دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 67 | باب الجعالة

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد؛ فكنا قد انهينا الكلام على باب الإجارة في آخر مجلس. ونظرا لوجود التشابه بين بابي الجعالة والإجارة -ولا تنسَ أحكام الإجارة إذا وصلنا إلى باب الجعالة- ارتينا أن نقدم الكلام على باب الجعالة لنربطه بباب الإجارة، ثم بعد ذلك نرجع إلى ما توقفنا عليه في باب السبق. وهذا أقصد ذكر باب الجعالة بعد باب الإجارة؛ ذكره موجود في بعض كتب الحنابلة أنهم يذكرون الجعالة بعد الإجارة مباشرة. ومنهم الموفق رحمه الله في الكافي ذكر الجعالة بعد الإجارة، وكذلك ابن مفلح في الفروع، والبهوتي رحمه الله في عمدة الطالب، فقدّموا وذكروا الجعالة بعد الإجارة مباشرة لوجود الشبه بين البابين، فلذلك ناسب أن نتكلم عن الجعالة بعد الإجارة. نعم.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الجعالة؛ بتثليث الجيم قاله ابن مالك. قال ابن فارس: الجعل والجعاله والجعيلة ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله. وهي اصطلاحا: أن يجعل جائز التصرف شيئا متمولا معلوما لمن يعمل له عملا معلوما، كرد عبده من محل كذا أو بناء حائط كذا، أو عملا مجهولا مدة معلومة كشهر كذا أو مدة مجهولة، فلا يشترط العلم بالعمل ولا المدة، ويجوز الجمع بينهما هنا بخلاف الإجارة، ولا يتعين العامل للحاجة، ويقوم العمل مقام القبول لأنه يدل عليها كالوكلالة. ودليلها قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72]، وحديث اللديغ. والعمل الذي يؤخذ الجعل عليه: كرد عبد ولقطة، فإن كانت في يده فجعل له مالكها جعلا ليردها لم يبح له أخذه، وكخياطة وبناء حائط وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال.

أحسنت. هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الجعالة بتثليث الجيم قاله ابن مالك. تثليث الجيم يعني نعم، يعني الجيم لها ثلاث حركات: جعالة وجعالة وجعالة، قاله ابن مالك. ابن مالك رحمه الله له كتاب في المثلثات اسمه إكمال الإعلام بتثليث الكلام. وابن مالك رحمه الله صاحب الألفية هو شيخ البعلي صاحب المطلع، وهذا الكلام منقول من البعلي تثليث الجيم، والكلام حق ابن فارس كله منقول من البعلي صاحب المطلع، فهو لغوي -وأقصد صاحب المطلع- من شيوخه ابن مالك رحمه الله تعالى. والكلمات المثلثة أحيانا تتفق بالمعنى، بمعنى مثل الجعالة والجعالة والجعالة بمعنى واحد، وأحيانا تختلف.

وهناك كتاب قديم، يعني أول من اهتم بفن المثلثات في اللغة لغوي قديم يقال له قطرب، اسمه محمد بن المستنير قطرب. له كتاب المثلثات، من ذكر الكتاب ما أدري قاعد طبع أو لا، أقصد كتاب قطرب بالأصل، لكن شرح بشروح؛ منها شروح نثرية، ومنها شروح منظومة. لكن ينبه إلى أن بعض من تكلم على مثلث قطرب ظن أنه نظم، وليس نظما، إنما هو نثرا، لكن نظم بعده منظومات، ومنظومات حتى متشابهة. ومن ضمن المنظومات منظومة هي المشهورة أظن ناظمها البهنسي إن كنت واهما، ونظم البهنسي، وشرحه ابن زروق أيضا بالنظم، فاجتمع النظمان هنا، فظن بعضهم أن هذان النظمان كلاهما هو كتاب مثلث قطرب. لا، مثلث قطرب قطرب مثلا يقول من ضمن الكلمات التي عبر عنها قطرب مثلا: الغمر الغامر، وغمر وغيم، أمر كذا وغمر كذا وأمر كذا، فجاء البهنسي فيأتي بالبيت يمثل ثلاثة أمثله يتضح بها المقام، يبدأ بالفتح ثم الكسر ثم الضم. جاء ابن زروق يشرح بالفتح كذا وبالكسر كذا وبالضم كذا، يشرح، فهذا هو شرح نظم قطرب. نظم قطرب بالبهنسي بالظاهر وشرحه ابن زروق واجتمع معا. أنا كل ثلاث كتب أيضا شرحه أحد الحنابلة أيضا، ومن شرحه أيضا الفيروزبادي صاحب القاموس المحيط شرح يسير شرح فقط بيان الكلمات والاستشهاد.

طيب، قال ابن فارس: الجعل والجعالة والجعيلة ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله. هنا ذكر معناها في اللغة؛ مشتقة من الجعل بمعنى التسمية؛ لأن الجاعل يسمي الجعل لمن يعمل له العمل. أو من الجعل بمعنى الإيجاب؛ لأن بمعنى الإيجاب يقال: جعلت له كذا أي أوجبت له كذا. ثم فسرها اصطلاحا؛ قال: أن يجعل جائز التصرف شيئا متمولا معلوما لمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا، مدة معلومة أو مجهولة. كان يقول مثلا: من بنى لي هذا الجدار، فله مثلا ألف ريال. أو مثلا مثال يكثر، مثل شخص سرقت محفظته في سوق وقال: من وجد محفظتي فله مئة ريال. وجد محفظة فله مئة ريال. فهنا جعل هو أولا جائز التصرف حر رشيد مكلف، هو جائز التصرف، وجعل شيئا متمولا اللي هو مئة ريال معلوما، لمن يعمل له عملا؛ العمل سواء كان معلوما مثل من بنى لي هذا الجدار، أو مجهولا رد لي لقطتي هذه. قد يرد بمعنى يجدها باسرة، قد يجدها بعد شهر، بعد شهرين، بعد سنة. قال: مدة معلومة ومجهولة، بمعنى لو يجوز له أن يقول: من بنى لي هذا الجدار في أسبوع فله كذا، أو يقول: من رد لي لقطتي خلال أسبوع فله كذا، أو يجعله المده مفتوحة، فهذا كله صحيح. قال: كرد عبد من محل كذا أو بناء حائط كذا، أو عمل هذه أمثلة على عمل معلوم. أو عمل مجهول مثل كرد لقطة؛ كرد لقطة عمل مجهول، متى يردها؟ كيف يردها؟ وين يحصلها؟ هذا عمل مجهول. مدة معلومة كشهر كذا؛ نقول مثلا من بنى لي هذا في هذا الاسبوع أو خلال شهر فله كذا، أو مدة مجهولة جعلها مفتوحة. فهذه هي الجعالة.

هناك قال: فلا يشترط العلم بالعمل. فلا يشترط العلم بالعمل ولا المدة، ويجوز الجمع بينهما هنا بخلاف الإجارة. هنا كم ذكر فرق؟ طبعا أيضا ولا تعيين العامل للحاجة. كم ذكر فرق؟ الفرق الأول، نعم هذا الفرق الأول، هذه فروق بين الإجارة والجعالة. الفرق الأول: لا يشترط العلم بالعمل في الجعالة، يعني قد يكون العمل معلوم، ابن لي جدار مسافته كذا في كذا مساحته كذا في كذا هذا معلوم، وقد يكون مجهول من رد لي لقطتي هذا مجهول، إذا هذا لا يشترط فيه العلم. لا يشترط العلم بالعمل في الجعالة، لكن الإجارة يشترط، فلو قال: استاجرتك يا فلان على أن ترد لي لقطتي لا، ما يصح؛ لأن العمل هنا مجهول.

طيب الثاني: ولا المدة. في الإجارة لابد أن تكون المدة معلومة؛ أجرتك مثلا شقة لمدة شهر سنة، أو استأجرت منك هذه السياره لمدة اسبوع. الجعالة لا؛ الجعالة لا يشترط. فلو قال: من أذن في هذا المسجد فله كذا كل شهر، فهذه مستمره، مدة ليست ليست محدده، وكذلك في اللقطة لو قال: من احضر لي لقطتي فله مئة ريال، أحضرها شخص بعد شهر استحق؟ نقول: لا، أنا كنت قلت خلاص طابت نفسي منها المحفظة لا أريد منها شيئا، خلاص أنا كنت محتاج لها الآن ما أحتاجها، خلاص ما تحتاج ما تستحق؟ نقول: لا. طيب يقول هنا: أنا ما حددت مدة، فيفسد العقد؟ نقول: لا، الجعالة لا يشترط فيها تحديد المدة.

طيب الثالث: يجوز الجمع بينهما هنا بخلاف الإجارة. طبعا هنا ترى الفرق الثالث هذا ترى ما ذكره في الإجارة، يعني في الإجارة يقولون: لو قال شخص لاخر استأجرتك لتبني لي غرفه في بيتي أو تبني لي هذا البيت مقابل مبلغ مثلا مئة ألف ريال تبنيها خلال ستة أشهر. تبني لي بيت مثلا مقابل مثلا مبلغ خمسمئة ألف ريال خلال ستة أشهر. حدد الآن العمل والمده. المذهب ترى ما يصح؛ المذهب لا يصح، لابد أن يحدد أحدهما ولا يجمع بينهما. أما في الجعالة يقول يجوز؛ يجوز أن يقول: من بنى لي غرفه أو بيتا خلال كذا إلى المدة كذا فله كذا. فيجوز الجمع بينهما في الجعالة دون الإجارة. طيب لماذا لا يجوز الجمع بينهما في الإجارة؟ لماذا يجوز؟ طبعا هذا غير معمول به، الجمع بينهما في الإجارة المعمول به الآن القول الثاني جواز الجمع. القول الثاني في المذهب، لكن المشروع المذهب أنه لا يجمع بينهما.

طيب لماذا لا يجمع بينهما بين المدة والعمل؟ قالوا: لأنه لا يخلق، لأنه لابد أن يلتزم بالعمل في جميع المدة. فلو أكمله أثناء المدة، الآن في الإجارة استأجره لكي يبني له البيت خلال ستة أشهر مقابل خمسمئة ألف، بنى له البيت خلال خمسة أشهر، الآن بقي شهر، يكون الشهر هذا منفعته مملوكه لك، طيب أنهى العمل، فيقول هو: إما أن نقول له نلزمه بالعمل، نقول خلاص باقي لك شهر لازم تعمل فيها، فإذا ألزمناه بالعمل وهو قد أنجز العمل، فإننا ننجزه بعمل أكثر من المعقود عليه. وإن قلنا له خلاص ما يلزم العمل، نقول خلت جزء من المدة من العقد. وإن انقضت المدة ستة أشهر وما خلص، فإننا نلزم بالعمل خارج المدة، وإن قلنا لا، لا يلزم العمل خارج المدة، فهنا ما أتى بالعمل المعقود عليه. فلذلك على المذهب يقولون في الإجارة: لا يجمع بين المدة والعمل، لا يجمع بين المدة والعمل.

طيب هذا الفرق الثاني. الفرق الرابع: تعيين العامل. بمعنى في الإجارة لابد أن المؤجر والمستاجر معلومين ومحددين. الجعالة لا؛ لو قال: من بنى لي هذا، من رد لي لقطتي، فله كذا، فيصح العقد مع غير معين للحاجة. وأيضا هذه أربعة فروق، في فرق سياتينا وهو حكم عقد الجعالة؛ حكم عقد الجعالة جائز ليس لازما، خلاف الإجارة فإنه لازم. هذا فرق خامس، وهناك فرق سادس وهو مر معنا؛ أنه لا يجوز اخذ الإجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، صحيح، مثل أذان الصلاة صيام ونحو. أما في الجعالة فيجوز أن يأخذ الجعل عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة بشرط أن يكون متعدي النفع، أما إذا كان نفعه قاصرا على صاحبه فلا يجوز، لا يأخذ إجارة ولا جعالة، مثل ايش؟ الصلاة؛ لو قال: من صلى فله كذا جعالة. أقول: لا، من صام فله كذا جعالة. فهذا لا يصح، لا إجارة ولا جعالة. لكن لو قال مثلا من أذن، أو من أم، من العبادات التي يتعدى نفعها، فهنا يصح جعالة ولا يصح إجارة. هذه بعض الفروق بين الإجارة والجعالة.

في فارق ممكن أن نزيده، وهو أن الجاعل -نعم- أن العامل في الجعالة لا يستحق الجعل إلا بتمام العمل، إلا بتمام العمل. الأجير لو لم يتم العمل، هل يستحق أو لا؟ مر معنا تفصيل فيه، قد يكون هو الذي امتنع، قد يكون المالك هو الذي منعه، قد يكون بعذر آخر، بعذر عام، ففيه تفصيل. أما في الجعالة فإنه لا يستحق الجعل إلا بتمام العمل.

طيب، قال: ويقوم العمل مقام القبول. يعني عندنا في الجعالة عقد فيها إيجاب وقبول، الإيجاب صدر من الجاعل، القبول يصدر من العامل، لكن لا يلزم أن يكون القبول لفظيا، بل يكون القبول حتى بالفعل. فعمله يقوم مقام القبول؛ قال: لأنه يدل عليها كالوكلالة. الوكالة سبق معنا أنه يجوز قبولها بالفعل، يجوز قبولها بالفعل.

قال: ودليلها دليل الجعالة قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72]، ومن السنة حديث اللديغ. وفيه ايش؟ أيوه شفيه؟ أنا الشاهد من نعم قال: إلا أن تجعلنا جعلا. طيب، كيف اخذنا الجواز؟ ها؟ إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم أبا سعيد، وأبو سعيد هو الراقي ولا غيره؟ نعم هو في الصحيح هو الراوي، لكن جاء في خارج الصحيح في بعض الروايات أنه هو الذي ذهب ورضي الله تعالى عنه وأرضاه. فأقر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ذلك وقال: «خذوا واضربوا لي بسهم معكم».

ثم بين المؤلف رحمه الله تعالى -طبعا وهذا الدليل من القرآن ومن السنة، وأيضا الإجماع نقل الموفق رحمه الله عدم وجود المخالف في أخذ الجعالة على رد الضالة والآبق ونحوهما- وذكر أيضا أن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإن العمل قد يكون مجهولا كرد الآبق والضالة ونحو ذلك، ولا تنعقد الإجارة فيه، لأن مثلا شخص ضاعت له ضالة، ويشق عليه البحث عنها ولا يستطيع أن يستأجر عليها لأن العمل مجهول، ويمكن ما يجد أحد يتبرع بالبحث عنها، فصارت الحاجة ماسة إلى مثل هذا المخرج الذي في الجعالة، فجوِّز له ذلك وفيه مصلحة للجاعل والعامل.

قال: العمل الذي يؤخذ عليه الجعل، الذي يؤخذ الجعل عليه: كرد عبد ولقطة، هذه أمثلة لما يجوز اخذ الجعل عليه. قال: فان كانت في يد، إن كانت اللقطه في يد شخص فجعل له مالكها جعلا ليردها، لم يبح له أخذه. يعني الآن شخص وجد بطاقة قبل أن يعلم أو قبل أن يتكلم هذا أو يجعل الجاعل جعلا لمن يجد لقطته، فالآن سمع أن فلان يبحث عن لقطته.

ومن ردها فله مثلاً 1000 ريال. واللقطة بيد هذا الشخص، هل يجوز له أن يذهب حينما سمع أن فلاناً جعل هذا الجعل؟ اللقطة بيده، هل يجوز له أن يذهب ويأخذ المبلغ؟

ماذا قال المؤلف؟ لم يبح له أخذه. بماذا؟ يجب عليه حفظها. كانت وديعة ووجب عليه حفظها، فهذه جزئية. يجب دفع العوض؟ صحيح، ولكن هناك جزئية أخرى؛ أكملوا، هذا هو السبب الذي ذكرته والسبب الثاني هو أنه يجب عليه حفظها، وكل شيء واجب لا يجوز أخذ العوض عليه.

قاعدتنا أن كل شيء واجب عليك ما يجوز لك أخذ العوض عليه، مثل حفظ الأمانة وردها؛ أنت وجدت شيئاً ليس لك وعلمت بصاحبه، يجب عليك أن ترده، ولا يجوز لك أن تأخذ منه شيئاً.

تقصد سبباً آخر؟ عدم استحقاقه؛ هو المالك قال: «من وجدها فله كذا»، وعندنا هنا لم يبح له أخذه، لماذا؟ لأن الرد واجب عليه من غير عوض، فلم يجوز أخذ العوض عن الواجب كسائر الواجبات. وأيضاً لم يعمل عملاً، فلو وجد في يده لم يبح له.

والجعل يستحق لمن عمل بعد أن علم بالجعل. قال: «وكخياطته وبناء حائط وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال، قال: من خاط لي كذا، من بنى لي كذا، من فعل لي كذا، فهذا كله يجوز أخذ بذل الجعل».

يقول: هل يجوز أخذ العوض ولو لم يطالب؟ يعني جاء مثلاً علم أن فلاناً يبحث عن ضالته، وقال: «من وجدها فله 1000 ريال»، وهي في يده، فجاء وأعطاها 1000 ريال، فقال: «لا، أنا لا أستحقها، حقيقة هي كانت في يدي يوم علمت أنك تبحث عنها»، فقال له: «جزاك الله خيراً، هذه مكافأة على أمانتك»، فهل يجوز له أخذها أو لا؟ إذا طابت نفس صاحب الجعل، فله أن يأخذها.

وفي «البهوتي في شرح المنتهى»، لما ذكر مسألة أنه إذا لم يبلغه إلا بعد العمل لم يستحق شيئاً، قال في المنتهى: «وحرم أخذه إذا لم يبلغه إلا بعد العمل»، إلا إذا تبرع له به ربه بعد إعلامه بالحكم. فلو قال: «جزاك الله خيراً، أنت حفظت مالي، خذ هذه الألف»، فعلى كلام البهوتي أنه يجوز.

وفي المسألة خلاف؛ في «ذيل الطبقات» ذكر قصة عن أحد الحنابلة رحمه الله، أنه علم عن شخص يبحث عن مال ضاع منه، وهذا الشخص الذي وجده كان فقيراً من علماء الإنا، فذهب وأعطاه إياه، فجاء يعطيه الجعل فامتنع أن يأخذه. وعلق البهوتي على ذلك وقال: «وهذا موافق لكلام الإمام رحمه الله تعالى في أنه لا يجوز أخذ العوض على أداء الأمانة»، لأنها واجبة. وهذا مع أن هنا صاحب المال بذل وعلم بالحال وبذل، لكن هذا العالم امتنع.

قال رحمه الله: «والجماعة إذا عملوه، فمن فعله بعد علمه بقول صاحب العمل: من فعل كذا فله كذا، استحق؛ لأن العقد استقر بتمام العمل. والجماعة إذا عملوه يقتسمونه بالسوية؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العوض».

«وإن بلغه الجعل في أثنائه، أي أثناء العمل، يأخذ قسط تمامه؛ لأن ما فعله قبل بلوغ الخبر غير مأذون فيه فلم يستحق به عوضاً. وإن لم يبلغه إلا بعد العمل لم يستحق شيئاً؛ لذلك والجعالة عقد جائز لكل منهما فسخها كالمضاربة. فمتى كان الفسخ من العامل قبل تمام العمل فإنه لا يستحق شيئاً؛ لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأتِ بما شرط عليه. وإن كان الفسخ من الجاعل بعد الشروع في العمل، فللعامل أجرة مثله؛ لأنه عمل بعوض لم يُسلم له. وقبل الشروع في العمل لا شيء للعامل. وإن زاد أو نقص قبل الشروع في الجعل جاز؛ لأنها عقد جائز، مع الاختلاف في أصل الجعل أو قدره، يقبل قول الجاعل؛ لأنه منكر والأصل براءة ذمته».

هنا ذكر لك متى يستقر الجعل، يستقر بمعنى لا يسقط، وهو تمام الفعل، ويكون هذا الفعل بعد العلم بقول صاحب الجعل، فهو عوض يستحق بتمام العمل، فلا يستحقه من لم يعمل كالآجر في الإجارة.

ثم ذكر أنه لو أن العمل عملوه جماعة، فإنهم يقتسمونه بينهم بالسوية؛ مثلاً لو قال: «من بنى لي حائطاً فله كذا»، فجاء ثلاثة وتعاونوا وبنوا هذا الحائط، فيصير لكل منهم ثلث الجعل. وقالوا: ويجوز له أن يفارق بينهم، يعني يتفق مع كل واحد؛ يقول لهم: «إن بنيت لهذا الحائط يا فلان فلك 1000 ريال، وإن بنيته يا عمرو فلك 900، وإن بنيته يا محمد فلك 800»، فاجتمع الثلاثة وبنوه، فهنا لصاحب الـ 1000 ثلث الجعل، ولصاحب الـ 900 ثلث الجعل الذي اتفق مع العامل، والثالث ثلث الـ 800، فهو مخير بين أن يجعلهم كلهم على اتفاق واحد أو يخالف بينهم.

قال: «وإن بلغه الجعل في أثنائه، أي أثناء العمل، يأخذ قسطه». يعني لو علم مثلاً أن محمداً ضيع محفظته في السوق، وجلس هو يبحث عنها، وهو يبحث سمع محمداً يقول: «من وجدها فله 1000 ريال»، فوجدها، فجلس يبحث نصف يوم قبل أن يعلم، ثم نصف يوم ثانٍ بعد أن علم، فهنا حقيقة بلغه الجعل في أثناء عمله، فيستحق فقط نصف الجعل؛ يأخذ قسط تمامه.

قال: «لأن ما فعله قبل بلوغ الخبر غير مأذون له فيه، فلم يستحق به عوضاً». يقصد أنه بدل منافعه تبرع بها، يعني تطوعاً منه؛ جلس يبحث عن هذه المحفظة من دون أن يجعل محمداً شيئاً لمن وجدها، فمنافعه الأولى التي بذلها قبل أن يجعل محمداً العوض هي منافع متبرع بها، فلا يأخذ مقابلها شيئاً.

قال: «وإن لم يبلغه إلا بعد عمل لم يستحق شيئًا لذلك». وجد المحفظة، وعلم أن محمدًا قال: «من وجدها فله كذا»، فهنا لا يستحق شيئًا لذلك. وهذه قال البهوتي في المنتهى: «ولم يبح له أخذه»، قال البهوتي رحمه الله: «إلا أن تبرع له ربه به، إلا أن تبرع له به ربه بعد إعلامه بالحال».

هنا بدل "شيئًا"، يظهر أنه يأخذ ما دام أنها ليست في يده، ويظهر أنه يأخذ؛ لأن إذا كانت في يده يلزمه أن يعيدها لصاحبها مباشرة.

لو اختلف المالك والعامل، فقال المالك: أنت عملت هذا قبل أن يبلغك الجعل، قال: لا، أنا ما عملته إلا بعد أن بلغني الجعل؛ فمن يقدم قوله؟ القول قول الجاعل. لماذا؟ لأن الأصل أنه غارم، ولا يستحل ماله إلا بيقين.

أنت تقول قول العامل؟ الأصل هو السبب، ليس من هذه الجهة. هذه مسألة ينقلونها عن والد البهوتي رحمه الله، يقول: لو اختلف المالك والجاعل، فقال العامل: عملته بعد أن بلغني الجعل، إذاً عمله بعد أن بلغني الجعل فإنه يستحق الجعل، قال المالك: بل قبله. فيقول: فالظاهر أن القول قول العامل؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته، وهذه قاعدة: «كل من لا يعلم إلا من جهته فالقول قوله». قال: «ولم أرَ من صرح بذلك».

قال: «والجعالة عقد جائز»، هذه ذكرناها سابقًا، لكل منهما فسخها كالمباربة. وهذا كونها جائزة هو سبب التخفيف في اشتراط تقدير العمل والمدة، فيجوز لكل منهما فسخها قياسًا على ما تقدم في شركة المضاربة.

ثم ذكر ما يترتب على الفسخ، قال: «فمتى كان الفسخ من العامل قبل تمام العمل فإنه لا يستحق شيئًا». لا يستحق شيئًا، لو أنه مثلاً قال المالك: من بنى لي جدارًا أو غرفة مثلاً مساحتها 4 في 6، فله مثلاً 10000 ريال، فبناها -طبعًا يقول بناء وتليص وصبغ بوية إلى آخره- تكتمل هذه الغرض، فبنى وليّص وتركه، لم يتم العمل، فهنا ما الذي يستحق؟ هو الفصل العام هو الذي ترك تمام العمل، ولا أجرة عمله؛ لا يستحق إلا بتمام العمل. قال: «فمتى كان الفسخ من العامل قبل تمام العمل فإنه لا يستحق؛ لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأتِ بما شُرط عليه»، لأنه إنما يستحق هذا الجعل بعد تمام العمل، وهو قد تركه من تلقاء نفسه.

إذا كان الفسخ من الجاعل، هنا فرق. قال: «إذا كان هذا بعد الشروع في عمل». مثلاً قال: «من رد لقطتي فله 1000 ريال»، فجاء شخص وبحث بحثًا ثم بعد يومين أو ثلاثة أيام قال: خلاص هونت. هنا هل يذهب جهد هذا الذي بحث؟ لا، هنا فسخ بعد الشروع في العمل، فنقول للعامل: أجره مثل عمله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له، فهو هذا الجهد الذي بدله مقابل هذا العوض الذي سيسلم، والآن لن يسلم هذا العوض، فنقول: يستحق أجرة مثله.

لماذا لا يقال يستحق قسطًا مثله من الجعل؟ هذه ممكنة في الأشياء التي يصح فيها، مثل بناء الجدار؛ لو بنى نصف الجدار ففسخ الجاعل الجعل وقد بنى نصف الجدار، فهل نقول له نصف الجعل ولا نصف الأجرة؟ أقصد أجرة مثله لهذا النص. لماذا لا يكون له القسط؟ لأن العقد باطل أو مفسوخ، وعندهم قاعدة أن الفسخ رفع للعقد من أصله، فكأنه لم يوجد، فيحاسب على أجرة عمل مثله.

وقبل الشروع في العمل، قال: «فإذا فسخ الجاعل قبل الشروع». نعم، الجاعل فسخ قبل الشروع في العمل فإنه لا شيء للعامل. لو قال مثلاً: من بنى هذا الجدار فله 1000 ريال، فاتفق مع شخص أنه سيأتيه بعد أسبوع ويبدأ يبني، وبعد يوم قال: خلاص هذا لم يسرع، لم يشترِ شيئًا ولم يجهز نفسه ولا شيء، فهنا نقول: خلاص فسخ العقد ولا شيء للعامل؛ لأنه عقد جائز فله حق الفسخ، ولم يكن شيء للعامل لأن الفسخ قبل التلبس بالعمل.

قال: «وإن زاد أو نقص قبل الشروع في الجعل جائز»؛ لأنها عقد جائز. يعني قبل الشروع في العمل مثلاً كان محددًا على الجدار 1000 ريال، قال: خلاص 800 ريال قبل أن يبدأ العامل في العمل، فهنا نقول له ذلك؛ لأنه عقد جائز له أن يزيد أو ينقص أو يفسخ، لكن هذا لازم يكون قبل الشروع في العمل.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل الاختلاف بين الجاعل والعامل، إذا اختلف في أصله؛ يعني جاء العامل وقال: أنا رأيت هذه المحفظة ساقطة في السوق وسمعت أنك عرضت 1000 ريال لمن يجد هذه المحفظة، قال له: أنا لم أجعل شيئًا، هذه المحفظة لي، جزاك الله خيرًا ما أجعلت شيئًا لمن يجد محفظتي. هنا اختلفا في أصل الجعل، هل في جعل أو لا؟ فالقول قول الجاعل؛ لأنه المنكر للأصل، والأصل العدم.

أيضًا إذا اختلفا في قدره؛ قال: أنت أنا سمعت أنك جعلت 1000 ريال، قال: لا جعلت 500 ريال، فالقول قول الجاعل؛ لأن الأصل عدم الزيادة. قال: «إذا اختلف في أصل الجعل أو قدره يقبل قول الجاعل؛ لأنه منكر»، منكر في المسألة الأولى منكر الجعل، وفي المسألة الثانية منكر الزيادة، والأصل براءة ذمته من الجعل أو من الزيادة.

أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «وإن اختلف في أصل الجعل أو قدره يقبل قول الجاعل؛ لأنه منكر، والأصل براءة ذمته». «ومن رد لقطة أو ضالة أو عمل لغيره عملاً بغير جعل ولا إذن لم يستحق عوضًا؛ لأنه بذل منفعته من غير عوض فلم يستحقها».

«ولا يلزم الإنسان ما لم يلتزم، إلا في تخليص متاع غيره من هلكة، فله أجرة المثل ترغيبًا، وإلا دينارًا». أجرة المثل ترغيبًا، وإلا دينارًا أو 12 درهماً. «من رد الابق من المصر أو خارجه»، روي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم، لقول ابن أبي مليكة وعمر بن دينار: إن النبي ﷺ جعل في رد الابق إذا جاء به خارجًا من الحرم دينارًا. ويرجع ورد الابق بنفقته أيضًا؛ لأنه مأذون بالإنفاق شرعًا لحرمة النفس، ومحله أن...

لم ينوِ التبرع ولو هرب منه في الطريق، وإن مات السيد رجع في تركته، وعلم منه جواز أخذ العبد لمن وجده وهو أمانة بيده، ومن ادعاه فصدقه العبد أخذه، فإن لم يجد سيده دفعه إلى الإمام أو نائبه ليحفظه لصاحبه، أو له بيعه لمصلحته، ولا يملك ولا يملكه الملتقط بالتعريف كأصحاب الإبل، وإن باعه فبيعه فاسد.

قال هنا: ومن رد لقطة أو ضالة أو عمل لغيره عملاً بغير جُعل ولا إذن، لم يستحق عوضاً؛ لأنه بذل منفعة من غير عوض فلم يستحقه، ولا يلزم الإنسان ما لم يلتزم. عندنا الأصل أن حرمة مال الإنسان أصل، فلا يستحق الإنسان شيئاً من مال غيره إلا بعقد، أو ما يقوم مقام العقد، يعني مثل الإذن الشرعي أو العرفي أو نحو ذلك.

فإذا لم يكن هناك عقد، كجعل أو جعالة، وتصرف إنسان -مثلاً شاف سيارة جاره غائب أو مسافر، فقال: أنا بغسل سيارته- ثم رجع وقال: أنا أجير تغسيل السيارة، هنا جاره لم يأذن له ولم يتعاقد معه ولم يوكلة، فهل يستحق أجرة؟ لا يستحق، هنا عمل فضولي لا يستحق عليه شيئاً.

قال: «من رد لقطة أو ضالة»، لو أن شخصاً علم أن فلاناً سرقت سيارته فوجدها، فجاء وقال: أنا وجدت سيارتك في المكان الفلاني وأريد مقابلاً لأنني وجدت لقطة، وهو لم يجعل جعلاً لمن يجد لقطته، فإنه لا يستحق شيئاً. هنا يقول: لا يستحق عوضاً؛ لماذا؟ لأنه بذل منفعة من غير عوض فلم يستحقه، والامر الثاني؛ لأن الإنسان لا يلزم ما لم يلتزم، فلم يلتزم صاحب المال أن يعوض هذا شيئاً مقابل عمل.

استثنى المؤلف رحمه الله مسألتين؛ المسألة الأولى في تخليص متاع غيره من الهلكة. مثلاً، كان أناس في سفينة، فهاجت بهم الأمواج وانقلبت بهم السفينة وتفرقت أموالهم ونحو ذلك، فهناك أناس سبحوا وحاولوا إنقاذ ما يمكنهم إنقاذه من الأمتعة والأموال التي معهم، فهنا خلصوا متاع غيرهم من الهلكة، فهل هناك عقد؟ لا يوجد عقد، هنا يعطون أجرة المثل ترغيباً، وهذه ذكرها الأصحاب رحمهم الله تعالى، وذكرها في الفروع منصوصاً عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وذكرها ابن رجب في القواعد، في القاعدة الرابعة والسبعين، ذكر مسألة من يستحق العوض عن عمله بغير شرط، وذكر أنه على نوعين: النوع الأول أن يعمل ودلالة حاله تقتضي المطالبة بالعوض، وهذه مرت معنا في الإجارة، مثل من نصب نفسه للعمل؛ كالغسال والخياط والخباز ونحو ذلك، فهؤلاء يستحقون الأجرة ولو لم يتفق معهم على أجرة واحدة.

النوع الثاني: أن يعمل عملاً فيه غناء عن المسلمين وقيام بمصالحهم العامة، أو فيه استنقاذ مال معصوم من هلكة. وذكر من أمثلة الثاني استنقاذ مال معصوم من هلكة، إذا غرقت السفينة وأنقذ بعضهم الأموال، فإنهم يعطون أجرة المثل ترغيباً. والإمام أحمد رحمه الله نص على وجوب الأجرة لمنقذ متاع غيره من هلكة، ونقل ابن رجب عن الموفق في المغني وجوب الأجرة لمن أنقذ أمتعة أقوام من البحر لما انكسرت السفينة؛ لأن فيه حثاً وترغيباً في إنقاذ الأموال من الهلكة.

المسألة الثانية في رد العبد الآبق؛ فيستحق راده الجعل المسمى في الشرع ولو لم يجعل السيد له شيئاً. والجعل المسمى في الشرع ذكره المؤلف ديناراً أو اثني عشر درهماً، وهذا مروي عن بعض الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود، وجاء مرفوعاً لكن المرفوع مرسل ولا يثبت عن النبي ﷺ.

وهنا قول المؤلف: من المصر أو خارجه؛ أي بعض الأصحاب يقول إنه من المصر يستحق ديناراً أو عشرة دراهم، أما من خارج المصر فإنه يستحق ديناراً أو اثني عشر درهماً، وبعضهم أطلق ديناراً أو اثني عشر درهماً سواء كان من المصر أو خارجه. وممن ذكر الإطلاق القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى، وتبعه الموفق في المقنع، لكن في المغني ذكر أنه من المصري دينار أو عشرة دراهم، أما خارج المصر فهو الذي في عهدته.

والحارثي لما تكلم عن هذه المسألة ضعف ما تتابع عليه الأصحاب تبعاً للقاضي، وذكر أنه أخطأ في ذلك، وأنه لا توجد رواية عن الإمام أحمد رحمه الله على أنه داخل المصر يجب اثنا عشر درهماً، وإنما داخل المصر تجب عشرة دراهم. ولما نقله المرداوي نقل كلام الحارثي في الإنصاف، تعقبه لأن الذي نقل هذه الرواية القاضي وهو عالم أمين ومطلع، ربما اطلع على ما لم يطلع عليه الحارثي.

رحم الله الجميع، استفيد من هذا حسن أدب المرداوي رحمه الله واعتذاره للأصحاب المتقدمين وتلمسه العذر لهم، وهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم، لا يهجم على أخطاء العلماء ويفرح إذا وجد خطأ ويثرب، بل بعض الناس إذا أحس أن العالم لا يقصد الصحيح بدأ يثرب عليه ونحو ذلك، والواجب حمل كلام العالم على أحسن محامله. وفي الإنصاف -لأنه كتاب كبير تراه يتضمن من اللطائف الشيء الكثير- تضمن من اللطائف والاعتبارات والفوائد الجميلة غير الفقهية الشيء الكثير، رحمه الله وغفر له.

نعود إلى مسألتنا، فأقول: من رد عبداً آبقاً ولو لم يجعل السيد له شيئاً -يعني جعلاً- فإنه يستحق ما قدره له الشارع، وهو دينار أو اثنا عشر درهماً، وهذا قلنا ورد عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقال بعضهم: إنه فيه مصلحة راجحة؛ لأنه قد يترك هؤلاء العبيد يأبقون فيلحقون بدار الحرب ويرتدون عن دينهم.

طيب، إذا ما قدره السيد دون ما قدره الشارع؟ يعني قال السيد: من رد عبدي فله نصف دينار، فرده شخص، فهل يستحق ما قدره السيد أو ما قدره الشارع؟ اختلفت كما اختلف الأصحاب. الأصحاب رحمه الله اختلفوا، إذا كان الجعل دون المقدر، فالذي قدمه في الفروع أن له المسمى، أي ما قدره السيد، قال في التنقيح والفتوح في شرح المنتهى: «وهو ظاهر كلام غيره».

والحارث وصاحب الإقناع ذكروا أن له المقدر من الشارع؛ لأن من أوجب عليه الشارع شيئاً مقدراً من المال عند وجود سببه استقر عليه كاملاً بوجود سببه، كأداء ربع مال الكتابة للمكاتب عند أداء مال كتابته، يعني المكاتب إذا سدد جميع أموال الكتابة، كأداء سيده على عشرة آلاف درهم فسددها كاملة، يجب على السيد أن يعطيه الربع أو الثلث، وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، فهنا قالوا: هذا واجب على السيد بإيجاب من الشارع.

استحق فوجب عليه هذا الأمر لما أوجبه له الشارع، وتحقق هذا الشيء، قالوا هذا مثله. الشارع قدر له قدره، قدر له دينارًا أو درهمًا حدًا، فنفذ هذا الشيء فيستحق ما قدره الشارع. قلنا قد في الإقناع ذكر أنه يستحق مقدرة الشارع، أما في المنتهى فإنه أطلق الوجهين.

ويرجع الآبق بنفقته أيضًا؛ يعني عندنا الآبق يأخذ الجعل الذي من الشارع أو من السيد. أيضًا لو أنه في الطريق بدأ ينفق على العبد، فهنا يرجع بالنفقة. لو قال السيد: "أنا ما أذنت لك أن تنفق"، هل يرجع بها أو لا؟ نعم يرجع؛ لأنه مأذون له شرعًا لحرمة النفس، فلا يجوز لك أن تجد نفسًا ستموت ولا تنفق عليها، هذا مأذون له شرعًا لحرمة النفس، فالنفقة الأصل واجبه على السيد، وهذا قام بواجب عن السيد فله الرجوع بما أنفقه عنه.

قال: ومحله أن لم ينوِ التبرع. ومحله يعني شرطه شرط الرجوع أن لم ينوِ التبرع. هل في فرق لو قال: "ومحله الرجوع" بدل ما قال: "أن لم ينوِ التبرع"؟ هل في فرق بين الجملتين؟ لو قالوا: "ومحله الرجوع" بدل "أن لم ينوِ التبرع"؟ نعم، المسألة إذا لم ينوِ شيئًا، فإذا لم ينوِ شيئًا هل يستحق الرجوع أو لا؟ يعني هو ينفق عليه ما جاء بباله، يطالب أو لا يطالب؟ فهنا هل يرجع أو لا يرجع؟ له نعم، وهذا خلاف ما يذكرونه؛ ترى في أبواب أخرى مرت علينا في بعض الأبواب أنه اشتراط نية الرجوع، لكن هنا اشتراط ألا ينوِي التبرع، فهنا يرجع في مسألتين: إذا نوى الرجوع، أو لم ينوِ شيئًا.

ولعلهم خالفوا قاعدتهم في هذا الباب؛ لأن هذا فيه إنقاذ من مهلكة، كأنهم تسامحوا في هذا وذكروا أنه له أن يرجع ولو لم ينوِ شيئًا، لأن فيه إنقاذًا من مهلكة، هكذا ذكره البهوتي، وإن كان الخلو في حاشيته على المنتهى يرى أنه لا يرجع إلا إذا نوى الرجوع، كما قرره الأصحاب في أبواب أخرى.

قال: ولو هرب منه في الطريق، يعني أنه يستحق النفقة التي دفعها على العبد، حتى لو لم يوصل العبد إلى سيده. وصل وأخذ العبد ورجع به وأنفق عليه لمدة يوم أو يومين، ثم هرب من العبد، فاليومين هذه ينفق عليها، له أن يرجع بها على السيد؛ لأنه أنفق عليه نفقة واجبة على السيد، لكن لا يستحق الجعل، يعني هو يستحق مقابل النفقة لكن لا يستحق الجعل.

قال: وإن مات السيد رجع في تركته. فإن مات السيد، فالنفقة التي أنفقها على العبد يرجع بها في التركة؛ لأن هذه دين على السيد، قال: "وعليه منه دين"، ولا يسقط بالموت، وكذلك هذه النفقة، وكذلك في الجعالة؛ لو أنه لما وصل إلى السيد وإذا هو قد مات بالأمس، هنا استحق الجعل، فيأخذه من التركة.

قال: وعلي منه جواز أخذ الآبق لمن وجده وهو أمانة بيده. قال الموفق رحمه الله عن جواز الأخذ: "لا نعلم فيه خلافًا؛ لأن العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب وارتداده، واشتغاله بالفساد في سائر البلاد، بخلاف الضالة التي تحفظ نفسها". فإذا أخذه فهو أمانة في يده، فإن تلف بغير تفريط فلا ضمان عليه.

إذا أخذه فادعى أحد أنه سيده؛ يقول إذا ادعى شخص أنه سيده فلا يخلو هذا المدعي إما أن يقيم بينة بأن هذا العبد عبده، فتكفي البينة. وإما أن صدق العبد سيده بأنه هذا سيده، وكان العبد مكلفًا بالغًا عاقلًا فإنه يصدق، يعني يدفع له بذلك؛ لأنه إذا استحق أخذه بوصفه إياه، فتصديقه على أنه مالكه أولًا، وإنما اعتبر أن يكون بالغًا لأن الصغير لا حكم لقوله، وكذا المجنون.

قال: فإن لم يجد سيده دفعه إلى الإمام أو نائبه ليحفظه لصاحبه؛ لأن للإمام ولاية على أموال الغائبين، وله بيعه لمصلحة. والضمير يعود إلى الإمام؛ لأن له الحق في التصرف. ولو قلنا الواجد، فإنه لو باعه ففاسد؛ في نهاية الباب قال: "وإن باعه ففاسد"، يعني الواجد، فالضمير إذاً يعود إلى الإمام أو نائبه؛ لو باعه، لأن له بيعه لمصلحة، لو أن حفظه سيكلف نفقات، فبدل ما يخلي، أبيعه وأحفظ نفقته وأحفظ قيمته لسيده متى ما وجدناه.

قال: ولا يملكه ملتقطه بالتعريف. لا يملكه ملتقطه بالتعريف كضالة الإبل؛ فالإبل ستأتينا في اللقطة أن ضالة الإبل لا تلتقط ولا تملك بالتعريف، وكذا العبد، والمقصود به الكبير لا يملك بالتعريف لأن العبد يتحفظ بنفسه، فهو كضالة الإبل. ولذلك قال في الإنصاف لما علق على كلام الموفق والشارح في تعليله من أن العبد يتحفظ بنفسه: "قال هذا دليل على أنهما أرادا الكبير؛ لأن الصغير لا يتحفظ بنفسه". ويأتي في باب اللقطة: "وإن باعه ففاسد"؛ لماذا؟ لأنه لا يملكه، فيكون بيعًا فاسدًا. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

يجوز أخذ الجعل على الرقية؛ كما حصل ذلك من الصحابة وأقرهم النبي ﷺ. وعندنا شيء في الجواز؛ يجوز، لكن الأولى أن الإنسان إذا كان غير محتاج أنه يبذل هذه الرقية مجانًا، يبذلها ولا يأخذ مقابلها شيئًا. وإذا أخذ يأخذ بقدر حاجته، لا يبالغ بذلك، أن ينتفع الناس بذلك، وخاصة إذا كان الإنسان يقرأ وتكون أمتُه ومقصده نفع الناس، فلا يأخذ مقابلها شيئًا، أو يأخذ ما يحتاجه، لأن هذه تنفع رقيته بإذن الله أكثر مما لو كان متعلقًا بالمال.

يقول: لو أن شخصًا جعل الجعل لأناس محصورين، قال لهم: «من وجد لي ضالتي فله كذا»، فالذي وجدها شخص آخر من غير هذه المجموعة، هل يستحق شيئًا؟ لا يستحق؛ لأنه لم يعمم، هو اتفق مع أناس معينين فلا يستحق شيئًا. ولذلك يذكر الأصحاب أنه لو قال لفلان: "إن فعلت كذا فلك كذا"، فجاء ثلاثة وقالوا: "نحن ساعدناه"، يأخذ الجعل كاملاً لمن استحق، من قيل له ذلك. وإذا قالوا: "نحن ساعدناه لنأخذ الجعل معه"، فإن من اتفق معه له الثلث وهؤلاء لا شيء.

فلذلك هذا يدل على أنه لا يستحق الجفاء معه.

هذا والله أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.