دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 68 | باب الغصب 1

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع على باب الغصب، بعد أن أنهينا باب العارية بحمد الله تعالى، ووقفنا على باب الغصب.

نبدأ بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

قال المؤلف رحمه الله: «باب الغصب: الغصب مصدر غصب، يغصب بكسر الصاد، وهو لغة: أخذ الشيء ظلمًا. واصطلاحًا: الاستيلاء عرفًا على حق غيره، مالًا كان أو اختصاصًا، قهرا بغير حق».

فخرج بقيد القهر: المسروق، والمنتهب، والمختلس. وبغير حق: استيلاء الولي على مال الصغير ونحوه، والحاكم على مال المفلس، وهو محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].

أحسنتم. بعد أن أنهى المؤلف رحمه الله تعالى باب العارية، انتقل إلى باب الغصب. والغصب كما هو معلوم ليس عقدًا، لكنه ينظم أحكام الضمان، سواء في الاعتداء المقصود أو الاعتداء غير المقصود.

فباب الغصب أصلًا هو اعتداء مقصود، لكن الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا في الباب أيضًا أحكام الاعتداءات غير المقصودة، التي تقع خطأ من الإنسان ولا يقصد بها الاعتداء. وذكروا فيها أيضًا جنايات البهائم، وذكروا فيها أيضًا تسبب الإنسان بالضرر أو مباشرته للضرر، وهل يضمن بالتسبب أو لا، هذا كله يذكرونه في هذا الباب.

ولهذا هذا الباب من الناحية العملية مفيد كثيرًا؛ فمثلاً مسألة حوادث السيجارة -أجارنا الله وإياكم منها- أيضًا تطبق عليها أحكام الغصب في ضمان المتلف ونحو ذلك. فالاعتداءات المتعلقة بالأموال تذكر هنا، والاعتداءات المتعلقة بالنفس تذكر في باب الجنايات، وقد يذكرون بعض أحكامها هنا، لكن الأصل أن تذكر هناك.

يقول: «الغصب مصدر غصب، يغصب بكسر الصاد، وهو لغة أخذ الشيء ظلمًا»، وهذا فسره به الجوهري في الصحاح وابن سيده في المحكم.

«واصطلاحًا الاستيلاء عرفًا على حق غيره، مالًا كان أو اختصاصًا، قهرا بغير حق». فعندنا إذا الاستيلاء هذا قيد في الغصب، لابد أن يكون مستوليًا، فإن لم يكن مستوليًا كما سياتينا في بعض الأمثلة فلا يكون غاصبًا. والاستيلاء ما المقصود به؟ يتحقق بقوله: «عرفًا»، إذا العرف هذا يعني يتحقق الاستيلاء بما يكون به استيلاء عرفًا، وهذا يذكره الأصحاب رحمهم الله تعالى إشارة إلى خلاف من قال إن الاستيلاء في المنقول لابد فيه من نقله.

وهو قول في المذهب: الاستيلاء في المنقول لابد فيه من نقله. يعني مثلا لو أن شخصًا وجد فلانًا في سيارته، مالك السيارة في سيارته، فجاء وأنزله منها وركبها رغما عنه، هنا ركبها لكنه لم يتحرك بها، هذه السيارة من المنقولات، هل لابد أن ينقلها أو مجرد ركوبها عليها واستيلائها عليها وإخراج صاحبها عنها يكفي؟ نقول مجرد إخراج صاحبها عنها يكفي، لأنه تحقق به الاستيلاء.

القيد الثاني يقول: «على حق غيره»، وهنا عبر بـ«حق»، لماذا؟ لأن بعض الفقهاء يقولون: الحق أعم من المال، ولذلك قال: «مالًا كان أو اختصاصًا». فإذاً لا يشترط في الشيء المغصوب أن يكون مالًا، والمال ما عرف في كتاب البيع بأنه: «ما أبيح الانتفاع به من غير حاجة»، فما لا يباح الانتفاع به مطلقًا، أو ما يباح الانتفاع به مع الحاجة، أو ما ينتفع به مع الضرورة، هذا لا يسمى مالًا.

إذاً، الشيء المغصوب لا يشترط أن يكون مالًا، بل يجوز أن يكون حق اختصاص. وحق الاختصاص عرفه ابن قاصد في حاشية المنتهى بأنه: «ما يستحق من يده عليه الانتفاع به، ولا يملك أحد مزاحمته به مع عدم قبول التمليك والمعاوضة».

مثل كلب الصيد؛ نضرب عليه مثالًا، فكلب الصيد يستحق من تحت يده الانتفاع به، ولا يملك أحد مزاحمته عليه، ولا يملك أحد أن يقول: ما دام الكلب لا يباح بيعه إذاً سأشارك فيه. لا يملك أحد مزاحمته، ولا يقبل التمليك والمعاوضة كما تقدم لنا في كتاب البيع. إذاً هذا هو حق الاختصاص؛ فالشيء المغصوب قد يكون مالًا كما لو غصب سيارة أو عقارًا، وقد يكون حق اختصاص ككلب الصيد، وخمر الذم المستورة ونحوها.

قال: «قهرا بغير حق»، يعني أنه لابد أن يكون على سبيل المغالبة. وخرج بقيد القهر ثلاث أمور ذكرها: المسروق، والمنتهب، والمختلس. فما الفرق بين السرقة والنهبة والاختلاس؟

يقولون: السرقة -وطبعًا يعرفونها في باب الحد بالسرقة- هي ما أُخذ على وجه الخفاء من حِرص، وهذا قيد في الحد، لكن الفرق بينهما أن السارق يختفي في أول الأمر وآخره، يعني لا يُنظر إليه حين سر ولا يُعلم به حين ذهب. والمنتهب لا يخفى في أول الأمر وآخره، يعني يأخذه والناس ينظرون ويستطيعون منعه، لكنه ليس على سبيل القهر، بل قد يكون على سبيل خفة اليد. والمختلس يختفي في أول الأمر دون آخره، مثل الاختلاسات التي تحصل من بعض الموظفين الذين يختلسون من أموال الجهة التي يعملون فيها، فهؤلاء لا يعدون المغتصبين وإن كانوا قد استولوا على مال غيرهم بغير حق.

وقال: «بغير حق»، هذا لإخراج الاستيلاء على مال الغير أو على حق اختصاص الغير بالحق، مثل استيلاء الولي على مال الصغير. فالصغير مثلاً عنده ورث من أبيه، فلو فرض أن الولي هو عمه، فالعم تحت تصرفه المال الذي هو حق للصغير، استولى عليه قهرا بمعنى أنه بغير اختيار من الصبي، لكنه استولى عليه بحق لأنه وليه. وكذلك قال: «مال الصغير ونحوه»، ونحوه مثل المجنون، وكذلك استيلاء الحاكم على مال المفلس، كما في باب الحجر أن الحاكم يحجر على المفلس في أمواله فيبيع ما زاد عن حاجته.

ونحو ذلك، فالحاكم استولى على مال المفلس، فاستولى الحاكم عليه، وكان استلاؤه قهرا لكن استلاؤه بحق، فلا يدخل في الغصب. زاد بعض الأصحاب قيد أن يكون غير حربي؛ لأن استيلاء الحربي لا تطبق عليه أحكام الغصب، وهذا زاده البعلي في تجريد العناية، وقال في الإنصاف: «وهو أصح الحدود وأسلمها»، وتبعه في الإقناع والمنتهى نص على هذا القيد.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم الغصب، فقال: «وهو محرم». هذا واضح، محرم بالإجماع، بالكتاب والسنة والإجماع. أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. ومن السنة أحاديث كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم، هذا في شهركم، هذا في بلدكم». وقوله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما، طوقه يوم القيامة من سبع أراضين». وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على تحريم الغصب في الجملة، وإنما اختلفوا في فروع منه كما ذكره الموفق رحمه الله في المغني.

الآن سيذكر لك ما الذي يتحقق به الغصب، أو ما الشيء الذي يمكن غصبه. قال رحمه الله: «من عقار -بفتح العين- الضيعة والنخل والأرض»، قاله أبو السعادات، «ومنقول من أثاث وحيوان، ولا أم ولد، لكن لا تثبت اليد على بضع فيصح تزويجها ولا يضمن نفعه، ولو دخل دارا قهرا».

هنا قال: «من عقار»، وكلام الحجاوي الذي بين القوسين «من عقار»، و«منقول»، يعني أن الغصب كما يكون في المنقول، فيكون في العقار. وغصب المنقول هذا لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في غصب العقار؛ لأن من أهل العلم من قال إن العقار لا يتحقق غصبه لأنهم يشترطون في الغصب النقل، والعقار لا يمكن نقله، فلذلك قالوا لا يمكن غصبه. لكن المشهور من المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، أن العقار يُغصب كما يُغصب المنقول، وغصبه يكون بالاستيلاء عليه.

ودل على كونه يُغصب قوله صلى الله عليه وسلم: «من ظلم قيد الشبر من الأرض»، وفي رواية: «من غصب قيد الشبر من الأرض»، وفي رواية: «من اقتطع قيد الشبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين». وهذا دليل على أن العقار يُغصب. وقوله: «الضيعة والنخل والأرض» هذه أمثلة، والمراد به كل ما لم يُنقل، قاله أبو السعادات.

أحسن الله إليكم، ذكر في الحاشية أنها «النهاية في غريب الحديث والأثر»، من صاحب النهاية؟ المعروف أنه ابن الأثير. أبو السعادات وابن الأثير، ترى البهوتي أيضا كنيته أبو السعادات؛ الشيخ منصور كنيته أبو السعادات. فابن الأثير -وللفائدة- بنو الأثير ثلاثة: صاحب النهاية، وأخوه صاحب التاريخ، وأخوهما الوزير صاحب المثل السائر في البلاغة. ونظم بعضهم فقال:

وبن الأثير ثلاثة قد حاز كل مفتخر.. فمؤرخ جمع العلوم، وآخر ولي الوزر، ومحدث كتب الحديث له النهاية في الأثر.

هم ثلاثة: مؤرخ جمع العلوم، ويقصد به عز الدين علي بن محمد، هو لغوي محدث، له التاريخ «تاريخ الأثير»، وله «الأنساب»، وله «معرفة الصحابي». والثاني: «وآخر ولي الوزر»، الذي هو ضياء الدين أبو الفتح نصر الله، وهذا ولي الوزارة، وهو مشهور بفن البلاغة، له كتاب في البلاغة اسمه «المثل السائر». والثالث: محدث كتب الحديث، الذي هو أبو السعادات، مجد الدين أبو السعادات، هو صاحب «جامع الأصول» وصاحب «النهاية في غريب الحديث والأثر»، هذا الذي يُذكر عن الزبيدي في تاج العروس.

قال: «ومنقول من أثاث وحيوان»، فهذه كلها تُغصب، يعني أنها تقع عليها اليد وتُستولى، واستيلاء كل مال بحسبه كما قلنا إنه يستدل عليه بالعرف. قال: «ولو أم ولد». ولو أم ولد، هذه فيها إشارة لخلاف؛ لأن أم الولد وهي الأمة التي ولدت من مالكها سيدها، هي إذا توفي سيدها ستصير حرة بمجرد ولادتها منه. فهي لما كانت أم ولد، تردد وصفها أو حكمها بين إلحاقها بالإماء أو إلحاقها بالأحرار.

فمن العلماء من ألحقها بالحرة، والحرة لا تُغصب لأنها ليست مالا، ومن العلماء من ألحقها بالأمة، والأمة تُغصب لأنها مال، وهذا هو المشهور. فلو استولى شخص على أم ولد وأخذها ومنعها من الذهاب لسيدها فإنها تعد مغصوبة.

قال: «لكن لا تثبت اليد على بضع فيصح تزويجها، ولا يضمن نفعه». لا تثبت، يعني لو أن شخصا غصب أم ولد، فالآن أم الولد هذه عند الغاصب، فجاء شخص إلى سيدها وقال: أريد أن أتزوج أمتك، فزوجه بها، هل يصح تزويجه والأمة ليست عند المالك؟ يقول: لا تثبت اليد على بضع فيصح تزويجها، يعني أنه حتى لو غصبها فيصح لسيدها أن يزوجها، لأن اليد هنا يد الغاصب لم تملك وضعها، فصح تزويجها.

قال: «ولا يضمن نفعه». يعني لا يضمن الغاصب نفع وضع الأمة، بمعنى لو أن الغاصب غصب هذه الأمة حتى كبرت فصارت لا تتزوج أو لا يُطلب التزوج بها، هل يضمن هذه المنفعة أو لا؟ يقولون لا يضمن. لماذا قالوا؟ لأن النفع يُضمن بالتفويت إذا كانت صح المعاوضة عليه، أي إذا كانت مما يصح المعاوضة عليه بالإجارة، والبضع لا يصح المعاوضة عليه بالإجارة، فلذلك لا يضمن النفع بها.

قال رحمه الله: «ولو دخل دارا قهرا وأخرج ربها فغاصب، وإن أخرجه قهرا ولم يدخل، وإن دخل مع حضور ربها وقوته فلا، وإن دخل قهرا ولم يخرجه فقد غصب ما استولى عليه، وإن لم يرد الغصب فلا، وإن دخلها قهرا في غيبة ربها فغاصب، ولو كان فيها قماش»، ذكره في المبد، «وإن غصب كلب».

أحسنت، هنا ذكر لك أمثلة تطبيقية على ما ذكرنا قبل قليل، أن الغصب هو الاستيلاء، فإن لم يكن هناك استيلاء فلا يعد غصبا. ذكر لك تقريبا أربع أو خمس صور: الصورة الأولى إذا دخل دارا قهرا وأخرج ربها فغصب؛ جاء إلى دار ودخل هذه الدار وكان ربها صاحبها موجودا فأخرجه خارج الدار ودخل فيها، هنا استولى عليها وحده وأخرج صاحبها، فيعد غاصبا لأن هذا يعد استيلاء عرفا. المسألة الثانية: إذا أخرجه قهرا ولم يدخل، أي أخرجه قهرا ولم يدخل، دخل طالب منه الخروج فأكرهه على الخروج فخرج ولم يدخل، هذا.

الغاصب في البيت، فهنا لا يعد غاصباً لأنه لم يستولِ. الثالثة: دخل مع حضور ربها وقوته، فلا يعني لو دخل شخص البيت بلا إذن صاحبها لكن صاحبها موجود وصاحبها يستطيع إخراجه وطرده من البيت، فهل يعد غاصباً؟ لا، لأنه لا يعد مستولياً بذلك.

الرابعة: أن دخل قهراً ولم يخرجه، فهذه فيها تفصيل. جاء الغاصب إلى بيت المغصوب منه فدخل هذه الدار قهراً وربها يريد طرده فلم يستطع، لكن هو لم يخرج المالك خارج البيت، فهنا يقولون لا تخلو من حالين: إن قصد الغاصب الغصب، فإننا نعده غاصباً على ما استولى عليه فقط لا على كل الدار. لماذا لا يعد غاصباً على كل الدار؟ لأنه لم يخرج صاحبها فصاحبها يده عليه. فيكون مثلاً دخل إلى ملحق البيت واستولى عليه، والغرف التي داخل البيت موجود فيها صاحبها وصاحبها حاول أن يخرجه فلم يخرج، فهنا يعد غاصباً لهذا الجزء الذي استولى عليه وهو الملحق، إذا كان أراد الغصب والاستيلاء. لكن لو دخل فقط، أراد أن يسرق شيئاً ثم يخرج، فهنا لم يرد الاستيلاء فلا يعد غاصباً.

المسألة الخامسة: إذا دخل البيت قهراً في غيبة ربها فغاصب. والفرق بينه وبين الأولى أن في الأولى موجود صاحبها فأخرجه، والثانية لا غير موجود دخل هذا البيت ليستولي عليه في غيبة ربها فغاصب.

قال: «ولو كان فيها قماش»، والضمير يعود إلى الغاصب أو إلى المالك؟ يبدو أنه يعود إلى الغاصب يا شيخ، لماذا؟ لأن الدار للمالك، الدار كلها للمالك، فما أثر ذكر القماش من بين الدار كاملة؟ هو متفقون على أنه محتمل للراس، لكن الذي يظهر والله أعلم أنه يعود إلى المالك، يعني ولو كان فيها قماش صاحب الدار. وهذا مبني على أنه لا يشترط في غصب المنقول نقله، بل يكفي مجرد الاستيلاء، فكون أثاث صاحب الدار موجودة في البيت ولم ينقله، وهي منقولة، وهذا يكفي، الاستيلاء عليه يكفي ولا يشترط لغصبه نقله، هذا الذي يظهر، والمسألة كما قلت محتملة والله أعلم.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وإن غصب كلباً يقتنى ككلب صيد، وماشية، وزرع، أو غصب خمر ذمي مستورة ردهما»، لأن الكلب يجوز الانتفاع به واقتناؤه، وخمر الذمي يقر على شربها وهي مال عنده. «ولا يلزم أن يرد جلد ميتة غصب ولو بعد الدبغ» لأنه لا يطهر بدبغ، وقال الحارثي: «يرده حيث قلنا يباح الانتفاع به في اليابسات»، قال في تصحيح الفروع وهو الصواب. «وإتلاف الثلاثة» أي الكلب والخمر المحترمة وجلد الميتة «هدر، سواء كان المتلف مسلماً أو ذمياً»، لأنه ليس لها عوض شرعي لأنه لا يجوز بيعها، وإن استولى على حر كبير أو صغير.

أحسنت، أحسنت. هنا ذكر لك غصب المختص، وقبل أن نبدأ فيها نقول: الغصب المؤلف رحمه الله تعالى ذكر حكمه التكليفي وهو التحريم، ويترتب على الغصب أحكام: الحكم الأول وجوب الرد، والحكم الثاني ضمانه؛ ضمان المغصوب إن تلف أو نقص أو تغير، والحكم الثالث ضمان أجرته إن كان له أجرة. هذه الأحكام ستأتينا لاحقاً إن شاء الله.

هنا سيتكلم المؤلف رحمه الله عن غصب المختص وليس المال، وذكر حكمين؛ اللي هو وجوب الرد والضمانة إذا تلف. فقال: «وإن غصب كلباً يقتنى ككلب صيد، وماشية، وزرع»، هذا مثال على المختص. «أو غصب خمر ذمي مستورة»، هذا مثال ثاني على المختص، «ردهما»؛ هنا ردهما وجوباً، يجب عليه أن يردهما. وكونه يرد المختص هذا تنبيه على أنه يجب رد المال الذي هو غير المختص، الذي هو مال يجوز بيعه، من باب أولى ردهما. لماذا؟ لأنه يباح الانتفاع بهما، فالكلب يجوز الانتفاع به واقتناؤه، وخمر الذمي يقر على شربها، يعني إذا كان مستتراً بها وهي مال عنده لأنه يرى إباحتها.

وقوله: «خمر ذمي»، هذه الإخراج خرج بها خمر المسلم، فلو غصب خمراً من مسلم فهذه لا يجب عليه ردها ولا ضمانها. وقوله: «مستورة»، مفهومه أنه لو غصب خمر ذمي مجاهراً بشربها فإنه لا يجب عليه رده. هذه هنا المسألة الأولى أو الحكم الأول: وجوب الرد.

ذكر مسألة ثالثة: هل تكون مغصوبة أو لا؟ هل يتحقق فيها حكم الغصب أو لا؟ «جلد الميتة»، هنا قال: «ولا يلزم أن يرد جلد ميتة غصب ولو بعد الدبغ» لأنه لا يطهر بدبغ، الميتة لا يجوز بيعها، يقول النبي ﷺ: «إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام». فلما لم يبح بيعها، قالوا إذاً لا يثبت فيها حكم الغصب.

وهذه المسألة مبنية على مسألة مرت علينا في باب الآنيّة من كتاب الطهارة، وهي: هل يطهر جلد الميتة بالدباغ أو لا؟ والمسألة خلافية مشهورة، والمشهور عند الأصحاب رحمهم الله تعالى أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ. ولذلك اختلف الأصحاب ها هنا بناء على اختلافهم هناك. ورد جلد الميتة المغصوب فيه وجهان مبنيان على الروايتين في طهارة الجلد المدبوغ من عدمه؛ فمن قال بطهارته أوجب رده حتى لو لم يدبغ، لأنه يمكن إصلاحه، فهو كالثوب المتنجس، لو أن شخصاً غصب ثوباً متنجساً هل نقول خلاص لا يثبت في حكم الغصب لأنه في نجاسة؟ لا، لأن نجاسته طارئة فيمكن تطهيره، فيقول هذا مثله. ومن قال بأنه لا يطهر لم يوجب رده لأنه لا سبيل إلى إصلاحه.

وهناك قول آخر ذكره الحارثي وتابعه بعض الأصحاب، قال الحارثي رحمه الله -وله شرح على المقنع لكن لم يتمه ويبدو أنه بدأ من أثناء الكتاب أو أنه قد فقد الأجزاء الأولى والأخيرة من الكتاب والله أعلم، لكن المطبوع منه فقط أبواب يسيرة من أبواب المعاملات ومنها باب الغصب-: الحارثي ذكر احتمالاً أنه يرده حيث قلنا يباح الانتفاع به في اليابسات، يعني ما بناها على الطهارة من عدمها، بناها على جواز الانتفاع من عدمه، فيقول: قررنا في باب الآنيّة من كتاب الطهارة أنه حتى وإن كان جلد الميتة لا يطهر بالدبغ، إلا أنه يباح الانتفاع به بعد الدبغ في ما يكون من حيوان طاهر في الحياة في اليابسات.

فيقول: ما دام أنه يباح الانتفاع به في اليابسات، فإنه يلزم رده. هذا ذكره الحارثي، وذكره قبله الموفق احتمالًا، وقاسه على الكلب. قال المرداوي رحمه الله في تصحيح الفروع: «وهو الصواب». وقال البهوتي في الكشاف: «وهو القياس»، وقطع به ابن رجب رحمه الله تعالى في القاعدة 85، واختاره أيضًا الموضح.

نعم، أحسنت الشيخ حمزة. يقول: الشويكي له كتاب التوضيح، وهو الذي جمع بين المقنعة والتنقيح. المشهورون الذين جمعوا بين المقنعة والتنقيح ثلاثة: الشويكي في التوضيح، والعسكري في المنهج الصحيح، والفتوحي في منتهى الإرادات، والفتوحي هو الذي صار عليه العمدة لاحقًا.

قال: واختاره أيضًا الموضح. وقال: صرحوا بوجوب رده في الإقرار بالمجمل؛ يعني في باب الإقرار ذكروا أنه إذا أقر بمجمل فيلزم بتوضيح إقراره، فإذا وضحه بشيء ممكن ومباح فإنه يصح مثله، ومثلوا على ذلك بلو إقراره بجلد ميتة فيصح.

هذه المسألة، طبعًا هنا في حاشية ابن قاسم رحمه الله، قال شيخنا: «وعلى ما تقدم من القول الصحيح أنه يطهر فيرد بكل حال». وشيخنا هنا المقصود به ابن إبراهيم رحمه الله تعالى، يرجح أن جلد الميتة يطهر بالدباغ، فيقول: إذا ما دام أنه يطهر فيرد بكل حال.

وقال: إتلاف الثلاثة، أي الكلب والخمر المحترمة وجلد الميتة، هدر؛ بمعنى أنها لا تُضمن. هذه المسألة الثانية: قلنا ذكر مسألتين، المسألة الأولى وجوب الرد، والمسألة الثانية الضمان. فيقول: إتلاف الثلاثة هدر، سواء كان المتلف مسلمًا أو ذميًا.

وعلل ذلك بأنه ليس لها عوض شرعي؛ لأنه لا يجوز بيعها، فلا يجب ضمان الخمر سواء كان متلفه مسلمًا أو ذميًا، وسواء كانت الخمر لمسلم أو لذمي. نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية أبي الحارث: «في الرجل يهريق مسكرًا لمسلم أو ذمي فلا ضمان عليه». وذلك لقول النبي ﷺ: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام». وما حرم بيعه لا لحرمته لم تجب قيمته كالميتة، ولأنها غير متقومة فلا تُضمن. وكذا إن أتلف الكلب فإنه لا يغرمه.

طيب، إن حبس الكلب مدة كلب الصيد، فهل يغرم أجرته أو لا؟ السؤال لكم: إن أخذ كلب الصيد وحبسه مثلاً مدة خمسة أيام ثم أعاده لصاحبه، فهل يغرم أجرته؟ نعم، أحسنت، لا يغرم أجرته؛ لأنه لا يجوز تأجيره. وهذه مبنية على جواز تأجيره من عدمه، والمسألة في المذهب أنه لا يجوز تأجيره.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وإن استولى على حر كبير أو صغير لم يضمنه؛ لأنه ليس بمال. وإن استعمله كرهًا فعليه أجرته؛ لأنه استوفى منافعه وهي متقومة. أو حبسه مدة لمثلها أجره؛ فعليه أجرته؛ لأنه فوت منفعته وهي مال يجوز أخذ العوض عنها. وإن منعه العمل من غير غصب أو حبس لم يضمن منافعه».

أحسنت، هنا ذكر مسألة غصب الحر، وذكر أربع مسائل في غصب الحر. المسألة الأولى: إذا استولى عليه، قال: لم يضمنه. ومعنى الاستيلاء هنا أن يحبسه، ولا يمنع عنه الطعام والشراب كما ذكره البغوتي في شرح المنتهى؛ يحبسه ولا يمنع عنه الطعام والشراب فيموت. لماذا قلنا لا يمنع عنه الطعام والشراب؟ نعم، أحسنت يا شيخ حمزة. يقول: إذا منعه الطعام والشراب، إذا حبس ومنع الطعام والشراب فمات فإنه يصير من صور قتل العمد فيضمنه، لكنه هنا إذا حبسه ولم يمنع عنه الطعام والشراب فمات فإنه لا يضمنه؛ لأنه ليس بمال. وسياتي في الديات أنه إذا حبسه فمات بنحو صاعقة أو نار فإنه يضمنه، وإذا حبسه ثم مرض فمات بسبب المرض، فهنا خلاف بين الأصحاب هل يضمنه أو لا، وتأتينا إن شاء الله في الديات.

وذكر في الإقناع وشرحه أنه إن أبعد الصغير عن بيت أهله فإنه يلزمه رده ومؤنة الرد عليه. قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في حاشيته على الروض: «فعل هذا يضمنه إن تلف»، يعني إن أبعده عن بيت أهله فتلف فإنه يضمنه.

طيب، هذه المسألة الأولى: إذا استولى على حر كبير أو صغير لم يضمنه لأنه ليس بمال. المسألة الثانية: إذا استعمله كرهًا؛ جاء بشخص عمره مثلاً خمس عشرة سنة أو عشرين سنة، وقال له: تعال نظف بيتي، أو تعال اغسل سيارتي، أو تعال انقل هذه الأغراض من هنا إلى هنا، وأكرهه على ذلك فاستعمله كرهًا، فهنا عليه أجرته؛ لماذا؟ لأنه استوفى منافعه كرهًا، والمنافع متقومة فيضمنها.

المسألة الثالثة: إذا حبسه مدة لمثلها أجره، فعليه أجرته؛ لأنه فوت منفعته وهي مال يجوز أخذ العوض عنها. يعني مثلاً جاء عند شخص وحبسه، جعله في غرفة أو في البيت ومنعه من الخروج للتكسب، سواء للعمل الوظيفي أو لعمل حر، منعه من ذلك لمدة أسبوع؛ هنا حبسه مدة، وهذه المدة لمثلها أجرة، فتكون عليه أجرة مثله؛ لأنه فوت منفعته، هو في هذا الأسبوع يستطيع أن يعمل ويكسب، فهو فوت المنفعة التي لديه، فكانت المنافع هنا تلفت تحت يد هذا الغاصب فيلزمه عوضها.

المسألة الرابعة: إن منعه العمل من غير غصب أو حبس لم يضمن منافعه. يعني جاء إلى الشخص الموظف وقال له: أمنعك وأحذرك أن تذهب لوظيفتك من الغد، ومنعه لمدة أسبوع، لكنه لم يحبس، فقط هدده. هدده هنا، هل يضمن المنافع أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: لم يضمن منافعه. يقول الموفق وجهًا واحدًا في المذهب؛ لأنه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه، والعبد مال، فهو لو قال لعبد غيره: إياك أن تذهب وتعمل لسيدك، لو كان هذا العبد مكاتبًا فقال: إياك أن تذهب وتتكسر، ومنعه لمدة أسبوع فقط لم يحبس وإنما منعه بالتهديد، فإنه لا يضمن هذه المنفعة، قالوا: فالحر من باب أولى.

قال في الفروع: «ويتوجّه بلى فيهما»، يعني يتوجه أنه يضمن المنافع في الحر والعبد. قال في الإنصاف: «وهو الصواب، وهو في العبد أكد»؛ لأنه ألحقوا المنع بدون استيلاء بالمنع مع الاستيلاء بالجامع أن الجميع فيها منع.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «ويلزم غاصب الرد المغصوب إن كان باقياً وقدر على رده؛ لقوله ﷺ...»

«لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها» رواه أبو داود. وإن زاد لزمه رده بزيادته، متصلة كانت أو منفصلة؛ لأنها من نماء المغصوب وهو لمالكه، فلزمه رده كالأصل، وإن غرم على رد المغصوب أضعافه؛ لكونه بنى عليه أو بعد ونحوه. وإن بنى في الأرض المغصوبة أو غرس لزمه القلع إذا طالبه المالك بذلك.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحكم الذي ذكرناه قبل قليل من الأحكام التي تترتب على الغصب، وهو وجوب الرد. فيقول: ويلزم غاصبًا رد المغصوب، يعني رد المغصوب بعينه بشرط أن يكون هذا المغصوب باقياً لم يتلف، وأن يقدر على رده. فإن لم يقدر على رده، مثلاً لو أنه خلط زيتًا مغصوبًا بغيره من جنسه، هنا لا يستطيع أن يميز الزيت المغصوب من الزيت الذي هو ملك له، هنا لا يقدر على رده فتلزمه قيمته. لكن متى يلزمه رد عينه؟ إذا كان باقياً وقدر على رده.

قال لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها» رواه أبو داود. وموضع الشاهد في قوله: «ومن أخذ عصا أخيه فليردها»، وهو في صحيح مسلم، وموضع الشاهد: «ومن أخذ عصا أخيه فليردها إليه»، وللحديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». ويدل على ذلك أيضًا أنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق فلزمه إعادتها. وقد أجمع أهل العلم رحمهم الله تعالى على وجوب رد المغصوب إن كان باقياً لم يتغير ولم يشتغل بغيره.

قال: هذا يرده بعينه. طيب، إذا زاد؟ قال: إذا زاد لزمه رده بزيادته، سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة. الزيادة المتصلة كالسمن؛ لو غصب شاة كانت هزيلة فسمنت، فيلزمه ردها. هل يأخذ الغاصب عوضًا على النفقة التي أنفق عليها حتى سمنته؟ لا، لماذا؟ لأن يده يد عادية.

الزيادة المنفصلة كما لو غصب شياتًا فولدت، فيردها مع أولادها. لماذا يلزمه رد النماء؟ قال: لأنها من نماء المغصوب وهو لمالكه، فلزمه رده كالأصل. وهذه القاعدة: أن كل من ملك شيئًا ملك نماءه، فمن يملك الأصل يملك النماء؛ فإذا كان الأصل ملكًا لزيد فيملك نماءه، وإذا كان الأصل ملكًا لعمر فيملك نماءه، وهكذا.

قال: وإن غرم الغاصب على رد المغصوب أضعافه، يعني يلزمه الرد حتى لو غرم أموالاً كثيرة لكونه بنى عليه. لو غصب مثلاً حجراً فبنى عليه، فالحجر المغصوب متميز يعرف مكانه، فبنى عليه فاسترد المالك ملكه، يلزمه هدم البناء وإعادة هذا الحجر ولو غرم أضعافه لكونه بنى عليه أو بعد ونحوه. يعني لو غصب شيئًا قيمته خمس ريالات، وأرسله إلى مكة مثلاً ومالك المالك في الرياض، قال: أرجع لي إياه، قال: هو في مكة، قال: ابعثه لي، قال: هو خمس ريالات، وإذا أرسلته مع تطبيقات التوصيل سيكلف مئة ريال، نقول: مانع أنت؟ يدك يد عادية، يلزمك الرد حتى لو غرمت أضعافه؛ لأن يدك يد عادية، فلا ينظر إلى مصلحتك.

قال رحمه الله: «وإن بنى في المغصوبة أو غرس لزمه القلع» إذا طالبه المالك بذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق». ولزمه أرش نقصها؛ أي نقص الأرض وتسويتها؛ لأنه ضرر حصل بفعله، والأجرة؛ أي أجرة مثلها إلى وقت التسليم. وإن بذل ربها قيمة الغراس والبناء ليملكه، لم يلزم الغاصب قبوله، وله قلعهما. وإن زرعها وردها بعد أخذ الزرع فهو للغاصب وعليه أجرتها، وإن كان الزرع قائماً فيها، فخير ربها بين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله، وبين أخذه بنفقته وهي مثل بذره وعوض لواحقه.

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى على ما لو غصب أرضًا فبنى أو غرس فيها أو زرع فيها، فاسترد المغصوب الأرض وفيها بناء أو غراس أو زرع، فما العمل هنا؟ ردت الأرض رد المغصوب لكنه متغير ليس على حالته، فما العمل؟ يقول: إن بنى في الأرض المغصوبة أو غرس، فالبناء والغراس حكمهما واحد، أما الزرع فيختلف.

يترتب على البناء والغراس أمور، هذه الأمور إذا لم يصطلحوا على شيء معين، فقال مثلاً: لو أن زيدًا غصب أرض عمر وبنى فيها استراحة، ثم بعد ذلك استرد عمر الأرض من زيد، والآن فيها بناء، ما العمل؟ حاول بعض المصلحين أن يصلحوا بينهم على شيء، فكل واحد منهم مصرّ على رأيه؛ هذا يريد أرضه ويقول: اهدم استراحتك، وهذا يقول: لا أبقي استراحتي وأنا سأشتري أرضك، فرفض كل منهما عرض الآخر، فهنا ما العمل؟

قال المؤلف رحمه الله تعالى: لزمه القلع إذا طالبه المالك بذلك. هذا الأمر الأول، يلزمه قلع البناء أو قلع الغراس؛ لماذا؟ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق»، وقال الموفق رحمه الله: لا نعلم فيه خلافاً أنه يلزمه القلع إذا طالبه المالك بذلك؛ للحديث: «ليس لعرق ظالم حق». و«عرق» بالتنوين و«ظالم» وصف لها؛ إما أن نقول هو وصف له والمراد وصف صاحبها بأنه ظالم، أو نقول هذا من باب المجاز ينسب الظلم إلى العرق، مثل ما يذكرونه في قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، هل العيشة نفسها راضية ولا صاحبها؟ صاحبها، العيشة مرضية.

هذا الأمر الأول أنه يلزمه القلع. الأمر الثاني: يلزمه أرش نقص الأرض؛ يعني مثلاً هذه الأرض حينما كانت فضاء كانت صالحة للزراعة وتربتها جيدة، فإذا غرس فيها وقلع هذا وحرثت فستكون قد نقصت قيمتها، فيلزمه أرش النقص. وهكذا في كل عين مغصوبة إذا نقصت فإن الغاصب يضمن نقصها، كالثوب كما لو غصب ثوباً فتمزق، أو إناء فتكسر، فإنه يردها ويرد أرش النقص؛ لأن النقص حصل في يده فوجب ضمانه.

الأمر الثالث: يلزمه تسوية الأرض؛ إذا هدم البناء مثلاً أو قلع الغراس، فيلزمه تسوية الأرض حتى تعود كما كانت؛ لأن هذا الضرر حصل بفعله فلزمه إزالته. الرابع: يلزمه الأجرة؛ يعني عندنا أربعة أمور تترتب عليه، الرابع يلزمه أجرة مثلها إلى وقت التسليم. لو كان مثلاً استولى على هذه الأرض مدة خمس سنوات، فنقول يلزمه إزالة، وأرش النقص، وتسوية الأرض، والأجرة.

أجرت هذه بالسنة كم؟ 5500، إذا أنت جلدت خمس سنوات إذاً 250000 غير الضمانات التي ذكرت سابقًا. فهذه هي التي تترتب على غصب الأرض إذا غرس فيها أو بنى، تترتب عليه هذه الأمور.

هنا يقول إن بذل ربها قيمة الغراس والبناء ليملكه ولم يلزم الغاصب قبوله. إذا قال المالك: سأعطيك كم أنت كلفت الغراس 10000، خلاص سأعطيك 10000 وتملك الغراس، أو البناء كم تكلفت عليه 200000 خذ 100000 وتملك البناء، فإنه لا يلزم الغاصب قبوله؛ لماذا؟ لأن هذه معاوضة، والمعاوضة لابد فيها من تراضي الطرفين، ومن باب أولى إذا أراد أن يتملكه مجانًا، فإذا رفض الغاصب فإنه لا يحق له ذلك؛ لأن هذا الغراس والبناء هو عين مال الغاصب. قال: «لم يلزم الغاصب قبوله وله قلعهما»، هذا في الغراس.

أما في الزرع، قال: «وإن زرعها وردها بعد أخذ الزرع فهو للغاصب وعليه أجرته، وإن كان الزرع قائمًا فيها...» إلى آخره. نقول في الزرع: إذا زرعها مثلاً غصب أرضًا وزرع فيها مثلاً برًّا، فنقول لا يخلو استرداد المالك لهذه الأرض من حالين:

إما أن يستردها بعد أن يحصد الغاصب الزرع، يعني زرع برًّا فحصده، بعد الحصاد انتهى خلاص، جاء المالك واسترد أرضه، فهنا الزرع يكون لمن؟ يكون للغاصب؛ بمعنى أنه لو كان مثلاً الغاصب أخذ الزرع وباعه في السوق، قلت بـ 10000 ريال مثلاً، هل يلزمه ردها للمالك؟ لا، لأن هذه عين ماله، لكن يلزمه إيش؟ يلزمه الأجرة، أجرة المثل وقت انتفاعه، لو غصب مثلاً ستة أشهر، فننظر أجرتها لمدة ستة أشهر. هذه الحالة الأولى.

الحالة الثانية: إذا كان الزرع قائمًا فيها، موجود الزرع ما حصد، فهنا يقولون: الخيار للمالك؛ أن تتركها بأجرة مثلها إلى وقت الحصاد، يعني تقول للغاصب: ما دام أنك زرعتها واعتنيت بها وما بقي إلا شهر ممكن تحصدها، خلاص أنا سابقيك هذا الشهر وساجعلك تحصدها وتتملكها، يعني تتصرف فيها بما شئت، لكن تدفع لي الأجرة. هذا الخيار الأول.

والخيار الثاني: أن يأخذه بنفقته، يقول المالك: أنا سأتملك هذا الزرع مقابل النفقة التي بذلتها. النفقة ما هي؟ قال: مثل بذره، يعني البذر الذي أنت جئت به كم مقداره؟ قال: صاعين، يعطيه وعوض لواحقه؛ وعوض لواحقه يعني أعماله التي عملها الغاصب في الزرع بعد أن بذره، من عنايته بمتابعتها ونحو ذلك، فهذه كلها من حرضها وسقها ونحو ذلك، فهذه كلها يأخذ مقابل نفقاتها.

والمذهب أنه لا يملك إجباره؛ يعني ليس له خيار واحد أن يجبر الغاصب على القلع، لا، هنا يكون الخيار للمالك، لا يملك إجبار الغاصب على القلع، وهذا هو المشهور من المذهب. وأكثر الفقهاء على أن الزرع مثل الغرس يملك إجبار الغاصب على القلع، لكن المشهور من المذهب التفريق بين الزرع والغرس، ويستدلون على التفريق بحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته».

هذا فيه دليل على أن الغاصب لا يجبر على قلعه؛ لأنه ملك للمغصوب منه، قالوا: ولأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمن فلم يجوز إتلافه. وقلنا إن الجمهور، وقولًا في المذهب، على أن الزرع مثل الغرس فيملك المالك إجبار الغاصب على القلع، ويستدلون بحديث: «ليس لعرق ظالم حق»، وقبلهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى جمعوا بين الحديثين؛ فجعلوا حديث «ليس لعرق ظالم حق» هذا للغرس، وجعلوا حديث رافع هذا للزرع، فجمعوا بين الحديثين، والجمع بينهما أولى من إبطال دلالة أحدهما.

وهنا قال: «بين أخذه بنفقته»، هنا ما الذي يدفعه المالك للغاصب إذا أراد تملك الزرع؟ في روايتين في المذهب: المشهور أنه بنفقته، النفقة هي مثل البذر وعوض اللواحق، وهو المشهور من المذهب، وظاهر الحديث لقوله ﷺ: «عليه نفقته»، والقيمة لا تسمى نفقة، والحديث مبنى المسألة على هذا الحديث، فإن الإمام أحمد رحمه الله إنما ذهب إلى هذا الحكم استحسانًا على خلاف القياس، وإلا فالقياس أنه يملك قلعه للحديث «ليس لعرق ظالم حق»، لكن لما جاء حديث رافع رضي الله تعالى عنه ذهب الإمام أحمد رحمه الله استحسانًا.

نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق. نعم، في سؤال، أحسن الله إليكم: لماذا لم نقل في الزرع مثل ما قلنا في الزيادة المتصلة والمنفصلة؟ الزيادة المتصلة والمنفصلة هذه نماء، ملك الموصوف منها نماء ملكه، فتكون له النماء، يكون لمن ملك الأصل. أما الزرع، هذا نماء ملك الغاصب، الغاصب هو الذي اشترى البذر، هو الذي اشترى البذر وبذره، فالزرع هذا نماء ملكه، فالنماء كما قلنا يتبع ملك الأصل، يعني من ملك الأصل ملك النماء. واضح؟ واضح، الله.

طيب، في سؤال آخر، طيب هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.