دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 70 | باب الغصب 3

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما من به من العودة إلى هذا الدرس بعد التوقف لأجل شهر رمضان، وأسأل الله أن يتقبل من الجميع صالح العمل. والوصية لي أولًا ولكم ثانيًا أن يحرص الإنسان منا على إتقان عمله وإصلاحه.

الله عز وجل ذكر في ثلاث مواضع من القرآن أن المطلوب هو إحسان العمل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقد جاءت في سورة هود، وفي سورة الكهف، وفي سورة الملك. وإحسان العمل هو الإتقان، والإتيان به خالصًا لله تعالى وعلى وفق شريعة محمد ﷺ. فينبغي للإنسان أن يعتني بإصلاح عمله وإصلاح قلبه وقصده، بأن يكون قصده في عمله الصالح وجه الله تعالى، لا يبتغي مدحًا وثناءً من الناس، أو يبتغي شيئًا من أمور الدنيا، بل يخلص قصده لله تعالى.

فمن أخلص لله عز وجل فإن الله يحقق له ما تمناه، ويعينه، وييسر أمره؛ لأن الإخلاص هو من تحقيق تقوى الله عز وجل. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.

والمخلص أيضًا هو محسن في عبادة الله تعالى؛ لأنه عبد الله كأنه يراه، والله عز وجل وعد المحسنين بمعية خاصة، قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. هذه الآية في سورة العنكبوت؛ أولها: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. أولها فيها ذكر الفتنة والابتلاء، وآخرها فيها نتيجة الصبر على هذه الفتن وعلى هذا الابتلاء؛ فمن صبر وجاهد في الله عز وجل فإن الله عز وجل يهدي؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

والمخلص يجاهد في الله عز وجل؛ لماذا؟ لأن النية متقلبة. ولذلك قال سفيان رحمه الله: «ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي». النية تتقلب، الإنسان أحيانًا يرجو مدحًا وثناءً ويدخل قلبه من ذلك الشيء الكثير، فيحتاج إلى مجاهدة. ولذلك إذا جاهد نفسه على الإخلاص فإن الله عز وجل سيهديه ويوفقه ويكون معه؛ لأنه يعتبر محسناً، والله عز وجل وعد المحسنين بمعية خاصة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. الله عز وجل يحبهم وهو معهم.

ومن المجاهدة المجاهدة في طلب العلم؛ أحيانًا النفس يصيبها فتور، يصيبها كسل، تحب التفلت، فيجاهد الإنسان نفسه. ابن الجوزي رحمه الله ذكر عن نفسه أنه يقول: كنت في صغري، أقاربي والأصدقاء يلعبون ويمرحون ويلهون، وأنا عاكف على كتبي، لكن لما صبر وصابر الله عز وجل فَتَحَ عليه فألف من المؤلفات البديعة في بابها رحمه الله. أما أصدقاؤه وأقاربه الذين استغلوا شبابهم باللهو واللعب، فأفنوا شبابهم باللهو واللعب وما صاروا شيئًا مذكورًا بعد وفاته. أما ابن الجوزي رحمه الله وغيره من علماء الإسلام -لكن أقصد ابن الجوزي لما ذكر عن نفسه- صار شيئًا مذكورًا وانتفع الناس بعلمه ونصحه وتوجيهه، وهكذا علماء الإسلام.

ونحن في هذا الزمن كثرت الملهيات والمثبطات عن طلب العلم، بل إن بعض الناس يقول: ما الفائدة من أنك تطلب العلم، وأنت تستطيع بضغطة زر أن تصل إلى الجواب؟ وهذا قول من لم يفهم العلم، ولو فهم العلم ما قال ذلك. هل الذي ستصل إليه بضغط الزر هو جواب مسألتك التي تريدها؟ قد تجد المسألة موجودة في كتب العلم، لكن واقعتك التي وقعت عليك فيها أشياء تغير الحكم الذي قرأته في كتب الفقه. وهذا مما يدلك على أهمية القراءة في كتب الفتاوى؛ صحيح أن قراءة كتب الفقه الأصلية هي التي تؤصلك، لكن قراءة كتب الفتاوى تفيدك في تنزيل الذي قرأته في كتب العلم على الوقائع. هل هذه الواقعة التي قرأتها في فتاوى الشيخ بن باز رحمه الله، أو في فتاوى اللجنة الدائمة، أو فتاوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، هل هي تنطبق على المسألة التي قرأتها في كتب الفقه أو لا؟ قد تكون لا، يتغير الحكم لتغير الأشياء التي اقترنت بالواقعة التي وقعت من الشخص.

فبعض الناس يثبطون عن طلب العلم بمثل ذلك، أو يقولون الآن في برامج الذكاء الاصطناعي هذه تستطيع أن تصل إلى المعلومة واضحة، بل تسأله عن رأي العالم الفلاني أو قول المذهب الفلاني ويجيبك ويحيلك ويذكر المراجع. لكن كما قلنا أولًا: هل هذه هي الواقعة التي تريدها؟ الأمر الثاني: عدم دقة بعض هذه البرامج، فتجدها تذكر لك أشياء ليست موجودة في كتب العلم، وهذا مما يدلك على أنه ينبغي لطلاب العلم ألا يستمعوا لهؤلاء المثبطين، وأن يجاهدوا في تعلم العلم والتدقيق فيه لئلا يضيع العلم.

ومن أعظم ما يتعلم كتاب الله عز وجل؛ علم القرآن وعلم السنة، فهذه من أعظم العلوم التي تتعلم، وينبغي لطالب العلم ألا يترك حظه من العلمين: العلم بالكتاب والعلم بالسنة. فالقرآن يكون له اهتمام في قراءته وتكراره وحفظه ومراجعته، ويكون له ورد في ذلك، ولا يكون كبعض العوام الذين لا يقرأونه إلا في رمضان ولا يهتمون به إلا في رمضان؛ فطالب العلم يهتم بالقرآن في جميع أيامه، لكن يكون له في رمضان مزيد عناية وعناية. وهكذا يهتم بسنة النبي ﷺ في حفظ ما تيسر له منها وفي قراءة شروح أهل العلم رحمهم الله تعالى عليها.

وعلم الفقه نابع من هذين العلمين: علم الكتاب والسنة وما تفرع عنهما. علم الكتاب والسنة هو الأصل وما تفرع عنهما من الاجتهاد في نصوص الوحيين، فعلم الفقه ليس أجنبيًا عن علم الكتاب والسنة. بعضهم يسأل: هل الفقه من كتب الفقه، أو من الكتاب والسنة، أو من كتب الأثر؟ كتب الفقه أصلًا مأخوذة من الأثر، من الكتاب والسنة، لكن أحلاها أهل العلم رحمهم الله تعالى باجتهادات الفقهاء في نصوص الوحيين؛ فتجدهم يوسعون دلالات النصوص ويستنبطون من النصوص أحكامًا وينزلونها على المسائل الفقهية.

أسأل الله أن يوفقنا جميعًا للعلم النافع والعمل الصالح. وقفنا على...

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الغصب: «وإن خلط المغصوب بما يتميز، كحنطة بشعير وتمر بزبيب، لزم الغاصب تخليصه ورده، وأجره ذلك عليه. وبما لا يتميز، كزيت أو حنطة بمثلهما، لزمه مثله منه؛ لأنه مثلي، فيجب منه مثل مكيله. وبدونه أو غيره أو بغير جنسه، كزيت بشيرج، فهما شريكان بقدر ملكيهما، فيباع، ويعطى كل واحد قدر حصته. وإن نقص المغصوب عن قيمته منفرداً، ضمنه الغاصب».

تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل عن أحكام خلط المغصوب بغيره، وصب المغصوب، وإطعامه لمالكه أو لغيره، وأيضاً الأيدي المترتبة على الغصب كما سيتم. هنا ذكر خلط المغصوب بغيره، وخلط المغصوب بغيره له ثلاث حالات بالإجمال، وممكن أن تقول خمس حالات.

الحالة الأولى التي قال فيها: «وإن خلط المغصوب بما يتميز، كحنطة بشعير». عنده حنطة فغصب شعيراً وخلطه بالحنطة، الآن لو أردنا تمييز الحنطة عن الشعير سهل ذلك، فمتميز الحنطة عن الشعير، أو تمر بزبيب؛ عنده تمر وغصب زبيباً وخلطه به فيسهل تمييزه. فهنا ما الواجب؟ قال: «لزم الغاصب تخليصه ورده، وأجره ذلك عليه». يلزمه أمران: تخليصه؛ لأن يخلص المغصوب من المملوك له، فلو غصب مثلاً حنطة وخلطه بشعير عنده، فنقول خلص الحنطة من الشعير، هذا الأمر الأول. والأمر الثاني: يردها لصاحبه، وأجره ذلك عليه. كلاهما التخليص والرد، يعني لو أن التخليص احتاج إلى شخص يعاونه، أو يعمل على التخليص بأجره فالأجرة على الغاصب، وكذلك الرد لو كان مثلاً هو غصبه في الرياض وذهب به إلى مكة مثلاً، فاحتجنا الآن أن نخلصه ونرده إلى الرياض، نقله من مكة إلى الرياض على الغاصب. لماذا أجرتُه عليه؟ يده يد ضمان، ولكن هذا كله بسبب تعديه.

الحالة الثانية: إذا خلط حنطة بما لا يتميز، وكان مثله في الصفات، في الجنس والصفة، وكان مثله في الجنس والصفة خلطه بما لا يتميز، وكان مثله في الجنس والصفة كزيت أو حنطة بمثلهما. عنده زيت زيتون درجة أولى مثلاً، فغصب زيت زيتون من نفس الفئة، فرجع له خلطه بزيته، أو حنطة وغصب حنطة وخلط بحنطته وكانت الجودة متساوية، فهنا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: «لزمه مثله منه». بمعنى أن نقول مثلاً لو عنده خمسة أصواع، وغصب ثلاثة أصواع، خلطها بأصواعه، فهنا نقول يلزمه أن يخرج ثلاثة أصواع إلى مالكها.

هذه الأصواع قد تكون من ملكه، وقد تكون من ملك المغصوب منه. هنا قال: «لزمه مثله منه»، لو قال ثمانية أصابع بخليها عندي وبشتري له ثلاثة أصابع من السوق، مثله، لكن قال سأشتري له من السوق وأعطيه إياها بنفس الفئة ونفس الجودة، هل يجزئه؟ نعم، مثلي ليس قيمي. لكن هنا طبعاً أنا عندي «لزمه مثله» بدون كلمة «منه»، وهي مهمة، يلزمه نفس الحنطة المخلوطة؛ لماذا يلزمه من نفسها؟ قد تكون هذه الأصابع الثلاث لردها هي عين المغصوب منه.

طبعاً هذه المسألة فيها خلاف المذهب، وهذا الخلاف مبني على قاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله في القواعد، القاعدة الثانية: العين المنغمرة في غيره، إذا لم يظهر أثرها، فهل هي كالمعدومة حكماً أو لا؟ هنا عين انغمرت في غيرها، حنطة انغمرت في حنطة، أو زيت انغمر في زيت ولم يظهر، يعني لو أنه مثل الذي قبله المتميز ظهر هذا عن هذا، هنا لم يظهر، فهل نقول هي كالمعدومة حكماً أو لا؟

إذا قلنا إنها كالمعدومة، نقول كأن هذه العين استهلكت في هذه فتلف، فيلزمه مثلها، سواء من أي حنطة عنده، سواء عنده أو عند غيره، هذا الذي يقول إنها استهلكت في غيرها، يعني يقولون كالمعدومة. وعلى القول الثاني يقولون: لا، هي لم تستهلك وإنما اشتركا، فيجب له المثل. لماذا قالوا ذلك؟ لأنه إذا أعطاه مثله من هذه الحنطة التي خلط بغيرها، فهو حقيقة، هذه الحنطة المغصوبة جزء منها للغاصب وجزء منها للمغصوب منه، فهو قادر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي. يعني كأن الثلاثة أصواع التي غصبها وردها، قد تكون صاعين من مال الغاصب وصاعاً من مال المغصوب منه، فهو قادر على دفع بعضهما من مال المغصوب منه، وكونه يستطيع أن يدفع بعض المال مع المثل في الباقي، هذا أولى من أن ينتقل إلى المثل في الجميع، فنقول يشتري من غيره. كونه يدفع له الذي عنده خلطه بغيره، فيكون كأنه دفع جزءاً منه من مال المغصوب منه وجزءاً منه من مال الغاصب، هذا أولى من أن يدفع مثله من غيره؛ لأن الأصل في المغصوب أن يدفع نفس العين المغصوبة، ما ينتقل إلى مثله إلا عند التلف أو التعذر، فهو هنا لم يتعذر، بل تعذر جزئي، وليس تعذراً كلياً، فلما كان التعذر جزئياً نقول إذاً يلزمه أن يدفع منه، لأن التعذر الجزئي لا يسوغ أن ينتقل إلى المثل في الباقي أو المثل في الكل، فهنا إذاً يلزمه أن يرده، أن يرد مثله منه. قال: لأنه مثلي، طبعاً هذا التعليل، لأنه يرد المثل، لأنه مثلي فيجب مثل مكيله.

هل هنا مسألة، وهي: هل يجوز للغاصب أن يتصرف في قدر ماله قبل أن يرد ما غصبه إلى المغصوب منه؟ يعني الآن عنده ثمانية أصواع، ثلاثة عنده وخمسة ملكه، الآن خمسة ملكه، لكن قبل أن نرد الثلاثة، هل له أن يبيع أو يتصرف أو يهب الخمس أصواع قبل أن يخرج الثلاث أصابع؟ يجوز، لأنه غير مختلط، الكلام في غير المتميز. يقول في الإقناع: لا يجوز للغاصب أن يتصرف في قدر ماله منه، ولا إخراج قدر الحرام منه بدون إذن المغصوب منه. يعني مثلاً يقول أنا سأعزل ثلاثة أصواع فقط وأتصرف في الباقي قبل أن يسلمه، يقول لا، لابد أن يسلم أولاً ثم يتصرف في الباقي. لماذا قال ذلك؟ لأنه اشتراك لا استهلاك، وأنكر الإمام أحمد رحمه الله قول من قال.

يخرج منه قدر ما خالطه، طبعاً يقول هذا إن عرف ربه فإنه يعرف المصوب، لكن لو أنه غصب شيئاً، مثلاً لم يعرف من الذي غصبه منه، أو أنه يعرفه لكن يقول مثلاً كان وافداً إلى هذه البلاد ثم سافر إلى بلده وانقطع الاتصال به ولا يعرف واحداً يعرفه، فهنا يقول: هذا إن عرف ربه، وإلا فتصدق به عن ربه وما بقي حلال وإن كثر، وإن عبر الحرام الثلث.

هذه إذا كانت الحالة الثانية، الحالة الثالثة هي ثلاث حالات ممكن ندمجها؛ نقول حالة واحدة هنا: قال «وبدونه أو خير منه أو بغير جنسه»، هذه ثلاثة أمور إذا خلط. إذا غصب شيئاً فخلطه بما لا يتميز، لكن دونه في الجودة، أو من جنسه دونه في الجودة، مثل الزيت؛ زيت زيتون من الفئة الممتازة وخلط به زيت زيتون فئة أقل منها أو العكس، عنده النوع الجيد وخلط به النوع الردي، أو الثالث من غير جنسه مثل زيت الشيرج، اللي هو زيت السمسم.

يقول في هذه الحالات الثلاث: «فهما شريكان بقدر ملكيهما، فيباع ويعطى كل واحد قدر حصته». هنا ما الفرق بينه وبين التي قبلها؟ أقصد الفرق في الحكم. ثمنه؛ نعم، الأول سيعطيه مثله والثاني لا، إذا قال لا أريد أريد حقي فإنه يباع هذا الشيء؛ مثلاً لو كان أربعة أصباع أو أربعة لتر من الزيت وأربعة لتر من الشيرج، فالآن تقدر قيمتهما، فيباعان. فلو قيل مثلاً بيعت بـ 200 ريال، وقيل إن الزيت هذا بـ 150 والشيرج هذا بـ 50، فيعطى هذا 150 وهذا 50، كل واحد يعطى قدر حصته.

وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله؛ قال في رواية أبي الحارث: «في رجل له رطل زيت وآخر له رطل شيرج اختلطا، قال: يباع الدهن كله ويعطى كل واحد منهما قدر حصته»، وذلك لأن إذا فعلنا ذلك أوصلنا إلى كل واحد منهما عين ماله، إن كل واحد منهما الآن ما نستطيع أن نعزل هذا عن هذا لأنه اختلطا. ولا نستطيع مثل الأول نعطيه مثله لأن الأول حنطة فقط، هنا لا، من جنس آخر أو من نفس الجنس لكن الجودة تختلف، فأقرب شيء قالوا: إذاً نقول هما شركاء ويباعان ويعطى كل واحد قدر حصته.

قال: «وإذا أمكن الرجوع إلى عين المال لم يرجع إلى البدل، وإن نقص المصوب عن قيمته منفرداً ضمنه الغاصب». يعني لو أن هذا المال، المثال السابق؛ الزيت 4 لتر مثلاً بـ 100 ريال، فخلط به هذا الشخص 2 لتر من الشيرج، فبيعت بـ 120، قال: بقي نقص لما خلط به الشيرج، فصار بـ 80 وهذا صار بـ 40، فالمجموع 120، هنا نقصت قيمة المغصوب منه من حاله لما كان منفرداً بـ 20 ريالاً، فإنه يضمنه هذا الغاصب، لماذا؟ لأن هذا النقص حصل بتعدي الغاصب.

فنعيدها؛ إذا خلط الغاصب ماله بمال المغصوب منه فنقول لها ثلاث حالات: أما أن يخلطه بما لا يتميز، فهنا ما الحكم؟ يلزمه رده وتخليصه. إذا خلطه بما يتميز وكان من جنسه وصفته فإنه يلزمه مثله منه. طيب، إذا خالطه بجنسه لكنه يختلف في الصفات، إما في الجودة أو الرداءة، أو يختلف في الجنس أيضاً، فالواجب يباع ويعطى قدر ملكه قدر حصته.

نعم، أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «أو صبغ الغاصب الثوب أو لدغت سويقاً مغصوباً بدهن من زيت أو نحوه أو عكسه، بأن غصب دهناً لدغت به سويقاً، ولم تنقص القيمة -أي قيمة المغصوب- ولم تزد، فهما شريكان بقدر ما عليهما فيه؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك، فيباع ويوزع الثمن على القيمتين، وإن نقصت القيمة في المغصوب ضمنها الغاصب لتعديه، وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه؛ أي لصاحب الملك الذي زادت قيمته؛ لأنها تبع للأصل، ولا يجبر من أبى قلع الصبغ إذا طلبه صاحبه، وإن وهب الصبغ لمالك الثوب لزمه قبوله».

«ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض -أي لخروج الأرض مستحقة للغير- رجع الغارس أو الباني إذا لم يعلم بالحال على بائعها له بالغرامه؛ لأنه غره أو أوهمه أنها ملكه ببيعها له».

أحسنت. هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى على ما لو غصب شخص ثوباً فصبغه. تكلمنا سابقاً عن صبغة الثوب صحيح ولا لا؟ صبغة الثوب، يعني قديماً كانت مثلاً الثوب يريد ثوبه أخضر فيأتون بإناء يجعلون فيه هذه المادة التي تقلب لون القماش، فالثوب هنا يقصدون القماش فيجعلوه، فيأخذون الثوب الأصلي يأتي أبيض فيصبغونه باللون الذي يريدون. هنا لو غصب شخص قماشه ثم جاء الصبغ من عنده فجاء وصبغ الثوب، فالآن الثوب ملك لصاحبه والصبغ ملك للغاصب؛ الثوب ملك للمغصوب منه والصبغ ملك للغاصب.

فهنا ما العمل؟ قال صاحب الثوب: أريد ثوبي، قال: أعطني أجرتي على الصبغ، قال: أنا ما أبيت لك في صبغة، فما العمل؟ الحقيقة هنا ثوب ملك للمالك والصبغ ملك للغاصب، صحيح أن الغاصب لا يأخذ أجرة على الصبغ لكنه الآن ملكه، فما العمل هنا؟ يكونان شريكين.

هنا قال: «صبغ الغاصب الثوب أو لدغت سويقاً مغصوباً بدهن»، السويق يعني عجنه بدهن، الدهن من عنده، الزيت من عنده والسويق غصبه، أو بالعكس غصب دهناً لدغت به سويقاً مملوكاً له؛ فيصير عندنا شيئان مثل الثوب والصبغ أو السويق والزيت، يكون أحدهما يختلط بالآخر وقد يصعب فصلهما إلا بضرر. فما العمل هنا؟ يقول: إذا كانت القيمة هي نفسها، لم تنقص ولم تزد، يعني الثوب بـ 80 والصبغ بـ 20 فصبغ هذا الثوب وعرض في السوق، قال: هذا بـ 100، فهنا القيمة لم تنقص ولم تزد، الثوب هو نفسه بـ 80 والصبغ هو نفسه بـ 20، فهنا ماذا قال المؤلف؟ قال: «هما شريكان بقدر ماليهما فيه؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك، فيباع ويوزع الثمن على القيمتين».

فيباع هذا الثوب، إذا كل واحد منهما قال أريد حقي ولم يتصالحا على شيء، فإنه يباع هذا الثوب ويوزع الثمن على القيمتين؛ فيعطى صاحب الثوب الـ 80 ويعطى صاحب الصبغ الـ 20، لأن الصبغ عين مال له قيمته. فإن تراضيا بتركهما له، إذا قالوا خلاص لا نريد أن نبيعه ونحن متفقون على الشراكة فيه بدون بيع، فالحق...

لهما لا يلزم أن يبيع، لكن إذا قال كل واحد منهما: لا أنا أريد حقي، فهنا يباع ويعطى كل واحد منهما قيمة ملكه أو ثمن ملكه. والفرق بين الثمن والقيمة: الثمن هو ما اشتري به، والقيمة هي قيمة مثله في السوق.

قال: «وإن نقصت القيمة في المغصوب ضمنها الغاصب لتعديه». إن نقصت القيمة في المصبوغ منها الغاصب كالمثل؛ قلنا الثوب قيمته 80، ولما صبغه صارت القيمة 80، لكن الثوب نزل صارت قيمته 70 والصبغ قيمته 10، فهنا نقصت قيمة المنصبوب فيضمنها الغاصب. يباع الثوب ويعطى كل واحد قيمته أو ثمن ملكه، ويغرم الغاصب لمالك الثوب نقص قيمة الثوب؛ لماذا؟ لأن النقص كان بسبب تعدي الغاصب.

أما إذا كان النقص بسبب نزول الأسعار في السوق، فالثوب هذا لو لم يصبغ هو أصلاً نزل بـ 70، فالنقص ليس لأجل الغصب وإنما لنقص الأسعار في السوق. فهل يضمنها الغاصب أو لا؟ هذه مرت معنا في الدرس الماضي، والراجح أن الغاصب لا يضمن نقص السعر، وهو المذهب والمذهب، وهو قول الجمهور. وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية حكاها ابن أبي موسى أنه يضمنه، يضمن نقص السعر، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى. فإذاً هنا ضمان الغاصب إذا كان النقص بسبب عمل هذا الغاصب، لكن إذا كان النقص بسبب نزول الأسعار في السوق فهنا لا يضمن.

قال: «وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه»، أي لصاحب الملك الذي زادت قيمته؛ لأنها تبع للأصل. لو مثلاً هذا الثوب بـ 80 والصبغ بـ 20، قيمتهما 100، لكن لما صبغ صار قيمته 150، فهنا الـ 50 الزائدة لمن؟ لصاحب الزيادة. الذي تسبب بالزيادة قد يكون الصبغ فقط، فنقول الـ 50 هذه للغاصب، قد يكون سبب الزيادة الثوب، فيكون الزيادة هذه لمالك الثوب المغصوب منه. لو كانت الزيادة بسببهما، فتكون لهما سواء، أي ينظر إلى تقرير أهل الخبرة في ذلك عن نسبة الزيادة لكل منهما، إذا قالوا نسبة الزيادة بالتساوي فيعطون 50 زيادة مناصفة.

قال: «ولا يجبر من أبى قلع الصبغ إذا طلبه صاحبه». يعني لو أن صاحب الثوب قال: أنا أريد ثوباً بدون صبغ، فقال له الغاصب: هذا لا، قال: أريد فإذا أزلت صبغك سيتأثر الصبغ ولن أستفيد من شيء، فهنا هل يجبر أو لا يجبر؟ لا يجبر؛ لماذا؟ لأن فيه ضرراً عليه. وقد يكون هذا الضرر الذي على صاحب الثوب أمكن إزالته بالبيع، فليس في البيع إتلاف مال، أما إذا أجبرناه على إزالة الصبغ فقد أتلفنا ماله، فهنا قالوا: ما دام أنه ممكن فلا يجبر، «لا يجبر من أبى قلع الصبغ إذا طلبه صاحبه».

قال: «وإن وهب الصبغ لصاحب الثوب لزمه قبوله». إذا قال صاحب الصبغ، وهو الغاصب، لصاحب الثوب: خلاص خذ ثوبك المصبوغ ولا أريد منك شيئاً مقابل هذا الصبغ، فقال صاحب الثوب: لا أريد، أزل صبغك، فهنا قالوا: يلزمه قبوله؛ لأن الصبغ صار من صفات العين، فهي كزيادة الصفة في المبيع. يعني لو أن شخصاً دفع 1000 ريال في 100 صاع من التمر، وبعد ستة أشهر جاءه المبيع بنفس النوع ونفس الجنس لكن جودته أعلى، صفة أعلى، فهنا قالوا: يلزمه القبول لأنه زاده خيراً، وهذه قالوا يلزمه قبوله ما دام لا يوجد ضرر عليه، وسيتبرر صاحب الصبغ في إتلاف صبغه.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولو قلع غرس المشتري أو بناءه لاستحقاق الأرض»، أي لخروج الأرض مستحقة للغير، يرجع الغارس والباني إذا لم يعلم بالحال على بائعها بالغرامه. هذه مسألة ملحقة بالغصب، وليست من الغصب؛ فالفقهاء رحمه الله تعالى يتكلمون في باب الغصب وهو الاستيلاء على مال غيره بغير حق، لكن يلحقون بها أيضاً إتلاف مال الغير. وبعض اللغويين يقول إن دخول "ال" على "غير" ليس فصيحاً، والأفصح "غيرهم"، لكنها مستعملة في كتب الفقهاء. فهم يتكلمون في باب الغصب عن مسائل الاستيلاء على مال غيره قهراً بغير حق، ويتكلمون أيضاً عن إتلاف مال غيره أو الاستيلاء عليه أو أخذه بغير الغصب، فيتكلمون عليه استطراداً.

هنا مثل هذه المسألة الآن؛ طبعاً قال الغرس والبناء المغصوب، يعني لو شخص غرس أو بنى في أرض مغصوبة تكلمنا عليها في الفصل الماضي، لكن هنا ليست غصباً؛ الآن شخص يملك أرضاً فبنى فيها آخر يظنها أرضه، أو باعها شخص آخر سواء بناها الآخر أو باعها لمن يبنيها، فالمشتري من هذا الشخص الذي ليس مالكاً، سواء أخذها بحسنة أو بسوء، وباعه المشتري وهو لا يعلم بالحال، فغرس فيها نخلاً وبنى فيها غرفاً جعلها استراحة له، وجلس فيها سنتين، ثم جاء شخص وقال: أنا مالك هذه الأرض، وثبت أنه مالك لها.

الآن المشتري اشتراها من شخص آخر وبنى فيها وغرس، فقال له المالك: اقلع غرسك وبناءك. هنا قال: «ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض»، أبين لك معنى استحقاق الأرض أي لخروج الأرض مستحقة للغير، يعني تبين أن الأرض مملوكة لشخص آخر غير البائع الذي باعها على المشتري. فهنا ما العمل؟ المشتري تخسر بالبناء والغراس، فما العمل؟ قال: «يرجع على الغارس أو الباني إذا لم يعلم بالحال على بائعها بالغرامه».

قوله: «إذا لم يعلم بالحال»، مفهومه أنه إذا علم بالحال، يعني يعلم أن هذا الذي باعه ليس هو المالك، فهنا نقول لا يرجع على أحد، فقد دخل على بصيرة، لكن لو كان لا يعلم بالحال، فهنا قال: يرجع على بائعها بالغرامه، أي بما غرمه في نفقة الغرس ونفقة البناء، فيرجع عليه بذلك؛ لماذا؟ لأنه الذي باعها عليه غره وأوهمه أنها ملكه، فهذا ضمان التغرير.

يدل على أنه لو لم يغره. معناه صار في أربعة أطراف: شخص غصبها فباعها، يعني شخص رقم واحد غصبها فباعها للشخص رقم اثنين، والشخص رقم اثنين ما يدري أنها مغصوبة، فباعها للشخص رقم ثلاثة، ثم المالك جاء إلى الشخص رقم ثلاثة وقال: أنا المالك.

الشخص رقم ثلاثة هو الذي غرس وبنى، فقال المالك: على الغرس القراص والبناء. الآن المشتري، وهو المشتري الثاني، هل يرجع إلى المشتري الأول ولا يرجع إلى الغاصب؟ من الذي غره؟ المشتري الأخير هو المتضرر، فإذا قلع غراسه وبناءه، على من يرجع؟ يرجع على البائع، وهو المشتري الأول الذي اشترى من الغاصب.

سبق جواب آخر هنا في الفروع، يقول: يأخذ مشتريته وعمله من بائع غير غار. قال ابن نصر الله: مفهومه أنه لا يرجع على بائع غير غار، مثل أن يكون اشترى من الغاصب فباعه ولم يعلم بالغصب، فيكون رجوع المشتري على الغاصب لا على المشتري الأول؛ لأن البائع المشتري الأول لم يكن منه تغرير. فهنا المشتري الثاني إذا كان يعلم أنها مغصوبة، خلاص ما يرجع؛ لأنه دخل على بصيرة. الكلام في ما إذا لم يعلم في الحال.

أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «وإن أطعمه الغاصب لعالم بغصبه فالضمان عليه؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه من غير تغرير، وللمالك تضمين الغاصب؛ لأنه حال بينه وبين ماله». وقرار الضمان على الآكل، وعكسه: «فإن أطعمه لغير عالم فقرار الضمان على الغاصب؛ لأنه غره».

«وإن أطعمه الغاصب لمالكه، أو رهنه لمالكه، أو أودعه لمالكه، أو أجره إياه، لم يبرأ الغاصب إلا أن يعلم المالك أنه ملكه، فيبرأ الغاصب؛ لأنه حينئذ يملك التصرف فيه على حسب اختياره». وكذا لو استأجره الغاصب على قصارته أو خياطته، ويبرأ الغاصب بإعارته المغصوبة لمالكه من ضمان عينه، علم أنه ملكه أو لم يعلم؛ لأنه دخل على أنه مضمون عليه، والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان، فإن علم الثاني فقرار الضمان عليه، وإلا فعل الأول، إلا ما دخل الثاني على أنه مضمون عليه فيستقر عليه ضمانه.

هنا سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى على ما إذا وجد طرف ثالث في الغصب. الآن عندنا غاصب وعندنا مغصوب منه، هؤلاء طرفان، إذا وجد طرف ثالث فعلى من يكون الضمان؟ ما ذكر لك أمثلة.

المثال الأول: إذا أطعمه غصبًا، مثلاً شاة وذبحها وطبخها وأطعمها لشخص، الشخص الذي أكلها ليس هو الغاصب، فهنا من يضمن؟ طبعًا المالك مخير بين مطالبة الغاصب أو مطالبة الآكل. عندنا المطالبة، وعندنا استقرار الضمان، أو مثل ما قال المؤلف: قرار الضمان. فله أن يطالب الغاصب وله أن يطالب الآكل.

في الحالتين، يعني عندنا حالتان، إما أن يكون الآكل عالمًا بأن هذه الشاة التي يأكلها مغصوبة أو لم يكن عالمًا، ففي الحالتين المالك مخير في المطالبة بقيمة الشاة بين أن يطالب الغاصب أو يطالب الآكل. الغاصب لماذا يطالبه؟ لأنه متعدٍ بالغصب، والآكل أيضًا؛ لأنه هو الذي أتلف هذا المال المغصوب منه، فله مطالبة هذا وهذا. لكن القرار على من؟ القرار يعني قرار الضمان؛ فإنه لا يرجع على صاحبه، وصاحبه يرجع عليه.

نفرق بين حالتين. يقولون: الحال يجوز فيها الوجهان، لكن الأفصح تذكيرها وتأنيث وصفها؛ فتقول: الحال الأولى. الحال مذكرة، والأولى وصفها مؤنث، هذا هو الأفصح، لكن لو قلت: الحالة الأولى صحيح، أو قلت: الحال الأول صحيح، لكن الأفصح تذكيرها وتأنيث وصفها.

إذن هذه لا تخلو من حالين: إذا أطعم الغاصب المال المغصوب لغيره، فنقول: إن كان الآكل عالمًا بأن ما أكله مغصوب، فإن قرار الضمان عليه؛ فلو أن المالك ضمن الغاصب، فالغاصب له أن يرجع على الآكل، ولو ضمن الآكل مباشرة فالآكل لا يرجع على الغاصب.

الحالة الثانية: أن يكون الآكل غير عالم بالغصب، فيكون قرار الضمان على الغاصب؛ فلو ضمن المالك الآكل، رجع على الغاصب، ولو ضمن الغاصب لم يرجع على الآكل. واضح؟

إذا نرجع إليه، قال: «وإن أطعمه الغاصب لعالم بغصبه فالضمان عليه». يعني على الآكل؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه من غير تغرير، يعني أتلف مال غير باشر الإتلاف بغير إذنه من غير تغرير، يعني لم يغرر به الغاصب، لم يوهمه أنها ملكه، بل هو يعلم أنها ملك لغيره. وللمالك أن يضمن الغاصب؛ لأنه حال بينه وبين ماله، فهو المتسبب في أكل هذا الطعام. قال: «وقرار الضمان على الآكل»، بمعنى أنه لو ضمن المالك الغاصب، فله أن يرجع على الآكل؛ لأن الآكل عالم بأن هذه مغصوبة وقد باشر الإتلاف، والأصل أنه إذا اجتمع المتسبب والمباشر فالضمان على المباشر.

قال: «وعكسه»، فإنه إن أطعمه لغير عالم، فقرار الضمان على الغاصب؛ يعني حتى إذا أطعمه لغير عالم فالمالك مخير يطالب هذا أو هذا، لكن قرار الضمان على من؟ على الغاصب؛ لأنه غره.

طيب، هذه إذا أطعمه لشخص آخر، أما إذا أطعمه لمالكه؛ جاء وذبح وغصب شاة وذبح وجاء للمالك فقال: خذ، أنت جار، وهذه هدية، لأن الهبة يعني فيها خلاف المذهب، لكن لو عزمه وأكل هذه الشاة، أو لو قلنا شيء يسير أكله كله المالك؛ نقول إذا كان المالك يعلم أن ما أكله هو عين ماله، فإنه خلاص، يبرا الغاصب بتقديمه لمالكه إذا علم المالك أن هذا عين ماله؛ لأنه حينئذ كأنها كانت يده عليه، فرجع كأنه رده إليه.

لكن إذا لم يعلمه، إذا لم يعلم أن هذه الشاة له أو أن هذا المغصوب له، فإنه لا يبرا بذلك؛ لأن المالك إنما أكله على وجه الإباحة لا على وجه الملك، يعني هذا أباح له الأكل ولم يملكه، فالإطعام إنما هو إباحة، فلم ترجع يده إليه، فلذلك قالوا لا يبرا فيضمنه. وكذلك لو رهنه لمالكه، أو أودعه لمالكه، أو أجره إياه، في كل هذه لا يبرا طبعًا إذا.

كان المالك غير عالم؛ لأن هذا عين مالك. لماذا قالوا؟ لأن المالك قبض المال في هذه الصورة الثلاثة: الرهن، والوديعة، والإجارة، قبضها على وجه الأمانة، على أن يده يد أمانة ليست يد ملك، فهنا لا يبرأ الغاصب بهذه الصور الثلاث.

قال: إلا أن يعلم المالك أنه ملكه، فيبرأ الغاصب؛ لأن المالك حينئذ يملك التصرف فيه على حسب اختياره، لأن يده الآن صرف عليه. وكذا لو استأجره الغاصب على قصارته أو خياطته، فهذا مثله؛ هو استأجره على خياطة الثوب فإنه لا يضره. يعني لو أن شخصًا غصب من آخر، والخياط عنده ثوب، فغصب منه قماشًا، ثم أتاه وقال: خذ هذا وخِطه لي، فخاطه له وسلمه إياه، ولم يعلم الخياط أن هذا هو القماش المغصوب منه، فهل يبرأ الغاصب بذلك؟ لا يبرأ؛ لماذا؟ لأنه سلمه على وجه الإجارة لا على وجه الملك.

لكن عندنا مسألة العارية؛ هل يبرأ الغاصب إذا أعار العين المغصوبة لمالكها؟ تفضلي. هنا ماذا قال المؤلف؟ يبرأ الغاصب بإعارته المغصوب لمالكه من ضمان عينه، لأنه في شيء ثاني ما يبرأ منه. لو كان هذا الشخص المغصوب، إذا غُصب وكان مما يؤجر في العادة، فإن الغاصب يلزمه لأجره أيضًا غير الرد، يلزمه لأجره.

وقدمنا هذا الكلام في أول الباب؛ فلو غصب الغاصب من الموصوف منه سيارة، مثلاً زيد غصب من عمر سيارته، وعمر مثلاً لو قلنا صاحب مكتب تأجير سيارات أو صاحب معرض سيارات عنده سيارات كثيرة، فجاء عمرو واستعار من زيد هذه السيارة، لم يعلم أنها هي السيارة الموصوفة، استعارها منه، ثم فرضنا أنها تلفت عند المستعير، فهل يبرأ الغاصب؟ يقول: يبرأ من ضمان العين، خلاص ما يقول رد لي قيمتها، خلاص هي عندك وتلفت، لكن لا يبرأ من ضمان الأجرة؛ فإجرتها عليه.

لماذا يبرأ بإعارته؟ مر معنا في العارية أن العارية مضمونه مطلقاً، إلا في المسائل الأربعة المستثنيات، لكن الأصل فيها أنها مضمونة ولو لم يتعد المستعير، فهي مضمونة مطلقاً. فقالوا: المستعير هنا المالك، لما استعار العين المغصوبة دخل على أنها مضمونة عليه، فهنا إذاً ينتقل الضمان من الغاصب إلى المستعير الذي هو المالك، فلا يضمن الغاصب هنا، لكن يضمن الأجرة.

كما تقدم قال: «والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان». الأيدي المترتبة على يد الغاصب هذه، إذا انتقلت العين المغصوبة من الغاصب إلى غيره، والفقهاء يمثلون بأمثلة. وابن رجب رحمه الله في قواعده قسم هذه الأمثلة؛ هو جعل الأيدي المترتبة على الغصب عشرة أيدٍ، وذكر في القاعدة الضابط في هذا: «وأن من قبض مغصوباً من غاصبه ولم يعلم أنه مغصوب، فالمشهور عن الأصحاب أنه بمنزلة الغاصب في جواز تضمينه ما كان الغاصب يضمنه من دين أو منفعة».

يعني أن اليد التي انتقلت إليها العين المغصوبة من الغاصب تأخذ حكم الغاصب؛ لأنها تضمن الأجرة أو تضمن العين، لكن القرار على من؟ على ما ذكر هنا: فإن علم الثاني فقرار الضمان عليه، وإلا فالأول، إلا ما دخل الثاني على أنه مضمون عليه فيستقر عليه ضمانه.

هنا ابن رجب رحمه الله قلنا إنه ذكر عشرة أيدٍ ترتبت على الغصب، والفقهاء قبل ابن رجب رحمه الله يذكرون أمثلة، يقولون إذا باعها أو أجرها. ابن رجب رحمه الله ذكر أنها عشرة، يعني كل يد جعل لها حكماً مستقلاً، لأن بعض الأيدي يختلف فيها الأصحاب هل ينتقل الضمان أو لا ينتقل. هنا ذكر في حاشية ابن قاسم أسماء الأيدي المترتبة على الغصب، وكما قلنا ابن رجب رحمه الله أفاض فيها في القواعد، ولخص كلامه المرداوي في الإنصاف، والبهوتي في الكشاف أيضاً لخص كلام أبي رجب رحمه الله تعالى، ولا حتى الحجاوي في الإقناع لم يذكر كل هذا، يمكن ذكر الست، وأكملها البهوتي من كلام ابن رجب رحمه الله في القواعد، ممكن تقرؤونها في الحاشية هنا مختصره، ومن أراد الاستفاضة يرجع إلى قواعد ابن رجب رحمه الله تعالى.

يعني مثلاً: يد المشتري، لو اشترى شخص عيناً مغصوبة من آخر، فالآن كما قلنا المالك له أن يضمن الغاصب وله أن يضمن المشتري، يضمنه الأجرة والمنفعة، يضمنه إجرتها ويضمنه عينها لو تلفت. لكن القرار على من؟ قرار الضمان نقول يختلف: فإذا كان المشتري هذا الذي انتقلت إليه العين المغصوبة عالماً بالحال، فقرار الضمان عليه، وإذا كان غير عالم بالحال فقرار الضمان على الغاصب؛ فإذاً المالك مخير بين تضمين هذا وهذا، لكن قرار الضمان على الغاصب إذا كان من انتقلت إليه العين المغصوبة غير عالم بالحال، ويكون قرار الضمان على المشتري ومن في معناه إذا كان عالماً بالحال. قال لك هنا: «إلا ما دخل الثاني على أنه مضمون عليه فيستقر عليه ضمانه»، مثل المستعير. فالمستعير أصلاً يده مضمينة، فلو أن غاصباً أعار شخصاً فتلفت عنده فإنه يضمنها المستعير، ولا يرجع على الغاصب سواء كان عالماً بالحال أنه مغصوب أو غير عالم، لأنه أصلاً يده يد ضمان.

نقف على هذا. أحسنت. هنا يقول الفقهاء رحمه الله تعالى يقررون أن الممنوع شرعاً كالمعدوم حساً. فإذا طبقنا هذه، فلماذا اعتبروا مثل الصبغ للغاصب نحو ذلك؟ ما قالوا هذا، تكلمنا عليه لما تكلمنا على غراس المشتري وغراس الغاصب، لكن الممنوع هنا هو الغصب، لكن الصبغ هذا عين مال، عين مال مباحة مملوكة للغاصب، فهو الآن غصب وصبغ، فالممنوع الأول، فهذا هو الذي يهدر، لكن الصبغ نفسه هذا عين مال له فلا يهدر.

واضح؟ فهنا أمران: فالغصب هو الممنوع، والذي جاء في الحديث: «ليس لعرق ظالم حق»، لكن عينه عين ماله التي أضافها نحو ذلك، هذه ليست مثل الغاصب لما غرس أو بنى وغصبه، هو الممنوع غراسه وبناؤه، هذا مال مباح، صحيح أنه جعله هنا ممنوعاً، لكن هو أصله مال مباح في بعض الأحكام، فله ماليته وفعله محرم.

حتى يصلح على أهل أنزل حصى عنده، لكن لو أخذ حيوانًا وقتله، الذي قال: لا، حتى لو أخذ حيوانًا حيًا وذبحه وطبخ وأكله، هذا الأكل؛ فقرار الضمان هنا هو الإتلاف.

الإتلاف هنا حصل عند الأكل، وليس عند الذابح. وهم يمثلون في الذبح، ذبحه وقدمه لمالكه، لا يعلم، لكنه هو الذي تسبب، هو الذي أتلفه، فيضمنه؛ لأنه هو الذي أتلف، «كل متلف يضمن»، التلف عليه الضمان. لكن لما كان تلفه بسبب تغرير الغاصب له، قلنا يرجع، فيضمن ويرجع، فهنا رفعنا الضرر عنه بتمكينه من الرجوع على الغاصب.

مسألة، أخذ على الغاصب، فهل يضمن ابن الغاصب؟ الغاصب لأنه دخل عن... والغاصب يرجع. هو شيء من الضمان وصح الضمان، هو ضمان مع الرجال، هو يرجع.

لما أخذ، وأخذ على هذا، هذا خلاف الذي متصل، أخذ على أنه سيرجعها فتلفت عنده، دخل عن... ترجع، كل واحد يرجع. الأول أنه هو صفر، الثاني هنا الغاصب، المالك تلفت استعارته فتلفت عنده، فهل نضمن الغاصب؟ لكن قرار على من؟ هو مش سعيد، هذا كلام، ما في إشكال، يضمن الغاصب ويرجع على المالك. لكن لو ضمن المالك، لا يرجع إلى الغاصب.

يقول: هل يمكن جعل الدرس متأخر ساعة، أن بداية الدرس تكون مع أذان العشاء؟ عندنا في مصر، إحنا نتأخر أصلاً، لا نتأخر قرابة نصف ساعة بعد الصلاة مراعاة لبعض المناطق الأخرى، لكن ساعة لا، يعني يصعب. يمكن استدراكه بسماع التسجيل.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.