بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الغصب، وتكلمنا في الدرس الماضي عن أول باب الغصب، وعلقنا فيه على ما يترتب على الغصب من أحكام وضعية. طبعًا الحكم التكليفي له أنه محرم، والواضع أنه يضمن، أو أولًا يجب الرد المغصوب، والثاني أنه يضمن تلفه إن تلف، أو نقصه وتغيره إن نقص أو تغير. وثالثًا أيضًا يضمن أجرته مدة بقائه في يده.
وقفنا على قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولو غصب جارحًا أو عبدًا أو فرسًا إلى آخره». صلى الله عليكم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وواليه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «ولو غصب جارحًا أو عبدًا أو فرسًا فحصل بذلك الجارح أو العبد أو الفرس صيد، فلمالك أي مالك الجارح ونحوه به؛ لأنه بسبب ملكه، فكان له. وكذا لو غصب شبكة أو شركًا أو فخًا وصاد به، ولا أجرة لذلك. وكذا لو كسب العبد».
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى على ما لو غصب الغاصب شيئًا فحصل منه، أو كسب منه شيئًا آخر، فهل الكسب للغاصب أو لمالك هذا الشيء المغصوب؟ هنا قال: لو غصب جارحًا صيدًا، جارحًا كالصقر مثلاً، أو عبدًا، أو فرسًا، أحد هذه الأشياء الثلاثة فحصل بذلك الجارح أو العبد أو الفرس صيد، فلمالك أي مالك الجارح ونحوه.
غصب جارحًا كالصقر وأطلقه، فأطلق هذا الصقر فصاد صيدًا، فهذا الصيد هل هو للغاصب أو لما أو لمالك الصقر؟ هنا المؤلف يقول لمالك، لمالك الجارح، لمالك الصقر، لماذا؟ لأنه الصيد حصل بسبب ملكه، أي بسبب ملكه هذا المقصود منه لهذا الجارح، فكان المصيد لمالك هذا الجارح.
يعني الغاصب الآن ليس منه عمل، الغاصب الآن ليس منه عمل استعمل هذا الجارح في الصيد، فالجارح هو الذي انطلق وصاد. وكذلك الفرس، أو أطلق فرسًا وصاد شيئًا، أو أنه غصب عبدًا فالعبد صاد شيئًا، فهنا في هذه الأمور الثلاثة، في هذه الأمثلة الثلاثة، لا عمل للغاصب في الصيد، فيكون الصيد مبنيًا على شيء مملوك للمغصوب منه، فيكون إذًا للمغصوب منه.
هذا هو المشهور من المذهب. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه يتوجه فيما إذا غصب فرسًا وكسب عليه مالًا، أن يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما، بأن تقوى منفعة الراكب ومنفعة الفرس، ثم يقسم الصيد بينهما. يعني الشيخ رحمه الله يقول يعرض على أهل الخبرة فيقال كم الجهد الذي بذله هذا وكم الجهد الذي بذله هذا، يعني لو كان على فرس مثلاً ثم انطلق به الفرس فصاد شيئًا، فكم الجهد الذي بذله هذا وكم الجهد الذي بذله هذا؟ فيكون الصيد منفعته أو ملكيته مشتركة بين الغاصب والمغصوب منه على حسب المنفعة.
قال: «وكذا لو غصب شبكة أو شركًا أو فخًا وصاد به»، يعني الشبكة التي توضع في الأرض لكي ينقض عليها أو يأتي إليها الطير فتصيده، وكذا في البحر يضعون الشبكة ليصيدوا السمك. فهنا إذا غصب شبكة ووضعها في البحر مثلاً، أو غصب حبولة ووضعها في البر فصادت، فهنا ليس منه عمل، هو استعمل الشيء المقصود فقط، فليس منه عمل، فيكون نتاجه لمالك الشبكة ومالك الشرك.
قال: «ولا أجرة لذلك»، يعني أنه لا يلزم الغاصب الأجرة في هذه الحالة. نحن ذكرنا في الدرس الماضي أن الغاصب تلزمه أجرة منفعة المغصوب مدة بقائه في يده، هنا يقول لا تلزمه الأجرة. لماذا لا تلزمه الأجرة؟ قالوا: لأن الأجرة في مقابلة المنفعة، ومنافع هذه المدة عادت للمالك، وهي الصيد الذي صاد، فعادت للمالك فلا يستحق عوضها على غيره. خلاص المالك رجع إليه المنفعة التي كانت في مدة الغصب، فلا يستحق أجرة لهذه المنفعة لأن المنفعة عادت إليه.
وهنا هذا أحد الوجهين في المذهب، هناك وجه آخر أنه تلزمه الأجرة أيضًا؛ لأنه متعدٍ ومنع مالكه من استعمال ماله حقه في ذلك. وهذا الوجه الثاني قواه المرداوي في تصحيح الفروع، وابن قائد في حاشية المنتهى. يعني ذهب إلى قول وسط أو وجه المذهب بتوجيه، قال: لعل قولهم إنه لا أجرة له ما لم يكن الحاصل للمالك من ذلك أقل من أجرة المثل، وإلا ألزم الغاصب ببقيتها.
يعني لو كان الصقر مثلاً يؤجر باليوم بـ 100 ريال، فهذا غصب الصقر أسبوعًا، أي بـ 700 ريال، فالغاصب لما غصب الصقر صاد له صيدًا قيمته 500 ريال، فالآن القيمة هذه أقل من أجرة المثل، فيقول ابن قائد إننا نلزم الغاصب بتتمة الأجرة. فنقول الآن: أنت غصبت شيئًا وكسبت منه أقل من أجرة المثل، تلزم بتتمة الأجرة.
قال: «بخلاف ما لو غصب منجلًا وقطع به شجرًا أو حشيشًا فهو للغاصب». هذه المسألة مخالفة للمسألة التي قبلها، ففيها عمل كثير للغاصب.
العمل الأكثر للشيء المغصوب هنا، لا العمل الأكثر للغاصب. غصب منجلاً وهو ما يقطع به الحشيش، يسمى المحش أو المخلب، ونحو ذلك. فغاصب به وحش به زرعاً له، قاطع به زرعاً له، يعني الزرع للغاصب هو فقط، غصب الآلة غصب الآلة، وحش به سواء أحش به زرعاً له، أو حش به حشيشاً في البر، يعني من الأشياء المباحة.
فهنا يقول هو للغاصب، لماذا لا نقول إنه للمالك لأن المنجل للمالك؟ يقول لأنه آلة المنجل، الآلة التي هي الشيء المغصوب، فهو كالحبل يربط به. إذا كان الشيء المغصوب منه عمل كثير والشيء المغصوب فقط آلة استعان بها، فإذا كان العمل من الغاصب، فما كسب منه فإنه يكون بالغاصب وليس للمالك؛ لأن الفعل المغصوب حصل منه.
أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «وإن ضرب المصوغ المغصوب، ونسج الغزل، وقصر الثوب أو صبغه، ونجر الخشبة باباً ونحوه، أو صار الحب زرعاً، أو صارت البيضة فرخاً، وصار النوى غرساً، رده وعرش نقصه إن نقص، ولا شيء للغاصب نظير عمله ولو زاد به المغصوب؛ لأنه تبرع في ملك غيره، وللمالك إجباره على إعادة ما أمكن رده إلى حالته الأولى كحلي ودراهم ونحوها».
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى على ما لو غصب الغاصب شيئاً فغير صفته ونقله إلى اسم آخر، فهل يتأثر ملك المالك؟ لو غصب شيئاً فغير الغاصب من صفته فنقله إلى اسم آخر، فهل يتغير ملك المغصوب منه أو لا؟ هنا قال إذا ضرب لك أمثلة؛ إذا ضرب المصوغ المغصوب، غصب حديداً أو فضة، يعني خاماً، أو ذهباً فبرضه، ضربه يعني صنعه؛ جعل مثلاً الفضة حلية، أو جعلها دراهم ونحوها. فهنا غصب الشيء وغير صفته فنقله إلى اسم آخر؛ غصب مثلاً سبيكة ذهب ثم جعلها حلية، فهنا انتقل اسمها من ذهب خام إلى ذهب حلي، فهل ينتقل ذلك بحيث لا يملكه الموصوف منه؟ لا يملكه الموصوف منه، سياتينا.
قال: «ونسج الغزل»، غصب قماشاً وخاطه صار ثوباً. «وقصر الثوب أو صبغه»، تكلمنا على القصارة سابقاً وذكرنا أنها قريبة من صبغ الثوب بلون آخر؛ يعني عندهم كان في السابق يجعلون إناءً ويجعلون فيه أشياء هي التي يغمسون فيها الثوب ويجعلونه مدة معينة، فينتقل لونه من مثلاً أبيض إلى أزرق أو نحو ذلك. فهنا إذا غصب ثوباً فقصره، أو غصب ثوباً فصبغه، أو غصب خشبة ونجرها، غصب خشباً خاماً فنجرها وجعلها باباً، فهذه كلها هل تؤثر على ملك الموصوف منه؟ نقول لا تؤثر، فيلزمه ردها معموله، يعني يلزمه أن ترد على حالها؛ لكون عين المغصوب فيها.
