بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أما بعد: فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الإجارة، ووصلنا إلى المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في آخر الباب في الأجير الخاص والأجير المشترك. وقبل أن نشرع في درس اليوم، تم تشجير مسائل التفريق بين الأجير الخاص والأجير المشترك، وذلك عندكم في القناة.
فذكرنا أن الأجير نوعان؛ طبعًا هذه الإجارة على عمل، لأن الإجارة تقدم معنا أنها تكون إجارة أعيان، وأحيانًا تكون إجارة على عمل. والإجارة على عين أحيانًا تُربط بالمدة، وأحيانًا تُربط بالعمل. أما الإجارة على عمل، مثل من يستأجر سائقًا أو طباخًا أو خياطًا أو نحو ذلك، فهؤلاء لا يخلو الأجير على عمل من أن يكون أجيرًا خاصًا أو أجيرًا مشتركًا.
والأجير الخاص هو من قُدّر نفعه بالزمن، كمن استأجر مثلاً عنده سائقًا؛ فالسائق هذا عنده طوال اليوم وطوال الشهر وطوال السنة، فهذا مقدر نفعه بالزمن، بمعنى استأجره لمدة سنة أو شهر أو أسبوع أو نحو ذلك. أما الأجير المشترك فهو من قُدّر نفعه بالعمل؛ مثلًا أتيت بقماش إلى الخياط ليخيط لك ثوبًا، هل أنت استأجرته لمدة معينة؟ لا، أنت استأجرته لعمل معين. هل يخيط لك وحدك؟ لا، هو يخيط لك ولغيرك، فلذلك سمي أجيرًا مشتركًا.
فالأجير الخاص قلنا قُدّر نفعه بالزمن، فالزمن هذا يستحق المستأجر نفعه في جميع الزمن. فلذلك مثلاً السائق هذا سائق عند فلان، ليس له حق أن ينتقل إلى فلان ويستغل سائقًا عنده أثناء كونه عند فلان ما لم يكن هناك إذن أو شرط ونحو ذلك. ولذلك قالوا: يستحق نفعه في جميعها سوى ما استُثني شرعًا أو شرطًا شرعًا، مثل الصلوات الخمس؛ إذا جاء وقت صلاة الفجر، أو وقت صلاة الظهر أو العصر أو المغرب والعشاء، فإن الأجير يذهب يصلي، لا يقول المستأجر: إني أستحق نفعك الآن، لا، هذا مستثنى شرعًا. قالوا: الصلوات الخمس وسننها، وكذلك صلاة الجمعة والعيد ونحو ذلك.
أو شرطًا، كما لو قال: أنا سائق عندك لكن سأسوق عندك من بعد غروب الشمس، أنا سأنفرد بنفسي، لن أسوق لك شيئًا، فهنا ما دام اشترطوا هذا واتفقوا عليه فلهم ذلك.
والأجير الخاص الإجارة تتعلق بعينه، فلا يستنيب؛ بمعنى ما يجيء الأجير الخاص مرة وقال: أنا مثلاً سائق، اليوم ما عندي أو أنا مشغول، سأحضر سائقًا يسوق بدلاً مني، فهنا نقول: لا، الإجارة متعلقة بك أنت، هذا إلا إذا رضي المستأجر، فهنا كأنه استثناءه من الأصل، وإلا فالأصل لو قال لك: لا أريد إلا أنت، فهنا تلتزم به.
بخلاف الأجير المشترك، الأجير المشترك لا تتعلق الإجارة بعينه؛ معنى لو أتيت بثوبك إلى خياط، أو بجوالك إلى محل الصيانة ليصونه، فمحل الصيانة أو الخياط مخير بين أن يعمله بنفسه، أو يعطيه مثلاً خياطًا آخر، أو يعطيه مسؤولًا آخر للصيانة، يعني عالمًا بصيانة الجوال شخصًا آخر، فيصونه، فله ذلك؛ لأن الأجير المشترك لا تتعلق الإجارة بعينه، خلاف الأجير الخاص فتتعلق بعينه.
الأجير الخاص يستحق الأجرة بتسليم نفسه، سواء عمل أو لم يعمل. يعني لو أن شخصًا أخبر سائقًا قال له: أجرتك الشهرية ألف ريال، هذا الذي استأجر السائق، في الأسبوع الثاني من الشهر مرض ما احتاج إلى سائق، فصار في البيت طوال الأسبوع، في الأسبوع الثالث والرابع خرج من البيت يقوده هذا السائق، هنا هل إذا جاء نهاية الشهر يقول: أنا سأعطيك أجرة ثلاثة أسابيع لأن الأسبوع الثاني أنا ما احتجته وما عملت عندي؟ هل له ذلك؟ لا، ليس له ذلك. نقول: الأجير الخاص يستحق الأجرة بتسليم نفسه سواء عمل أو لم يعمل، يعني إذا قال: أنا مستعد، هنا يستحق الأجرة. فلو كان مستأجره مثلاً في الصيف ذهب إلى مكة وجلس شهرًا كاملًا في مكة، وسائقه هنا في بلده ما سافر معه، هنا هل إذا انتهى الشهر يقول: لا أنا ما استفدت منك طوال الشهر؟ نقول: لا، هو بذل نفسه للعمل لكن أنت لم تستعمل. بخلاف الأجير المشترك فهو إنما يستحق الأجرة بتسليم العمل، وسياتينا شيء من التفصيل في هذا.
الأجير الخاص له أحكام: الحكم الأول أنه يستحق نفعه بالزمن في جميعها، المسألة الثانية الإجارة تتعلق بعينه، المسألة الثالثة يستحق الأجرة بتسليم نفسه. المسألة الرابعة مما يتعلق بالأجير الخاص أنه لا يضمن ما تلف بيده. فلو أن خادمة عند إناس، الخادمة هذه أجير خاص ولا مشترك، خادمة مثلاً تعمل في المطبخ وتكسرت بعض أواني الزجاج، هل يضمن قيمتها مطلقًا؟ نعم، الأصل أنه لا يضمن الأجير الخاص، لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط؛ معنى تعدت أنها إما تعاونت في حملها أو أنها حركتها بسرعة ونحو ذلك، فترتب على ذلك انكسارها بتفريط أو تعدٍ منها، فهنا تضمن، لكن لو أنها حركتها الحركة المعتادة لكن سقطت من يدها بغير اختيار منها فانكسرت، فهنا لا تضمن. نقول: إذاً الأجير الخاص لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.
أو فيه أجير خاصون هناك أجير خاصون يضمنون في أحوال معينة، ويأتي ذكر المؤلف هنا: الحجام، والختان الذي يختن، والحجام الذي يحجم، والبيطري الطبيب البيطري، وكذلك الطبيب، هؤلاء سواء كانوا خاصين أو مشتركين، فهؤلاء يضمنون في أحد ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: إذا لم يكن حادقًا، جاءها هذا الحجام أو الطبيب ليس عنده علم في الطب أو ليس عنده علم في الحجامة فحجم، أو هذا طبب المريض فزاد هذا المرض أو تأثر عضو آخر أو زاد هذا المرض إلى أن توفي هذا الشخص، فإن هذا الطبيب أو الحجام يضمن؛ لأنه لم يكن حادقًا، سواء كان طبيبًا خاصًا أو طبيبًا مشتركًا.
الحالة الثانية: أن تجني يده بأن يتجاوز ما لا ينبغي تجاوزه؛ يعني مثلاً أصلًا طبيب أراد أن يبتر قدم شخص مريض، فالعملية أنه يبتر هذه القدم، فبترها من فوق الموضع الذي من الأصل أن يبترها فيه.
