دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 65 | باب الإجارة 5

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الإجارة، ووقفنا عند الفصل الذي تكلم فيه المؤلف على حكم عقد الإجارة وأنه لازم عند قوله: «وهي -أي الإجارة- عقد لازم من الطرفين».

أحسن الله إليك. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا وللمصنف وللحاضرين والمسلمين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «فصل: وهي -أي الإجارة- عقد لازم من الطرفين؛ لأنها نوع من البيع، فليس لأحدهما فسخها لغير عيب أو نحوه. فإن أجّر شيئًا ومنعه -أي منع المؤجر المستأجر الشيء المؤجر- كل المدة أو بعضها، بأن سلمه العين ثم حوله قبل انقضاء المدة، فلا شيء له من الأجرة؛ لأنه لم يسلم له ما تناوله عقد الإجارة فلم يستحق شيئًا. وإن بدا الآخر -أي المستأجر- فتحول قبل انقضائها -أي انقضاء مدة الإجارة- فعليه جميع الأجرة؛ لأنها عقد لازم فترتب مقتضاها، وهو ملك المؤجر الأجرة، وملك المستأجر المنافع».

في هذا الفصل يتحدث المؤلف رحمه الله تعالى عن حكم عقد الإجارة، وهل هو من العقود اللازمة أو الجائزة؟ وسيتحدث عن الأمور التي توجب الفسخ أو تسوغه، وسيتحدث أيضًا عن أحكام الأجير الخاص والمستأجر.

هنا قال: «وهي الإجارة عقد لازم من الطرفين». تقدم معنا في بداية كتاب البيوع أن ذكرنا أن العقود من حيث الجواز واللزوم على ثلاثة أقسام: منها عقود لازمة من الطرفين، منها عقد البيع وكذلك عقد الإجارة. وهناك عقود جائزة من الطرفين مثل الوكالة، والشركة، والمساقات، والزراعة على المذهب. وهناك عقود لازمة من طرف وجائزة من طرف، مثل الرهن؛ فالرهن لازم من طرف المرتهن، والمدين هو الراهن، فهو لازم من طرف الراهن، جائز من طرف المرتهن. ومثله أيضًا الضمان والكفالة؛ فالضمان والكفالة لازم من طرف الضامن والكفيل، جائز من طرف المضمون له والمكول له.

فهنا يقول: «الإجارة عقد لازم من الطرفين لأنها نوع من البيع». إنها نوع من البيع لأنها بيع منافع، فاعتصت باسم خاص، كما أن السلم اختص باسم، وهو بيع، لكن لما كان المثمن مؤجلاً والثمن حالًا اختص باسم السلم. والصرف بيع، لكن كلا العوضين نقد بنقد فسمى باسم خاص. فكذلك الإجارة هي بيع، لكنها لما كانت بيع منافع اختصت باسم خاص، فأخذت حكم البيع في اللزوم.

يترتب على كونها عقدًا لازمًا ما ذكره هنا: «فليس لأحدهما فسخها لغير عيب أو نحوه». فإذا وقع العقد فليس لأحد من الطرفين الفسخ إلا إذا وجد شيء وجب الفسخ، ومنها العيب، فالعيب من الأسباب التي تسوغ فسخ العقد.

وهل للمؤجر فسخ العقد إذا حصلت زيادة في الإيجار؟ مثلاً: محمد أجر لخالد لمدة خمس سنوات، وكانت الأجرة السنوية ٥٠,٠٠٠، وفي السنة الثانية ارتفعت الإيجارات وصارت بـ ٧٠,٠٠٠، فهل للمؤجر أن يفسخ العقد؟ ليس له ذلك، فالإجارة عقد لازم.

ولو كان المؤجر هو الناظر على عمارة موقوفة، وزادت الإيجارات بدل ٥٠ ألف صارت ٧٠ ألفًا، فهل له الفسخ؟ نقول: ليس له الفسخ. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «ليس للمؤجر فسخ الإجارة الصحيحة لزيادة حصلت، ولو كانت العين وقفًا». قال الشيخ: باتفاق الأئمة، فلا يقال من مصلحة الوقف أن نرفع العقد، فنحن هنا ننظر مصلحة العقد في الأمور الجائزة، أما الأمور المحرمة فلا ننظر مصلحة العقد.

وقوله: «أو نحوه»، نحو العيب كالتدليس ونحوه، فهذا يسوغ فسخ العقد وسياتينا إن شاء الله.

قال: «فإن أجّر شيئًا ومنعه -أي منع المؤجر المستأجر الشيء المؤجر- كل المدة أو بعضها، بأن سلمه العين ثم حوله قبل انقضاء المدة، فلا شيء له من الأجرة؛ لأنه لم يسلم له ما تناوله عقد الإجارة فلم يستحق شيئًا».

عندنا المؤجر الآن، محمد أجر زرًا لخالد لمدة سنة من محرم عام ٤٧ إلى محرم عام ٤٨، فجاء خالد قال: أعطني المفاتيح، فرفض أن يسلمه المفاتيح إلى أن انتهى العقد، فمنعه كل المدة. الإجارة حق لازم، فإذا منعه كل المدة، هل يستحق المؤجر الأجرة؟ لا يستحق الأجرة؛ لأن عقد الإجارة يقتضي أن يتملك المستأجر المنفعة ويتملك المؤجر الأجرة، فهو لم يملك المستأجر المنفعة، والأجرة مقابل التمكين من المنفعة. وهذا إذا منعه كل المدة، وطبعًا إذا منعه كل المدة انفسخت الإجارة وجهًا واحدًا؛ لأن العاقد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه، فالمعقود عليها هي المنفعة.

أما إذا منعه بعض المدة، كأن يسكنه وأعطاه المفاتيح ثم بعد ستة أشهر أخرجه من الفيلا حتى انتهى العقد، فهنا فعله غير صحيح ولا يجوز، لكن هل يستحق الأجرة أو يستحق بعضها أو لا يستحق شيئًا؟ على كلام المصنف رحمه الله أنه لا يستحق شيئًا، لذلك قال: «أي منع المؤجر المستأجر الشيء المؤجر كل المدة أو بعضها، بأن سلمه العين ثم حوله قبل انقضاء المدة، فلا شيء له من الأجرة».

وكونه لا يستحق شيئًا هذا من مفردات الأصحاب في المذهب، كما قاله المرداوي، بأنه لم يسلم له ما تناوله عقد الإجارة فلم يستحق شيئًا. يقولون: عقد الإجارة يقتضي أن تسلمه المنفعة جميع المدة لتستحق الأجرة، فإذا لم تسلمها بعضها فأنت لم توفِ بعقد الإجارة، إذًا لا تستحق شيئًا من الأجرة. وقاسوه على ما لو استأجره ليحمل له كتابًا إلى موضع، فحمله بعض الطريق، ثم قال: وصل لي هذا الغرض من الدمام إلى مكة، فوصله إلى الرياض ووقف، ثم قال: أعطني أجري لتوصيل هذا الغرض إلى الرياض، فقال له: أنا ما تعاقدت معك على...

إيصاله إلى الرياض، تعقدت معك على إيصاله إلى مكة، فلا يستحق. قالوا كما أنه لا يستحق هنا، فلا يستحق في الإيجار على مدة إيجار العين إلى مدة؛ هذا المشهور من المذهب. والقول الثاني في المذهب، وهو قول أكثر الفقهاء، أن للمؤجر الأجرة بقدر ما سكن المستأجر.

وهذا قول أكثر الفقهاء، وقاسوه على المبيع إذا استوفى المشتري بعضه ومنعه المالك بقيته. يعني لو اشترى شخص من آخر 50 رأساً من الغنم بـ 50,000 ريال، الرأس بـ 1,000 ريال، وجاء أعطاه 20 ومنعه 30، فكم يستحق؟ يستحق 20، قالوا مثل هذا؛ أعطاه شيئاً من مكنه من استيفاء شيء من المنفعة ومنعه باقيها، فله أجرة ما سكن. هذا قول أكثر الفقهاء رحمهم الله تعالى.

في قول آخر في المذهب؛ قال الموفق رحمه الله في ترجيح القول الأول: القول الأول قاسوا مسألة في الإجارة على مسألة في الإجارة، والقول الثاني قاسوا مسألة في الإجارة على مسألة في البيع، يقول: «قياس الإجارة على الإجارة أولى من قياسها على البيع». قلت لهم: الدليل قياسي، لكن كون أن أقيس الإجارة على الإجارة، فالإجارة أقرب ما لها مسألة في الإجارة من أن تقيسها على مسألة في البيع.

طبعاً هذا إذا منعه حتى انقضت المدة، لكن لو منعه بعض المدة، مثلاً بعد ستة أشهر أخرجه لمدة شهرين ثم أعاده، فهو استوفى في نهاية المدة؛ يعني في نهاية السنة استوفى عشرة أشهر: ستة أشهر ثم انقطع شهرين ثم عاد أربعة أشهر، فهنا كم يدفع من الأجرة؟ حتى على المذهب يدفع بقسطها أجرة عشرة أشهر، ويسقط عنه أجرة الشهرين.

وطبعاً الأجرة تحسب عليه بقسطها؛ بمعنى لو كانت مثلاً الشقة التي استأجرها في مكة في أوقات المواسم ترتفع الأجرة، فلو أجره لمدة سنة مثلاً بـ 50,000، لكن هي في رمضان وذو الحجة مثلاً بـ 10,000 في رمضان و10,000 في ذي الحجة، وباقي السنة بـ 30,000، فهنا لو منعه الشهرين هذه، ما نقول شهرين من 12 شهراً يعني يسترجع السدس، لا، يسترجع بقسطها؛ يعني إذا كانت هي تؤجر بأكثر فينظر كم قدرها من الأجرة، لكن إذا كانت الأجرة متساوية طيلة السنة فهنا نقول يسقط عنه بقسطه من المدة.

هذا إذا كان المنع من المؤجر، لكن إذا كان الامتناع من المستأجر؛ قال: «وإن بدا الآخر» أي المستأجر، «فتحول قبل انقضائها» أي انقضاء مدة الإجارة، «فعليه جميع الأجرة» لأنها عقد لازم، فترتب مقتضاها وهو ملك المؤجر الأجر والمستأجر المنافع.

يعني شخص سكن في الشقة ستة أشهر، وهو مستأجر سنة، سكن ستة أشهر مثلاً، ومستأجر الشقة بـ 20,000، وجد شقة أكبر منها وأقرب لعمله بـ 15,000، فقال سأنتقل لها بعد ستة أشهر في نفس الحي أو في حي آخر لكن في نفس المدينة، فهنا انتقل ولم يطلب من المالك فسخ العقد، ولم يأذن المالك بفسخ العقد؛ فهنا ماذا قال المؤلف؟ هل تنفسخ الإجارة أو لا؟ وهل عليه أجرة مسكن فقط؟ لا، يقول: «فعليه جميع الأجرة».

الإيجار مستمر لأن الإيجار عقد لازم، فعليه جميع الأجرة، الأجرة 20,000. يقول: أنا ما سكنت إلا ستة أشهر وخرجت، نقول: الأجرة مقابل التمكين من المنفعة، ومكنك من المنفعة، أنت الذي تركت، وهو مكنك من المنفعة، فعليه أجرة الباقي؛ قال: «لأنها عقد لازم فترتب مقتضاها، وهو ملك المؤجر الأجر والمستأجر المنافع، ولا يزول ملك المستأجر عن المنفعة بتركه للانتفاع».

طيب، هل يجوز للمؤجر التصرف فيها؟ هذه الشقة خرجت فاضية، أنا سأسكن فيها أو سأؤجرها على غيره ولم يُفسخ العقد، الكلام مفترض فيما إذا لم يتفق الطرفان على فسخ العقد، فهنا ليس للمؤجر التصرف فيها لأن المنافع مملوكة للمستأجر، فإن تصرف فيها فأجرها على غيره أو سكن فيها، فما العمل؟ نقول للمستأجر: خلاص ما عليك، قد سكن ستة أشهر، واضحة المسألة؟

وإذا كان غاصباً، كذلك يضمن، يضمن أيضاً. طيب، هل صحيح يعني المستأجر يلزمه له أجرة كاملة؟ الآن المستأجر استأجر بـ 20,000، سكن ستة أشهر، يدفع 10,000 وبقي 10,000، نقول لزمه 10,000. طيب هذه الستة أشهر المؤجر أجرها على غيره، لأجرها مثلاً بـ 15,000 لمدة ستة أشهر، وهي أجرة مثلها، فهو هنا المستأجر يدفع للمؤجر 10,000، والمؤجر يدفع للمستأجر 15,000، إذاً تقسم، يعني يدفع للمستأجر الـ 5,000 الزائدة. لا، لا يصح، عقد الإيجار هنا لا يصح لأن المؤجر هنا لا يملك المنفعة، لكنه حصل وانتهى، وهذا يعني أن المستأجر منع المؤجر من الانتفاع بشيء، فيضمنه للمستأجر.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال المصنف رحمه الله تعالى: «وتنفسخ الإجارة بتلف العين المؤجرة كدابة وعبد مات، لأن المنفعة زالت بالكلية، وإن كان التلف بعد مضي مدة لها أجرة انفسخت فيما بقي ووجب للماضي القسط. وتنفسخ الإجارة أيضاً بموت المرتفق لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه باختلافهم في الرضاع».

هنا قال: «وتنفسخ الإجارة بتلف العين المؤجرة كدابة وعبد مات لأن المنفعة زالت بالكلية». من استأجر عيناً فحيل بينه وبين الانتفاع بها، لم يخلُ من أقسام خمسة، ذكر المؤلف بعضها مفرقة، لكن جمعها كما جمعها الموفق رحمه الله في المغني.

القسم الأول: أن تتلف العين، وهو الذي ذكره المؤلف هنا. والقسم الثاني: أن يحصل على العين ما يمنع الانتفاع بها. والقسم الثالث: أن تُغصب العين المستأجرة. والقسم الرابع: أن يتعذر استيفاء المنفعة من العين بفعل صدر منها. والقسم الخامس: أن يحدث خوف.

أقسام خمسة: القسم الأول تلف العين، الثاني أن يحصل على العين ما يمنع الانتفاع بها، يعني نستطيع أن نقول تلف المنفعة، فالأول تلف العين والثاني تلف المنفعة، والثالث غصب العين المستأجرة، وهذه كلها ذكرها المؤلف. الرابع تعذر استيفاء المنفعة من العين بفعل صدر منها، والخامس ما ذكره المؤلف وهو أن يحدث خوف عام، أشار المؤلف إلى تعليل مسألة أشار إليها لكنه لم يذكرها كمسألة مستقلة.

إذاً المسألة الأولى: أن تتلف العين المؤجرة، إذا تلفت العين المؤجرة فلا يخلوا وقت التلف من أحد أحوال ثلاثة؛ الحال الأولى أن يكون التلف قبل القبض.

استأجر مثلاً سيارة فاحترقت قبل أن يقبضها، فهنا تنفسخ الإجارة بغير خلاف؛ لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، أشبه ما لو تلف المبيع المكيل أو الموزون نحوه قبل قبضه، فإنه يبطل العقد أو ينفسخ العقد.

الحالة الثانية: أن يكون التلف بعد القبض مباشرة وقبل أن يتمكن من استيفاء المنفعة، يعني استأجر سيارة، من يوم أخذ المفتاح جاء يشغلها تلفت، إما احترقت أو أعطبت الماكينة أو نحو ذلك، فهنا أيضاً ينفسخ العقد في قول عامة الفقهاء؛ لأن قبض المنافع باستيفائها والتمكن من ذلك، وهذا لم يحصل.

الحالة الثالثة: أن يكون التلف بعد مضي مدة يمكن الاستيفاء فيها، فهنا ماذا قال المؤلف؟ قال: "انفسخت فيما بقي ووجب للماضي القسم". فلو أنه مثلاً استأجر السيارة لمدة شهر، ثم بعد أسبوعين تلفت السيارة، فهنا يكون عليه أجرة الأسبوعين وبعدها ينفسخ العقد.

إذاً هذا تفصيل انفساخ العقد بتلف العين، فنقول: انفساخ العقد بتلف العين لا يخلو تلف العين المؤجرة من أحد ثلاثة أحوال: إما أن تتلف العين المؤجرة قبل القبض، فهنا تنفسخ الإجارة في الإجماع، أو تتلف بعد القبض وقبل التمكن من الانتفاع، فهنا أيضاً تنفسخ الإجارة في قول عامة الفقهاء لكن ليس فيها إجماع، والمسألة الثالثة أن تنفسخ بعد مضي مدة يمكن الانتفاع بها، فهنا نقول عليه أجرة ما مضى قبل التلف وتنفسخ فيما بقي.

أيضاً مما تنفسخ به الإجارة: بموت المرتضع، لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ هو استأجر مرضعة لترضع طفله فمات هذا الطفل، فنقول تنفسخ الإجارة. وخذ الأحوال الثلاثة السابقة عليه: إذا مات قبل القبض قبل أن تأخذ المرضعة، فهنا ينفسخ العقد، وإذا مات بعد القبض وقبل التمكن من الانتفاع فينفسخ العقد، وإذا مات بعد مدة فإنه ينفسخ فيما بقي.

قال: "لتعذر استيفاء المعقود عليه". قد تقول هذه المرأة: أنا استؤجرت للإرضاع، وأنتم عندكم طفل ثاني، أو أحضروا لي طفلاً ثانياً وأرضعه، فهنا نقول لا، المعقود عليه هو عين هذا الطفل الرضيع، وغيره لا يقوم مقامه؛ لماذا لا يقوم مقامه؟ قال: لاختلاف في الرضع، فهذا يرضع يسيراً وهذا يرضع كثيراً، وهذا له حالة في الرضاع وهذا له حالة، فكل طفل يختلف عن الطفل الآخر في الرضاع، لذلك لا يقوم طفل مكان طفل.

أحسن الله إليكم شيخنا، ثم قال رحمه الله تعالى: "وتنفسخ الإجارة أيضاً بموت الراكب إن لم يخلف بدلاً"، أي من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة، بأن لم يكن له وارث، أو كان غائباً كمن يموت بطريق مكة ويترك جمله. فظاهر كلام أحمد أنها تنفسخ في الباقي؛ لأنه قد جاء أمر غالب منع المستأجر منفعة العين، أشبه ما لو غصب. هذا كلامه في المقنع، والذي في الإقناع والمنتهى وغيره ما أنها لا تبطل بموت راكب.

قال: "وتنفسخ الإجارة أيضاً بموت الراكب إن لم يخلف بدلاً"، قال: أي من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة بأن لم يكن له وارث، وإن كان غائباً. هنا الراكب إذا خلف بدلاً، بأن كان مثلاً استأجر من يوصله في المدينة وله أولاد ورثة في المدينة، مثل السائق الخاص، أحضر لخدمة هذا الأب وتوفي وله ورثة، فهنا هل تنفسخ؟ لا تنفسخ لأنه خلف بدلاً، هذا ما فيه إشكال بين الأصحاب.

الإشكال لو لم يخلف بدلاً، كما في قوله: "بأن لم يكن له وارث"، ليس له ورثة أو أقارب، أو كان غائباً، يعني هو مسافر. استحضر هذه المسألة في الزمن السابق حيث يصعب السفر، تجدهم يجلسون في الأشهر وهم مسافرون، وهذا استأجر مثلاً شخصاً ليوصله إلى مكة للحج ويرجع، فتوفي بين المدينة ومكة وهو من أهل الشام، فهنا هل نقول لا تنفسخ لأن له بدلاً يستطيع أن يوصل أولاده ورثته؟ إذا أوصلهم انتهى الحج وفرغت المهمة التي من أجلها استُؤجر هذا الأجير.

فلذلك هذه هي المسألة التي وقع فيها الخلاف بين آل صاحب المقنع ومعه الحجاوي في الزاد، وبين المنتهى والإقناع؛ فيقول هنا: إذا لم يخلف بدلاً فتنفسخ الأجرة. قال: "كمن يموت بطريق مكة ويترك جملاً"، فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى أنها تنفسخ في الباقي؛ لأنه قد جاء أمر غالب منع المستأجر منفعة العين، أشبه ما لو غصبت.

الإمام أحمد رحمه الله نقل عنه فيمن اكتري بعيراً فمات المكتري في بعض الطريق، المستأجر استأجر بعيراً فمات المستأجر في بعض الطريق، قال: "فإن رجع البعير خالياً فعليه بقدر ما وجب له، وإن كان عليه ثقله ووطاؤه فله الكراء إلى الموضع". يقول الموفق رحمه الله: ظاهر هذا أنه الإمام أحمد حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة إذا مات المستأجر ولم يبقَ له به انتفاع؛ لأنه تعذر استيفاء المنفعة بأمر من الله تعالى، إن الموت يقاس على الخوف العام، أشبه ما لو اكتري من يقلع له برسه فبار أو انقطع قبل قلعه.

قال: "ويجب أن يقدر"، يعني تحمل الرواية عن أحمد أنه لم يكن له من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع، لأن الوارث يقوم مقام المورث؛ هذا تأويل الموفق رحمه الله لهذه الرواية. والقاضي تأولها على تأويل آخر، تأولها القاضي على أن المكري قبض البعير ومنع الورثة من الانتفاع، ولولا ذلك لما انفسخ العقد. يعني القاضي أبو يعلى حمل الرواية هذه، أي الإمام أحمد رحمه الله، على أن المؤجر استولى على هذا البعير بعد موت المستأجر؛ يقول لذلك لم يكن لهم من الأجرة إلا إلى موت المستأجر إلى الموضع الذي مات عنده المستأجر، ولو لم يمنعهم ومكنهم من الانتفاع لكان له الأجرة كاملة.

هذا تأويل القاضي، لكن الموفق رحمه الله لم يرتض ذلك، وقال إنه إذا منعهم نرجع إلى ما قررناه في المسألة السابقة، ما له شيء من الأجرة، على ما قرره الأصحاب؛ فلذلك هذا ما حمل الموفق كلام الإمام أحمد رحمه الله عليه. قال: "والذي في الإقناع والمنتهى وغيرهما أنها لا تبطل بموت راكب". قال الزركشي: "وهذا المنصوص وعليه الأصحاب إلا أبا محمد"، يقصد الموفق رحمه الله، وطابعه بعض الأصحاب كالشارح وغيره.

سياتينا بعد قليل أنها تنفسخ بموت المكري والمكتري، وسنذكر وجه الجمع بين هذا وبين قول: "تنفسخ بموت راكب"، وبين قوله: "لا تنفسخ بموت المتعاقدين".

أحسن الله إليكم شيخنا، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: "وتنفسخ أيضاً بانقلاع ضرس اكتري لقلعه أو برئه"، لتعذر استيفاء المعقود عليه.

فإن لم يبرأ وامتنع المستأجر من قلعه لم يجبر، ونحوه؛ أي تنفسخ الإجارة بنحو كاستئجار طبيب ليداويه فبرئ.

هنا قال أيضًا: تنفسخ أيضًا بانقلاع ضرس اكتري لقلعه. وجاء إلى طبيب الأسنان وقال: أريدك أن تخلع ضرسي، قال: الأجرة 100 ريال، فحدد له موعدًا. هذا عقد لازم، وفي اليوم المحدد لم يحضر المريض، فهل الضرس الذي أريد خلعه قد انخلع من نفسه؟ فهنا تعذر استفاء المعقود عليه؛ لأنه عقد على خلعه فتعذر استفاؤه.

طيب، قال: أو برئ. يعني كان يؤلمه ضر أن يخلعه فحدد له الطبيب موعدًا فبرئ ضرسه، فهل تنفسخ الإجارة أو لا؟ لماذا تنفسخ الإجارة؟ هنا هل يتعذر استيفاء المعقود عليه؟ استؤجر للخلع ولم يخلع بل برئ، استؤجر لقلع ضرس فبرئ. إذا استؤجر لقلع ضرس فانقلع الضرس هنا تعذر استيفاء المعقود عليه.

لكن كيف يكون جانيًا؟ لا يجوز له ذلك، لأنه إذا برئ لم يجز قلعه، فتنفسخ الإجارة؛ وذلك لأن إتلاف جزء من الآدمي محرم في الأصل، وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررًا عليه، وذلك مفوض إلى كل إنسان في نفسه إذا كان أهلاً لذلك، وصاحب الضرس أعلم بمضرته ومنفعته وقدرها. ولذلك قال: «فإن لم يبرأ أو امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر».

إذن، هو شارطه على الخلع، ثم قلنا: إذا انخلع تنفسخ، إذا برئ تنفسخ، إذا لم يبرأ ولم ينخلع وامتنع المستأجر من قلعه، هل تنفسخ؟ لا تنفسخ، لكن لا تكون لازمة، قال: لم يجبر. لكن قالوا تلزمه أجرة المثل؛ لأن الطبيب هنا بذل منفعته.

قال: «ونحوه أي تنفسخ الإجارة بنحو ذلك بنحو ما تقدم، كاستئجار طبيب ليداويه فبرئ». فتنفسخ فيما بقي، فإن امتنع المريض من ذلك مع بقاء المرض استحق الطبيب الأجرة بمضي المدة. يعني مثلاً يداوي من ألم رجله، فالطبيب حدد له عدة جلسات وقال له الأجرة مثلاً 1000 ريال، حضر الجلسة الأولى والثانية ثم تغيب في الجلسات الباقية، هنا هل يستحق الطبيب الأجرة كاملة أو الأجرة لما عمل؟ نقول الأجرة كاملة؛ أنه بدل نفسه للعمل والمريض هو الذي امتنع من الإكمال.

أحسن الله إليكم شيخنا، ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا تنفسخ بموت متعاقدين أو أحدهما مع سلامة المعقود عليه للزومه». قال: ولا تنفسخ بموت المتعاقدين أو أحدهما مع سلامة المعقود عليه للزومه. يعني مثلاً محمد أجر على خالد شقة، محمد هو المالك وخالد هو المستأجر، وخالد له زوجة وأولاد، سكن مع زوجته وأولاده، وتوفي خالد في أثناء العقد، هل محمد له حق أن يخرج أولاده من الشقة؟ يقول: أنا أجرت على والدكم، أنتم لستم طرفًا في العقد. أقول: لا، ما دام العقد مستمرًا، يعني لم ينتهِ، ما دام العقد ساريًا فإن العقد يستمر، ويكون الورثة مقام مورثهم في استيفاء المنفعة.

ومثله أيضًا لو مات المؤجر، مات محمد وله أولاد، فجاء أولاده إلى خالد وقالوا: إن أبانا هو الذي أجر عليك وقد توفي، فاخرج، ليس بيننا وبينك عقد، فهل ينفسخ العقد؟ لا ينفسخ العقد بموت المتعاقدين أو أحدهما مع سلامة المعقود عليه للزومه، كون الإجارة عقدًا لازمًا يترتب عليه أنها لا تنفسخ بالموت، فكل عقد لازم فلا ينفسخ بالموت مع سلامة المعقود عليه.

لكن يستثنى من ذلك مسألة مرت علينا سابقًا، وهي أن الإجارة ما تنفسخ بموت المؤجر، وهي الوقف في أحد مسائله؛ إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه، أو هو الموقوف عليه بأصل الاستحقاق لا بالشرط، فإنه تنفسخ الإجارة بوفاته على أحد القولين في المذهب.

تأتينا الآن بالفرق بين هذه المسألة ومسألة موت الراكب. موت الراكب على كلام الموفق وفي الزاد أنها تنفسخ إن لم يخلف بدلاً، وعلى كلام الإنقاع المنتهي لا تنفسخ. لا يوجد إشكال، لكن الإشكال على كلام الموفق هنا ومن تبعه من الأصحاب. فهنا هل في تعارض؟ قال: لا، قال تنفسخ بموت الراكب إن لم يخلف بدلاً، ثم قال لا تنفسخ بموت المتعاقدين أو أحدهما. هنا الراكب أليس من المتعاقدين؟ هل هذه تقيد تلك؟ فنقول: قول تنفسخ إن لم يخلف بدلاً، تقيد ذلك.

هذا الجواب؛ أن المسألة الأولى قرر الموفق ومن تبعه أنها تنفسخ بموت الراكب إذا لم يخلف بدلاً يقوم مقامه، ولذلك هذا كلامه لما ذكر الرواية عن الإمام أحمد قال: «ويجب أن يقدر أنه لم يكن ثم من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث». هذا ذكره في المغني، وهذا الذي جمع به ابن المنجا في المقنع وفي الإنصاف. ولما ذكر كلام المنجا قال: «ويحتمل أنه قال هذا متابعة للأصحاب، وقال هذا لأجل اختيارهم». يعني يقول إن الموفق لما قال في المقنع: «لا تنفسخ بموت المتعاقدين أو أحدهما»، فإنه يعبر عن رأي الأصحاب، ولما قال: «تنفسخ بموت الراكب»، فهذا تعبير عن رأيه الخاص.

وهذا الجمع جيد لو لم يصرح الموفق في المغني بوجهته، وأنه إنما قال تنفسخ بموت الراكب إذا لم يكن له بديل، وهذا واضح في أنه يقيد هذه المسألة بتلك. والموفق في المقنع أحيانًا له بعض التعبيرات التي يعبر بها ولا يقصد بها بيان رأيه، إنما يقصد ذكر قول الأصحاب، حين يقول: «وقالوا» أو «قال أصحابنا». وأحيانًا يصرح برأيه، وأحيانًا لا يقول «قال أصحابنا» ويمشي. والمرداوي في الإنصاف في مقدمة الإنصاف ذكر بعض المصطلحات التي يستعملها الموفق في المقنع ومقصوده بها، وينبغي لمن أراد دراسة المقنع أن لا يغفل عن دراسة هذه المقدمة الحافلة النفيسة التي قدم بها المرداوي رحمه الله لكتابه الإنصاف، فقد أجاد وأوفى.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «ولا تنفسخ بعذر لأحدهما مثل ضياع نفقة المستأجر للحج ونحوه، كاحتراق متاع من اكتري دكاناً لبيعه فيه». هذه مسألة انفساخ الإجارة بالعذر الخاص. ما العذر العام؟ هذه ما ذكرها المؤلف لكن أشار لها في مسألة موت الراكب؛ لأنه قد جاء أمر غالب ومنع المستأجر من منفعة العين، الأمر الغالب يعني مثلاً خوف عام، مثل ما حصل في جائحة كورونا، فهي كانت جائحة غيرت أو تسببت في تغيير بعض الأشياء.

وحصل خوف عام من الناس، فتعطلت كثير من المشاريع التجارية ونحو ذلك، فهذا خوف عام، وهذا يكون للمستأجر حق الفسخ، وكذا للمؤجر يكون له حق الفسخ.

لكن إذا كان العذر خاصاً، العذر خاص هنا، فالمستأجر مثلاً ذهب للحج ومعه نقود التي سيسرفها في الحج، ونفترض أن هذا في الزمان السابق، لما مشوا مثلاً أسبوعاً على الجمال فُقدت الناقة، هنا لا يستطيع أن يكمل مسألة الحج، فهل ينفسخ؟ هو مستأجر الجمال ليوصله إلى الحج ثم يرجعه إلى بلده، فإن فقد الناقة هل تنفسخ الإجارة أو لا؟ أيضاً استأجر محلاً تجارياً ليبيع أشياء فيه ثم احترق هذا الدكان، هل ينفسخ العقد أو لا؟ هذا عذر خاص.

هل تنفسخ الإجارة بالعذر الخاص؟ ومثله شخص مستأجر شقة، موظف مستأجر شقة لمدة سنتين، بعد سنة حصل له نقل عمل في عمله من منطقة لمنطقة أخرى، في السنة الثانية لن يسكن فيها، هل ينفسخ العقد في ذلك أو لا؟ المؤلف رحمه الله يقول: لا تنفسخ بعذر أحدهما.

لماذا؟ الإجابة أن العقد اسم، وقالوا: العبرة بسلامة المعقود عليه، المناط سلامة المعقود عليه، ما دام المعقود عليه سليماً فلا تمس سواء كان في عذر أو ليس في عذر. طبعاً العذر العام هذا مستثنى، سواء كان في عذر أو ليس هناك عذر، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمه الله تعالى.

القول الثاني: أنها تنفسخ الإجارة للعذر، لعذر المستأجر مثل الأمثلة التي مثل بها هنا، قالوا: لأن العذر يتعذر معه استفادة المنفعة المعقود عليها. مثلاً من استأجر دكاناً ليه هو استأجره؟ ليبيع سلعته، لا يمكن أن يبيع سلعته والمحل محترق، والذي استأجر شقة ليسكن فيها ثم حصل نقل في جهة عمله، لا يمكن أن يستوفي المنفعة. فقد جعل المناط هو إمكانية استفاء المنفعة بنفسه.

والعمل القضائي سابقاً على قول الجمهور، والآن نظام الأحكام المدنية أخذوا بقول أبي حنيفة رحمه الله في فسخ عقد الإجارة للعذر. يقول: لو استأجره ليتاجر فخسر، هل هذا عذر في الفسخ أو لا؟ هذا ليس بعذر لأن التجارة قائمة على الربح والخسارة، فهذا ليس بعذر.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «وإن اكترى داراً فانهدمت، أو اكترى أرضاً لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت، انفسخت الإجارة في الباقي من المدة؛ لأن المقصود بالعقد فات، أشبه ما لو تلف».

وإن أجّر أرضاً بلا ماء، وكذا إن أطلق مع علمه بحالها، وإن ظن وجوده بالأمطار وزيادة الأنهار، صح كالعلم. قال: استأجر داراً فانهدمت، أو استأجر أرضاً ليزرع فيها فانقطع ماؤها أو غرقت، هنا تلفت المنفعة المعقود عليها، فهنا يقول: انفسخت الإجارة في الباقي من المدة لأن المقصود بالعقد فات، فهي كالتالفة.

أما إذا بقي فيها نفع في غير ما استأجرها، مثلاً يستأجر أرضاً ليزرعها فانقطع الماء، ما يمكن أن يزرعها لكن يمكن أن يبنيها يجعلها حوشاً لغنم أو نحو ذلك، يعني يمكن أن ينتفع بها في غير الزرع، لكنه هو استأجرها للزرع، فهنا هل تنفسخ أو لا؟ نقول أيضاً نعم تنفسخ؛ لأن المنفعة التي وقع عليها العقد قد تلفت فانفسخت الإجارة.

لكن إن نقص الانتفاع، مثلاً الماء قل، ممكن أن يزرع لكن ليس هو الذي يكفي المزرعة كاملة، فهنا هل تنفسخ الإجارة أو لا؟ نقول: الإجارة صحيحة لكن له خيار الفسخ، يعني هو مخير إما أن يفسخ وإما أن يستمر.

قال: «وإن أجّر أرضاً بلا ماء صح»، أجّر أرضاً بلا ماء وهو يعلم أنها بلا ماء، ما قال أنا سأزرع فيها، يعلم أنه ما قال ولا قال إنه سيزرع فيها، ويمكن أن يبني فيها، ممكن أن يجعلها مستودعاً ونحو ذلك، فهنا يصح لأن الانتفاع بالأرض غير مقصور على الزراعة، له أن ينتفع بها في أمور كثيرة.

قال: «وكذا إن أطلق مع علمه بحالها»، إن أطلق، ما معنى قوله إن أطلق؟ هنا شارح المنتهى فسرها بشيء، وشارح الإقناع فسرها بشيء. شارح المنتهى فسر قوله إن أطلق بأن قال: أجرتك هذه الأرض مدة كذا بكذا ولم يقيد النفع، ما قال لأجل أن تزرع أو لأجل أن تبني، أطلق النفع. وشارح الإقناع قال إن أطلق يعني ولم يقل ولا ماء له، يعني أنهم أطلقوا بأن استأجر هذه الأرض ولم يصرح أو يقيد أو يشترط أن يكون لها ماء، سكت عنه، فعلى هذا أو هذا فالإجارة صحيحة.

قال: «وإن ظن وجوده بالأمطار وزيادة الأنهار صح كالعلم»، أي يجوز تأجير الأرض للزرع إذا كان لا ماء لها دائم، يعني فيها ماء لكنه ليس مستمراً، لكن يظن وجوده مثل الأرض التي تشرب من الأنهار أو الأمطار، فتصح إيجارها قبل وجود الماء الذي تسقى به وبعده؛ لأن هذا معتاد والظاهر وجوده، فصح استئجارها لذلك.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «وإن غصبت المؤجرة، خير المستأجر بين الفسخ وعليه أجرة ما مضى، وبين الإمضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل».

هذا النوع الثالث من أنواع أو أقسام مسألة إذا حيل بين المستأجر وبين الانتفاع بالعين المؤجرة، إذا غصبت المؤجرة؛ خير المستأجر بين الفسخ وعليه الأجرة للمدة الماضية، وبين الإمضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل.

مثلاً سيارة لمدة شهر فغصبها شخص، فهنا المؤلف رحمه الله قال للمستأجر: أنت مخير بين أن تفسخ وعليك الأجرة للمدة الماضية، وبين أن تمضي تبقي العقد وتطالب الغاصب بأجرة المثل. هذا الكلام أطلقه المؤلف رحمه الله هنا، إلا في كتب الأصحاب، في الإنصاف مثلاً وفي الإقناع والمنتهى يفرقون في العين المؤجرة، يقولون العين المؤجرة إما أن تكون عيناً موصوفة أو تكون عيناً معينة. عيناً موصوفة مثل أن يقول المستأجر للمؤجر: تؤجرني سيارة.

وصفها كذا وكذا وكذا، ما استأجر سيادة ما. فهنا إذا كانت الاستئجار لعين موصوفة ثم غصبت، فإن المؤجر يلزمه إبدالها بسيارة أخرى؛ لماذا؟ وما استأجر هذه العين؟ استأجر منك سيارة، غصبت، وفر له سيارة بديلة، فيلزمه بدلّها، فإن تعذر، فللمستأجر الفسخ.

هذه إذا كانت العين موصوفة في الذمة. الحالة الثانية أن تكون العين معينة، فإذا كانت العين معينة -فهي مثل السيارة- فإنها لا تخلو إما أن تكون مؤجرة لعمل، أو مؤجرة لمدة. مؤجرة لعمل مثل أن يستأجر سيارة ليذهب بها إلى مكة ويرجع بدون تحديد مدة، أو مدة معينة مثل أن يستأجر سيارة لمدة شهور.

فإذا استأجر سيارة لعمل معين ثم غصبت، فإنه مخير بين الفسخ، وبين الصبر إلى أن يقدر عليه. أما إذا كانت العين المؤجرة معينة ومؤجرة إلى مدة، فالمؤلف ذكر هنا أنه مخير بين الفسخ، وبين الإمضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل.

فإن قلنا إذا غصبت العين المؤجرة، فلا تخلو من أن تكون عيناً موصوفة في الذمة أو عيناً معينة. فإن كانت عيناً موصوفة في الذمة وغصبت، فإن المؤجر مطالب بأن يوفر له بدلاً، فإن تعذر فللمستأجر الفسخ. وإن كانت العين معينة، ولا تخلو من أن تكون مؤجرة إلى مدة أو مؤجرة لعمل؛ فإن كانت مؤجرة إلى مدة وغصبت، فيخير المستأجر بين الفسخ وبين الصبر إلى أن يقدر عليه. وإن كانت مؤجرة إلى مدة -كما ذكر المؤلف- فإنه مخير بين الفسخ وبين الإمضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل.

هذا كله فيما إذا كان الغاصب غير المؤجر. فإن كان الغاصب هو المؤجر -مثلاً أجره سيارة سواء كانت معينة أو موصوفة لمدة أسبوع، فأخذها قبل الأسبوع- هنا الغاصب هو المؤجر، فهنا لا أجرة له وينفسخ العقد، كما علم من قوله: «فإن أجره شيئاً ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له من الأجرة».

نعم، أحسن الله إليكم شيخنا. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومن استؤجر لعمل شيء فمرض، أقيم مقامه من ماله». من يعمله ما لم تشترط مباشرته، أو يختلف فيه القصد كالنسخ، فيخير المستأجر بين الصبر والفسخ.

من استؤجر لعمل شيء، شخص استأجر شخصاً ليبني له جداراً أو ليخيط له ثوباً فمرض هذا الأجير، فما العمل؟ يقول: لا تخلو هذه الأجرة من أن تكون على عمل، بمعنى أن المستأجر يريد فقط إتمام معامل، سواء كان منك أنت من المستأجر أو من غيرك، يريد خياطة الثوب سواء خياطه هو أو غيره. فهنا لو مرض هذا الأجير فإنه يلزم أن يستأجر من ماله من يعمل عمله؛ يعني مثلاً خاط نصف ثوب ثم مرض، نعطيه خياطاً آخر، ونأخذ أجرة الخياط الآخر على الخياط الأول، لماذا؟ لأنه هذا العمل حق وجب في ذمته، فوجب عليه إيفاؤه كالمسلم فيه.

هل يجب على المستأجر انتظاره إلى أن يبرأ من مرضه؟ نقول: لا يجب على المستأجر انتظاره، لأن العقد مقتضاه التعجيل، والأصل في العقد التعجيل، وفي التأخير إضرار به. هذا إذا كان الاستئجار على العمل، لكن إذا كان استئجاره على عينه، كأن يستأجر سائقاً خاصاً للشخص بعينه، فهل نقول نستأجر من يقوم مقامه؟ لا، هنا لا يقوم غيره مقامه في ذلك؛ لأن المعقود عليه هو عمل هذا الأجير فقط، هو استأجره لعينه.

أما إذا استأجره على عمل لكن قصد مباشرته -مثل الخطاط أتى بورقة ليخطها، وعلمنا أن المستأجر قصد الخطاط بعينه- فهنا لو مرض، نقول لا يلزم أن يقيم غيره مقامه، فيخير المستأجر بين الصبر حتى يبرأ ثم يكمل له العمل، أو يفسخ العقد، ولا يقام غيره مقامه.

قال رحمه الله تعالى: «وإن وجد المستأجر العين معيبة، أو حدث بها عنده عيب وهو ما يظهر به تفاوت الأجر، فله الفسخ إن لم يزل بلا ضرر يلحقه، وعليه أجرة ما مضى لاستيفائه المنفعة فيه، وله الإمضاء مجاناً، والخيار على التراخي. ويجوز بيع العين المؤجرة ولا تنفسخ الإجارة به، وللمشتري الفسخ إن لم يعلم ولا يضمن».

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن أثر العيب في العين المؤجرة على عقد الإجارة؛ فهل ينفسخ به العقد أو لا؟ تقدم في أول الباب أنه ليس لأحدهما فسخ بعقد الإجارة إلا بعيب. قال: إن وجد المستأجر العين معيبة لما أخذه وجد بها عيباً فله الفسخ، لكن ما العيب الذي يفسخ به العقد؟ قال: هو ما يظهر به تفاوت الأجر، وما يظهر به تفاوت الأجر وتنقص به قيمة المنفعة، بأن تكون الأجرة معه دونها مع عدمه. يعني مثلاً سيارة تهرب زيتاً، فلو أجرتها سليمة يومياً بـ 100، وأجرتها وفي هذا العيب بـ 80، فهذا العيب أثر في الأجرة، فهنا له الفسخ.

قال: سواء صارت هي معيبة من الأصل، أو حدث بها العيب عنده. لو حدث العيب عند المستأجر فله الفسخ، طيب لو حدث العيب عند المشتري هل له الفسخ؟ لماذا المستأجر له الفسخ إذا حدث عنده العيب، والمشتري ليس له الفسخ إذا حدث عنده العيب؟ نعم، يده يد أمانة.

وإذا كان العيب في المنفعة نفسها، لكن يمكن الاستيفاء مع النقص؛ هنا قال أحد المتابعين: قلت في البيع انتقلت الملكية، بخلاف الإجارة، وصحيح انتقلت الملكية، لكن في الإجارة انتقلت ملكية المنفعة. فلو كان العيب في المنفعة نفسها التي استؤجر من أجلها، فهنا يقولون الفسخ. المنافع تستوفى شيئاً فشيئاً، فمثلاً استأجر شقة للسكن مدة سنة، أو استأجر سيارة ليعمل عليها مدة شهر، فهو اليوم الأول سينتفع بها، واليوم الثاني سينتفع بها، فلو حدث العيب مثلاً في اليوم العاشر.

هو مالك المنفعة، ولم يقبض المنفعة؛ كان الحدث عيباً قبل القبض؛ لأن المنفعة تستوفى شيئاً فشيئاً، فإذا حدث العيب فقد وجد قبل قبض الباقي من المعقود عليه، فأثبت الفسخ فيما بقي منها، فلذلك له الفسخ.

قال: له الفسخ إن لم يزل بلا ضرر يلحقه، فإن بادر المؤجر إلى إزالة العيب من غير ضرر يلحق المستأجر فلا خيار للمستأجر لعدم الضرر، وإلا فله الفسخ. يعني لو أن المستأجر قال مثلاً: انكسرت مواسير المياه في شقتي، فجاء المؤجر وقال للمستأجر: خلاص افتح لي الباب وأنا سأصلح هذا الخلل، وأصلحه وهذا ما زال ساكناً، فهنا أصلح الخلل ولم يمنع المستأجر من الانتفاع، انتهى العيب؛ فهنا هل له الحق في الفسخ؟ نقول: لا، هنا زال العيب بلا ضرر يلحق المستأجر، فليس له الفسخ.

قال: وعليه جُت؛ إذاً طبعاً له الفسخ، ليس واجباً، إذا قال: له الفسخ وله الإمضاء، فإذا فسخ فعليه أجرة ما مضى لاستيفائه المنفعة فيه. يعني مثلاً فسخ بعد ستة أشهر، نقول: أجرة ستة أشهر الأولى عليك، ولا أجرة ستة أشهر الثانية؟ خلاص ينفسخ العقد؛ لأن الأجرة مقابل المنفعة وقد استوفى المنفعة.

قال: وله الإمضاء مجاناً، هذا الخيار الثاني أنه يمضي العقد، لكن يمضيه مجاناً، يعني بلا أرش؛ فيلزمه جميع العوض لأنه رضي به ناقصاً، أشبه ما لو رضي بالمبيع معيباً، وهذا هو المشهور من المذهب، وقيل يملك الأرش وهو تخريج للموفق.

قال في المحرر: قرر وتبعه في الفروع وغيره؛ قياس المذهب له الفسخ أو الإمساك مع الأرش. يعني قياس المذهب قياساً على ما ذكره في البيع والإجارة، أنه من البيع، والبيع ذكر أن له الفسخ والإمساك مع الأرش، فقالوا إذاً الإجارة له الفسخ وله الإمساك مع الأرش، وهذا من المفردات واستظهره المرداوي في التنقيح.

قال ابن نصر الله رحمه الله: تعبنا ولم نجد بينهما فرقاً، يعني بين الإجارة والبيع فرقاً في هذه المسألة.

إن لم يعلم بالعين حتى فرغت المدة، فالمذهب أنها تلزمه الأجرة كاملة، وخرج الموفق لزوم الأرش وصوبه في الإنصاف، وقال: لا سيما إذا دلسه.

وهذا التخيير في العين المعيبة بين الفسخ والإمضاء؛ هذا إذا كانت العين المؤجرة معينة، أما إذا كانت العين المؤجرة موصوفة في الذمة، كأجرة سيارة موصوفة في الذمة وصار فيها عيب، فهنا نقول: لم ينفسخ العقد، وعلى المؤجر إبدالها؛ لأن العقد لم يتعلق بعينها، أشبه المسلم فيه إذا سلمه على غير صفته، فإن عجز عن إبدالها وامتنع منه ولم يمكنه إجباره عليه، فللمستأجر الفسخ.

قال: والخيار على التراخي كما تقدم في البيع. قال: ويجوز بيع العين المؤجرة ولا تنفسخ الإجارة به، يعني شخص مؤجر عنده عمارة فيها شقق، أجّر الشقق كلها، ثم جاء شخص آخر سيشتري منك العمارة هذه، فهل يجوز؟ يجوز؛ لأن الشراء ينصب على عين المبيع، وهؤلاء مستأجرون للمنفعة، مستأجرون يعني مالكون للمنفعة، فيجوز بيع العين المؤجرة ولا تنفسخ الإجارة به، سواء باعها للمستأجر أو غيره؛ لأن الإجارة عقد على المنافع فلم تمنع الصحة.

ويملك المشتري العين مسلوبة المنفعة إلى حين انقضاء الإجارة، يعني المشتري يملك العين، لكن المنفعة يملكها المستأجرون إلى حين انقضاء عقد الإجارة. تبقى مسألة وهي: الأجرة بعد العقد، هذه للمشتري أم للبائع؟

هذا مثلاً: يملك محمد، أجّرها على خالد، استأجر خالد أجّرها مثلاً بـ 50000 ريال، بعد شهرين باع محمد العقار، هذه كلها باعها على زيد؛ الآن الأجرة المتبقية هل هي لزيد ولا لمحمد المالك الأول؟ المسألة خلافية بين الأصحاب رحمهم الله تعالى. طبعاً إذا نص الطرفان، إذا اتفق الطرفان في عقد البيع على أن الأجرة للبائع أو للمشتري، خلاص، الأمر على ما اتفق عليه، الكلام فيما إذا لم يتفق على شيء، فهل تكون الإجارة للبائع ولا للمشتري؟ خلاف بين الأصحاب رحمهم الله تعالى، خلاف بين صاحب المنتهى وصاحب الإقناع. ما أراد توسعاً يرجع إلى المنتهى والإقناع في هذه المسألة، وابن رجب رحمه الله له كلام عليها في القاعدة السادسة والثلاثين.

قال: يجوز بيع العين المؤجرة ولا تنفسخ الإجارة به، وللمشتري الفسخ إن لم يعلم، اشتري جاء يشتري الفلة على أنه سيسكنها، فلما أراد أن يسكنها وجد فيها مستأجراً من المالك السابق ولم يعلم به، هل له حق أن يخرجه؟ لا، ليس له حق؛ لأن هذا سكن بعقد مع صاحبه، فهنا نقول له خيار الفسخ؛ لأن هذا عيب، وله الإمضاء مجاناً، وقيل له الأرش، وقيل له أرش مقابل الساكن فيها.

نكتفي على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

يقول عند قوله: إن لم يزل بلا ضرر يلحقه، هل يشترط بأن يكون الزمن يسيراً لإزالته؟ لا، هنا الشرط عدم الضرر، وغالباً الزمن الطويل يكون فيه ضرر، لكن لو فرض في زمن طويل ولم يتبرر فإنه لا ليس له حق الفسخ، والله أعلم. أنا ما بغيت أدخل فيها لأنها مسألة دقيقة، تريد أن أدخل فيها؟ خلها بداية الدرس القادم إن شاء الله، لأنها مسألة دقيقة تحتاج إلى تبصر.

يقول: لو أن شخصاً استأجر محلاً تجارياً لمدة سنوات مثلاً، وجاء مشروع بجانب هذا المحل ترتب عليه أن نقص الانتفاع من هذا المحل، لأن مثلاً قل مرتاد هذا المحل، أحياناً يكون الطريق ضيقاً، ما يجدون مواقف قريبة من المحل فيتركونه ويذهبون لمحل آخر يكون مطعماً ونحو ذلك، فهل هذا عيب ينقص به المنفعة؟ نقول: نعم، هو عيب، لكنه في الحقيقة العيب ليس من المستأجر ولا من المالك من جهة أخرى، وغالباً في مثل هذه يصلون إلى صلح بينهم بدل ما يفسخ العقد، ينزل له شيئاً من الأجرة مقابل أنه يستمر في العقد.

لكن هو أعيد له حق الفسخ، قال الفقهاء: إذا اختلفوا، طبعاً ضابط العيب هو ما تنقص به الأجرة، خذ ما قرروه في خيار العيب أنه ما عده التجار عيباً؛ فالنقص اليسير لا يعد عيباً يوجب الفسخ، لكن النقص الذي يعده التجار عيباً، إذا اختلفوا في الشيء هل هو عيب أو لا، يرجع إلى قول أهل الخبرة يقرر هل هو عيب أو ليس بعيب. أي نعم، له حق يقول إن شخصاً استأجر شقة فتبين له أنها...

سبق أن سكنت من الجن، فهل له حق الفسخ؟ قل: نعم، حق الفسخ إذا أثبت. أما مجرد دعوى أنها مسكونة، فهذا لا؛ إذا لم يصدقه لا بد من بينة إلا إذا صدقه المؤجر.

وهذا يقول: تنفسخ الإجارة بموت المربية، هل تنفسخ بموتها؟ نعم، لأنها هي معقود عليها أيضًا، فتنفسخ الإجارة بموتها.

قالوا: هل يصلح تبديلها إذا ماتت؟ لا، يعقد عقدًا آخر مع مرضعة أخرى.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.