وأيضاً يردها وأرش نقصها لو نقصت. لو كانت مثلاً ذهباً خاماً قيمته كذا، فإذا حول إلى حلي تنزل قيمته، فهنا أيضاً يضمن أرش نقصه. ومن الأمثلة قال: «أو صار الحب زرعاً»، غصب حباً فبذره صار زرعاً. «أو صارت البيضة فرخاً»، غصب بيضة فأنث بها إلى أن صارت فرخاً. «أو صار النوى غرساً»، غصب نوى وزرعه، يعني جعله في الأرض ونماه إلى أن صار غرساً. فهنا هل نقول هو ملك للغاصب؟ لا، نقول في كل هذه المسائل لا تزال ملكيته للمغصوب منه، ويلزمه رده، ويلزم الغاصب رد أرش نقصه، ولا يزول ملك صاحبه عنه.
وفي المسائل الأخيرة: صار الحب زرعاً، والبيضة فرخاً، والنوى غرساً؛ لأن هذه عين مال المغصوب منه قد نمى فصار كذلك، إنما للمالك؛ فما دام أن المالك يملك الأصل فيملك نماه.
قال: «ولا شيء للغاصب نظير عمله ولو زاد به الموصوف»، يعني لو بالعكس، صار مثلاً الثوب لما صبغه الغاصب زادت قيمته؛ كانت قيمته مثلاً بـ 10 دراهم فصبغه فصارت قيمته بـ 15 درهماً، فهنا هل يرجع الغاصب بالزيادة؟ يقولون لا يرجع بالزيادة؛ لماذا؟ قال لأنه تبرع في ملك غيره، فهو معتد في ذلك فلا يستحق مقابل عمله.
طيب هل يملك المالك أن يجبره على أن يعيده إلى حالته الأولى؟ نقول إذا أمكن. قال: «وللمالك إجباره على إعادة ما أمكن رده إلى الحالة الأولى»، يعني مثل في الحلي، الحلي يستطيع أن يعيده إلى ذهب، لكن في الأشياء التي لا يستطيع أن يعيدها، فهنا نقول لا يملك إجباره، قال: «كحلي ودراهم ونحوهما»، يعني هذا فيما يمكن إجباره.
أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «ويلزمه أي الغاصب ضمان نقص المغصوب، ولو بنبات لحية أمرد، فيغرم ما نقص من قيمته، وإن جنى عليه ضمنه بأكثر الأمرين: ما نقص من قيمته وأرش الجناية؛ لأن سبب كل واحد منهما قد وجد، فوجب أن يضمنه بأكثرهما. وإن خُصي الرقيق رده، وقيمته؛ لأن الخصيتين يجب فيهما كمال القيمة كما يجب فيهما كمال الدية من الحر، وكذا لو قطع منه ما فيه دية كذكره أو أنفه وما نقص».
هنا ذكر المؤلف رحمه الله أن مما يلزم الغاصب أيضاً ضمان النقص. وذكرنا سابقاً أن الغاصب يلزمه ضمان التلف وضمان النقص أو التغير؛ بما لو عمل به فتغير اسمه أو تغيرت صفته فيلزمه الضمان كذلك، هنا لو نقص بالجناية أو بنحوها، أو بدون جناية، فإنه يلزمه ضمان النقص، يلزمه ضمان نقص أي المغصوب، ولو بنبات لحية أمرد، فيغرم ما نقص من قيمته.
قال الموفق رحمه الله: «لا نعلم خلافاً في ضمان نقص الموصوف، كما لو غصب عبداً فسمن سمناً نقصت فيه قيمته، أو كان شاباً فصار شيخاً، فإنه يضمن نقصه». وكذا لو مثلاً غصب سيارة فردها وقد نقصت به، مثلاً تلف بعض أجزائها، فإنه يضمن هذا النقص.
قال: «ولو بنبات لحية أمرد»، هذا فيه إشارة خلاف؛ لو غصب عبداً أمرد فنبتت له لحية عند الغاصب فنقصت قيمته بنبات لحيته فإنه يضمن هذا النقص. لماذا يضمن؟ لأنه نقص في القيمة بتغير صفته فيضمنه، ويضمنه بما نقص؛ لأنه ضمان مال من غير جناية، فكان الواجب ما نقص، لأن الغصب بالضمان شرع جبراً.