السلام عليكم.
فبثره من الموضع فوق الموضع الذي أصل يبترا، فهنا تجاوز ما ينبغي له قطعه، فهنا لو سرت هذه الجناية، لو سرت هذه الجناية فإنه يضمن. الحال الثالثة أن يكون ذلك بغير إذن من المكلف أوليه، فإذا جاء طبيب مثلا إلى إنسان ووجده فيه ألم في بطنه واحتاج إلى عملية، هذا الطبيب تبرأ، قال: أنا لم أتبرع، يعني سيطببه بأجرة، فعمل في هذه العملية، فطبعاً لم يأخذ إذن المكلف، لم يأخذ إذن المكلف، فسرت هذه الجناية إلى نفسه، فإن الطبيب يضمن. وكذلك لو كانت العملية تتعلق بإنسان صغير يحتاج إلى إذن وليه، فلم يأخذ إذن وليه، فحتى لو لم تجنِ يده وكان حاذقاً لكن لم يأذن المكلف أوليه فإنه يضمن.
أما الأجير المشترك فإنه يضمن ما تلف بفعله دون ما تلف بحرزه أو بغير فعله، ويضمن إذا تعدى أو فرط. هذا خلاصة الفروق بين الأجير الخاص والأجير المشترك. الآن نقرأ ما أورده المؤلف رحمه الله في كلامه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ولا يضمن أجير خاص وهو من استؤجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها سوى فعل الخمس بسننها في أوقاتها وصلاة جمعة وعيد». سمي خاصاً لاختصاص المستأجر بنفعه تلك المدة، ولا يستنيب، وما جنت يده خطأً لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به فلم يضمن، كالوكي، وإن تعدى أو فرط ضمن.
أحسنت، هنا قال: لا يضمن أجير خاص، ثم فسر الأجير الخاص، قال: «وهو من استؤجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها»، هذا واضح، مثلنا على سائر القواعد، مثلاً طبيب خاص، هؤلاء كلهم أجراء خاصة. قال: «يستحق المستأجر نفعه في جميعها»، ثم استثنى الأوقات التي لا يستحق المستأجر نفعه فيها، فقال: «سوى فعل الخمس بسننها»، يعني إذا أراد أن يفعل الصلوات الخمس فهذا الوقت مستثنى، فلا يقول المستأجر: إنك فرط لم تأتني في هذا الوقت، أنا أريدك، لا، هنا مستثنى فعل الخمس بسننها، سننها الراتبة القبلية أو البعدية، قال: «في أوقاتها»، وكذا صلاة الجمعة والعيد.
فعل الخمس، هل أيضاً لو أراد فعلها في الجماعة هل يستثنى الجماعة؟ الآن قالوا فعل الخمس، فأجر الظهر والعصر والمغرب والعشاء في أوقاتها، لكن لو قال: أنا سأصلي في الجماعة، قال له المستأجر: لا، صلِّ في البيت ونحن نمشي الآن، فهل للمستأجر حق أن يمنع الأجير الخاص من الجماعة معه أو لا؟ هذه مسألة وجوب الجماعة.
إذا كان المستأجر قال: لا، أنا نصلي معك، صلي واحدة، وكان مصلي واحدة، أين حق صلاة الجماعة؟ صلاة الجماعة حق الله، أولى. يبقى الاستثناء، يعني الأجير المستأجر ليس له حق أن يمنع الأجير من الصلوات الخمس بسننها، هذا متفق عليه. طيب، هل له حق أن يمنعه من صلاة الجماعة؟ يعني لو قال: لا، أبغى أكسر معك من قبل أذان الفجر إلى طلوع الشمس، ما تصلي الفجر أبداً، نقول: لا، ليس كذلك، لكن لو قال: خلاص من يوم أذان الفجر صلي السنة الراتبة ثم الفريضة ثم ننطلق، لا تصلي بالجماعة، هل له ذلك؟ لم يذكرها في مسقطات الجمعة والجماعة.
الجمعة تكون مقام الظهر في غيرها من الأوقات. في صاحب الكشاف، نقل عن المجد، قال: ظاهر النص، يعني ظاهر النص عند الإمام أحمد رحمه الله، يمنع من شهود الجماعة إلا بشرط أو إذن. وفي الغاية في المنتهى قال: مرعي يتجه احتمال أنه يملكها جماعة. قال شيخ ابن عثيمين رحمه الله، وهذا هو الصواب بلا ريب خصوصاً مع العرف المضطرد، لأن ترك الجماعة محرم، أن يقول عندنا ترك الجماعة محرم، الشيء الثاني العرف عند الناس أن هذا مستثنى.
قال: «وصلاة جمعة وعيد، وسمي خاصاً لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة». طبعاً هذه ترجع إلى صلاة الجماعة، تكلمنا عنها في بابها، إن المذهب أن الواجب هو صلاة الجماعة في مسجد أو غيره، والقول الثاني أنه لا بد أن تكون في مسجد. نعم، ظاهر كلامهم أنها تسقط، ينقلون كلام المجد، لكن صاحب الغاية هو الذي ذكر هذا الاحتمال أنها تسقط، وهو الذي صوبه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في حواشي الروض.
يقال: «وسمي خاصاً لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة»، يعني أن الأصل أنه يعمل عند المستأجر لا يعمل عند غيره، بخلاف المشترك، المشترك يعمل للمستأجر وغيره في وقت واحد، ولذلك قالوا: لا يجوز له أن يعمل عند غير مستأجره، وإنه إن عمل وأضر بمستأجره فإنه يضمن ما فوته عليه. قال: «ولا يستنيب»، هذا قدمناه قبل قليل لأن الإجارة تتعلق بعينه فلا يستنيب.
قال: «ما جنت يده خطأً»، هذا تابع لقوله: لا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأً، وقلنا مثل الخادمة لو سقط منها إناء زجاج بغير تعدٍ أو تفريط منها، لماذا لا يضمن؟ قال: لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به، فلم يضمن، كالوكي، الآن المالك لو سقط منه الزجاج هل يضمن؟ لا، خلاص هذا مثله، النائب هنا كالمالك، النائب الذي هو الأجير هنا كالمالك. قال: «وإن تعدى أو فرط ضمن»، هذا واضح، لأنه كغير الأجير إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن.
قصد أنه في وقت معين هو لا يعمل إلا عند فلان، ثم في وقت معين لا يعمل إلا عند فلان، إذا كان هو الأجير الخاص من قدر نفعه بالزمن، ويستحق المستأجر نفعه في جميع الوقت. فمثلاً الخادمات هذه التي تعمل بالساعة، الساعة تعمل أربع ساعات مثلاً، فهي هذه الأربع ساعات مثلاً الصباح عند فلانة، والمساء عند فلانة، فالأربع ساعات هذه تكون أجرة خاصة عند البيت الذي تعمل عنده الصباح، وفي المساء أجرة خاصة عند البيت الذي تعمل فيه في المساء.
أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: «ولا يضمن أيضاً حجام وطبيب وبيطار وختان لم تجنِ أيديهم إن عُرف حذقهم»، أي معرفتهم صنعتهم، لأنه فعل فعلاً مباحاً فلم يضمن، ولا فرق بين خاصهم ومشتركيهم، فإن لم يكن لهم.
فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا؛ لأنه لا يحل لهم مباشرة القطع. وكذا لو كان حاذقًا وجنت يده؛ بأن تجاوز بالختان إلى بعض الحشفة، أو تجاوز بقطع السلعة موضعها، فإنه يضمن؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يضمن أيضًا الحجام والطبيب والبيطار والختان. وقد قلنا لكم بثلاثة شروط؛ ذكر المؤلف شرطين، إذا كانت لم تجنِ أيديهم -إن عُرف حذقهم أي معرفتهم بصنعتهم- فالشرط الثالث أن يكون ذلك بإذن المكلف.
يقول: «لم تجنِ أيديهم إن عُرف حذقهم»، أي معرفتهم بصنعتهم؛ لأنه لا يضمن إذا كان القطع مأذونًا فيه. فالطبيب مثلاً إذا احتاج إلى إجراء عملية في البطن للمريض، والعملية مأذون فيها، فلا إشكال في الضمان، ويقصدون هنا بـ«السراية»؛ لو أن العملية لم تنجح فأثرت على عضو آخر، فهل يضمن الطبيب هذه السراية أو لا؟ وهنا لا فرق في هذه المسائل بين الأجير الخاص والأجير المشترك.
قال: «لا يضمن حجام وطبيب وبيطار وختان لم تجنِ أيديهم إن عُرف حذقهم»، أي معرفتهم بصنعتهم؛ لماذا؟ لأن هؤلاء الأربعة فعلوا فعلًا مباحًا، فلم يضمنوا سرايته؛ لأن القاعدة أن ما ترتب على المأذون فغير مضمون، وعكسها ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون.
وقال: «ولا فرق بين خاصهم ومشتركهم» في عدم الضمان. ثم يذكر لك محترز ما تقدم، فيقول: «فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا»، كما لو تطبب إنسان ولا علم له بالطب، فإنه يضمن؛ وجاء في الحديث: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ».
إذا كان هذا في الجناية على الأبدان، فكيف بالجناية على الأديان؟ فلذلك من أفتى بغير علم فهو ضامن؛ يضمن الإثم الذي ارتكبه، ويضمن أيضًا ما ترتب عليه من أمور دنيوية. لو أن إنسانًا في الحج استفتى شخصًا لا علم له، فقال له: أريد العمرة الآن وقد وصلت إلى مكة ولم أحرم من الميقات، فقال له: لا مشكلة، احرم في الفندق وانزل إلى مكة وعمر عمرة تامة، فقد أفتاه بغير علم. هذا الفعل يترتب عليه ترك الواجب وهو الإحرام من الميقات، وترك الواجب فيه دم، فيضمن هذا المفتي الدم. وهذه مسألة أخرى فيما إذا كان المفتي مجتهدًا وأفتى بما يراه.
ثم يقول: «فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا»، لأنه لا يحل لهم مباشرة القطع، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون. وقال: «وكذا لو كان حاذقًا وجنت يده»، وهذه محترزة الشرط الثاني؛ لو كان حاذقًا وجنت يده فتجاوزت ما ينبغي قطعه فإنه يضمن. مثل أن تجاوز بالختان إلى بعض الحشفة، والأصل أن يقطع رأس القلف، فإذا تجاوز إلى الحشفة فنز دم كثير وترتب على ذلك مرض أو سراية إلى الوفاة فإنه يضمن. أو تجاوز بقطع السلعة -والسلعة هي الغدة أو الورم نحو ذلك- فلو تجاوز بقطع السلعة موضعها فإنه يضمن السراية؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فهو شبيه بإتلاف المال؛ فمن أتلف مالًا لغيره خطأً فإنه يضمن، وهكذا من أتلف شيئًا من جسمه خطأً فإنه يضمن لأن هذا إتلاف محرم.
قال رحمه الله: «ولا يضمن أيضًا راعٍ لم يتعدَّ»، لأنه مؤتمن على الحفظ كالمودع، فإن تعدى أو فرط ضمن. والراعي قد يكون أجيرًا خاصًا أو أجيرًا مشتركًا. الأجير الخاص هو من يرعى لشخص واحد أو لجماعة محصورين، أما المشترك فهو من يتقبل رعي الغنم أو البقر من أي واحد يعطيه، فهذا مشترك.
فالراعي إذا لم يتعدَّ أو لم يفرط لا يضمن؛ لأنه مؤتمن على الحفظ كالمودع. لو أن الذئب استطاع أن يهرب بواحدة من الغنم وهو كان حارسًا لها، فهنا لا يضمن. لكن لو أن الراعي تركها وهو بعيد عنها فجاء الذئب وافترس اثنتين أو ثلاث، فإنه يضمن؛ لأنه هنا فرط. وكذا لو سلك بها طريقًا وعرًا فانحدر بها من جبل فسقط بعضها وتكسرت أرجلها، فإنه يضمن لأنه متعدٍ؛ قال: «فإن تعدى أو فرط ضمن»؛ لأنه تلف بعدوانه.
يقول: إذا كان هناك أكثر من طبيب اشتركوا في عملية لمريض فتوفي بسبب ذلك، فالأصل أنهم لا يضمنون إلا إذا تعدت يد أحدهم، فإذا كانت الجناية من الكل فيضمنون، لكن لو كانت الجناية من واحد، بحيث يكون كل واحد مسؤولًا عن إجراء شيء في العملية فصارت التعدي من أحدهم، فالمتعدي هو الضامن.
فلو أن الطبيب الرئيس أمر أحد الأطباء تحته بإجراء معين فأجراه، وتجاوزت يده -يض الله علمه- أن الجناية الضمان عليه فقط كأنه مباشر للتعدي، وهذا متسبب، والمباشرة تقضي على التسبب.
طبعاً إذا كان متعمداً فهذه ما فيها إشكال، وكلام فيما إذا كان مخطئاً، بمعنى تجاوزت يده في غير قصد منه فإنه يضمن.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «ويضمن الأجير المشترك وهو من قدر نفعه بالعمل، كخياطة ثوب وبناء حائط، سمي مشتركاً لأنه يتقبل أعمال جماعة في وقت واحد، يعمل لهم فيشتركون في نفعه، كالحائك والقصار والصباغ والحمال، فكل منهم ضامن ما تلف بفعله، كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله».
روي عن عمر وعلي وشريح والحسن رضي الله عنهم؛ لأن عمله مضمون عليه لكونه لا يستحق العوض إلا بالعمل، وإن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجره فيما عمل به، بخلاف الخاص. والمتولد من المضمون مضمون، وسواء عمل في بيته أو بيت المستأجر، أو كان المستأجر على المتاع أو لا.
ولا يضمن المشترك ما تلف من حرزه أو بغير فعله؛ لأن العين في يده أمانة كالمودع، ولا أجرة له فيما عمل فيه لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه، سواء كان في بيت المستأجر أو غيره، بناءً كان أو غيره. وإن حبس الثوب على أجرته فتلف ضمنه؛ لأنه لم يرهنه عنده ولا أذن له في إمساكه، فلزمه الضمان كالغاصب. وإن ضرب الدابة بقدر العادة لم يضمن.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى النوع الثاني من الأجير وهو الأجير المشترك، فذكر أنه يضمن ما تلف بفعله، وفسر الأجير المشترك بأنه من قدر نفعه بالعمل، فهو لم يستأجر بالزمن وإنما يستأجر للعمل، فيقدر نفعه في عمله. يقول: «كخياط ثوب»، ذهبت إلى الخياط وقلت له: "أعطني هذا الثوب"، فأنت استأجرته لعمل معين، هذا الوقت الذي تستأجره فيه، قال لك: "سآخذ الثوب خلال الأسبوع"، هل خلال الأسبوع لن يعمل إلا في ثوبك؟ لا، سيعمل في أثواب أخرى، فهو إذاً مشترك يعمل لك ولغيرك، لذلك «بناء حائط» يبني لك ولغيرك، فهذا أجير مشترك.
قال: «سمي مشتركاً لأنه يتقبل أعمال الجماعة في وقت واحد، يعمل لهم فيشتركون في نفعهم». قال: «كالحائك والقصار والصباغ والحمال، فكل منهم ضامن ما تلف بفعله». عندنا إذاً الأجير المشترك يضمن ثلاثة أشياء: ما تلف بفعله، وما تلف بحرزه، وما تلف بغير فعله، وطبعاً هذه كلها إذا لم يتعدَّ ولم يفرط. أما إذا تعدى أو فرط فهذا ما فيه إشكال أنه يضمن.
نُمثل على الأربع كلها. إذا كان متعدياً أو مفرطاً، مثلاً خياط أو طباخ استأجرته لكي يطبخ لك ذبيحة، فطبخ لكنه أهمل في الطبخ فاحترق الطبخ، فهنا يضمن ولا يستحق شيئاً من الأجرة، وهذا ضمان إذا تعدى أو فرط.
أما إذا لم يتعدَّ ولم يفرط، فنقول يضمن في حالة واحدة ولا يضمن في حالتين. يضمن في حالة واحدة: ما تلف بفعله، مثل هذا الطباخ، كان حاذقاً ومنتبهاً ولكن قضاء وقدر احترق، فهنا كذلك يضمن ولا يستحق شيئاً من الأجرة.
الحالة الثالثة: تلف بغير فعله، كما لو طبخ مثلاً فاحترق هذا البيت، فذهب هذا الطبق، فهنا تلف بغير فعله، فهنا لا يضمن.
الحالة الرابعة: تلف من حرزه، كأن تُسرق الذبيحة كاملة، ما بقي إلا أن يؤخذ القدر ويذهب به إلى الاستراحة المجتمعين فيها الضيوف، فقفز شخص على هذا المطبخ أو المطعم وسرق هذه الذبيحة، فهنا تلف من حرزه، فهل يضمن؟ لا يضمن، وهل له أجرة؟ ليس له أجرة، ستأتي إن شاء الله.
إذاً الأجير المشترك يضمن في حالتين ولا يضمن في حالتين؛ يضمن متى؟ إذا تعدى أو تلف شيء بفعله. ولا يضمن في حالتين: إذا تلف بغير فعله أو تلف من حرزه.
قال: «فكل منهم ضامن ما تلف بفعله، كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله». أعطيت الخياط ثوباً فما خاطه جيداً أو غلط في تفصيله، قلت له: "خُطه لثوب"، فخاطه كأنها جاكيت، فهنا أخطأ فهل يضمن؟ نعم يضمن.
وقال: «ومثله لو سلم هذا الثوب»، خاط لك ثوباً كاملاً، فجاء بعد أسبوع وقال: "أبي الثوب حق فلان"، قال: "نسيته"، لكن هو قال ثوباً فسلمه إياه، ثم بعد يوم جاء صاحب الثوب وقال: "وين ثوبي؟"، سلمته لصاحب، ولم يرسل أحداً يستلم هذه الفاتورة، فهنا تلف هذا الشيء بفعله، فهنا يضمن.
لماذا يضمن مع أنه أجير، والأجير الأصل أنه أمين، والأمين لا يضمن إذا لم يتعدَّ أو يفرط، فلماذا يضمن؟ الفقهاء رحمه الله تعالى جعلوا هذا الضمان استثناءً من الأصل، فالأصل أنه لا يضمن لأنه أمين، لكن الفقهاء رحمه الله تعالى استدلوا على ضمانه بأمرين.
الأمر الأول: ورود ذلك عن بعض الصحابة، قال: «روي عن عمر وعلي والحسن رضي الله تعالى عنهم»، وإنما أخذ الصحابة بذلك استثناءً من الأصل، كما قال علي رضي الله عنه: «لا يصلح الناس إلا هذا»، وذلك لقلة الأمانة عند الناس؛ فلو أننا قلنا لا يضمن، لكن كل خياط أو بناء أو طباخ أو نحو ذلك يقول: "والله أنا نسيت، أنا كنت أظن كذا وكذا"، فتذهب أموال الناس ويصبح الناس لا يسلمون أشياءهم للاستئجار على أناس آخرين، فيتبرر الناس بذلك، فمن باب المصلحة ضُمِّن الصناع.
وهذا يذكر الأصوليون رحمهم الله تعالى "تضمين الصناع" مثالاً على المصالح المرسلة التي عمل بها الصحابة. هل في الشريعة مصلحة مرسلة؟ هذه مسألة طويلة، لكن الأصوليين يقررون أن تضمين الصناع يمثل أمثلة على المصالح المرسلة.
الأمر الثاني: يقولون إن عمل الأجير مضمون عليه. كيف مضمون عليه؟ ما ترتب على المضمون فهو مضمون. قالوا: هو لا يستحق الأجر إلا بعد العمل، فهذا يدل على أن عمله مضمون عليه. ومما يدل على أن عمله مضمون عليه أن الثوب لو تلف في...
حرزه، بعد عمله فلا أجره له فيما عمل به، وستأتينا بعد قليل.
الآجير المشترك قلنا لا يضمن ما تلف بحرزه، لكن هل له أجره؟ لا، ما له أجرة. لو أن خياطاً خاط الثوب وعلقه انتظاراً لصاحبه سيأتي من الغد، جاء سارق من الليل وسرق مجموعة من الثياب ومنها هذا الثوب، وجاء صاحب الثوب سيستلم ثوبه من الغد، وإذا هو مسروق بغير تعدٍ أو تفريط من الآجير. الآجير الآن هل يضمن؟ نقول لا يضمن، طيب هل له أجره؟ يقول: ليس له أجرة، يقول هذا مما يدل على أن عمله مضمون عليه فلا يستحق الأجرة إلا بعد تسليم العمل، فما دام أن عمله مضمون عليه، وهذا التلف نتج عن عمله، فما تولد عن المضمون فهو مضمون.
قالوا بخلاف الآجير الخاص؛ يضمن ما تلف بفعله لأن عمله غير مضمون عليه. كيف عمله غير مضمون عليه؟ هو يستحق الأجرة بمجرد تسليم نفسه سواء عمل أو لم يعمل، بخلاف الآجر المشترك فإنه يستحق الأجرة بالعمل.
قال المؤلف رحمه الله هنا: «وسواء عمل في بيته أو بيت المستأجر، أو كان المستأجر على المتاع أو لا». قلنا لكم مراراً وتكراراً أن الأصحاب -رحمهم الله- أو صاحب الروض رحمه الله أو غيره من المختصرات، إذا قالوا: "سواء كذا أو كذا"، فإن هذه إشارة إلى خلاف. هذه من المصطلحات ومن الأشياء التي يشرون بها إلى الخلاف، إذا كانت الجملة لو لم يذكروها لفهمت، وإنما ذكروها؛ ترى ما يذكرونها فقط كلام إنشائي، لا، كل جملة ترى لها معنى.
ولذلك قوله: «سواء عمل في بيته أو بيت المستاجر» هذه إشارة إلى خلاف؛ لأن من الأصحاب من قالوا إنه إذا عمل في بيت المستأجر فتلف -بمعنى أنه أخطأ في عمله أو تلف بفعله- فإنه لا يضمن. مثلاً طباخ أو مثلاً شخص شواية، قال له واحد من الناس: تعال إلينا في الاستراحة واشوِ لنا دجاجاً، فالآن هذا الآجير يعمل في بيت المستأجر، وهذا الآجير الآن أجير مشترك يطبخ لك ولغيرك، ويشوي لك ولغيره، عمل الآن في بيت المستأجر. فمن الأصحاب من قالوا إنه إذا عمل في بيت المستأجر فإنه يأخذ حكم الأجير الخاص فلا يضمن ما تلف بفعله.
وكذلك قالوا إذا كان المستأجر على المتاع أو لا. يعني مثلاً استأجر شخص آخر ليحمل له، مثلاً واحد ينقل بيته من المدينة الفلانية إلى المدينة الفلانية، ونقل أثاثه مع شركة، وجاء ركب معهم في السيارة. الآن المستأجر على المتاع ركب معهم في السيارة، في الطريق حصل لهم حادث وتكسرت بعض الأثاث، هل تضمن الشركة هذا التكسر؟ نعم، لكن من الأصحاب من يقولون لا تضمن، لماذا؟ لأن المستأجر الآن مع الأجير، يعني المستأجر على متاعه فلا يضمن، لكن المشهور عند الأصحاب -رحمهم الله تعالى- أنه يضمن، أنه يضمن مطلقاً.
قال: «ولا يضمن المشترك ما تلف من حرزه». كما لو أن شخصاً أحضر سيارته إلى ورشة ليصلحوها، الآن صاحب الورشة أجير خاص ومشترك، فجاء بسيارة الورشة بعد أسبوع، جاء الورشة: أين سيارتي؟ راها مسروقة، كانت في وسط الورشة سرقت من غير تعدٍ أو تفريط من عمال الورشة، فهنا هل يضمنون؟ لا يضمنون، تلف من حرزهم، هو لم يتلفها، أتلفها شخص آخر لكن بحرز الآجير المشترك أو بغير فعله. إذاً لو أن شخصاً غاصباً كسر زجاج السيارة في الورشة، فهنا التلف هل هو بفعل الآجير؟ لا، بفعل شخص ثالث، فهنا لا يضمن الآجير.
قال: «لأن العين في يده أمانة كالمودع»، وهذا هو الأصل أن الآجير المشترك لا يضمن لأنه أمين. قال: «ولا أجرة له فيما عمل فيه»، لأنه لم يسلم عمله للمستأجر فلم يستحق عوضه. يعني مثلاً هذا صاحب الورشة أصلح السيارة، شيء بس ينتظر صاحبها يجي يستلمها، وإذا جاء لصيدها وسرقها، الآن الآجير لا يضمن، لكن هل له أجرة مقابل عمله في إصلاح السيارة؟ قالوا: لا، لماذا؟ لأن الأجرة إنما تستحق بتسليم العمل، والمستأجر -الذي هو صاحب السيارة- لم يستلمها، قال: «لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر فلم يستحق عوضه»، قياساً على المبيع من الطعام إذا تلف في يد البائع قبل تسليمه.
وهنا قال بعدها: «سواء كان في بيت المستأجر أو غيره، بناءً كان أو غيره»، وهذا كله إشارة إلى خلاف داخل المذهب. وصاحب المنتهى صرح في هذا الموضع بأنه لا أجرة له، لكن لما أتى إلى استقرار الأجرة فصل، فقال: «تستقر الأجرة في فراغ عمل ما بيد مستأجر، ودفع غيره معمولاً»؛ أي غير ما بيد المستأجر معمول. فهو يفرق بين ما عمل في بيت المستأجر وما عمل خارج بيت المستأجر. يقول: ما عمل في بيت المستأجر، هذا كلام صاحب المنتهى، ما عمل في بيت المستأجر فتستقر الأجرة على المستأجر بفراغ العمل.
يعني مثلاً جاء بطباخ ليطبخ له في بيته، الطباخ انتهى طبخ شيء، خلاص تستقر الأجرة. لكن لو جاء يغرفون هذا الأكل فانسكب على الأرض أو انسكب في التراب، أنا ما استلم العمل، لكن على كلام صاحب المنتهى يقول إنه له الأجرة، لأنه فرغ من العمل وهذا العمل بيد المستأجر، يعني كان في بيت المستأجر. لكن إذا كان خارج بيت المستأجر، طبخ في مطعمه هذا الطباخ، فلما أراد أن ينقله إلى بيت مستأجر انسكب هذا الأكل كله في الأرض، هل يستحق الأجرة؟ لا يستحق الأجرة. إذاً صاحب المنتهى في مسألة استقرار الأجرة فرق، لكن هنا ما فرق.
لما أتى إلى تلف الشيء بيد الآجير، تلف الشيء في حرز الآجير المشترك أو بغير فعله، ذكر أنه لا أجرة له فيما عمل فيه، لماذا؟ لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر فلم يستحق العوض. فأطلق الكلام هنا وهناك، فصل ونأتي إلى هذه المسألة إذا أتينا إلى استقرار الأجرة، قال: «بناءً كان أو غيره»، وهذا أيضاً خلاف لإحدى الروايتين عن أحمد، في أنه في البناء تستحق الأجرة مطلقاً، وفي غيره فيها الروايتان، لكن المشهور أنه لا يستحق الأجرة مطلقاً، بناءً كان أو غيره.
قال: «وإن حبس الثوب على أجرته فتلف ضامنه». يعني أتى إنسان بثوبه إلى الخياط وقال: خِطه مقابل كم مائة ريال؟ قال: حسن، متى تهينه؟ قال: بعد أسبوع. جاء بعد أسبوع قال: سلمني الثوب.
قال: «أعطني»، قال: «ما عندي مئة»، قال: «خلاص»، قال له: «عندي إلى أن تأتي بالمئة».
الآن حبس الثوب على الأجرة؛ يعني ما اتفقوا، إنما قال: «أسلمك الثوب حتى تأتيني بالأجرة». بعد يوم سرق هذا الثوب، فهنا يقول المؤلف: ضُمِّنَه. لماذا؟ لأنه لم يرهنوه عنده، هم اتفقوا على أنني أرهنك الثوب حتى تأتيني بالأجرة، ما اتفقوا على ذلك، إنما كان هذا من الأجير نفسه، ولا أدري له في إمساكه، يعني هو ما سمح لكن هذا رغماً عنه أمسك ثوبه، فلزمه الضمان كالغاصب؛ لأن هذا إذا كان غير مأذون فيه فما ترتب عليه فهو مضمون.
قال: «وإن ضرب الدابة بقدر العادة لم يضمن»، يعني إنسان استأجر دابة، رحمك الله، لتوصله مثلاً من بلد إلى بلد، في الطريق يضربها لكي تمشي، إذا كان الضرب بقدر العادة الذي يضرب به أصحاب الحيوانات حيواناتهم فتلفت هذه الحيوانات فإنه لا يضمنها، لماذا؟ لأن هذا الضرب مأذون فيه لأنه معتاد جرى على العادة. لكن إذا ضربها فوق العادة، ضرباً مبرحاً فتلفت فإنه يضمنها، وهذه كلها أمثلة على قاعدة: ما ترتب على المأذون فغير مضمون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «وتجب الأجرة بالعقد كثمن وصداق، وتكون حالّة إن لم تؤجل بأجل معلوم، فلا تجب حتى يحل وتستحق، وإن يملك الطلب بها بتسليم العمل الذي في الذمة، ولا يجب تسليمها قبله، ولا يجب تسليمها قبله وإن وجبت بالعقد؛ لأنها عوض فلا يستحق تسليمها إلا مع تسليم المعوض كالصداق، وتستقر كاملة باستيفاء المنفعة، وبتسليم العين ومضي المدة مع عدم المانع، أو فراغ عمل ما بيد مستأجر ودفعه إليه، وإن كانت لعمل فبذل تسليم العين ومضي مدة يمكن الاستيفاء فيها. ومن تسلم عيناً بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل لمدة بقائها في يده، سكناً أو لم يسكن؛ لأن المنفعة تلفت تحت يده بعوض لم يسلم للمؤجر».
رجع إلى قيمتها، أحسن الله عليكم، هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن ثلاثة أحوال في الأجرة: وجوب الأجرة، واستقرارها، واستحقاقها. وعندكم في التأسيس فصّل عنها، بعدين نرجع إلى كلام المؤلف.
الأجرة عندنا: وجوب، واستحقاق، واستقرار. وجوب الأجرة يعني متى تملك الأجرة، متى تملك الأجرة من غير أن يكون له أن يطالب بها. الكلام عن متى تملك، فتملك بالعقد، سواء كانت الأجرة حالّة أو مؤجلة، ويترتب عليها الزكاة.
مما يترتب عليها الزكاة؛ الآن لو أن محمداً يملك عمارة فيها شقق، جاء أحمد واستأجر شقة لمدة سنة اعتباراً من واحد محرم عام 1447هـ بـ 50,000 ريال مثلاً، يدفع 25,000 في واحد محرم و25,000 في 1 رجب. الآن محمد ملك الأجرة الـ 50,000 بمجرد العقد، فلذلك بعد سنة إذا كانت الـ 50,000 موجودة يزكيها، يزكيها من حين العقد، يعني يحسب سنة من حين العقد.
فلو مثلاً تعاقدوا في واحد ذي الحجة، والمدة تبدأ في واحد محرم، فاستلم 25,000 في واحد محرم، والـ 25,000 الثانية الأصل أن يستلمها في واحد رجب، ما استلمها إلا في 15 ذي القعدة، الـ 25,000 التي في واحد محرم استهلكها، والـ 25,000 التي في 15 ذي القعدة ما زالت عنده، متى يزكيها؟ في 1 ذي الحجة، يعني بعد أسبوعين من استلامها، صحيح، نعم، من العقد سنة من العقد، فإذا بعد أسبوعين من استلامها موجودة عنده فنقول خلاص تم عليها سنة من استحقاقه له، يعني من ملكه له، وإن كانت لا تستحق إلا في واحد رجب. فلذلك هذا معنى الوجوب؛ الوجوب يعني أنه يملكها بغض النظر هل له أن يطالب بها الآن أو لا، هذه مسألة الاستحقاق.
هذا الوجوب، إذا تجب بالعقد، وتستحق؛ يعني يملك المطالبة بها. تستحق متى؟ طبعاً الإجارة إما أن تكون على عين أو الإجارة على عمل، سنُسهل الإجارة على عمل؛ الاستحقاق والاستقرار واحد لذلك سنتكلم عليه في الاستقرار. أما الإجارة على عين، متى تستحق؟ يعني متى يملك المطالبة بها؟ نقول بأحد أمرين: إما بتسليم العين أو ببذلها له، تسليم العين أو بذلها له. مثلاً أجرة الشقة، المثال السابق، في واحد محرم قال له: تعال اسكن، وأعطاه المفاتيح، الآن هنا التسليم؛ قال له المفاتيح موجودة في المكتب، متى؟ في واحد محرم، هذا بداية العقد، المفاتيح موجودة في المكتب العقاري، ما جئت خذ المفاتيح، وما جاء إلا في واحد صفر، فهنا نقول متى يملك المطالبة؟ هل في واحد محرم ولا واحد صفر؟ في واحد محرم، لأنه هو الوقت الذي بذلها له. طيب، هذا الاستحقاق، والاستقرار؟
الاستقرار معناه أنها لا تسقط، فالاستحقاق يملك المطالبة بها لكن أحياناً تسقط، لو مثلاً حصل عذر منعه من بعض الأسباب التي تسبب فسخ العقد التي مرت معنا في الدرس الماضي، فهنا ملك المطالبة بها بتسليم العين لكن يمكن يحصل عذر في أثناء المدة فيسقط جزء من الأجرة، لكن الاستقرار خلاص ما تسقط الأجرة.
تستقر الأجرة بماذا؟ نقول الأجرة إما أن تكون على منفعة في الذمة، وهي العمل، وإما أن تكون على منفعة عين. أما المنفعة في الذمة، وهي العمل، فتستقر -كما قال المؤلف هنا- بفراغ عمل ما بيد مستأجر ودفعه إليه، هذا هو الاستقرار وسنتكلم عليه إذا أتيناه، فبساطة التقسيم: إذا كانت الإجارة إجارة عين، وتعرف أن إجارة العين أحياناً تكون مقدرة بالمدة وأحياناً تكون مقدرة بالعمل.
فإذا كانت إجارة العين مقدرة بالمدة، فتستقر الأجرة بانتهاء المدة؛ لو أجرة شقة لمدة سنة من واحد محرم 1447هـ إلى 30-12-1447هـ، فنقول متى تستقر الأجرة؟ بمعنى لا تسقط أبداً، انتهت المدة، جاء 31-12، خلاص الأجرة معناها لا تسقط، انتهت المدة كاملة فلا تسقط. أما إذا كانت مقدرة بالعمل، مثل لو جاء شخص وقال: أنا أريد أن أستأجر سيارة لأذهب بها إلى مكة وأرجع، ما حدد مدة لكن حدد عملاً، فجاء واتفق مع صاحب مكتب تأجير سيارات، فقال له خلاص اليوم الفلاني تجد السيارة جاهزة، يوم السبت مثلاً، هو حقيقة يستطيع أن يأخذ السيارة السبت ويذهب إلى مكة ويجلس فيها يومين ثلاثة ثم يرجع مثلاً يوم الأربعاء، هنا يستطيع أن يذهب إلى مكة ويأخذ عمرة ويجلس فيها ثم يرجع، فمثلاً أربعة أيام أو خمسة أيام، فهنا إذا كانت الأجرة مقدرة بالعمل، فاستقرارها ببذل العين مع مضي مدة يمكن الاستيفاء فيها.
المنفعة فيها؛ فإذا جاء مثلاً ما جاء يوم السبت ولا الأحد، وجاء بعد أسبوع وقال: أعطني أجرتي، قال: خلاص، المدة أنا بذلت لك السيارة هذه المدة وأنت ما استلمتها، إذاً ادفع الأجرة، فهنا تستقر هذه الأجرة بذلك.
نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله، هنا يقول: تجب الأجرة بالعقد، مثل الثمن، فالثمن في البيع يجب بالعقد، والصداق في النكاح يجب بالعقد وتكون حالة، لأن هذا هو الأصل؛ الأصل في الديون تكون حالة، قال: إن لم تُؤجل، يعني إن لم يتفق على تأجيلها. فلو اتفق على تأجيلها، قال مثلاً: سأستأجر منك هذه الشقة لمدة سنة، بـ 5500 ريال، لكن الـ 5500 ريال ترى بعطيك إياها آخر يوم من السنة، هل لهم ذلك؟ نعم، الأمر بينهم، اتفقوا على تأجيلها فالأمر بينهم.
قال: إن لم تُؤجل، بأجل معلوم، فإذا أجّلت بأجل معلوم فلا تجب حتى تحل. الحقيقة هذه الجملة فيها خلاف بين الأصحاب؛ هل نقول لا تجب حتى تحل، أو نقول هي واجبة لكن لا يملك المطالبة بها حتى تحل؟ هذا فيه خلاف بين الأصحاب في ذلك، هل نقول لا تجب، أو لا يملك المطالبة بها حتى تحل وتستحق أن يملك الطلب بها بتسليم العمل الذي في الذمة.
حقيقة المؤلف رحمه الله تعالى هنا خلط الاستحقاق بالاستقرار، فحقيقة هي في العمل الاستحقاق والاستقرار واحد، لكن الذي يختلف إذا كانت الإجارة على عين، فيختلف الاستحقاق عن الاستقرار، أما في العمل فواحد، ولذلك هنا قالت: تستحق أن يملك الطلب بها بتسليم العمل الذي في الذمة. يعني أنه إذا مثلاً استأجر أجرة لخياطة ثوب، فمتى يملك المطالبة بها؟ قال: بتسليم العمل، يعني بتسليمه، خلاص خاط الثوب وسلمه لصاحبه، هنا تستحق أن يملك المطالبة بها.
قال: ولا يجب تسليمها قبله وإن وجدت بالعقد. يعني قلنا قبل قليل إنها تجب بالعقد، يقول صحيح تجب بالعقد، هذا يعني أنها تثبت في الذمة، لكن لا تجب المطالبة بها ولا يجب التسليم إلا بتسليم العمل. فلو أن الخياط قال له: سلم الأجرة قبل البدء في الخياطة، فهنا نقول لا يلزمه ذلك، لا يلزمه إلا بالتسليم. قال: ولا يجب تسليمها قبله وإن وجدت بالعقد لأنها عوض الأجرة، فالأجرة عوض، فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض، المعوض الذي هو العمل، إذا سلم المعوض يسلم العوض.
يقول: كالصداق، الصداق الآن يجب بالعقد، مجرد وجوب العقد يجب الصداق، لكن هل يجب تسليمه مع بداية العقد؟ نقول لا، متى يستحق تسليمه، يعني يستقر وجوبه، ويجب التسليم مع الاستمتاع؛ إذا وجد الاستمتاع وجب تسليم الصداق.
هنا في التشجير، قلنا لكم تستحق إجارة العين بتسليم العين أو بدلها، ومثلنا لكم بالشقة؛ إما أن يسلمه إما أن يقول له المفاتيح موجودة في مكان محرم، متى ما جئت لاستلامها، فهنا تستحق الأجرة بمعنى يملك المطالبة بها، له أن يرفع دعوى ويطالب بالأجرة، لكن لو أنه فقط وجد العقد لكن لم يبدأ العقد ولم يوجد تسليم، ورفع دعوى يطالب بالأجرة، فنقول ليس له حق في المطالبة وإن ملك الأجرة، لكن ليس له حق في المطالبة.
تستقر، قال: وتستقر كاملة، يعني تصير ثابتة بذمة المستأجر لسائر الديون باستيفاء المنفعة، وبتسليم العين ومضي المدة مع عدم المانع. تستقر كاملة باستيفاء المنفعة؛ مثل استأجر الشقة وسكنها من واحد محرم إلى 30/12، انتهى العقد، الآن استوفى المنفعة، فهنا تستحق الأجرة، يعني تستقر الأجرة كاملة.
وبتسليم العين ومضي المدة مع عدم المانع؛ جاء وسلمه فتح الشقة مثلاً، استأجر لمدة شهر، مضى الشهر ولم يسكنها، فهنا هل تستقر الأجرة؟ نقول نعم تستقر الأجرة؛ لأن المنافع تلفت تحت يده، المنافع التي هي السكن تلفت تحت يده، يعني بإمكانه أن يستعملها فلم يستعملها، أو فراغ عمل ما بيد مستأجر ودفعه إليه.
هذه حقيقة عبارة دقيقة وهي التي وقع فيها الخلاف بين الإقناع والمنتهى: «فراغ عمل ما بيد مستأجر ودفعه إليه». هذه العبارة هي عبارة التنقيح والإقناع، وكذا «فراغ عمل ما بيد مستأجر ودفعه إليه بعد عمله» هذه عبارة التنقيح والمنتهى.
نمثل بمثال ليتضح المقال: استأجره ليطبخ له في بيته، هذا معنى قوله بيد مستاجر، يعني يكون في بيت المستأجر أو في ملكه. فالآن جاء وطبخ له هذا الغداء أو العشاء ثم دفعه إليه، سلمه له، إذا سلمه له هنا تستقر الأجرة، هذا ما فيه إشكال، هذه متفق عليها بين الإقناع والمنتهى.
الذي فيه الخلاف في المنتهى؛ ففرق يقول: إذا كان في بيت المستأجر فإنه يكفي الفراغ، يكفي أن ينتهي من الطبخ، يغلق الضوء على الغداء أو العشاء، ها هنا استقرت الأجرة بمعنى لو جاء مثلاً شخص أو طفل وسكب الغداء أو العشاء، خلاص راح عليهم، فهنا استقرت الأجرة، هذا على كلام صاحب المنتهى. لكن كلام صاحب الإقناع، كلام صاحب التنقيح والإقناع، لا تستقر الأجرة إلا بالفراغ ودفعه للمستأجر.
أما صاحب المنتهى قلنا يفرق بين أن يكون في بيت المستأجر فهنا يكفي الفراغ، أما إذا كان خارج بيت المستأجر، مثل لو كان الطباخ يطبخ في مطعمه، فهنا لا بد أن يفرغ ويسلم. أما صاحب الإقناع والتنقيح فلم يفرقوا، فقالوا: تستحق... هناك أيضاً إشكالية في كلام صاحب التنقيح والإقناع، لما قالوا تستحق الأجرة قالوا بفراغ عمل بيد مستأجر دفع إليه بعد عمله، لما ذكروا استقرار هذا الاستحقاق، لما ذكروا استقرار الأجرة قالوا بفراغ العمل وسكتوا، يعني فراغ دون تسليم؟ لا، الحقيقة أن كلامه مطلق هنا، لكن الظاهر والله أعلم أنه يحمل مطلق كلامهم بقولهم بفراغ العمل في استقرار الأجرة، يحمل مطلقه على مقيده في الاستحقاق.
لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تستقر الأجرة بمجرد الفراغ، أما استحقاق الأجرة فلا بد من الفراغ والتسليم؛ لأن الاستقرار هو استحقاق وزيادة. فيكون كأن صاحب الإقناع والتنقيح قال في الاستحقاق والاستقرار واحدة، وإن الأجرة على عمل لا تستحق ولا تستقر إلا بالفراغ مع التسليم، سواء كان في بيت المستأجر أو خارج بيت المستأجر. صاحب المنتهى يخالف فيقول: إذا كان في بيت المستأجر يكفي الفراغ، وإذا كان خارجه...
فلابد من الفراغ مع التسنين هنا، المؤلف قال: «أو فراغ عمل ما بيد مستأجر ودفع به إليه». هنا وافق الإقناع ولا المنتهى؟ والمنتهى هو عبارته موافقة للإقناع والتنقيح، لكن ترى حتى يوافق المنتهى في المت ما يخالف في هذا، يخالف إذا كان ليس بيد المستأجر.
يخالف في مسألة إذا كان ليس بيد المستأجر، لا صحيح، يوافق الإقناع والتنقيح، لا يخالف المنتهى. نعم، إذاً هو يوافق الإقناع والتنقيح في هذه العبارة ويخالف المنتهى، لكن قلنا لكم عبارة الإقناع والتنقيح تراها في الاستحقاق عبروا بهذا، وفي الاستقرار عبروا بالفراغ فقط، ولكن الظاهر أنه يحمل كلامهم في الاستقرار كلام المطلق في الاستقرار على كلام المقيد في الاستحقاق، والله أعلم.
قال: «وإن كانت لعمل فببدل تسليم العين ومضي مدة يمكن الاستيفاء فيها». وهذا مثل ما مثلنا لكم، إذا استأجر سيارة لأجل يذهب بها إلى مكة ويرجع، وصاحب مكتب تأجير السيارات قال له: تعال يوم الأحد، ويستطيع أن يذهب ويرجع لمدة مثلاً خمسة أيام، فما جاء إلا بعد سبعة أيام وقال: أريد السيارة، فهنا يقولون: عليه الأجرة؛ لأن المعقود عليه تلف يده فاستقر الضمان عليه.
ثم ختم الباب بذكر أثر الإجارة الفاسدة؛ هل تلزم الأجرة في الإجارة الفاسدة أو لا؟ نقول الإجارة الفاسدة لا تخلو من ثلاثة أحوال:
أما أن يسلمه العين المستأجرة في إجارة فاسدة، مثل أمثلة كثيرة. الإجارة الفاسدة مثل ايش؟ كيف؟ مثلاً قال: أجرتك سيارة ولم يذكر أوصافها، هذه إجارة فاسدة. لم يسلمه الأجير، قال: أجرتك إياها لمدة يوم بـ ١٠٠ ريال، بعد يوم قال: أعطني ١٠٠ ريال، ما سلمته، ما سلمت الأجير هنا، الإجارة الفاسدة إذا لم يسلمه العين، إذا لم يبذل له العين، فإنه لا تلزمه الإجارة، لا تلزمه الأجرة، لماذا؟ لأن المنافع لم تتلف تحت يده ولا في ملكه، فالعقد الفاسد وجوده كعدم.
الحالة الثانية: إذا سلمه إياها واستوفى المنفعة. استوفى المنفعة، قال: أجرتك شقة، والشقة ما ذكر له وصفاً أبداً، هنا الإجارة فاسدة، سكن في الشقة، قال: أجرتك شقة لمدة شهر بـ ١٠٠٠ ريال، سكن في الشقة، فهنا استوفى المنفعة لكن العقد فاسد، ما الواجب فيه؟ أجرة المثل. نقول لا نلزمه بالأجرة المسمى لأن العقد فاسد فالأجرة فاسدة، لكن نلزمه بأجرة المثل لأنه استوفى المنفعة، فلا بد أن يكون هناك مقابل لما استوفاه.
الحالة الثالثة: إذا سلمه العين لكن لم يستلمها، بدل له العين لكن لم يستلمها، مثلاً الشقة في المثال السابق، ما أعطاه مفتاحاً، بعدين أعطاه مفتاحاً لكنه لم يسكن خلال شهر، فهنا العقد فاسد ولم يستوفِ المنفعة، فهل تلزمه أجرة أو لا؟ ماذا قال المؤلف؟ يقول: «من تسلم عيناً بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل لمدة بقائها في يده، سكن أو لم يسكن». يعني تكون مثل الحالة الثانية، عليه أجرة المثل؛ لماذا؟ قال: لأن المنفعة تلفت تحت يده بعوض لم يسلم للمؤجر فرجع إلى قيمتها، المنفعة تلفت تحت يده لأنه متمكن من استيفاء المنفعة والمفاتيح في يده، متمكن، لكن لما كان العقد فاسداً ما ألزمناه بالأجرة المسمى، إنما ألزمناه بأجرة المثل. وهناك رواية ثانية عن الإمام أحمد رحمه الله فيما إذا لم يستوفِ المنفعة أنه لا شيء عليه، يعني لا أجرة عليه، لأن العقد فاسد والمنفعة لم يستوفها فلم يلزمه عوضها، هذا والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بذلك نكون أتممنا باب الإجارة، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
سؤال: لم يبذل له العين، يعني تقصد لم يستلمها؟ إذا تسلم العين، بمعنى مثلاً هنا تسلم المفاتيح، فهنا عليه الأجرة، لكن إذا لم يتسلم العين، فهنا لا أجرة له، اللي هو الحالة الأولى، لا أجرة.
يقول: «إذا شرط المالك على الأجير الضمان»، ومثله أيضاً المؤجر على المستأجر. يعني مثلاً أجّر سيارة وقال: ترى عليك الضمان، حصل عليها حادث، عليك الضمان، أنت مخطئ أو غير مخطئ، عليك الضمان، سرقت السيارة، عليك الضمان، أنت مفرط أو غير مفرط، عليك الضمان؛ فهل يكون ضامناً أو لا؟ هذه مسألة تضمين يد الأمانة، يعني الآن المستأجر أمين، والأمين لا يضمن إذا لم يتعدَّ أو يفرط، فهل يضمن بالشرط؟ هذه مسألة تضمين، إذا كانت الأمانة بالشرط.
والأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى على أن يد الأمانة لا تضمن بالشرط، المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة على أن يد الأمانة تبقى أمينة ولا تضمن ولو بالشرط، وهناك رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا شُرط الضمان فإنه يضمن، ويستدل بحديث: «المسلمون على شروطهم»، لكن المشهور أنه لا يضمن. نكبة في المسألة، الدكتور نزيه حماد توصل إلى جواز الضمان، والظاهر أن البنوك تعمل بهذا القول، الهيئة الشرعية في البنوك تعمل بهذا القول.
يقول: «إذا استأجر شخص أجيراً خاصاً للعمل»، مثل التنظيف لمدة معينة، لكن هذا العامل لم يعمل على الوجه المطلوب أو لم يعمل أصلاً، هل يستحق الأجرة؟ نقول هنا ينظر: إذا عمل على غير ما طلب منه، هل هو مفرط أو متعدٍ؟ بمعنى أن المالك قال له: اعمل كذا وكذا وكذا، وهو عمل غير ما طلب منه، فهنا لا يستحق الأجرة. لكن إذا عمل ما طُلب منه، قال له: نظف، فنظف، لكن لم يرتضِ المالك التنظيف يعني على وجه أقل من الذي يريده المالك، لكن هذا بذل جهده في ذلك ولم يظهر منه تفويط، فإنه يستحق الأجرة. أما إذا لم يعمل أصلاً وإنما جلس، فلا يستحق الأجرة، هذا تفريط منه، حيث لم يسلم نفسه للعمل، والله أعلم.
يعني مثل اللي قلنا، عمل أو بمعنى لم يطلب منه المؤجر شيئاً أو المستأجر شيئاً، مثل السائق الذي سافره مستأجره إلى مكة، فجلس أسبوعاً مثلاً لا يعمل في قيادة السيارة، فهنا يستحق الأجرة.
الأجير الخاص يملك مستأجره نفعه في جميع المدة، فليس له أن يعمل عند غير مستأجره إلا بإذن أو شرط، فلو أذن له أو اشترطه وقال: أنا سأعمل عندك النهار وفي الليل أنا حر بنفسي، فله ذلك، أما إذا لم يكن هناك إذن ولا شرط فلا يجوز له العمل، فإن عمل وأضر بمستأجره فإنه يضمن ما فوته عليه، والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان