دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 64 | باب الإجارة 4

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الإجارة، ووقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وأن أجر الدار ونحوها كالارض مدة معلومة...» إلى آخره.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «وأن أجر الدار ونحوها كالارض مدة معلومه ولو طويله يغلب على الظن بقاء العين فيها صح ولو ظن عدم العاقد فيها ولا فرق بين الوقف والملك؛ لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استفاء المنفعة منها غالبا، وليس لوكيل مطلق إجارة مدة طويلة، بل العرف مطلق وكيل مطلق، لوكيل مطلق إجارة مدة طويلة، بل العرف كسنتين ونحوهما»، قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.

ولا يشترط أن تلي المدة العقد، فلو أجره سنة خمس في سنة أو أربع صح. ولو كانت العين مؤجرة أو مرهونة حال عقد إن قدر على تسليمها عند وجوبه.

أما الإجارة، فإما أن تكون إجارة عين معينة، أو أن تكون إجارة على عمل؛ إجارة أعيان وإجارة أعمال. وإجارة العين إما أن تكون محددة بمدة أو محددة بعمل. عندنا إجارة عين محددة بمدة، وهي التي ذكرها هنا، مثل أجر محمد على خالد الشقة لمدة سنة، هذه إجارة عين محددة بمدة. وإجارة عين محددة بعمل، مثل أن يستأجر محمد خالدا ليوصله إلى مكة بسيارته، هنا استأجر السيارة مع سائقها ليوصله إلى مكة، فهذه أجرة عين لكنها محددة بعمل، وأجرة العمل مثل أن تستأجر شخصا ليبني لك جدارا.

فإجارة العين المحددة بمدة يشترط لها شرطان: لابد أن تكون المدة معلومة، وهذا الشرط الأول؛ فلو قال له: أجرتك هذه الشقة لتسكن فيها إلى ما شئت، هنا لا تصح الإجارة لأن المدة غير معلومة، ولأن المدة هي الضابط للمعقود عليه المعرف له، فاشترط العلم بها.

والشرط الثاني هو أن يغلب على الظن بقاء العين فيها. فلو أجره مزرعة لمدة عشر سنوات، يغلب على الظن بقاء المزرعة لمدة عشر سنوات. لكن لو أجره سيارة لمدة مئة سنة، لا يغلب على الظن أن السيارة تبقى هذه المدة. فلا بد في إجارة العين المحددة بمدة من توفر الشرطين: أن تكون المدة معلومة سواء كانت قصيرة أو طويلة، وأن يغلب على الظن بقاء العين المعقود عليها في هذه المدة. ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة، بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى أَن تَأْجِرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [يوسف: 72]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم دليل على نسخه.

يقول ابن المنجا في الممتع: «الإجارة في المدة الطويلة صحيحة إذا كانت العين يغلب على الظن بقاؤها فيها كالمده القصيره»، كما صححنا في المدة القصيرة كذلك في المدة الطويلة، لأن المناط هو غلبة بقاء العين فيها.

فإجارة الأعيان إذا كانت على مدة تصح بشرطين: أن تكون المدة معلومة، وأن يغلب على الظن بقاء العين فيها. قال: «ولو ظن» تصح، وهذا يعني عدم بقاء العاقد فيها؛ فلو استأجر شخص شقة لمدة خمس سنوات وكان معه عائلته لكنه مريض مرضا قد لا يستمر معه طويلا، فيغلب على الظن أنه سيموت في هذه المدة، فهل يصح العقد؟ يصح العقد؛ لأن عقد الإجارة لا ينفسخ بالموت، فإذا توفي في أثناء العقد فإن الورثة يحلون محله، وكذلك لو توفي المالك في أثناء العقد فإن الورثة يحلون محله، والقاعدة أن العقود اللازمة لا تنفسخ بالموت خلاف العقود الجائزة فإنها تنفسخ بالموت.

قال: «ولا فرق بين الوقف والملك»، يعني لا فرق فيما تقدم بين العين الموقوفة والعين المملوكة؛ لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبا. فيقول حتى العين الموقوفة يجوز تأجيرها مدة طويلة لكن بشرط أن يغلب بقاء العين فيها، ولو ظن عدم العاقد.

وهذا نقله صاحب الكشاف عن صاحب الرعاية ابن حمدان، لكن قال في المبدع وفيه نظر؛ عدم التفريق بين العين الموقوفة والعين المملوكة فيه نظر، والسبب ما ذكرناه في الدرس الماضي في الباب الثاني في الوقف، أن الورثة يتلقون العين من المورث بخلاف من يتلقى العين من الموقف.

ولذلك ابن مفرح في المبدع قال: «فيه نظر»، ولم يبين وجه النظر، لكن بينه ابن قايد في حاشيته عن المنتهى، قال: «وكان وجهه أن الملك فيه أضعف من ملك الموقوف عليه لمنفعة أضعف من ملك المالك للمنفعة، وأن البطن الثاني في الوقف يتلقاه عن واقفه بلا ولاية للمؤجر على ما لا يستحقه، فلو قيل لابد من ظن بقائه لم يبعد...» إلى آخر كلامه رحمه الله.

وليس لوكيل مطلق إجارة مدة طويلة بالعرف، كسنتين ونحوهما، قاله الشيخ تقي الدين. يعني عندنا في الوكالة، لو وكل زيد محمدا في تأجير مزرعته ولم يحدد له مدة، فهل للوكيل أن يأخذ بعموم هذه الوكالة ويؤجرها أي مدة طرأت على باله؟ يقول لك هنا ليس له أن يؤجر مدة طويلة، بل يؤجر العرف.

فنقول العرف مثلا في إجارة المزارع لو قلنا العرف في إجارة المزارع مثلا عشر سنوات، فليس له -لو لم يقيده موكله بشيء- أن يؤجرها مثلا لمدة عشرين سنة؛ لأن الإطلاق هنا يقيد بالعرف. فهنا قول شيخ الإسلام بالعرف كسنتين ونحوهما فيما العرف فيه لا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات، لكن لو كان في بلد أو في جزء من العقارات تؤجر العرف مدة طويلة، فهنا للوكيل أن يؤجر هذه المدة الطويلة، أي أطول من سنتين.

ولذلك يقول المرداوي في الإنصاف عند ذكره لكلام شيخ الإسلام: «الصواب الجواز إن رأى في ذلك مصلحة وتعرف بالقرائن». والذي يظهر أن الشيخ تقي الدين لا يمنع ذلك، وهذا كلام المرداوي في الإنصاف. فإذا كان العرف يقضي بأن العين تؤجر أكثر من سنتين أو نحوهما فيتقيد بها، وكذلك لو كان فيه مصلحة كما ذكره صاحب الإنصاف.

ولعل إطلاقات بعض الأئمة والفقهاء في بعض النصوص تجدها مبنية على واقع في زمنه، فلا يصح التعميم خاصة في كلام بعض الفقهاء مثل كلام الشيخ الإسلام رحمه الله في بعض المسائل؛ تجده سئل عن مسألة معينة فكان يجيب على هذه المسألة بالواقعة التي سئل عنها فيطلق بعض الإطلاقات، فيظن طالب العلم حين يجد شيخ الإسلام قال كذا أنها قاعدة، أو يظن هذا اختيار شيخ الإسلام في المسألة كلها، لا، بل قرره في مسألة معينة. فلذلك قد نقول إن كلام شيخ الإسلام هنا قيده في مسألة معينة.

سنتين ونحوهما قد يقول البعض: إذاً المذهب عندنا أن الوكيل المطلق لا يؤجر أكثر من سنتين، انظر الكلام؛ يقول: «ليس لوكيل مطلق أن يؤجر مدة طويلة، بل العرف كسنتين ونحوهما»، فقيدها بالعرف ومثل للسنتين، فهي ليست تقييداً له.

وقال: «ولا يشترط أن تلي المدة العقد، فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح». يعني الآن لو أن محمداً عنده عمارة، جاء شخص وقال: أنا أريد أن أنتقل إلى هذا الحي أو إلى هذه المدينة السنة القادمة، أريد أن أستأجر منك هذه الفيلا، وهذه الفيلا ينتهي إيجارها في عام 1447، فهي في عام 1448 ليست مؤجرة، فهل يجوز له أن يؤجرها؟ أم نقول لا، انتظر إلى أن يأتي العقد ثم تستأجرها؟ لا، هنا يجوز له أن يؤجر؛ لذلك قال: «لا يشترط أن تلي المدة العقد، فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح»، ونقول لو أجره سنة 1448 في سنة 1447 صح.