حق المالك بإيجاب قدر ما فوت عليه؛ فهو لما فوتت عليه منفعة هذا العبد أو جزءًا من منفعة هذا العبد فيضمن هذا الغاصب نقصها.
إذا جنى عليه غصبًا، فجنى عليه، نقول هذه الجناية إما أن تكون هذه الجناية توجب الدية كاملة، أو توجب أقل من الدية. إذا كانت توجب الدية كاملة فسيتكلم عنها المؤلف بعد قليل، وهنا الكلام فيما إذا كانت توجب أقل من الدية الكاملة. طبعًا دية العبد أقل من الدية الكاملة في الحر؛ لأن العبد ديته قيمته. فإذا كانت هذه الجناية توجب أقل من الدية الكاملة في الحر، فهنا نقول إنه يضمنه بأكثر الأمرين: ما نقص من قيمته أو أرش الجناية.
نمثل بمثال: غصب زيد من الناس عبدًا، العبد هذا قيمته 10000 حينما غصب، فقطع يده، وقطع اليد هذه فيها نصف الدية، فتكون فيها أرش جنايتها نصف قيمتها التي هي 5000. فننظر الآن كم صارت قيمته لما قطعت يده؟ قالوا قيمته لما قطعت يده 8000، إذا نقصته هذه الجناية 2000. فهنا نقول يرد العبد ويرد الأكثر؛ أكثر من قيمة الجناية أو الأرش، فنقول هنا الأكثر قيمة الجناية 5000، فيرد العبد ويرد معه 5000. لو كانت قيمته مقطوعة اليد 3000، إذا أنقصته الجناية 7000 ريال، فهنا نقول يرده ويرد 7000 ريال؛ لأن هذا هو الأكثر من أرش الجناية أو ما نقص من قيمته.
لماذا نقول يغرم الأكثر؟ قالوا: لأن سبب كل واحد منهما قد وجد؛ اللي هو أرش الجناية وجد بقطع يده، والنقص وجد بنقص القيمة، فوجب أن يضمنه بأكثرهما؛ لأنه الغاصب معتدي فيعامل بالأضر. لو قلنا الغاصب يضمن بالأقل لأن الأصل حرمة مال المسلم، نقول: صحيح الأصل حرمة مال المسلم، لكن هذا الغاصب معتدي، فلا يناسب أن يعامل بالأخف بل يعامل بالأضر لاعتدائه.
هنا الآن سيتكلم لك إذا جنى عليه جناية فيها الدية كاملة من الحر. قال: «وإن خص الرقيق رده مع قيمته»؛ لأن الخصيتين يجب فيهما كمال القيمة كما يجب فيهما كمال الدية من الحر. قال: «وكذا لو قطع منهما فيه دية كدية ذكر أو أنف». إذا غصب رقيقًا فخصاه، أي قطع خصيتيه، فهنا نقول يجب رده مع قيمته. قالوا قيمته 10000، أقول رده ورد 10000. لماذا رده ورد القيمة؟ نقول رده لأنه مغصوب ملك لسيده فيرده، وقيمته هذه ترى هذه فقط للخصيتين اللتين قطعهما؛ لأن الخصيتين من الحر فيهما كمال الدية، دية كاملة، فتكون من العبد فيهما كمال القيمة.
قال: «وكذا لو قطع منه ما فيه دية كاملة»، لو قطع يديه غصب عبدًا فقطع يديه كاملتين، فهنا إذا أعاده يعيده ويعيد قيمته معه، غصبه وقطع رجليه يعيده ويعيد قيمته معه. هذا كل ما فيه دية كاملة من الحر؛ إذا جنى على العبد المغصوب جناية فيها دية كاملة من الحر، فإنه يجب عليه ردها، فإنه يجب عليه رد العبد ورد قيمته.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «وما نقص بسعر لم يضمن»؛ لأنه رد العين بحالها، لم ينقص منها عين ولا صفة، فلم يلزمه شيء ولا يضمن نقصًا. أحسنت، هنا نقص السعر. قوله: «ما نقص بسعر لم يضمن». غصب سيارة كانت قيمتها يوم يغصبها 50000، ردها بعد ثلاثة أشهر، وكانت قيمتها نزلت في السوق، قيمة أمثالها في السوق إلى 45000، ليس لنقصها ولكن قيمة أمثالها في السوق نزلت. فهل يضمن نقص السعر؟ يعني لو نقصت لاستعماله نقول يضمن، لكن هنا نقص ليس لاستعماله. يعني لو غصبها وجعلها عنده لم يستعملها فقط، ثم بعد ثلاثة أشهر أعادها، فلما أعادها كان نقص سعر أمثالها، فهل يضمن هذا النقص أو لا؟ هل نلحق السعر بالصفة، صفة الموصوف التي إذا زالت أو عادت فإنه يضمن نقصها أو لا؟
هنا يقول لك لم يضمن، لماذا؟ يقول لأنه رد العين بحالها، لم ينقص منها عين ولا صفة؛ عينها هي سيارة، وصفتها أو أوصافها التي أخذها حينما غصبها لم يتغير منها شيء. قال: «فلم يلزمه شيء»، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.
وذكر ابن أبي موسى رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يضمن نقص السعر؛ قالوا لأنه يضمنه إذا تلفت العين فيلزمه إذا ردها أيضًا إذا تلفت العين، كما سيأتينا إن شاء الله لاحقًا، فيضمنها بقيمتها يوم تلفت، سواء كانت قيمتها زائدة أو ناقصة. فقالوا إذا القيمة ملتفت إليها، فهكذا هنا، قالوا إذا يضمن نقص السعر. وهذا كما قلنا هو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله ذكره ابن أبي موسى واختاره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
وقال الحارثي بعد أن حكى الروايتين: «هذا كله ما لم يتصل التلف بالزيادة، فإن اتصل؛ بأن غصب ما قيمته 100 فارتفع السعر إلى 200، وتلفت العين ضمن الـ 200 وجهاً واحداً؛ إذ الضمان معتبر بيوم التلف». وهذا كما قلنا سيأتينا إن شاء الله أنه إذا غصب شيئًا فتلفت كان متقومًا، فإنه يضمنه بقيمته يوم تلفه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «ولا يضمن نقصًا حصل بمرض إذا عاد إلى حاله ببرئه من المرض لزوال موجب الضمان، وكذا لو انقطع سن ثم عاد، فإن رد المغصوب معيبًا وزال عيبه في يد مالكه، وكان أخذ العرش لم يلزمه رده؛ لأنه استقر ضمانه برد مغصوب، وإن لم يأخذه لم يسقط ضمانه لذلك، وإن عاد النقص بتعليم صنعة، كما لو غصب عبدًا سمينًا قيمته 100 فهزل فصار يساوي 90 وتعلم صنعة فزادت قيمته بها عشرة، ضمن النقص؛ لأن الزيادة الثانية غير الأولى».
أحسنت، هنا ذكر أيضًا أنه لا يضمن النقص الذي حصل عند الغاصب ثم زال. هنا ذكر مسألة سابقة؛ لا يضمن نقص السعر، هذه مسألة ثانية أيضًا مما لا يضمنه، أنه لا يضمن النقص الذي حصل عند الغاصب ثم عاد. النقص الذي حصل بالمرض إذا زال عند الغاصب ثم زال؛ يعني غصب -لا نمثل بالعبد، نمثل بالشاة- غصب شاة سليمة فمرضت عنده مرضا، ثم عالجها ثم استردها صاحبها وهي سليمة كما أخذت، فهنا هل يضمن النقص الذي حصل عنده؟ لا يضمنه. لماذا؟ قال: «لزوال موجب الضمان».
ما الفرق بين المَوْجِب والمُوجِب؟ السؤال لكم. نعم، الشيخ محمد يقول بالكسر: السبب، وبالفتح: النتيجة. أحسنت، لزوال مَوْجِب الضمان يعني لزوال سبب الذي يوجب الضمان، وهو النقص.
النقص الذي حصل بالمرض زال وهو عند الغاصب، فلا يضمن. لكنه لم يزل إلا لما رجع إلى المغصوب منه، فإنه يضمن. يعني لو أنه غصب شاة ومرضت، ثم ردها إلى صاحبها وهي مريضة فإنه يضمن هذا النقص، حتى لو برئت كما سيتكلم عنه بعد قليل.
يقول: «لا يضمن نقصا حصل بمرض إن عاد إلى حاله ببرئه من المرض»، لماذا؟ لزوال موجب الضمان. وذكر لك مثالاً آخر، قال: «وكذا لو انقلع سنه ثم عاد»، فلو غصب عبداً فانقلع سنه، ففيه قيمة هذا السن، وطبعاً نسبته من قيمة العبد كاملة؛ فالسن في خمس من الإبل، يعني نصف عشر الدية الكاملة، فنقول إذاً فيه نصف عشر قيمة العبد. فلو انقلع سن العبد ثم عاد وهو عند الغاصب، فإنه لا يضمن هذا النقص.
قال: «فإن رد المغصوب معيباً». غصب شاة، أو نقول غصب سيارة فصار فيها عيب، مثلاً يهرب الزيت، ثم ردها وهي معيبة، فزال العيب في يد مالكها. طبعاً إذا ردها سيرد أرش النقص؛ قلنا مثلاً أرش النقص ألفي ريال، فلما جاءت عند صاحبها صلحت وتوقف التهريب، فهنا هل يرد المالك هذا الأرش لأنه زال العيب؟ نقول: لا، لم يلزمه رده، لماذا؟ قال: لأنه استقر ضمانه برد المغصوب.
كيف استقر ضمانه برد المغصوب؟ يعني أنه لما رد المغصوب معيباً كان مما يضمنه هذا الغاصب أرش النقص، فلا يسقط هذا الأرش بزوال هذا العيب لاحقاً. قال: «سواء أخذ المالك الأرش أو لم يأخذه»، ولذلك قال: «وإن لم يأخذه لم يسقط ضمانه»، لذلك لهذا السبب أيضاً. يعني لو أنه رد السيارة وقال له: «أعطني أرش ألفي ريال»، قال: «والله ما معي، برجع لك بعد شهر»، ثم زال هذا العيب، هل يلزم الغاصب أن يرد أرش النقص؟ نقول: نعم، يلزمه أن يرد أرش النقص؛ لماذا؟ لهذا العلة السابقة: استقر ضمانه برد المغصوب، واستقر عليه هذا الدين لما رد المغصوب معيباً، فحتى لو زال هذا العيب فإنه لا يلزم المالك رد الأرش.
قال: «وإن عاد النقص بتعليم صنعة»، كما لو غصب عبداً سميناً قيمته مئة، فهزل فصار يساوي تسعين، وتعلم صنعة فزادت قيمته بها عشرة، يضمن النقص لأن الزيادة الثانية غير الأولى. عندنا إذا عاد النقص لكن من جهة أخرى، قال: «بتعليم صنعة».
نضرب لكم مثالاً بدل العبد، نقول شاة؛ غصب شاة سمينة قيمتها مثلاً ألف ريال، فاهمل تغذيتها فهزلت، فصارت قيمتها مثلاً ثمانمئة ريال، لكن الشاة لا تتعلم صنعة. إنما إذا بالمثال الذي ذكره: غصب عبداً سميناً قيمته مثلاً عشرة آلاف ريال، ثم هزل فصارت قيمته تسعة آلاف ريال، الآن لو رده هكذا، يرده ويرد ألف ريال. لكن هذا العبد تعلم صنعة عند الغاصب فعادت قيمته مثلاً ألف ريال، يعني صحيح هزل لكن عوض النقص بتعلم صنعه، فهنا هل يضمن النقص أو لا؟ يقول: نعم يضمن النقص؛ لماذا؟ قال: لأن الزيادة الثانية غير الأولى.
الزيادة الثانية صارت بسبب من الغاصب، ألا يستحق الغاصب مقابلاً لها؟ نقول: لا يستحق الغاصب مقابلاً لها؛ لماذا؟ لأن هذه الزيادة بتعلم الصنعة حدثت على ملك المغصوب منه، حدثت في شيء يملكه المغصوب منه، فتكون الزيادة لأن هذا نماء، فيكون النماء للمالك الذي هو المغصوب منه، ولا يجبر ملك الإنسان بملكه. يعني ما نقول: نقص الهزال نقص على ملك المغصوب منه، وزاد هذا على ملك المغصوب منه فيجبر هذا بهذا؛ لا يجبر ملك الإنسان بملكه، المقاصة تكون بملك شخص وملك شخص آخر، لا تكون المقاصة بين ملك الإنسان وملكه. فلذلك قالوا: الزيادة الثانية غير الأولى، فلذلك يضمن النقص الذي من الزيادة الأولى.
رحمه الله، قال: «وإن تعلم صنعة زادت بها قيمته عند الغاصب، أو سمن عنده فزادت قيمته، ثم نسي الصنعة أو هزل فنقصت قيمته، ضمن الزيادة لأنها زيادة في نفس المغصوب، فلزم الغاصب ضمانها كما لو طالبه بردها فلم يفعل».
«وكما لو عادت من غير جنس الأول، بأن غصب عبداً فسمن وصار يساوي مئة، ثم هزل فصار يساوي تسعين، فتعلم صنعة فصار يساوي مئة، ضمن نقص الهزال لأن الزيادة الثانية غير الأولى، وإن كانت الزيادة الثانية من جنسها، أي جنس الزيادة الأولى، كما لو نسي صنعة ثم تعلمها، ولو صنعة بدل صنعة لا يضمن، لأن ما ذهب عاد، فهو كما لو مرض ثم برئ، إلا أكثرها».
أي: إذا نسي صنعة وتعلم أخرى وكانت الأولى أكثر، ضمن الفضل بينهما لفواته وعدم عودته. «وإن جنى المغصوب فعلى غاصبه أرش جنايته».
هنا يقول: «إن تعلم صنعة». ذكرنا لكم أن أي شيء يحدث أو أينما يكون عند الغاصب فإنه يكون للمالك وليس للغاصب شيء منه، وليس له أجرة على هذا التعليم ولا مقابل؛ لأنه معتدٍ. فإذا قال لك: «إذا تعلم صنعة»، يعني غصب عبداً فتعلم صنعة فزادت بها قيمته، أو سمن عنده فزادت قيمته ثم نسي الصنعة أو هزل فنقصت قيمته، لضمن الزيادة؛ هذا ترى، غير الأولى، كان سميناً فهزل، ثم كان هزيل فسمن عند الغاصب ثم هزل ورده، فإنه يضمن هذا النقص.
السمن عند الغاصب، نقول هذه زيادة حدثت في ملك المغصوب منه فيستحق مقابلها. كذلك لو غصبه وهو أمي ثم علمه الكتابة؛ غصبه وهو أمي قيمته مثلاً ثمانية آلاف، فعلمه الكتابة صارت قيمته عشرة آلاف، ثم نسي الكتابة فعادت قيمته ثمانية آلاف، فإنه إذا أعاده يعيد هذا النقص؛ لأن هذه الزيادات كلها حدثت على ملك المغصوب منه. قال: «لأنها زيادة في نفس المغصوب فلزم الغاصب ضمانها»، قال: «كما لو طالبه بردها فلم يفعل»، يعني أنه لو طالبه أن يردها وهي سمينة، أن يرد مثلاً العبد وهو سمين فلم يفعل حتى هزل، فإنه يلزمه الضمان.
قالوا: كذلك إذا لم يطالب. طبعاً قوله: «كما لو طالبه بردها فلم يفعل»، هذا تراه إشارة إلى خلاف؛ لأن من الفقهاء من قالوا إنه لا يضمن الزيادة في المسألة الأولى إلا إذا طالبه بردها فلم يفعل، والمذهب عندنا أنه لا فرق، سواء طالبه برده.
فلم يطالبه بردها حينما كان تعلم صنعة، يعني قبل أن ينساها، أو حينما سمن قبل أن يهزل، فيقولون لا فرق بين المسألتين، ويعللون ويقولون: مثل ومثله، لو طلب برده فترى الحكم واحد. فكما لو طالب بردها فلم يفعل، فهذا إشارة إلى خلاف في المسألة الأولى، وليس في المسألة الثانية؛ يعني إذا طلبه بردها فلم يفعل، لم يخالف فيها هذا القول الثاني.
قال: وكما لو عادت من غير جنس الأول. عندنا إذا عاد ما نقص، إما أن يعود من جنسه أو من غير جنسه، فإن عاد من غير جنسه فإنه يضمنه الذي لم يعد، وإذا عاد من جنسه فإنه لا يضمن. المثال الذي ذكره: غصب عبداً فسمن، فصار يساوي مئة، يعني مثلاً كان يساوي تسعين فسمن فصار يساوي مئة، الآن ارتفع عشرة دنانير مثلاً، ثم هزل فصار يساوي تسعين، إذا نقص عشرة دنانير عاد إلى حاله الأولى. الآن لو رده هكذا فإنه يضمن نقص الهزال.
هو يقول لك: لا، قبل أن يرده تعلم صنعة، فصار يساوي مئة، فهنا هل يضمن ورده؟ هل يضمن النقص؟ يقول: نعم. تقول: ما الفرق بينه وبين المسألة التي مرت قبل قليل إن عاد النقص بتعليم الصنعة؟ نقول: هناك الحكم واحد، لكن المثال غير مكرر. قد يقول: المثال مكرر، نقول: لا، المثال غير مكرر. المثال السابق أن عاد النقص بتعليم صنعة، قال: كما لو غصب عبداً سميناً، يعني حينما غصبه كان سميناً؟ لا، هذا المثال حينما غصبه كان هزيلاً فسمن فزاد، ثم هزل فنقص، ثم تعلم صنعة فزاد، هل يختلف عن السابر في الحكم في النتيجة؟ لا يختلف عن السابر، ففي كلتا المسألتين يضمن نقص الهزال لأن الزيادة الثانية غير الأولى.
أما إذا كانت الزيادة من جنسها، فإنه لا يضمن. يعني مثلاً: سمن ثم هزل ثم سمن مرة أخرى، ورده إلى المالك وهو سمين، فإنه لا يضمن ما يضمن الهزال الذي صار في وسط الغصب؛ لأنه ذهب. ومثله لو تعلم صنعة ثم نسيها، تعلم الكتابة ثم نسيها، ثم تعلمها مرة ثانية، فإنه إذا أعادها لا يعيد النقص الذي حصل في أثناء الغصب.
قال: ولو صنعه بدل صنعه، وهذا إشارة إلى خلاف؛ يعني لو تعلم الكتابة ثم نسيها، وكانت قيمته مثلاً ثمانية آلاف ريال فتعلم الكتابة صارت قيمته عشرة آلاف ريال، ثم نسي الكتابة فرجعت قيمته ثمانية آلاف ريال، ثم تعلم صنعة الخياطة مثلاً فصارت قيمته عشرة آلاف ريال، ثم أعاده إلى مالكه، فهنا نسي الكتابة وهل تعلمه الخياطة بدل الكتابة؟ أهو جنس واحد أو هو جنسان؟ على المذهب أنه يعتبر جنساً واحداً، يقولون: الصنائع كلها جنس واحد. فلو نسي صنعة ثم تعلم صنعة أخرى فإنه لا يضمن نقص النسيان؛ لأن الذي ذهب عاد. مثل المثال السابق في لو مرض ثم برئ وأعاده وهو بريء سليم من المرض فإنه لا يضمن النقص، قالوا: هذه مثلها نسي الصنعة ثم عاد مرة أخرى.
قال: إلا أكثرهما؛ يعني إذا نسي صنعة وتعلم الأخرى وكانت الأولى أكثر، ضمن الفضل بينهما لفواته وعدم عودته. يعني لو أنه تعلم الكتابة كانت قيمته ثمانية آلاف ريال فتعلم الكتابة صارت قيمته عشرة آلاف ريال، ثم نسي الكتابة فعادت قيمته ثمانية آلاف، ثم تعلم الخياطة فصارت قيمته تسعة آلاف، أي أقل من الأولى، فإنه يضمن الألف ريال الباقية. قال: نسي صنعة وتعلم أخرى وكانت الأولى أكثر، ضمن الفضل بينهما لفواته وعدم عودته؛ لأنه وصلت قيمته أثناء الغصب إلى عشرة آلاف ريال، ثم لما استرده كانت قيمته تسعة آلاف ريال، ففاتت هذه الألف فيضمنها.
ثم ختم المؤلف رحمه الله هذا الفصل بجناية المغصوب. الكلام في السابق كان عن جناية الغاصب على المغصوب، لا، هنا تتكلم عن جناية المغصوب. غصب عبداً فجنى، فمن الذي يتحمل جناية غصبه؟ يقول: يتحمله الغاصب. قال: إن جنى المغصوب فعلى غاصبه أرش جنايته، سواء جنى المغصوب على مالكه ولا على غيره، فإنه يلزم الغاصب أرش جنايته؛ لأن جناية الغاصب تعتبر نقصاً في العبد الجاني لكون أرش الجناية يتعلق برقبته، فكان مضموناً على الغاصب كسائر نقصه. هذا إذا جنى المغصوب على مالكه أو غيره، إلا إذا جنى على الغاصب، فجنايته على الغاصب هدر غير مضمونة؛ لأن الذي سيضمن هو الغاصب نفسه، فكيف يضمن لنفسه من نفسه؟ قالوا: إلا إذا جنى عليه بالقصاص، فإنه بالقتل فإنه يقتص منه.
نقف على هذا، نرجو الله التوفيق والسداد. الأسبوع القادم لن يكون فيه درس، نتوقف إن شاء الله إلى ما بعد رمضان بإذن الله تعالى، إن الله يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يبلغنا رمضان ونحن في أتم صحة وعافية، وأن يوفقنا فيه للصيام والقيام إيماناً واحتساباً على الوجه المطلوب الذي يرضيه عنا.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان