بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أما بعد؛ فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الغصب، ووقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وما تلف أو أتلف من مغصوب...» إلى آخره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «وما تلف أو أتلف من مغصوب، أو تغيب ولم يكن رده، ولم يمكن رده، كعبدٍ أبقٍ وفرسٍ شرد، من مغصوبٍ مثليٍ، وهو كل مكيلٍ أو موزونٍ، لا صنعةً فيه مباحةً يصح السلم فيه، يصح صناعةً ولا صناعةً...».
المثلي هو كل مكيل أو موزون لا صنعة فيه مباحة يصح السلم فيه؛ لغرم مثله إذاً، لأنه لما تعذر رد العين لزمه رد ما يقوم مقامها، والمثل أقرب إليه من القيمة. وينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة؛ فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في المبدع.
أما إذا لم يمكن رد المثل، فيضمن بقيمته؛ قوله: «أو لم يمكن رد مثل المثلي لعوازه»، فقيمته يوم تعذر الرد؛ لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل، فاعتبرت القيمة إذاً. ويضمن غير المثلي إذا تلف أو أتلف بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده أو غالبه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شركًا له في عبدٍ قوم عليه»، ولو أخذ حوائج من بقال ونحوه في أيام ثم يحاسبه، فإنه يعطيه بسعر يوم أخذه.
هنا بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بالكلام عن كيف يضمن المغصوب، فذكر أن المغصوب على قسمين: مثلي، وغير مثلي. ثم فسر المثلي بأنه كل مكيل أو موزون لا صنعة فيه مباحة يصح فيه السلم. هذا تفسير المثلي، وقد تقدم معنا في مواضع كثيرة.
لقد فسروه هنا لأنه كل مكيل أو موزون لا صنعة فيه مباحة؛ لإخراج ما فيه صنعة، سواء كانت صناعة مباحة أو محرمة. أما الصناعة المحرمة فلا تؤثر، فالمقصود إخراج ما لا يصح السلم فيه.
نرجع إلى كلام المؤلف يقول: «وما تلف أو أتلف المغصوب»، يعني عندنا الأصل في المغصوب أن ترد عينه. قلنا في أول باب الغصب إنه يجب على الغاصب أمور، منها الرد، والرد يكون لعين المغصوب؛ فلو غصب سيارة ثم وجدت فإنه يرد عينها، ولو غصب شاة يرد عينها، وهكذا. لكن لو تلفت، هنا قال: «تلف أو أتلف»، تلف يعني مثلاً السيارة احترقت، أو أتلفه سواء أتلفه الغاصب أو شخص آخر.
فإذا تلف أو أتلف المغصوب أو تغيب ولم يمكن رده كعبدٍ أبقٍ أو فرسٍ شرد، وكان هذا المغصوب مثليًا، قال: «كالمثل هو كل مكيل أو موزون لا صنعة فيه مباحة يصح السلم فيه». أما ما فيه صنعة، فإنه يضمن بقيمته. مثل الذهب؛ الذهب الخام أصله مثلي، لكن لو صُنع حليًا فإنه يصير قيمياً، فيعيد قيمته. لأنه لما تعذر رد العين، لزمه رد ما يقوم مقامها، وعندنا اثنان يقومان مقام العين: المثل أو القيمة، ولما قدم المثل على القيمة لكون المثل أقرب إليه؛ لأن المثل مماثل للشيء المغصوب من طريق المشاهدة والصورة والمعنى، أما القيمة فهي مماثلة من طريق الظن والاجتهاد، وما كان طريقه المشاهدة يقدم كما يقدم النص على القياس.
ووجوب رد المثل مجمع عليه إذا كان المغصوب مطعومًا، أما إذا كان غير مطعوم ففيه الخلاف، لكن المذهب كما قلنا إنه يجب رد المثل. وأوجب رد المثل في المكيل والموزون، وألحق بها الدراهم والدنانير. ولماذا أخرجت الدراهم من الأصل رغم أنها موزونة؟ لأنها متماثلة في العرف، جرت عادة الناس وعرفهم على أن هذا الدينار يساوي هذا الدينار، حتى لو كان فيه غش أو خلط.
درهم من فضة مخلوط فيه شيء آخر، فهذا الدرهم المغشوش أو الدينار المغشوش -وإن كان فيه صنعة مباحة- يقولون إنه مثلي، لتماثلهما عرفًا؛ لأن أخلاطهما غير مقصودة، كما قال الحارثي رحمه الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: استثنى من المثل، قال: «ينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة في الصحراء، فإنه يضمن بقيمته في مكانه». ذكره في المبدع: الماء مكيل ولا موزون؟ مكيل. أحسنت، كل مائع مكيل، فالماء مكيل هنا. يقول لك: الماء في المفازة، يعني لو غصب ماء في مفازة، شخص في صحراء وجاء قاطع طريق وغصب منه ماء وشرب هذا الماء، فهنا نقول يرد مثله أو يرد قيمته؟ في المفازة في الصحراء ما عنده شيء، فالأصل أنها ترتفع قيمته لقلة وجوده فارتفعت كفايته، فهنا يقولون: الماء في المفازة يكون قيميًا، فيضمن بقيمته.
ذكر ذلك في المبدع، وهذا أيضًا جزم به الحارثي. قال في الكشاف ويؤيده قولهم: «يمم رب ماء مات لعطش رفيقه، ويغرم قيمته مكان هذا لورثته». لو مات شخص في صحراء وعنده ماء، الماء يمكن أن يغسل به، لكن معه رفيق هذا الرفيق يقول: أنا أحتاج حاجة ماسة للماء، فهل نقدم الرفيق أو نقدم صاحب الماء؟ قالوا: نقدم الرفيق؛ لأن هذا فيه حفظ حياته، فيشرب من ماء صاحبه ويمم هذا الميت، لكن هذا الماء لا يذهب هدرًا، قالوا: يغرم قيمته لورثته مكان هذا، نظير ما ذكره في المبدع أن الماء في المفازة قيمي.
قال: «والا يعني عندنا المثل الأصل أنه يرد مثله، إن لم يمكن رد المثل، قال: وإن لا يمكن رد المثل المثلي لأعوازه فقيمته يوم تعذر». في الأولى، أي نعم، اصطلح هو في الحق له؛ يقول: هل أرد مثل المثل وجوبًا؟ نقول نعم، هذا هو الأصل، إذا اصطلحوا على أن يرد قيمته أو يتنازل، هذا الأمر حق للمغصوب منه؛ لو تنازل أو قال رد لي نصفه أو رد لي قيمته فالأمر له، لكن إذا اختصموا فإننا نرجع إلى الأصل وهو أنه يرد مثل المثل.
حتى قالوا: لو كانت قيمته أغلى، ثمنه أغلى، يعني هو لما أتلفه، مثلاً شاة أتلفها، متى يعتبر قيمتها يوم التلف؟ فاتلفها، لما أراد أن يتلفها كانت قيمتها مثلاً ١٠٠٠ ريال، لما أراد أن يشتري مثلها وجد أن قيمتها ارتفعت إلى ١٣٠٠، فهل نقول يرد قيمتها أو يرد مثلها؟ كان مثله ما عنده، هو يريد أن يشتري. يمكن الشاة مثلية أصلاً؟ هم في القرض يقولون يلحقون بالمثليات الحيوان، يلحقونه بالمثليات في القرض، لكن في الغصب لا أعلم. لكن لو نمثل بشيء مثيل أو موجود مثل التمر، لو أن التمر لما غصبه كانت قيمته مثلاً ١٠٠٠ ريال، ثم صار ماسم التمر فصافت قيمته ١٥٠٠، فهل يرجع له القيمة أو يرجع المثل؟ يرجع المثل ولو غرم أكثر، ولذلك يقول الموفق في الكافي: «وإن قدر على المثل بأكثر من قيمته لزمه شراؤه؛ لأنه قدر على أداء الوجوب، فلزمه»، كما لو قدر على رد المغصوب بغرامة.
الحالة الثانية؛ لو أن عندنا الآن المثل وقدر على رده، ثم تعذر المثل، تعذره إما لعدم وجوده أو لغلاء فاحش. والاعواز قيده ابن مفلح في المبدع قال: «في البلد أو ما حوله»، يعني لو كان في بلد بعيد موجود هذا المثل المغصوب فإنه لا يكلف أن يشتريه. قال: «فقيمته يوم تعذر». يعني عندنا هذا مثلاً غصب تمرًا، التمر انقطع مثلاً من البلد المعين الذي غصب منه، في واحد رجب لما جاء في واحد ذي الحجة رفع إلى القضاء فألزِم بإعادة هذا التمر، فهنا ليس عنده هذا التمر، فعندنا الآن قيمته؛ متى؟ نقول يرد قيمته، لكن قيمته متى؟ هل قيمته الآن وقت الحكم، أو قيمته وقت التعذر، أو قيمته وقت الغصب؟
المؤلف ماذا يقول؟ «يوم التعذر». لماذا قيمته يوم التعذر؟ قال: لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل، فاعتبرت القيمة إذاً؛ لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل. يقصد أن قيمته يوم تعذر لأنه كان من الأصل واجبًا عليه المثل إلى وقت التعذر، في وقت التعذر هنا -الذي هو واحد رجب وانقطع التمر- انتقل من المثل إلى القيمة، لأنه هو الذي تعذر فيه المثل، هو الذي انتقلنا فيه من المثل إلى القيمة، فننظر الوقت الذي انتقلنا فيه من المثل إلى القيمة وهو وقت التعذر، قال: «فاعتبرت القيمة».
لو أنه دفع القيمة، جاوب في واحد ذي الحجة ودفع قيمته مثلاً صارت قيمته ١٠٠٠ ريال، ففي واحد محرم توفر التمر، فهل يأتي المغصوب منه للغاصب ويقول أعطني تمرًا؟ خلاص توفر التمر. نعم، هنا قالوا: لا يلزم، إن غرم اللي هو القيمة ثم قدر على المثل لم يرد القيمة، قال في الفروع: «في الأصح».
لو قدر على المثل قبل أخذ القيمة، حتى لو حكم عليه في واحد ذي الحجة أن يسدد قيمة التمر، لما جاء في واحد محرم توفر التمر، فهل يلزم بالمثل أو بالقيمة؟ نُفذ الحكم، لكن هنا الحكم كان مبنيًا على التعذر، الآن تغير. هم يقولون إنه يلزمه المثل، القيمة بدل، وقد قدر على المبدل منه قبل فعل البدل، فينتقل المبدل منه نظيره. كالتيمم؛ أراد أن يصلي ما عنده ماء، أراد أن يتيمم لكنه لم يصلِّ حتى الآن، فحصل على الماء قبل الصلاة، فهل يقطع الصلاة؟ نعم، حتى قالوا حتى لو كان في الصلاة فإنه يقطعها.
فاعتبر القيمة إذاً، هذا في المثل إذا تعذر. قال: «ويضمن غير المثل إذا تلف أو أتلف بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده أو غالبه إذا غير المثل يضمن بالقيمة». غير المثل يضمن بالقيمة.
يوم جاء التمر صار التمر قيمته أقل من سابق، ما ينظر إلى القيمة، ما ينظر إلى النقص هنا، ما ينظر إلى نقص القيمة، وهذا تكلمنا عنه سابقًا أن الغاصب لا يضمن نقص السعر. كانت القيمة بدلًا، تكون إذا تعذر، فإذا توفر فخلاص.
ننتقل الآن إلى الحالة الثالثة: إذا كان المغصوب غير مثلي. قال: ويضمن غير المثلي إذا تلف أو أتلف بقيمته يوم تلفه. عندنا أول شيء غير المثلي، وهو غير المكيل والموزون الذي لا صناعة فيه مباح ويصح فيه السلم؛ نحن ما قلنا الصناعة المحرمة، في المثل الصناعة المحرمة لا أثر لها، فيضمن بمثله موزونًا بمثله، يعني ينظر إلى وزنه.
هنا غير المثل، قالوا يضمن بقيمته، هذا الأمر الأول. القيمة متى؟ متى ينظر إليها؟ متى نقدر قيمته؟ قيمته يوم تلفه، إذًا ليس يوم غصبه، بل يوم التلف، بزيادة أو بنقص، فالعبرة بيوم التلف. إذا كان النقص في قيمتها يوم التلف، لكن كان النقص بسبب تعدٍ من الغاصب، مثل غصب سيارة وفحط بها وصدمت؛ طبعًا فحط بها عدة أيام ثم صدمت في اليوم العاشر مثلاً، فهي نقصت قيمتها، لكن نقصت قيمتها بسبب الغاصب، فهنا لا ينظر إلى النقص الذي بسبب الغاصب، لكن ينظر إلى النقص؛ يعني لا تنزل القيمة، لكن لو نقصت القيمة بسبب نقص سعر السيارة في السوق، فهنا يقدر بها. إذًا يضمن بقيمته يوم تلفه.
والمعتبر في بلد ماذا؟ قال: في بلده. في بلد ماذا؟ في بلد الغصب. قال: بقيمته يوم تلفه في بلده، بلد الغصب. كلها بقيمته، أي بقيمة المغصوب يوم تلفه في بلده، يعني بلد المغصوب الذي هو بلد الغصب، من نقد البلد أو غالبه، يعني لو كان في البلد عدة نقود فينظر إلى الغالب.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذه المسألة، أنه يضمن بالقيمة غير المثل، يضمن بالقيمة، بقول النبي ﷺ: «من أعتق شركًا له في عبد، قوم عليه قيمة عدل». هذا متفق عليه. يعني إذا كان شخص أو شخصان يملكان عبدًا، كل منهما يملك نصفه، فأعتق أحدهما نصيبه، فالآن صار العبد مبعضًا، نصف حر ونصف عبد، فإنه يقوم عليه قيمة عدل. فيقال للذي أعتق نصيبه: خلاص، اشترِ نصيب الثاني، يدفعه ويعتق كاملًا.
هنا ما وجد دلالة من الحديث على هذه المسألة، قالوا: العبد هنا تلف جزء منه، يعني تلف بعضه بالعتق، فعوض الشريك الآخر الذي لم يعتق عوضًا بماذا؟ عوض بالقيمة، ما عوض بالمثل، ما قيل له خلاص أعطه نصف عبد آخر، لا؛ لأن العبد غير مثلي، فلذلك؛ فهذا هو وجه الدلالة من الحديث على هذه المسألة، أن العبد هنا فات جزؤه بالعتق، فعوض الشريك الآخر بالقيمة ولم يعوض بالمثل.
قال: ولأن هذه الأشياء التي هي غير المثلية لا تتساوى أجزاؤها وتتباين صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب، فكانت أولى. هناك رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أن المغصوب إذا أمكن رده بمثله فيضمن بمثله، ولو كان غير مثلي، يعني حتى لو كان غير مكيل ولا موزون ما دام يمكن رد مثله أو قريب منه، وهذا رواية الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله، واحتج بعموم قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾ [النساء: 89] -بمعنى الإتيان بالمثل-، وأيضًا في الحديث لما كان النبي ﷺ عند بعض زوجاته، فأرسلت إليه زوجة من زوجاته بطعام في إناء، فغارت الزوجة التي كان النبي ﷺ عندها وكسرت هذا الإناء، فالنبي ﷺ قال: «غارت أمكم غارت أمكم»، ثم جمعها وقال: «إناء بإناء، وطعام بطعام». والإناء هذا دخلته الصنعة، والطعام أيضًا دخلته الصنعة، ومع ذلك عوض النبي ﷺ غير المثل بشبيهه أو قريبه.
وهذا، وإن كان ليس من باب الغصب، لكن العلماء رحمهم الله تعالى يلحقون مسائل الإتلاف -سواء كانت متعمدة أو خطأ- ببعض أحكام باب الغصب كما سيأتينا إن شاء الله تعالى. والأصحاب رحمهم الله تعالى أجابوا عن حديث «إناء بإناء وطعام بطعام» أنه محمول على أن النبي ﷺ علم أن هذه الصحابية ترضى بذلك، فكأنه صلح بينهما.
وقوله: بقيمته يوم تلفه، لماذا اعتبرت القيمة يوم التلف ولم تعتبر يوم الغصب؟ لأنه قبل الغصب وقبل التلف كان الواجب رد العين، فمتى وجبت القيمة؟ لما تلفت، فهذا هو الوقت الذي استقرت فيه القيمة. وقولهم: في بلده، يعني بلد الغصب، عللوه بأنه هو موضع الضمان، فقالوا بلد الغصب لأنه هو موضع الضمان؛ فهنا انظروا، الوقت جعلوه وقت التلف، لكن البلد جعلوه بلد الغصب. تقدير القيمة في بلد الغصب، الوقت قالوا فيه: لأن هذا هو الوقت الذي وجبت فيه القيمة، والبلد قالوا فيه: لأن هذا هو موضع الضمان.
الحارثي رحمه الله انتقد هذا القول، طبعًا هذا القول هو قول في المذهب، وقال به أبو الخطاب وتبعه من بعده، لكن الموفق في "الكافي" جزم بأن البلد بلد التلف وليس بلد الغصب. وهذا ذكر الحارثي أنه هو الذي يتماشى مع تعليلهم أن العبرة بقيمته يوم التلف، لأن هذا هو الوقت الذي وجبت فيه القيمة، فننظر إذًا القيمة في بلد التلف لا بلد الغصب. قال: من نقد البلد على المذهب أنه بلد الغصب، وعلى القول الثاني أنه بلد التلف، أو غالبه غالب نقده، فإن تعدد نقد بلد الغصب فمن غالبه رواجًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: ولو أخذ حوائج من بقال ونحوه في أيام ثم حاسبه، فإنه يعطيه بسعر يوم أخذه. ما علاقة هذه المسألة بالغصب؟ كيف القيمة؟ أحسنت، هي هذه المسألة، هذه المسألة ليست من مسائل الغصب وليست من مسائل الإتلافات، ولكن سبب ذكرها في باب الغاصب أن أبا الخطاب في "الهداية" والموفق في "المغني" رحمهم الله تعالى ذكروا قولًا آخر في ضمان غير المثل بالقيمة، وأنه يضمن.
بقيمته وقت الغصب لا وقت التلف، وذكروا أنه يتخرج هذا القول من قول الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة، هذه نص عليه الإمام أحمد ولو أخذ حواجم بقال، هذه نص عليه الإمام أحمد رحمه الله. فذكروا أنه يتخرج من هذه المسألة قول آخر في الغصب، وأنه يضمن بقيمته يوم الغصب.
هذه المسألة، أخذ حواجم بقال، يعني شخص مثلا يذهب إلى محل بيع المواد الغذائية، فيأخذ منه كل يوم، قال: «كل يوم باخذ منك مثلا أغراض وأحاسبك نهاية الشهر». فهنا إذا أراد أن يحاسبه، لو مثلا يأخذ حليب ولبن وخبز نحو ذلك، لو كانت قيمتها في أول الشهر أقل من قيمتها في آخر الشهر، يعني ارتفعت في نصف الشهر، فهنا هل ننظر لما جاء إذا جاء يحاسبه؟ هل ننظر وقت السداد؟
الإمام أحمد ماذا قال؟ يحاسبه بسعر يوم أخذه، فننظر كل يوم، يعني مثلا اليوم الأول كانت قيمته كذا يحاسبه باليوم، اليوم الثاني كانت قيمته كذا وهكذا، فلا ينظر قيمته يوم السداد، وإنما ينظر قيمته يوم أخذه.
طبعاً الموفق رحمه الله ذكر في المغني أن هناك فرقاً بين مسألة الغصب ومسألة البيع، هنا لماذا يقول الموفق رحمه الله: «ويمكن التفريق بين هذا وبين الغصب»؟ يعني بين الشراء من البقالة وبين الغصب، ما أخذه ها هنا في الشراء بإذن مالكه، ملكه وحل له التصرف فيه، فثبتت قيمته يوم ملكه. فهو من حين شرع مثلاً الحليب في اليوم الأول خلاص الحليب ملكه من اليوم الأول، ليس من يوم السداد، لا، ملكه من اليوم؛ لأن البيع ثبت بالإيجاب والقبول، وسداد الثمن ليس ركناً لانعقاد البيع.
فيقول ما أخذه ها هنا بإذن مالكه ملكه وحل له التصرف فيه، فثبتت قيمته يوم ملكه، ولم يتغير ما ثبت في ذمته بتغير قيمة ما أخذه؛ لأنه مِلك، يعني لو مثلاً اشترى حليباً في اليوم الأول بريال، ثم في نصف الشهر صار بريال ونصف، ما تغير، ثبت في ذمته ريال، ما يزود؛ لأنه ملكه من حين ذاك الوقت، يعتبر الدين في ذمته.
وقال: «والمغصوب ملك للمغصوب منه، والمغصوب ملك للمغصوب منه وليس ملك للغاصب، والواجب رده لا قيمته، وإنما ثبتت قيمته في الذمة يوم تلفه أو انقطاع مثله، فاعتبرت القيمة حينئذ». فيقول المغصوب: هذا يجب رده على المغصوب منه، رد عينه، فإذا تلف فإنه يرد قيمته يوم تلفه؛ لأنها هي التي ثبتت فيها القيمة، بخلاف الشراء، الشراء ثبتت القيمة فيه في ذمته من حين الشراء لا من حين التلف.
أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: «وإن تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقية كزوجي خف تلف أحدهما رد الباقي وقيمة التالف وأرش نقصه».
المسألة السابقة التي هي أخذ حواجم بقال ثم حسبه في أنه يحاسبه بسعر يوم أخذه، يقول فيها البهوتي في الكشاف: «وهذا العقد جارٍ مجرى الفاسد لكونه لم يعين فيه الثمن؛ لأنه من شروط صحة البيع تعيين الثمن، هذا لم يعين الثمن»، يعني لم يتفق على الثمن في كل يوم. قال: «لكنه صحيح إقامة للعرف مقاماً مقام النطق»، لأنه يقول العرف جرى على هذا فكأنهم قالوا: «سآخذها بسعر اليوم الذي هي فيه».
قال: «وهذا وإن كان مخالفاً لما تقدم من أن البيع لا يصح إلا بمعرفة الثمن»، يعني تقدم في شروط البيع أن البيع لا يصح إلا بمعرفة الثمن، أولى من القول بأنه فاسد يترتب عليه الملك، يعني هل نقول إنه فاسد لكن ترتب عليه الملك، أو نقول إنه صحيح ونجري العرف مجرى النطق؟ قال: «القول بأنه صحيح أولى من القول بأنه فاسد يترتب عليه الملك؛ لأن الفاسد لا يترتب عليه الأثر»، بل يُدعى أن الثمن في هذا معلوم بحكم العرف، فيقوم مقام التصريح به.
وهذا يتماشى مع ما قرره شيخ الإسلام رحمه الله من أنه يصح الشراء بثمن المثل، لا على مقرّر الأصحاب؛ لأنه لا يتماشى هذا إلا مع ما ذكره المؤلف، اللي هو البهوتي في الكشاف، أنه يصح للعرف إقامة العرف مقام النطق، هذه يتناقلونها ما ينكرونها لأنها نصاً عن الإمام أحمد رحمه الله، لكن يخرجها شيخ الإسلام، يخرجها على أن البيع بثمن المثل جائز، بس يعني شيخ الإسلام رحمه الله إذا خالف المذهب غالباً يكون لهذا القول الذي رجعه الشيخ رواية المذهب، أو أحياناً يكون ماشياً على أصول أحمد وإن كان ليس رواية، فهذا أخذ من الشيخ رحمه الله أنه يصح البيع بثمن المثل.
قال: «وإن تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقية كزوجي خف تلف أحدهما رد الباقي وقيمة التالف وأرش نقصه». يعني إذا غصب شيئين ينقصهما التفريق، كزوجي خف، يعني غصب الخف الأيمن أو الخف الأيسر فقط، ما غصب الخفين كليهما، غصب أحد الخفين، الخفان يعني إذا بيعا معاً تكون قيمتهما قيمة مثلهما، لكن إذا لم يوجد إلا أحدهما فستنزل قيمته.
فهنا ماذا يقول؟ يقول: إذا تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقية كزوج خف تلف أحدهما، هو الآن غصب الخفين كليهما، فلما قيل له رجعه، قال: «والله تلفت إحداهما»، وأرجع الأخرى. لما أرجع الأخرى، أصلاً الأخرى مثلاً الخفين لو بيعا معاً يباعان بـ 50 ريالاً، لكن لما لم توجد إلا واحدة كُتبت بـ 10 ريالات، فهنا ماذا يقول المؤلف؟ «رد الباقي» اللي هو الخف الباقي، و«قيمة التالف».
الآن تلفت إحدى الخفين، وهو كان قيمته بـ 50 الخفين، فإحداهما إذاً بـ 25 فيرد 25 و«أرش النقص»، هذه صارت بـ 10 والأرش 25، فيرد 15 معه، فيرد كم؟ إذا الخف مع 40 ريالاً. لماذا يرد قيمة التالف وأرش النقص؟ لأنه نقص حصل بجنايته، فلزمه ضمانه.
طيب لماذا يضمن النقص هنا، وأرش النقص، وما ضمنّا نقص السعر؟ إذا غصب شيئاً فنقص سعره، فإننا لا نضمنه نقص السعر، لماذا ضمنّا النقص هنا؟ لا، في شيء آخر، هنا وجد نقص في عين المغصوب، بخلاف السعر، السعر ما وجد نقص في عين المغصوب، هذا وجد نقص في عين المقصود، ولذلك يقول المؤلف، يقول الموفق رحمه الله: «وإنما لزمه النقص هنا ولم يلزمه نقص السعر؛ لأن نقص السعر لم يذهب من المغصوب عين ولا معنى».
وها هنا فوت معنى، وهو إمكان الانتفاع به، وهو الموجب لنقص قيمته، وهو حاصل من جهة الغاصب، فينبغي أن يضمنه. هذا من الشرح الكبير.
قال رحمه الله: «وإن تخمر عصير مغصوب فعلى الغاصب المثل، لأن ماليته زالت تحت يده كما لو أتلفه، فإن انقلب خلاً دفعه لمالكه؛ لأنه عين ملكه، ودفع معه نقص قيمته حين كان عصيراً إن نقص».
أي أنه غصب عصيراً، كعصير التفاح مثلاً، فجلس عنده يومين أو ثلاثة فتخمر وصار خمراً، فهنا هل يرده؟ هل يرد هذا الخمر؟ لا؛ لأنه تلفت ماليته هنا، لأنه لا يمكن أن يباع. هل يرد مثله أو قيمته؟
المؤلف في المقنع، وفيه نسختان: في نسخ فيها "مثله"، وفي نسخ فيها "قيمته"، والتي عليها شرح ابن أبي عمر والحارثي "مثله". والظاهر "قيمته"، أما كنت واحداً فيقول إن تخمر، وهما قولان في المذهب، وليستا خطأ في المقنع، لكنهما قولان في المذهب: أن تخمر عصير مغصوب فعلى الغاصب المثل. لماذا عليه المثل؟ لأن ماليته تلفت تحت يده كما لو أتلفه، لأنه خلاص صار خمراً، والخمر لا يجوز بيعه، فكأنه وجوده كعدمه، فكأنه تلف فيرد مثله لأن العصير مكيل.
قال: «فإن انقلب خلاً»، أي صار الخمر خلاً، فإنه يدفعه لمالكه؛ لأنه عين ملكه، لكن يدفعه مع ماذا؟ قال: «ودفع معه نقص قيمته حين كان عصيراً إن نقص». يعني نعرض على الخبراء ونقول: بكم هذا الخل؟ وبكم كانت قيمة العصير؟ فإذا قالوا مثلاً قيمة العصير عشرة ريالات، ولما صار خلاً صار ثمانية ريالات، فيدفع الفرق، فيدفع ريالين لأن النقص صار تحت يده.
قال: «ويسترجع الغاصب ما أداه بدلاً عنه». يعني لو كان الغاصب أعطاه عصيراً -لما كان خمراً- ثم تخلل هذا وصار خلاً، فيعطيه الخل ويعطيه الفرق، ويسترجع العصير الذي أعطاه إياه. فالمغصوب عصير فتخمر، قلنا يجب أن تعطيه عصيراً بدلاً منه، فإذا تخلل هذا الخمر، فنقول استرجع العصير ويعطي هذا الخل مع فرق النقص. قيمة العصير تكون وقت التخمر؛ لأن الأصل أن يجب بدله مثله، فمتى قلنا يجب البدل؟ لما تخمر وصار خلاً، لم يستعمل شيئاً. أحسن الله عليكم.
قال رحمه الله: «وإذا كان المغصوب مما جرت العادة بأجارته، لزم الغاصب أجره مثله مدة بقائه بيده، استوفى المنافع أو تركها تذهب». هذا من الأشياء التي تجب على الغاصب، وذكرناها في أول باب الغصب؛ أن مما يلزم الغاصب أجرة المغصوب مدة بقائه في يده. لكن قيدها المؤلف رحمه الله بأن تكون تجري العادة بأجارته، مثل السيارة مثلاً ونحو شقة.
لكن لو كانت العادة لم تجرِ بأجارته فليس له أجرة، قالوا: كغنم. طبعاً هذا تمثيلهم في السابق، وترى أحياناً التمثيل يكون في زمنهم، وفي زمننا مثلاً تجري العادة بأجارته بعض الأشياء، فلذلك التمثيل أحياناً يكون صحيحاً في زمن دون زمن أو في مكان دون مكان. قالوا: «كغنم وشجر وطير، ولو قصد صوته، ونحوه كشمع ومطعوم ومشروب ما لا منفعة لها يستحق بها غرض، فلا يلزم غاصبه أجره»؛ لأن هذه لم تجرِ العادة بأيجارتها.
قالوا: «ولا يرد صحة إجارة غنم لدياس، وشجر لنشر، ونحوه لندته». يعني الأصل أن البقر هي التي يستخدمونها لدياس الزرع، فلو أجر غنماً لدياس الزرع، قالوا: هذا الصحيح وإن كان نادراً، فلا يقول شخص إذاً الغنم تؤجر، نقول: هذا لم تجرِ العادة بأجارته. والشجر لنشر ثيابه قالوا: هذا قليل ونادر تأجير الشجر لنشر الثياب، فقالوا: إذاً هذا لم تجرِ العادة بأجارته. فلو غصب شجراً أو غصب غنماً فإنه يلزمه ردها فقط ونقصها إن نقصت، لكن لا يلزمه أجرتها.
قال: «لازم الغاصب أجرته مثله مدة البقاء بيده، استوفى المنافع أو تركها تذهب». يعني سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب، حتى لو أنه مثلاً غاصب سيارة وجعلها عنده في البيت لمدة أشهر ولم يستفد منها، فهنا يقولون يلزمه أن يعيدها ويلزمه أجرتها؛ لأن المنافع تلفت تحت يده العادية فكان عليه ضمانها كالآعيان. أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله: «فصل: وتصرفات الغاصب الحكمية -أي التي لها حكم من صحة وفساد كالحج والطهارة ونحوها، والبيع والإجارة والنكاح ونحوها- باطلة لعدم إذن المالك، وإن اتجر بالمغصوب فالربح لمالكه، والقول في قيمته».
تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن تصرفات الغاصب في العين المغصوبة، قال: «تصرفاته الحكمية»، يعني التي لها حكم من صحة وفساد، سواء كانت عبادة أو عقداً. غير الحكمية، يعني التي لا توصف بصحة ولا فساد مثل الأكل؛ فالأكل من المغصوب، هل نقول الأكل من المغصوب صحيح أو باطل؟ لا، لا نقول صحيح أو فاسد، بل نقول محرم، لا يوصف هذا بصحة ولا فساد، مثل اللبس المغصوب ونحوها.
فإذا كانت تصرفات الغاصب الحكمية -يعني التي لها حكم من صحة وفساد- فهذه باطلة، والمراد بها التي تتعلق بالمغصوب، أما التي لا تتعلق بالمغصوب فلا توصف بالبطلان؛ مثل لو صام صائماً ودخل بيتاً مغصوباً، أو صام ولبس ثوباً مغصوباً، فهل يبطل صومه؟ لا؛ لأن الغصب لا علاقة له بالصوم. والذكر، كأن يذكر الله عز وجل وعليه ثوب مغصوب، فهل يبطل أجر ذكره؟ لا.
فهنا يقولون: العبادات التي لها تعلق بالمغصوب، أما التي لا تعلق لها به فإن الغصب لا أثر له فيها. فإذاً العبادات التي لا تتعلق بالمغصوب فتصرفات الغاصب فيها باطلة، أما التي تتعلق به، كالحج، لو حج بمال مغصوب فإن حجه باطل عن المذهب. ولو تطهر بماء مغصوب فطهارته باطلة. وصلى في ثوب مغصوب صلاته باطلة. طيب، صلى وعليه عمامة مغصوبة؟ نعم، أحسنت، صلى وعليه عمامة مغصوبة، صلاته صحيحة؛ لماذا؟ يقول: الغصب أمر محرم وجوده كعدمه، فلو أصلاً ما لبس شيئاً على رأسه فصلاته صحيحة، فهنا لم يستر عورته التي تشترط لصحة الصلاة، لم يسترها بثوب محرم.
هذه أمثلة على العبادات، أما المعاملات كالبيع، فباع شيئاً مغصوباً، أو أجر شيئاً مغصوباً، أو النكاح، فنكح جارية مغصوبة، فهذه كلها باطلة. لماذا؟ أما العبادات فلقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، وأما المعاملات فلعدم إذن المالك. والموفق رحمه الله ذكر أن تصرفات الغاصب كتصرفات الفضولي، وتصرفات الفضولي مر معنا في شروط صحة البيع.
الشرط الرابع يكون البيع بمالك ومن يقوم مقامه. الكلام على بيع الفضول؛ إن المذهب أنه لا يصح بيع الفضولي ولا شراء الفضولي، واستثنى صورة واحدة، لكن في المجمل لا يصح تصرف الفضولي، وهناك رواية أخرى في المذهب بصحة تصرف الفضولي.
فبنى الموفق رحمه الله تعالى كلامه على حكم تصرف الغاصب على حكم تصرف الفضولي، فقال: تصرفات الغاصب كتصرفات الفضول فيها روايتان: إحداهما البطلان، وهو الثاني، وصحتها ووقوفها على إجازة المالك. وذكر أبو الخطاب رواية أنها تقع صحيحة سواء في العبادات أو العقود.
ظاهر كلام أبي الخطاب أنه حتى لو لم يجز المالك، وهذا هو الذي نقله الموفق في "المقنع"، أطلق كما أطلق أبو الخطاب أنها صحيحة. يعني الرواية الثانية أنها صحيحة، لكن في "المغني" قال: وهذا ينبغي أن يتقيد في العقود بما لم يبطله المالك، فأما ما اختار المالك إبطاله وأخذ المعقود عليه فلم نعلم فيه خلافًا.
وأما ما لم يدركه المالك، يعني مثلاً سيارة وتنقلتها الأيدي فباعها الغاصب على شخص، والثانية على شخص، والثالثة على شخص وهكذا، قال: وأما ما لم يدركه المالك فوجه التصحيح أن الغاصب تطول مدته وتكثر تصرفاته، ففي القضاء ببطلانها ضرر كثير، وربما عاد الضرر على المالك، فالحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك والعوض بنمائه وزيادته له، والحكم ببطلانها يمنع ذلك. يقول: يعني تصحيحه فيه منفعة للطرفين.
ثم قال المؤلف رحمه الله: «وإن اتجر في المغصوب فالربح لمالكه». لو أنه غصب عشرة ريالات ثم بدأ يتاجر فيها، فالعشرة صارت عشرين ألفًا، فجاء المغصوب منه يطالب برد ما غصب منه، فيقولون: يرد المغصوب بنمائه؛ لماذا؟ لأن المغصوب منه مالك للمال، وهذا نماء ملكه، والأصل أن من يملك الأصل يملك النماء، رحمك الله.
وهذه المسألة مشكلة على قواعد المذهب، ذكر ابن رجب في "القواعد"، وابن النجار في حواشي "المحرر"، والبهوتي في "الكشاف" أن هذه المسألة مشكلة على قواعد المذهب. لماذا مشكلة؟ لا إخراج الضمان، طبعًا ذكر بعضهم ذلك، لكن إخراج الضمان الصحيح أنه لا ينطبق على الغاصب؛ لأن الغاصب لا يجوز له أن يتصرف فيه، لكن لأنهم يبطلون العقود، فإذا أبطل العقد بطل الربح الذي من أجله جاء الربح، لكنهم لا يبطلون.
لماذا؟ ابن رجب رحمه الله يقول: نصوص أحمد متفقة على أن الربح للمالك، فلذلك اختلف الأصحاب في توجيه كلام الإمام أحمد رحمه الله، وذكر ابن رجب ثلاثة اتجاهات واختار وجهًا رابعًا، وفي وجه خامس ذكره ابن قندس في حواشي "الفروع"، والصاحب المبدع أيضًا ابن مفلح، من أراد أن يرجع إليها يرجع إليها في "قواعد ابن رجب".
وفي الفوائد التي ألحقها بالقواعد في الفائدة السادسة: النقود هل تتعين بالتعيين أو لا؟ ذكر هذه المسألة البهوتي في "الكشاف" في هذا الموضع. وهنا في حاشية ابن قاسم قال: وإن تجريح المالكية، قال ابن قاسم: ونصوص أحمد متفقة عليه، وهو موافق للقول الثاني، يقصد القول الثاني في المسألة السابقة؛ وهي تصرفات الغاصب هل هي صحيحة أو باطلة؟ فهي موافقة للقول الثاني في أن تصرفات الغاصب صحيحة. قال: وبناه ابن عقيل والموفق على صحة تصرف الغاصب وتوقفوا على الإجازة، هذا أحد الاتجاهات التي اتجه لها الأصحاب.
كونه عنده المال على سبيل الوديعة، هل هو نفس الحكم؟ يقول: إذا كان شخص عنده مال وديعة لشخص آخر فاتجر بهذا المال وربح منه، فهل يعيد رأس المال فقط أو يعيد رأس المال مع الربح؟ يقول: يعيد رأس المال مع الربح؛ لأنه لم يأذن له المالك في التجارة، فانقلبت يده من يد أمانة إلى يد ضمان، فترجع المال وربحه لصاحب المال الذي هو المرجع. لو اشترى به شيئًا لنفسه ضمن.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «والقول في قيمة التالف قول الغاصب لأنه غارم، أو قدره أي قدر المغصوب، أو صفته بأن قال غصبتني عبدًا كاتبًا، وقال الغاصب لم يكن كاتبًا، فقوله أي قول الغاصب كما تقدم. والقول في رده أو تعيبه بأن قال الغاصب كانت فيه إصبع زائدة أو نحوها وأنكره مالكه، قول المالك؛ لأن الأصل عدم الرد والعيب، وإن شاهدت البينة المغصوب معيبًا وقال الغاصب كان معيبًا وقت غصبه وقال المالك لم يكن معيبًا، فالقول قول الغاصب لأنه غارم».
هنا ذكر مسائل الاختلاف بين الغاصب والمغصوب منه. عندنا الأصل -طبعًا ذكرنا لكم سابقًا مرارًا- أن مسائل الاختلاف إذا قلنا القول قول فلان أو فلان، فإن هذه عند عدم البينة، إذا وجدت البينة فالقول مقال البينة. فهذه المسائل إذا لم توجد البينة؛ إذا اختلفوا في قيمة التالف مثلا: غصب شاة وذبحها، ثم ترافعا إلى القضاء، فقال إنه غصب شاة وذبح قيمتها مثلا ألف ريال، فقال الغاصب: لا بل قيمتها ثمانمائة، فهنا القول قول الغاصب في القيمة لأنه غارم؛ لأنه ينكر ما زاد، والأصل أن القول قوله فيما أقر به، أما ما زاد فلا بد من بينة.
أو قدره، أي قدر المغصوب؛ لو قال غصبت مني عشر شياه، فقال بل ثمان شياه، فالقول قول الغاصب لأنه غارم. أو صفته؛ لأن قال غصبتني عبدًا كاتبًا، وقال المغصوب منه لم يكن كاتبًا، فالقول قول الغاصب أيضًا لما تقدم؛ لأنه غارم. وهذه المسائل الثلاث قال إن المرداوي لا أعلم فيها خلافًا.
المسألة الرابعة: والقول في رده أو تعيبه؛ لو قال المالك: غصبتني سيارة ولم تردها، قال: بل رددتها، فهنا القول قول المالك؛ لماذا؟ لأن الغاصب يدعي الرد والمالك ينكره، والقول قول المنكر؛ لأن الأصل العدم. وكذا في التعيب؛ لو قال كانت فيه إصبع زائدة وأنكر المالك، فهنا القول قول المالك؛ لأن الأصل عدم العين. طيب قد تقولون: يذهبون للعبد ينظرون في إصبع زائدة أو لا؟
يقصد: صد فيما إذا تلف المغصوب، وتلف المغصوب ما لا يمكن أن نتحقق به من عيبه من عدمه. فهنا القول قول المالك في عدم العيب.
قال: «وإن شهدت البينة أن المغصوب كان معيبًا، وقال الغاصب كان معيبًا وقت غصبه»، وقال المالك: «تعيب عنده»، فقدم قول الغاصب هنا. اتفق الطرفان؛ الغاصب والمغصوب منه على أنه معيب، لكن اختلفوا في وقت حدوث العيب؛ فالغاصب يقول: إنني من حين غصبت وهو معيب، والمالك قال: لا، لم تأخذه مني وهو سليم وقد تعيب عندك. فإذا شهدت البينة بوجود العيب، فمن يقبل قوله؟ قالوا: يقبل قول الغاصب لأنه غارم، وقالوا: لأن الظاهر أن صفة المغصوب لم تتغير.
قال الشارح ابن بيهي: «ويتخرج أن القول قول المالك»، وخرجها من كلام الفقهاء رحمه الله تعالى في خيار العيب إذا اختلف البائع والمشتري عند من حدث العيب. كأن يشتري سيارة، وبعد أسبوع جاء وقال: وجدت السيارة تهرب زيتًا، فيقول له البائع: لم تشترها من عندي ما فيها شيء. فهنا يقبل قول من؟ ماذا قال أصحاب خيار العيب إذا اختلف عند من حدث العيب ولا بينة؟ هذا القول الثاني في المذهب، والمشهور في المذهب أن القول قول المشتري، وهو من المفردات؛ أنهم قالوا: إن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فيقولون: كان كل جزء من السلعة يقابله جزء من الثمن، فكان هذا الجزء المعيب لم يقبض ما يقابله، فلذلك قالوا: يقدم قول المشتري. والجمهور -وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله- أنه يقبل قول المالك؛ لأن الأصل السلامة.
ابن أبي عمر خرجها على القول الثاني، قال: «ويتخرج أن القول قول المالك كما إذا اختلف البائع والمشتري في العيب، هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري؟ فإن فيه رواية أن القول قول البائع». كذلك هنا يتخرج هذا القول.
أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «وإن جهل غاصب ربه -أي رب المغصوب- سلمه إلى الحاكم فبرئ من عهدته، ويلزمه تسلمه أو تصدق به عنه مضمونا -أي بنية ضمانه إن جاء ربه-. فإذا تصدق به كان ثوابه لربه وسقط عنه إثم الغصب. وكذا حكم رهن ووديعة ونحوها إذا جهل ربها، وليس لمن هي عنده أخذ شيء منها ولو كان فقيرا».
هنا لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى وجوب رد المثل أو القيمة أو عين المغصوب إلى المغصوب منه، ذكر مسألة لو جهل الغاصب ربه، أي رب المغصوب. فهنا أمامه أحد أمرين: إما أن يسلمه إلى الحاكم، فإذا سلمه إلى الحاكم فإنه يبرأ من عهدته. قال في الإنصاف: «بلا نزاع»، ويلزمه تسلمه؛ وضمير "يلزمه" يعود إلى من يلزمه، أي يلزم الحاكم تسلمه، لأن الحاكم قائم مقام الغائبين والمجهولين في الحفاظ على أموالهم. وإلى وقت قريب كانت الأموال التي يجهل أصحابها تودع في المحاكم، والآن استحدثت هيئة الولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم، فصارت تؤدى في الهيئة.
طيب، إذا كان يعلم بالمغصوب منه، فهل له أن يسلمه إلى الحاكم؟ إذا كان يستطيع إيصاله إليه، هل له أن يسلمه إلى الحاكم؟ قالوا: لا. لكن لو كان شيئًا يسيرًا ويشق عليه أن يدفعه إليه، كأن يكون شيئًا يسيرًا ويحتاج مثلا إلى أن يسافر، أو يحرج من أن يقول له: إنني سرقت منك خمسة ريالات مثلا، نقل الإثرم وغيره عن الإمام أحمد أنه إذا كان يعلم به ويسير دفعه إليه، فإنه يسلم إلى الحاكم ويبرأ. هذا قول في المذهب، والمشهور في المذهب أنه لا يبرأ بذلك، لا يبرأ إلا إذا جهل.
الأمر الثاني: أن يتصدق به عنه مضمونا، قال: «معنى مضمونا» أي بنية ضمانه إن جاء ربه. يعني مثلاً غصب ألف ريال من شخص كان موجودًا في السعودية وسافر، فيقول: أنا لا أدري هل يرجع أو لا، ولا أعرف أحدًا يعرفه في بلده، فنقول: تصدق بها عنه بنية أن يكون أجرها له؛ لو جاء هذا المغصوب منه مثلا بعد سنتين، فيقول له: إنني قد غصبت منك ألف ريال وإنني تصدقت بها عنك، فإن أجازه صار الأجر له، وإن لم يجزه فيصير الأجر للغاصب ويرجع له مقدماً، أي تعويضًا عما تصدق به عنه.
قال: «فإذا تصدق به كان ثوابه لربه وسقط عنه إثم الغصب». طبعًا قلنا يتصدق به عنه مضمونا أي بنية الضمان؛ فإذا تصدق به كان ثوابه لصاحبه وسقط عنه إثم الغصب؛ لأن قضاء الحقوق في الآخرة يكون بالحسنات وحمل السيئات، فإذا طلب منه عوض الغصب أحالهم بثواب الصدقة. وقوله «مضمونا» تنبيه على أنه لا يجوز التصدق بالمغصوب إلا بذلك؛ لأن الصدقة بدون ما ذكر إضاعة لمال المالك على غير وجه بدل، وذلك غير جائز؛ أي لا يجوز أن يتصدق بها عن نفسه، لا بد أن يتصدق بها عن صاحبه. فإذا تصدق بها عن نفسه فجاء المغصوب منه، يكون المغصوب منه مخيرًا بين مطالبته أو مطالبة من تصدق بهم إليهم؛ لأن هذه من الأيدي المترتبة على الغصب التي مرت معنا في الدرس الماضي. لذلك قال الشيخ ابن قايد: «جواز أخذ الفقراء مخصوص بهذه المسألة، وهو ما إذا تصدق الغاصب بالمغصوب بنية ضمانه بشرطه»، أما مع عدم ذلك -يعني لو تصدق بغير نية الضمان- فهو من الأيدي العشرة المترتبة على يد الغاصب، والله أعلم.
يقول الشيخ ابن أبي عمر رحمه الله: «والظاهر إذا تصدق بها تائبا حلت لأخذها». وذكر شيخنا رحمه الله في حاشيته على الروض: «قال: وظاهر هذا لا ضمان عليه مطلقا»، أي للفقراء، وهذا ظاهر؛ فإن كلامهم في الأيدي المترتبة على يد الغاصب إذا كان المغصوب منه موجودًا معلومًا، بخلاف ما هنا؛ لأنه هنا إذا كان المغصوب منه مجهولًا، أما إذا كان معلومًا فإنه يلزمه رده إليه.
قال: «وكذا حكم رهن ووديعة ونحوهما إذا جهل ربها»، فإنه كان عنده رهن وناسي لمن هذا الراهن أو جهله، وكذا الوديعة فإنه يتصدق بها عن صاحبها بنية أن تكون له. وله الخياران: إما أن يسلمها للحاكم، أو يتصدق بها عنه مضمونا. «وليس لمن هي عنده أخذ شيء منها ولو كان فقيرا».
لو كان الغاصب فقيرا، فهل له أن يقول: «أنا فقير إذاًا سآكل منها»؟ يقول: لا، ليس له، إذ هي عنده أخذ شيء منها ولو كان فقيرا. ذكره في المبدع وقال نصًا عن الإمام أحمد رحمه الله، وخرج القاضي جواز الأكل منها إذا كان فقيرا على الروايتين.
في شراء الوصي من نفسه، مرت معنا في الوكالة؛ في الوكالة هل له أن يتصرف مع نفسه أو لا؟ الوصي أو الوكيل ونحوه هل لهم أن يتصرفوا؟ يعني مثلا أكل أو بيع سيارة، هل له أن يبيعها على نفسه وهكذا؟ الوصي لو كان شخصًا وصيًا على مال أيتام مثلا وعندهم سيارة زائدة عن حاجتهم، فهل أن يبيعها على نفسه؟ فيه روايتان، والمذهب عدم الجواز، وفي قول آخر بالجواز. فهنا القاضي يقول يتخرج الجواز تخريجًا على هذه المسألة، نقله عنه ابن واقع عقيل في فنونه، وأفتى به الشيخ تقي الدين رحمه الله.
في الغاصب إذا تاب الشيخ رحمه الله يقول: غاصب إذا تاب فيجوز له الأكل منها إذا كان فقيرا، إذا كان فقيرا وتاب من الغصب فله الأكل منها. وهذا حقيقة بعض المسائل تكون صحيحة نظريًا، لكن تطبيقيًا لو قلتها للناس ربما يحصل تساهل كثير جدًا، فيسد الباب في مثل هذا. نقف على هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
هل يقول كون الشخص يتصدق بنية الضمان، على أنه إن جاء ربه فأطالبه ربه بهذا، فتنقلب النية تكون له للغاصب، فهل لها نظائر؟ لا استحضر نظيرا. كيف؟ لا أدري.
لكن يمكن في الإمامة، إذا كانت الإمامة أصلاً تأتي طارئة، فهل يشترط أن يكون المأموم إمامًا؟ فهو هنا انقلب من مأموم إلى إمام، ولكن هي في فرق بينها وبين هذه.
يقول: بقيمة يوم تلفه في بلده، طبعًا المذهب أنه بلد الغصب، والقول الثاني أنه بلد التلف. يقول لو كان في بلد التلف لا قيمة له، هل تقصد لا قيمة له يعني قيمته متدنية؟ يتمشى على قوله إنه العبرة بقيمته في بلد التلف حتى لو كانت قيمته متدنية، ما لم يكن تدنيها بسبب الغاصب، مثلا استهلكها ونحو ذلك، فصار تدنيًا بسبب الغاصب فلا ينظر إلى هذا النقص الذي حصل بسبب الغاصب، لكن إذا كان النقص بسبب السوق والعرض والطلب فلا يضمن الغاصب.
نعم، هل نستطيع أن نقول عند كلام الموصل: تصرفات الغاصب الحكمية باطلة لعدم الملك لأن النهي أكثر للفساد؟ نعم، صحيح؛ لأن النهي يقتضي الفساد. ونحن ذكرنا الحديث: «من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»، وأيضًا القاعدة أن النهي يقتضي الفساد. علما أن قاعدة النهي يقتضي الفساد هذه فيها تفصيل كثير لأهل العلم، حتى الحنابلة رحمه الله تعالى في كتبهم، هم يقررون في كتب الأصولية أنها تقتضي الفساد، لكن في كتب الفقه تجده ليس كل نهي يقتضي الفساد، فيخرجون عن هذا الأصل لعارض يعرض، وليس هذا من تناقضهم في تقريراتهم، إنما خرجوا عن هذا الأصل لعارض.
يسأل عن تبليغ الدروس، حقيقة أنا أتأخر في المراجعة. وين وصل عندك؟ آخر شيء الرهن، بس أني ما ظل باقي باب في الرهن، أقصد أنا ما راجعته، وإن شاء الله نستدرك فيما بقي.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان