه آدمي»، لماذا أتى بها؟ يقصد هنا في الشفعة، إذا أتلفه غير الآدمي ترى فيه خلاف، إذا تلف جزء من العقار مثلاً بفعل الله تعالى، مثل برد شديد أو رياح شديدة فانهدم بعض الجدار أو سقط باب من الأبواب، فهذه فيها خلاف؛ هل تسقط الشفعة أو لا؟ أما إذا كان الذي أتلفه آدمي فتثبت الشفعة قولاً واحداً، فهو الآن يقيس المسألة المختلف فيها على المسألة المتفق عليها، إذا أتلفه غير آدمي بفعل الله تعالى أو بجائحة فإنها لا تسقط الشفعة، يقول: «كما لو أتلفه آدمي»، فإذا أتلفه آدمي فلا تسقط الشفعة قولاً واحداً.

ثم ذكر لك مثالاً ليتضح تقرير المسألة: «فلو اشترى داراً بألف تساوي ألفين، فباع بابها أو هدمها فبقيت بألف، أخذها الشفيع بألف». الآن اشترى داراً، وهذه الدار، بينت البهوتي في الكشاف أن مقصوده اشترى داراً أي شقصاً من دار؛ لأنه إذا اشترى داراً كاملة فليس فيها شراكة. فالمراد إذا اشترى شقصاً من دار، وإن كان يقصد بها الدار الكاملة لكن في مسائل قد تكون نادرة، لكن المثال الواضح لو اشترى شخصاً، هنا أطلق الكل وأراد به البعض، وهذا سائغ في اللغة، ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾ [البقرة: 19]، هل الإصبع كله يدخل في الأذن؟ لا، بل في الإصبع، فهو أطلق الكل وأراد به البعض.

فهنا قوله داراً يعني شقصاً من دار، لو اشترى شقصاً من دار بألف وهذا الشقص أصله يساوي ألفين، يعني مثلاً لو أن هذه الدار بين اثنين، لنضرب مثالاً واقعياً، بيت قيمته خمسمائة ألف، شراكة بين خمسة، فإذا كان نصيب الواحد منهم مائة ألف، فأحدهم باع نصيبه لصديقه بمائة ألف، فإنه أعطاه بألف، فجاء هذا الصديق يعمل في هذه الدار.

هذه الدار اشتغل فيها ببدء هدم، فنقصت قيمته، مثلاً صارت قيمتها كاملة بـ 400,000، إذاً نصيب الواحد 80,000. هنا إذا أرادوا أن يشفعوا، لو أراد واحد من الورثة فقط أن يشفع للباقيين، قالوا متنازلة، لو أراد واحد من الورثة أن يشفع فكم يدفع؟ انظروا النسبة التي نقصت، انسبوها إلى الثمن الذي وقع عليه العقد. النسبة التي نقصت 100 صارت بـ 80، كم النسبة؟ الخمس، فنقص الخمس من الـ 100، يعني يدفع له 40,000 ويتملك نصيب الخامس هذا الذي باع.

هنا ذكر لك مثال: اشترى داراً بـ 1000 تساوي 2000، فباع بابها أو هدمها فبقيت بـ 1000. الآن نزل من 2000 إلى 1000، النصف، فهنا إذا أراد الشفيع أن يشفع، فيشفع في نصف الثمن، الثمن كم؟ بـ 1000، فنصفه 500، فليأخذها الشفيع بـ 500.

أحسن الله إليكم شيخنا. ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا شفعة بشركة وقف؛ لأنه لا يؤخذ بالشفعة، ولأن مستحقه غير تام الملك، ولا شفعة أيضاً بغير ملك للرقبة سابق، بأن كان شريكاً في المنفعة كالموصى له، أو ملك كشيء صفة واحدة، فلا شفعهما على الآخر لعدم الضرر، ولا شفعة لكافر على مسلم؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى».

لو أن مثلاً المورث ترك مزرعة كبيرة وقال ثلثها وقف لله تعالى يصرف في وجوه الخير، الثلثان يصيران للورثة. إذاً الثلث للوقف والثلثان للورثة. لو كان الورثة مثلاً اثنين، فباعوا نصيبهم وجاء واحد واشترى نصيب الورثة الاثنين، فأصبح يملك الثلثين والوقف له الثلث، هل لناظر الوقف أو للموقوف عليهم أن يشفعوا في هذا البيت؟ يقول لك: لا شفعة بشركة وقف، ليس لهم أن يشفعوا.

لماذا؟ ذكر المؤلف أمرين سببين. السبب الأول: لأنه لا يؤخذ بالشفعة، فلا تجب به. سياتينا، أو هو أتانا صح، مر معنا أن الشخص إذا انتقل بالوقف، فهل تثبت فيه الشفعة؟ لا تثبت؛ لأنه انتقل بغير عوض، فلذلك قالوا: لما لم يؤخذ بالشفعة إذاً لا يكون سبباً للشفعة، فلما لم يؤخذ الوقف بالشفعة إذاً الموقوف عليه لا يأخذ بالشفعة.

السبب الثاني: قال «ولأن مستحقه غير تام الملك»، وهذه ترجع إلى مسألة وهي الوقف. العين الموقوفة هل هي مملوكة؟ لو قلنا إنها موقوفة على جهة معينة، مثل أوقف على أبناء أخيه المتوفى، فالآن وقف على معين، هل هم مالكون للعين؟ هم يملكون المنفعة، وهذه مسألة خلافية: هل العين الموقوفة هي ملك للموقوف عليه أو للواقف أو لله تعالى؟ المسألة خلافية وترتب على خلافها خلاف في مسائل، وذكرها ابن رجب رحمه الله في نهاية القواعد.

المؤلف رحمه الله يقول لك: سواء قلنا إنه لا يملك، فإذا لم يملك إذاً ليس له حق أن يشفع، أو تقول إنه يملك لكن ملكه قاصر، وهو معنى قوله «غير تام الملك»، يعني يملك لكن ليس له أن يتصرف في الرقبة، فملكه قاصر. فعلى كلا القولين هو لا يعد مالكاً ملكاً تاماً فلا تثبت له الشفعة.

قال: «ولا شفعة أيضاً بغير ملك للرقبة سابق»، هذا من الشروط أن يكون ملكه سابقاً، وهذا حقيقة يتضمن مسألتين، ولذلك مثل بمثالين؛ لأنه قال «بغير ملك للرقبة» و«سابق». مثل بغير ملك للرقبة كالموصى له، بأن كان شريكاً في المنفعة كالموصى له.

شخص عنده عمارة قال: أوصي بمنفعة هذه العمارة لختي الأرملة. الآن هي هل تملك العمارة؟ لا، العمارة ملك الورثة لكنها تملك منفعتها في الأجرة. فهنا لو باع الورثة نصيبهم، فهل لها حق أن تشفع؟ لا، ليس لها حق أن تشفع؛ لأنها إنما تملك المنفعة ولا تملك الرقبة، ومن شروط الشفعة أن يكون مالكاً للرقبة.

المسألة الثانية التي يتضمنها هذا الشرط أن يكون ملك الرقبة سابقاً، فلو كان متوافقاً في الوقت مع ملك المشتري فلا شفعة. وضرب لك مثالاً: «أو ملك الشريكان داراً بصفقة واحدة»، يعني لو أن محمداً وعلياً ذهبا واشتريا بيتاً بصفقة واحدة وعقد واحد، محمد وعلي كل واحد يملك النصف، فلا يحق لمحمد أن يشفع على علي ولا يحق لعلي أن يشفع على محمد؛ لأن ملكه متوافق في الوقت، لم يسبق أحدهما الآخر، فليس لأحدهما مزية على الآخر.

لكن لو أن محمداً اشترى النصف هذا اليوم، وجاء علي من الغد واشترى النصف الآخر، فهنا محمد له أن يشفع لأن ملكه سابق. لكن لو كان اشتريا العقار دفعة واحدة بصفقة واحدة، فإنه لا شفعة لأحدهما مع الآخر؛ لأنه لم يسبق الضرر، أصلاً ما في ميزة لأحد مع الآخر، لماذا نقدم محمداً على زيد أو زيداً على محمد؟ ما في ميزة لأحدهما على الآخر.

قال: «ولا شفعة لكافر على مسلم؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى». ويستدل الأصحاب -وهذا مثاله- لو أن مثلاً محمداً شريك لشخص كافر في ملكية عقار، فباع محمد نصيبه على زيد، وزيد مسلم، فليس لهذا الكافر أن يشفع على زيد.

إن من الأصحاب من ذكر أن من شروط الشفعة أن يكون الشفيع دون الشريك، مثاله الكافر لا يشفع على المسلم. واستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى بحديث أنس مرفوعاً: «لا شفعة لنصراني»، وهذا عند الدارقطني في العلل والحديث لا يثبت عن النبي ﷺ وهو من كلام بعض التابعين.

وهناك رواية أخرى في المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم، ثبوت شفعة الكافر على المسلم لعموم أحاديث الشفعة، ولأنه خيار ثابت دفع الضرر بالشراء، فاستوى فيه المسلم والكافر. الأصحاب أيضاً يستدلون من غير هذا الحديث بالمعنى؛ أن إثبات شفعة الكافر على المسلم كأنه إثبات لاستعلائه عليه، والإسلام يعلو ولا يعلى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].

أحسن الله إليكم شيخنا. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: "فصل: وإن تصرف مشتريه -أي مشتري شخص ثبتت فيه الشفعة بوقفه أو هبته أو رهنه أو صدقته به، لا بوصية- سقطت الشفعة بما فيه من الأضرار بالموقوف عليه والموهوب له ونحوه؛ لأنه ملكه بغير عوض. ولا تسقط الشفعة بمجرد الوصية قبل قبول الموصى له بعد موت الموصي؛ لعدم لزوم الوصية".

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في تصرفات المشتري في الشخص الذي اشتراه قبل مطالبة الشفيع بالشفعة. إذا تصرف المشتري في الشخص الذي اشتراه بشيء لا تثبت معه الشفعة ابتداءً، فإنه تسقط الشفعة. مثال ذلك في الوقف: جاء محمد واشترى نصيب زيد، وزيد شريك لعمر، فمحمد اشترى نصيب زيد ثم أوقفه قبل أن يطالب الشفيع، فهنا إذا أوقفه سقطت الشفعة. ذكر لك الوقف، الهبة، الرهن، والصدقة، والمثال الخامس الوصية إذا كانت قبل قبول الموصى له.

الوقف، المثال الذي ذكرناه، قالوا تسقط الشفعة. وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله في رواية علي بن سعيد وبكر بن محمد: إسقاط الشفعة إذا تصرف المشتري بالوقف أو الهبة؛ لأن الشفعة إنما تثبت في المملوك، وهذا الوقف ليس مملوكاً للموقوف عليه. وعلى القول الثاني أنه مملوك للموقوف عليه، لكن ملكه قاصر، ولأن في ذلك إضراراً بالموقوف عليه؛ الآن المشتري أراد أن ينفع الموقوف عليه، وأنت أيها الشفيع أخذته من الموقوف عليه، وفيه ضرر عليه؛ لأن ملكه يزول بغير عوض، ولا يزال الضرر بالضرر، خلاف البيع فإنه يزول بالعوض.

قالوا: ولأن ثبوت الشفعة هنا لو أثبتنا الشفعة فإنه يلزم منه أن يرد العوض إلى غير المالك ويسلب عن المالك. إذا أوقف هذا العقار فجاء الشفيع وشفع به، فإن قيمته -وطبعاً يشفع القول بأنه تثبت الشفعة يقولون ما فيه ثمن، فيقولون ينظر إلى قيمة مثله- فالقيمة يعطيها من يعطيها البائع ولا يعطيها الموقوف عليه، يكون الموقوف عليه هو الذي تملك، فكيف تعطونها؟ هذا ما استدل به الأصحاب، وهو المذهب، ونص عليه الإمام أحمد وهو من المفردات، وهم مفردات الحنابلة رحمه الله تعالى.

وهناك قول في المذهب وهو قول الجمهور أنه لا تسقط الشفعة بما ذكر ها هنا، وذكر القاضي أبو يعلى أن النص المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله في الوقف فقط، أما غيره فإن الأصحاب قاسوه على الوقف، وهذا الذي قصره على الوقف هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

نأتي إلى مسألة: هل من أصل الشفيع المشتري له أن يشتري ويوقف؟ أو نقول إن هذا غير جائز لأنه يسقط حق الشفيع؟ خاصة إذا علم منه أنه أراد إسقاط حق الشفيع. إذا لم يكن قصده إسقاط حق الشفيع، بل قصد التقرب إلى الله تعالى ولم يأتِ في باله إسقاط حق الشفيع، فمنعه بعيد. لكن إذا قصد به إسقاط حق الشفيع، فهل نقول يمنع من ذلك أو لا؟

مر معنا في الدرس الماضي أن الأصحاب رحمهم الله تعالى ذكروا أنه يحرم التحيل لإسقاط الشفعة. ذكروا هناك أن معنى الحيلة أن يقصد المشتري والبائع أن يظهرا شيئاً يسقط به الشفعة وفي الباطن خلاف ذلك. لكن هنا هل في الباطن خلاف ذلك؟ لا، هو قصده باطلاً وظاهر الوقف، لكن الإشكالية إرادة الإضرار، أي إرادة إسقاط حق الشفيع، فهل هي كافية في إبطال الشفعة أو لا؟

ظاهر كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى كما ذكره الخلوطي، أنها حتى وإن قصد به إسقاط حق الشفيع فإنه يصح تصرفه، بغض النظر عن تحريمه من إباحته، الكلام على صحته من عدمه؛ يصح تصرفه وتسقط شفعة الشفيع. العجيب أن صاحب الفوائد من قاضي الجبل فيما نقله المرداوي في الإنصاف ذكر أن من صور الحيلة أن يوقفه المشتري أو يهبه حيلة، ذكر أن هذا من صور التحيل لإسقاط الشفعة عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ويغلط ممن يحكم به ممن ينتحل مذهبه، حقيقة هذا غريب.

نقل هذا يحتاج إلى التحقق من ثبوته عن الأئمة الأربعة، وإن كان في الذين حققوا الكشاف حالوا إلى مراجع من كتب الأمهات فيبحث عنهم؛ لأن الإشكالية عندي أن الذين يقولون بسد باب الحيل من الأئمة من المذاهب الأربعة هم المالكية والحنابلة، هم أشد الناس في سد الحيل. الشافعية والحنفية مذهبهم أنهم يأخذون بصورة العقد ولا يبطلونه بالتحايل، وهذا راجع إلى قولهم في سد الذرائع. فالشافعي والحنفي من الأصل يقولون لو أوقفه لا تسقط الشفعة بالوقف أو الهبة ونحو ذلك. إسقاط الشفعة هنا من المفردات في الوقف ونحوه، فهم لا يسقطون الشفعة، لذا هو متماشي مع كلامهم هناك، لكن يتحقق إذا من دقة العزو إلى أقوالهم.

قال: «بوقفه أو هبته»، كذلك الهبة؛ لو اشترى شخصاً ثم وهبه لغيره فتسقط الشفعة. وقال في الحاشية ابن قائد والخلوطي في الحاشية: «ظاهره ولو لم تقض الهبة أو كانت بغير عوض، أو رهنه». وهذه العبارة في الرهن هذه على أحد القولين في المذهب، وهو الذي ذكره في المغني، والدليل في الوجيز، وهنا أيضاً الحجاوي في الذات. والمشهور من المذهب أن تصرف المشتري بالرهن لا يسقط الشفعة، أي لو أنه اشترى شخصاً من عقار ثم رهنه، فعلى ما ذكره المؤلف هنا أنه تسقط الشفعة، وعلى القول الثاني وهو المشهور في المذهب وهو الذي عليه الإقناع والمنتهى أنها لا تسقط الشفعة بذلك.

أو صدقة به، تصدق به؛ اشترى شخصاً وتصدق به على فقير مثلاً، فإنه تسقط الشفعة بذلك. قوله: «لا بوصية» سيفصل، فوصية بعد قليل. سقطت الشفعة كما قال: «لما فيه من الأضرار بالموقوف عليه والموهوب له ونحوه»؛ أن يتصدق به لأنه ملكه بغير عوض، لأن الشفيع ملك هذا الشخص بغير عوض.

المالك الآن الذي تملكه من المشتري ملكه بغير عوض، وسيزول عنه ملكه بغير عوض يدفع له، والثمن إنما يأخذه المشتري كما قلنا قبل قليل إنه سيدفع إلى غيره، والضرر لا يزال بالضرر.

نأتي إلى الوصية، هل تسقط الشفعة بالوصية؟ فصل؛ قال: ولا تسقط الشفعة بمجرد الوصية قبل قبول الموصى له بعد موت الموصي؛ لعدم لزوم الوصية. الوصية متى تلزم؟ متى يثبت ملك الموصى له؟ قولان: في الموت، أو عند القبول بعد الموت. المشهور في المذهب أنها عند القبول بعد الموت.

فهنا لو أن زيداً قال: أوصيت بنصيبي من العمارة أو من الأرض لمحمد، فمات زيد، والآن محمد إلى الآن لم يقبل، فهنا -والمثال محمد وزيد- هذا اشترى زيد وليس شريكاً من الأصل، اشترى زيد ثم أوصى بنصيبه فمات زيد، هذا المشتري فمات زيد، وإلى الآن لم يقبل محمد، فشركاء زيد لهم أن يشفعوا؛ لماذا؟ لأن الوصية حتى الآن ليست لازمة. لكن لو قبل محمد، خلاص تسقط الشفعة؛ فالوصية إذا قُبل لزومها تسقط الشفعة، والشفعة ثابتة قبل لزومها.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن تصرف المشتري فيه ببيع فله»، أي للشفيع أخذه بأحد البيعين؛ لأن سبب الشفعة الشراء وقد وجد في كل منهما، ولأنه شفيع في العقدين، فإن أخذ بالأول رجع الثاني على بائعه بما دفع له؛ لأن العوض لم يسلم له. وإن أجره فللشفيع أخذه وتفسخ به الإجارة.

هذا كله إن تصرف المشتري الجديد ببيع. لو مثلاً زيد وعمرو شريكان في أرض، عمرو باع نصيبه على خالد، وخالد الآن المشتري الجديد، لو قبل أن يشفع زيد، كيف يكون تصرف خالد صحيحاً وكون زيد له أن يشفع؟ هذا سميناه كما قلنا في الدرس الماضي "حق التملك"، كون له حق التملك لا يمنع كون الشريك الذي هو الشفيع له حق التملك من تصرف المشتري الجديد. مثل الأب، الأب له أن يتملك من مال ولده ما شاء، هل نقول للابن لا يتصرف؟ لا، له أن يتصرف، هنا الأب له أن يتملك بمال ولده لا يمنع الابن من أن يتصرف. وهكذا كون الشفيع له أن يتملك، لا يمنع المشتري الجديد من التصرف.

فلو تصرف المشتري الجديد ببيع، في المثال السابق: زيد وعمرو شريكان، عمرو باع نصيبه على محمد مثلاً بمئة ألف، وإلى الآن زيد لم يعلم، جاء محمد باع نصيبه على صالح مثلاً بمئة وعشرين ألفاً، علم زيد أن عمرو باع نصيبه على محمد بمئة، ومحمد باع نصيبه على صالح بمئة وعشرين، فنقول لزيد: أنت لك حق الشفعة، وأنت بالخيار أن تشفع بالعقد الأول أو بالعقد الثاني، وطبعاً هو يختار الأقل، فيأخذ الأول.

الآن الأرض بيد الثاني (صالح)، فيأخذ الأرض من صالح ويقول: أنا أشفع بالعقد الأول، فيدفع إلى المشتري الأول المئة ألف. المشتري الأول (محمد) يأخذ المئة ألف، ويأخذ الشفيع الأرض من صالح. طيب صالح ماذا يفعل؟ قال: «ويرجع الثاني على بائعه»، فإن أخذ بالاول، رجع الثاني (صالح) على بائعه (محمد) بما دفع له، وهو مئة وعشرون ألفاً؛ لأن العوض لم يسلم له، فقد أخذت من الأرض ولم يعطَ شيئاً، فالشفيع لم يعطه شيئاً فهو يرجع على البائع.

أما إذا أخذ الشفيع بالبيع الثاني، أخذ الأرض من صالح وأعطاه المئة وعشرين ألفاً، فلا أحد يرجع على أحد. لذلك لما كانت المسألة واضحة لم يذكرها، وذكر لك ما هو غير واضح؛ إذا أخذ بالأول ماذا يفعل؟ يأخذ الأرض من صالح ويعطي محمد المئة ألف، فهذه التي فيها إشكال فذكر لك جوابه. لكن لو أخذ من الثاني وأعطاه ما دفع مئة وعشرين، خلاص ما أحد يرجع على أحد.

وإن أجره، قلنا محمد هو المشتري من عمرو، فجاء محمد وأجر نصيبه مثلاً، كانت ست شقق فأجر ثلاثة منها على ثلاثة ساكنين، فجاء زيد الشفيع وأخذ هذه الشقق الثلاث من محمد ودفع له ما دفع محمد لعمرو، وتفسخ الإجارة. لماذا تنفسخ الإجارة؟ لأن حق الشفيع سابق على حق المستأجر، وكذا في الرهن على القول الثاني في المذهب أنه لا تسقط الشفعة به، فإذا أخذ بالرهن فإنه ينفسخ الرهن.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: «هذا كله إن كان التصرف قبل الطلب لأنه ملك المشتري، وثبوت حق التملك للشفيع لا يمنع من تصرفه. وأما تصرفه بعد الطلب فباطل لأنه ملك الشفيع».

هنا يتكلم على مسألة: بماذا يملك الشفيع الشقص؟ الشفيع يملك الشقص بالمطالبة به، يطالب به. أريد أخذ لفظ يتقيد به، لكن ما دل على المطالبة يقول لك: قبل المطالبة إذاً هو ملك الشخص هذا، قبل مطالبة الشفيع يعد ملكاً للمشتري الجديد، وبعد مطالبة الشفيع يعد ملكاً للشفيع حتى لو لم يقبضه قبضاً حقيقياً.

فالتصرفات السابقة التي ذكرها، إذا تصرف بوقف أو هبة أو رهن أو صدقة أو بيع أو وصية أو إجارة، هذه التصرفات -وكلامنا السابق كله- إذا تصرف قبل مطالبة الشفيع، لماذا يقيدها بذلك؟ يقول لأنها قبل المطالبة هي ملك المشتري فله أن يتصرف فيها بما شاء، أما إذا طالب الشفيع بالشفعة فجاء المشتري وتصرف فيها بوقف أو هبة أو رهن أو نحو ذلك، فنقول: تبطل هذه التصرفات ولا تسقط الشفعة؛ لماذا؟

لأن هذه من هذه التصرفات من شروطها الملكية، وهو ليس مالكًا، وهو ليس مالكًا بعد المطالبة، فهي ملك للشفيع وليست ملكًا للمشتري الجديد.

أحسن الله إليكم شيخنا. ثم قال رحمه الله تعالى: «وللمشتري الغلة الحاصلة قبل الأخذ، وله أيضًا النماء المنفصل؛ لأنه من ملكه، والخراج بالضمان، وله أيضًا الزرع والثمرة الظاهرة؛ أي المؤبرة، لأنه ملكه، ويبقى إلى الحصاد والجداد؛ لأن ضرره لا يبقى ولا أجرة عليه».

وعُلم منه أن النماء المتصل كالشجر إذا كبر، والطلع إذا لم يؤبر، يتبع في الأخذ بالشفعة كالرد بالعيب. قال: «وللمشتري الغلة الحاصلة قبل الأخذ»، الغلة هذه نماء، يملك هو الذي يستحق النماء؛ فالغلة التي ترتبت قبل مطالبة الشفيع فإنه يستحقها المشتري ولا يرجع عليه الشفيع بها. يعني لو أنه مثلاً أخذ الشقق في المثال السابق، وأجر الشقة الواحدة بـ 20000، فقبض من المستأجرين 10000 مقدم، ولو فرضنا أنه أجرهم شهرًا بـ 2000 ريال وقبض الأجرة واستوفوا هؤلاء الأجرة وخرجوا، ثم جاء هذا يطالب بالشفعة، إن طالب بالشفعة وأخذ هذه الشقق الثلاث، هل يرجع على المشتري بالغلة؟ الأجرة التي أخذها؟ أقول: لا يرجع؛ لأنها نماء ملكه، نماء ملك المشتري.

قال: «وله أيضًا المنفصل كالثمرة ونحوها»، المنفصل كالثمرة كالولد ونحوها، هذا قبل الطلب لأنها من ملكه، والخراج بالضمان. وقال: «وله أيضًا الزرع والثمرة الظاهرة أي المؤبرة»؛ لو كان اشترى أرضًا وزرع فيها أو غرس فيها ثم ظهر ثمرها وأبر، ثم جاء هذا يطالب بالشفعة، فشفع، فالآن الزرع بقي وقت حصاده، والتمر بقي وقت جنيّه، فهنا نقول: الزرع والثمرة هذه تكون للمشتري لأنها ملكه.

قال: «ويبقى إلى الحصاد والجداد»، أو يبقي إلى الحصاد والجداد؛ لأن ضرره لا يبقى ولا أجرة عليه، يعني لا يستحق الشفيع مطالبة بالأجرة. وتقدم معنا في الدرس الماضي أن الزرع والثمر الظاهرة لا يدخل في الشفعة؛ لأنه لا يثبت في البيع، فيكون ملكًا للمشتري، ولا أجرة عليه؛ لأنه زرعه في ملكه، ولأن الشفيع اشترى الأرض وفيها زرع للبائع، فكان له مبقًى إلى الحصاد بلا أجرة كغير مشكور.

يعني الآن الشفيع لما استرد الأرض من المشتري الجديد، فحقيقة أنه اشتراها منه، ففي الشراء الجديد لو أراد شخص أن يشتري مزرعة وفيها نخل فيه ثمر ملقح، وأيضًا فيه زرع لكن لم يُحصد، بقي له مثلاً شهر أو أسبوعان على الحصاد، فالزرع الذي استوى والثمر هذا يكون للبائع، ويبقى إلى الحصاد بلا أجرة، فيقول: هذا مثله تمامًا؛ ما أخذه الشفيع من المشتري الجديد مثل ما يأخذه المشتري من البائع في العقد الذي لا شفعة به.

قال: «وعُلم منه»، يعني هذا مفهوم مخالفة لقوله: «أنماء منفصل»، عُلم منه أن النماء المتصل كالشجر إذا كبر، والطلع إذا لم يؤبر، طبعًا النماء المتصل كالشجر إذا كبر هذا نماء متصل، والطلع إذا لم يؤبر هل هو نماء متصل ولا منفصل؟ لا، هو منفصل، لكنه يقول لك إن النماء المتصل كالشجر هذا مفهوم قوله "النماء المنفصل" ومفهوم قوله "الزرع والثمرة الظاهرة"، وقال "الظاهرة المؤبرة"، فمفهومه أن غير المؤبر، الطلع إذا لم يؤبر فهو نماء منفصل لكنه لم يؤبر، فيقول: هذا كله شجر، إنما المتصل كالشجر إذا كبر، والطلع إذا لم يؤبر، هذا يتبع في الأخذ بالشفعة؛ فإذا شفع فإنه يتبعه.

فإذا شفع فإنه يشفع له؛ كان هذا المشتري الجديد قد أخذه وكان الشجر صغيرًا فنماه حتى كبر، فجاء الشفيع وأخذ بالشفعة فأخذ منه الشجر الكبير، فهنا هذا الشجر كبر، وهذا نماء متصل، فيتبع. الطلع الذي لم يؤبر هذا لأنه يتبع في البيع؛ الآن لو اشترى شخص نخلة لم تؤبر فيتبعها ثمرها، وهكذا إذا أخذ الشفيع من المشتري نخلًا وفيه ثمر لم يؤبر فإنه يتبع في البيع.

قال: «يتبع في الأخذ بالشفعة كالرد بالعيب»، يقول كما أن ما المتصل يتبع في الرد بالعيب؛ لو أن شخصًا اشترى شاة من النماء المتصل، اشترى شاة فجلست عنده مثلاً أسبوعًا أو أسبوعين فسمنت، لكن تبين له فيها عيب مؤثر فردها، هل يأخذ قيمة على السمن وعوضًا على السمن؟ لا، المذهب لا يأخذ؛ لأن هذا نماء متصل، يقولون: ما المتصل يتبع في البيع، فإذا أعده لا يأخذ عليه عوضًا، والمسألة خلافية، لكن أقصد المشهور، ولذلك قاسوا الأخذ بالشفعة على الرد بالعيب في أن النماء المتصل يتبع فيها.

نقف على هذا، ونسأل الله للجميع توفيق السداد. ما شاء الله، حتى الذين عن بعد ليس لديهم أسئلة، إن الدرس واضح اليوم، أتوقع أن يكون واضحًا أو لم يُفهم أبدًا.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.