وقال: «ولو كانت العين مؤجرة أو مرهونة حال عقد قدر على تسليمها عند وجوبه». يعني سواء كانت العين فاضية، أو كانت الفيلا غير مستأجرة في الوقت الذي أتى فيه مثلاً في شهر جمادى الأولى عام 1447 وقال: أنا أريد أن أستأجر منك هذه الفيلا عام 1448، فيجوز ذلك. سواء كانت الفيلا هذه مؤجرة أو كانت غير مؤجرة، وسواء كانت مرهونة أو لم تكن مرهونة؛ لو كانت العين مرهونة مثلاً، هذا المالك رهن هذه الفيلا عند شخص عليه دين، وسيسدد هذا الدين في شهر ذي الحجة من عام 1447، ففي عام 1448 سيستطيع تسليمها للمستأجر، فيقولون يصح ذلك.

ولذلك قال: «إن قدر على تسليمها عند وجوبه». لماذا يصح؟ قالوا: لأنها مدة جاز العقد عليها مع غيرها، فجاز العقد عليها مفرده. يعني يقولون أنت الآن لو جاء سيستأجر منك الفيلا لمدة سنتين اعتباراً من هذا اليوم، فالسنتين سيدخل فيهما عام 1448، فما في إشكال، فلما جاز لك تأجير هذه المدة مع غيرها -التي هي مع ما قبلها- فيجوز لك تأجيرها أيضاً مفرده، وإنما تشترط القدرة على التسليم عند وجوب التسليم.

كالمسلم فيه؛ الآن لو أن شخصاً أسلم إلى شخص ألف ريال على أن يأتيه بعد ستة أشهر بتمر، فهل يشترط في التمر أن يكون قادراً على تسليمه وقت العقد أو وقت حلول دين السلم؟ يشترط وقت الحلول، ولذلك من الشروط القدرة على التسليم وقت الحلول، فهذا مثله. يقولون المشترط القدرة على التسليم وقت العقد، نعم، القدرة على التسليم وقت بدء العقد، وليس القدرة على التسليم عند الاتفاق عليه.

الآن سياتينا للشرط. النوع الثاني من تأجير العين: قلنا تأجير العين على مدة، والثانية تأجير العين وتحديد المدة بالعمل. أحسن الله إليكم شيخنا. قال رحمه الله تعالى: «وإن استأجرها -أي العين- لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث أرض معلومة بالمشاهدة لاختلافها بالصلابة والرخاوة، أو دياس زرع معين أو موصوف لأنها منفعة مباحة مقصودة، أو استأجر من يدله على طريق، اشترط معرفة ذلك العمل وضبطه بما لا يختلف؛ لأن العمل هو المعقود عليه، فاشترط فيه العلم كالمبيع».

هذا النوع الثاني من أنواع إجارة العين، وهي إجارة العين محدودة بعمل. قلنا النوع الأول إجارة محدودة بمدة، والثاني إجارة محدودة بعمل. مثل على ذلك: «استأجر دابة لركوب إلى موضع معين»، دابة أو سيارة مثلاً لركوب إلى موضع معين مثل مكة، «أو بقر لحرث أرض معلومة»، وقال لك هنا: «بالمشاهدة»، يعني أن الأرض لابد أن تعلم بالمشاهدة، وهذا يرجع إلى ما ذكرناه في شروط إجارة العين، وأنها لابد أن تكون معلومة برؤية أو صفة، وذكرنا أن العقار مما لا ينضبط بالصفة، فلذلك لابد فيه من المشاهدة.

لذا قال: «لاختلافها بالصلابة والرخاوة»، هذا تعليل لاشتراط المشاهدة، وهو تعبير فقهي. الأرض إذا استأجرت بقراً لتحرث أرضاً لابد أن تشاهد الأرض؛ لماذا لابد أن تشاهد الأرض؟ لاختلافها بالصلابة والرخاوة. والمثال الثالث: «دياس»، يعني استأجر بقر لدياس زرع معين أو موصوف، قال: «لأنها منفعة»، وهذا تعليل لجواز استئجار البقر للدياس؛ لأن الدياسة منفعة مباحة مقصودة. والمثال الرابع: «استأجر من يدله على طريق».

شخص استأجره ليدله على طريق، هذه أمثلة أربعة. قال لك: اشترط ماذا؟ اشترط أمران، هناك اشترط أمران وهنا اشترط أمران؛ اشترط معرفة ذلك، يعني معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف، أي ضبط صفاته التي يتأثر بها الثمن أو تتأثر بها الأجرة. فلا بد إذا من هذين الأمرين: معرفة العمل، ولا بد أن يضبط بما لا يختلف.

فإذا مثلاً استأجر رجلاً ليدله على طريق، لا بد أن يعرف العمل؛ تدله على طريق ماذا؟ قال مثلاً: أريد أن يدلني على طريق مكة. ضبطه بما لا يختلف: يدلك بماذا؟ يركب معك؟ أو يوصف لك؟ فهذه كلها يختلف بها الثمن، فلا بد من تحديده. لماذا اشترط هذان الشرطان؟ قال: لأن العمل هو المعقود عليه، فاشترط فيه العلم كالمبيع. إذا يقول لك: اشتراط العلم بالعين أنك تستأجر هذه العين المعينة، يعني مثلاً بقرة معينة، هذا معروف أنه اشترط فيها الشروط الخمسة التي ذكرت سابقاً، لكن أنت استأجرتها لأجل عمل معين، فاشترط فيها هذان الشرطان الزائدان على الشروط الخمسة.

استأجره لمدة خمسة أيام ليوصله إلى مكة خلال خمسة أيام، لا إشكال في ذلك. أما إذا قصد استأجره ليتمشى به خمسة أيام، فهذه مدة، وهذا استئجار مدة وقصد بها المدة لكن العمل عمل معين. هل المشاهدة تكفي؟ هو التصوير، حقيقة إذا كان صورة حديثة وواضحة ودقيقة فربما نقول إنها تكفي، لكن لو كانت الصورة قديمة -مثل التي تجدها في تطبيقات الحجز ونحوها- تجد صوراً للمكان أول ما أنشئ، نظيف وجديد، ثم تذهب إليه وتجده بالياً، فهل تكفي هنا؟ هذا على القول الثاني.

القول الثاني في المذهب أن العقارات -أي ما لا ينضبط بالصفة عموماً- يصح تأجيرها وله خيار الرؤية، قياساً على ما ذكروه في بيع الغائب بدون صفة؛ قالوا إنهم اشترطوا الرؤية أو صفة فيما ينضبط، فلو باعه بدون صفة أو كان مما لا ينضبط بالصفة، فالمشهور من المذهب أنه لا يصح، والقول الثاني في المذهب أنه يصح وله خيار الرؤية، فيتخرج عليها كلامهم في الإيجار. فعلى المشهور من المذهب لا يصح، والقول الثاني يصح وله خيار الرؤية، أي أن الصفة التي ذكرت ليست هي ما يحقق المشاهدة والصفة غير دقيقة.

أحسن الله إليكم شيخنا، قال رحمه الله تعالى: «ولا تصح الإجارة على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة»، أي مسلماً كالحج والأذان وتعليم القرآن؛ لأن من شرط هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه. ويجوز أخذ الرزق على ذلك من بيت المال.

والفرق بين الرِّزْق والرَّزْق؛ الرِّزْق (بالكسر) هو الإعطاء، وهو الفعل، والرَّزْق (بالفتح) هو المرزوق، وهو المال. فالآن، هل يأخذ الإعطاء أم يأخذ المال المرزوق؟ المال فهو رزق. وعندك في باب الأذان قالوا: لا رِزْق من بيت المال لعدم المتطوع، هناك في الفتوى: رِزْق لأنه لا إعطاء من بيت المال، لكن هنا يأخذ الرَّزْق أولاً بالأصل.

قال رحمه الله: «ويجوز أخذ رزق على ذلك من بيت المال، وجعالة، وأخذ بلا شرط». قال رحمه الله: «ولا تصح الإجارة على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة»، أي مسلماً. هذه إجارة المنافع؛ فالإجارة الآن إما على عين، أو على منفعة، أو عمل، وهنا هي إجارة عمل. يقول: لا يجوز أخذ الأجرة على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة أي مسلماً كالحج والأذان وتعليم القرآن، ولماذا؟ علل قال: لأن من شرط هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه.

وقبل أن ندخل في هذا، نقول: الأعمال إما أن تقع إلا قربة، أو يمكن أن تقع قربة وغير قربة. التي لا تقع إلا قربة ذكر لك هنا: الأذان، تعليم القرآن، الحج... إلى آخره. والتي تقع قربة وغير قربة مثل: تعليم الخط، تعليم الحساب ونحوها، تقع قربة وغير قربة؛ فهذه يصح أخذ الأجرة عليها. أما التي لا تقع إلا قربة، فالمشهور من المذهب أنه لا يصح أخذ الأجرة عليها، وهذا هو المشهور من المذهب ونص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على ذلك.

واستدل الأصحاب بعد ذلك بأحاديث، منها حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه وفيه أن النبي ﷺ عاهد إليه، قال: «اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً». وفي حديث عبادة بن الصامت لما علم ناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة، أهدى له رجل قوسه، فذكر ذلك النبي ﷺ فقال: «إن سرك أن يقلك الله قوساً من نار فاقبلها»، وأحاديث أخرى.

والقول الثاني في هذه المسألة الجواز، وهو مروي عن الإمام أحمد رحمه الله، وقال به الإمام مالك والشافعي في الجملة؛ لأن الرسول ﷺ زوج رجلاً بما معه من القرآن. والأصحاب ذكروا أن كل ما صح أخذ أجره صح أخذه مهراً، وإذا جاز تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح وقام مقام المهر، حل أخذ الأجرة عليه في الإجارة، ولحديث: «أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله».

ونقل أبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بأمانات الناس». التعليم أحب إليه. وقال الموفق رحمه الله: وهذا يدل على أن منعه منه في موضع، منعه للكراهة أو للتحريم. وكما قلنا المشهور من المذهب هو التحريم. وأجاب الأصحاب رحمه الله تعالى عن حديث الرقية «أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» بأن فيها نوع مداواة، فهي ليست قراءة محضة، ليست قربة محضاً، إنما فيها علاج، والمأخوذ عليها جعل.

والمداواة يباح أخذ الأجرة عليها، والجعالة أوسع من الأجرة. وأما حديث: «زوجتك بما معك من القرآن»، فقالوا ليس فيه تصريح بأن المهر هو التعليم، فربما كان زوجها بغير مهر لما معه من القرآن، يعني زوجها كرامة له بدون مهر لأجل أنه حفظ كذا وكذا من القرآن. وقيل بالفرق بين العوض والأجر؛ المهر والأجرة، بأن المهر ليس عوضاً محضاً.

إذن هذا الخلاف في هذه المسألة من الأمثلة التي يذكرونها واختلف فيها الأصحاب: هل يصح أخذ الأجرة عليها أو لا؟ تعليم الأمور الشرعية كالحديث والفقه والتفسير ونحوه، فهل يصح أخذ الأجرة عليها أو لا يصح؟

الموفق رحمه الله قال: الحق تعليم الفقه والحديث، ألحقها بتعليم الأمور المباحة كالشعر ونحوه، فأجاز أخذ الأجرة عليها في المغني وفي الكافي، وكذلك الشارح تبعه في ذلك، وصححه المرداوي في التصحيح. والوجه الثاني في المذهب هو المنع، وهو الذي صححه في الإنصاف، واقتصر عليه في التنقيح، وهو الذي عليه صاحب الإقناع والمنتهى.

والعجيب أنهم هنا في الإجارة قرّبوا عدم جواز أخذ الأجرة عليها صاحب الإقناع والمنتهى، وفي الروض ماذا ترى؟ تعليم الفقه والحديث، وفي الصداق قرروا جواز أن يصدقها تعليم فقه أو حديث، وعلل الشراح بأن هذه مما يجوز أخذ الأجرة عليها فجاز دفعها بها، فأخذوا في كل باب بقول.

لكن مثلاً الموفق والشارح قرروا في الإجارة الجواز وقرروا في الصداقة الجواز، لكن مثل القول الثاني في المذهب الذي عليه صاحب الإقناع والمنتهى هنا أخذوا في الإجارة بقول وأخذوا في الصداق بقول، ولعله سبب اختلاف ذلك يرجع إلى كون العوض في الإجارة عوضاً مقصوداً، خلاف العوض في الصداق؛ فإنه عوض غير محضا، يعبر به الأصحاب رحمهم الله تعالى، فلعلهم من هذا الباب أجازوا كون تعليم الفقه والحديث يصح جعله صداقاً.

والذين جوزوا جعله إجارة نظروا إلى أنه هو اكتساب، إكساب مهارة حقيقة، فيه إكساب مهارة ليس تلقيناً؛ مثل تعليم القرآن علم القرآن تلقين، لكن هذا فيه إكساب مهارة الفقه والحديث ونحوها، فلعله من هذا الباب نظر إلى أن هذه المهارة مما يجوز المعاوضة عليها.

وحقيقة هو الذي جرى عليه العمل؛ أن معلم العلوم الشرعية يعطى راتباً، وحقيقة أنه أجره. قال: كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه، يعني أن هذه لا تجوز، وقاسها على مسألة متفق عليها: لو أن شخصاً قال لأناس تعالوا صلوا خلفي وأعطيكم مقابل هذه مبلغ، فلا يجوز.

وهذا نقل ابن قندس في حاشية الفروع عن شيخ الإسلام رحمه الله في شرح المحرر، أنه نقل عن القاضي الاتفاق على عدم جواز أن يستأجر قوماً يصلون خلفه. قال: ويجوز أخذ الرزق على ذلك من بيت المال، يعني هذه الأمور التي لا يصح أخذ الأجرة عليها، يجوز أخذ الرزق عليها من بيت المال؛ فيجوز أخذ الرزق من بيت المال على ما يتعدى نفعه من هذه الأمور، لأن بيت المال من مصالح المسلمين، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجاً إليه كان من المصالح، وكان له أخذه لأنه من أهله، وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح، يعني كأنه يأخذ من شيء موقوف على مصالح المسلمين، لذلك جاز أخذ الرزق عليه.

عندنا الأفعال يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام: منها ما يجوز أخذ الأجرة والرزق والجعالة عليه، وهي الأفعال التي تقع قربة وغير قربة، مثل ذكرنا تعليم الشعر المباح والصناعات ونحوها. وهناك أفعال يصح أخذ الجعالة والرزق عليها لكن لا يصح أخذ الأجرة عليها، وهي ما يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة ويتعدى نفعه. وهناك نوع ثالث من الأفعال وهو ما يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة ولا يتعدى نفعه، مثل الصلاة؛ الصلاة هذه لا يجوز أخذ الأجرة ولا الجعالة ولا الرزق من بيت المال.

يعني مثل لو قال شخص لآخر: صل الظهر اليوم وأعطيك مقابلها عشرين ريالاً، هذه إجارة فلا يجوز. لو قال: جعلت من صلى الظهر أعطيه عشرة ريالات، لا يجوز. ولا يجوز أن يُجعل في بيت المال مبلغ لمن يصلي مثلاً الظهر؛ لأن هذه الأفعال أفعال عبادية لا يتعدى نفعها، فلا تؤخذ الأجرة عليها ولا الجعالة. لا يجوز أخذ الأجرة عليها بغير خلاف لأن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره هنا انتفاع.

وقال: والجعالة يعني يجوز أخذ الجعالة على أعمال القربة، والجعالة هي التي لم يحدد فيها العامل، قال: «من فعل لي كذا»، لا يشترط فيها تحديد العامل. قال مثلاً: «من صلى بالناس»، هنا صلى بالناس، الإمامة فيها منفعة للغير، «من صلى بالناس في هذا المسجد فله كذا»، فهنا يصح، وكذلك يصح أخذ الرزق عليها، وكذلك يصح الأخذ بلا شرط.

لو أن شخصاً علم شخصاً آخر القرآن مجاناً، فلما أنهى عنده حفظ القرآن أعطاه مبلغاً مالياً أو جائزة، فهل يجوز له الأخذ ولم يشترط عليه؟ نقول: نعم يجوز له الأخذ، النبي ﷺ قال لعمر: «ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه وتمول».

سؤال: كانت نافذة أو قريبة، أحسن الله إليكم شيخاً، قال المصنف رحمه الله تعالى: «ويكره للحر أكل أجره على حجامة، ويطعمه الرقيق والبهائم». هنا قال: ويكره للحر أكل أجره على حجامة. أما نفس الحجامة فجائز فعلها والاستئجار عليها، وجاء فيه الخلاف لوجود الحديث: «كسب الحجام خبيث»، فلذلك وقع الخلاف بين أهل العلم هل يجوز الاستئجار عليها أو لا.

المؤلف رحمه الله قال: يكره للحر أكل أجره على حجامة. جاء عن الإمام أحمد رحمه الله النهي عن أكل كسب الحجام، وقال: إن أعطي شيئاً من غير عقد ولا شرط فله أخذه، ويصرفه في علف دوابه وطعمه عبيده ومؤنة صناعته، ولا يحل له أكله، هنا كان ظاهره التحريم.

لكن قال الموفق رحمه الله، وليس عن الإمام أحمد رحمه الله، نص في تحريم كسب الحجام والاستئجار عليه، وإنما قال: نحن نعطيه كما أعطى النبي ﷺ، ونقول له كما قال النبي ﷺ لما سئل عن أكله: «أعلف الناضح والرقيق».

يقول إننا نستأجر الحجام ونعطي كما أعطى النبي ﷺ، وقال: «كسب الحجام خبيث»، وأمره بإطعام عبيده ودوابه: «أعلف الناضح والرقيق». فهذا يدل على أن له أن يأخذه، لكن لا يصرف على نفسه، وذلك لدناءة الكسب لا لتحريمه، بل لدنائته.

يقول الموفق رحمه الله، وهذا معنى كلامه؛ يعني مثلاً كلام الإمام أحمد رحمه الله في جميع الروايات ليس صريحاً في تحريمه، بل فيه دليل على إباحته، كما في قول النبي ﷺ وفعله حيث أعطى الحجام أجره، ولا يعطيه ما يحرم عليه، وأمره بإطعام رقيق. فهذا دليل على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها -يعني قول الإمام أحمد: لا يحل له أكله- على الكراهة دون التحريم.

هذا وجه قول الأصحاب: يكره للحر أكل أجره على حجامه. لماذا؟ مع أن الإمام أحمد قال: لا يحل له أكله؛ قالوا: يُجمع بين كلام هذا وكلامه الآخر وفعله، فعل الإمام أحمد رحمه الله، ويُجمع بأن يُحمل نهيه على الكراهة. قال: فيتعين حمل نهيه عن أكله على الكراهة دون التحريم، وكذلك قول الإمام أحمد؛ فإنه لم يخرج عن قول النبي ﷺ وفعله.

تقصد يعني عنده المحل ويستأجر حجامين ليحجبون؟ إذا نظرت إلى تعليلهم يقول: لدناءة الكسب. فهل دناءة الكسب تعود إلى المباشرة؟ لا إشكال فيها، لكن دناءة الكسب على من تسبب فيه؟ هل قلناه دنيء؟ محتمل جداً أنه يكره له ذلك.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: ويجب على المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من النفع، كزمام الجمل وهو الذي يقوده به، ورحله، وحزامه -بكسر الحاء المهملة والشد عليها- أي على الرحل وشد الأحمال والمحامل والرفع والحط ولزوم البعير، لينزل المستأجر لصلاة فرض، أو لقضاء حاجة إنسان وطهارة، ويدع البعير واقفاً حتى يقضي ذلك.

ومفاتيح الدار على المؤجر؛ لأن عليه التمكين من الانتفاع وبه يحصل، وهي أمانة في يد المستأجر. وعلى المؤجر أيضاً عمارتها، فلو سقط حائط أو خشبة فعليه إعادتها. أما تفريغ البالوعة والكنيف، وما في الدار من زبل أو قمامة ومصارف حمام، فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة من ذلك؛ لأنه حصل بفعله فكان عليه تنظيفه.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يلزم المؤجر والمستأجر في عقد الإجارة. قال: يجب على المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من النفع. عندنا القاعدة أن على المؤجر ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع مما جرت به العادة أو العرف. كل الأمثلة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى هذه مما جرى به العرف عنده، فلذلك لو اختلف العرف في بعض البلاد أو في بعض الأزمان، فنقول العبرة بالعرف، لا يتقيد الشخص بنص ما ذكر في كتب الفقهاء السابقين؛ لا ينظر المناط، مناط المسألة أنها جرت، المناط كل ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع فهو على المؤجر، سواء جرت به عادة أو عرف بين الناس.

فلذلك ذكر لك أمثلة، قال: كزمام الجمل إلى آخره. والمستأجر ما الذي عليه؟ كل ما يستوفي به المنفعة. يعني مثلاً لو استأجر مزرعة، المزرعة فيها بئر، فالحبل والدلو لكي يستقي من البئر على المستأجر، لكي يتمكن من الانتفاع.

هنا قال لك: كل ما يتمكن به المستأجر من النفع كزمام الجمل، وهو الحبل الذي يقوده به؛ لو لم يكن معه حبل فهنا لا يتمكن المستأجر من الانتفاع. ورحله وحزامه، والشد عليه لشد الأحمال والمحامل، والرفع والحط لتنزيل الأشياء ورفعها على ظهر البعير. ولزوم البعير لينزل المستأجر لصلاة فرض؛ إنه أراد أن ينزل المستأجر من البعير ليصلي الفرض، فالمؤجر هل يترك البعير؟ فإذا صلى هذا يجلس يبحث عن البعير أو يتبعه، قد يكون بعيداً عنه، لا، المؤجر مطلوب منه ذلك.

وهنا قال: لصلاة فرض، إخراج صلاة النفل؛ لماذا لا يلزم المؤجر مسك البعير إذا نزل لصلاة النفل؟ لأن النافلة يصح أن يصليها على الراحلة، فلذلك لا يلزم المؤجر أن يقف به ويجعله يصلي في الأرض، لكن الفريضة لابد أن يصلي في الأرض.

قال: وقضاء الحاجة والشرب، طيب، وقال: إذا نزل يأكل ويشرب؛ أمسك البعير؟ نعم، هذه نقول على حسب العادة والعرف عندهم؛ إذا كان عندهم العرف أنهم لا يأكلون إلا وهم جالسين، أي يجلسون ويأكلون وجباتهم، فهنا يمسكونه. وإذا كان العرف عندهم على أنه لا يمسك له، وأنهم يأكلون وهم يمشون، فإنه لا يلزمه مسكه.

قال: وقضاء حاجة الإنسان وطهارة، ويدع البعير واقفاً حتى يقضي ذلك. قال: ومفاتيح الدار على المؤجر؛ لأن عليه التمكين من الانتفاع وبه يحصل، وهي أمانة في يد المستأجر. فـتسليم مفاتيح العين المؤجرة للمستأجر تمكينه من الانتفاع، فوجب ذلك على المؤجر.

وقوله: «هي أمانة»، يلزم عليه ويتفرع عنه أنه إذا ضاعت المفاتيح من المستأجر بغير تفريط ولا تعدٍ، فهل يضمنها؟ طيب ما العمل؟ يعني الآن ضاع المفتاح الذي استأجره، احتجنا نغير القفل ونعطيه مفتاحاً آخر، إذا كان المؤجر ما عنده غير المفتاح الذي أعطى المستأجر، فتغيير القفل والمفتاح الآخر على المؤجر، لا على المستأجر إذا لم يفرط. فعل المؤجر؛ لأن هذا مما يتمكن به من الانتفاع. هذه إذا لم يكن هناك عرف أو عادة تحكم ذلك. لكن الآن لو ضاع مفتاحك تروح تطالب المؤجر بـعشرة آلاف؟ أنت مستأجر بـثلاثمائة، فهل يدفع لك عشرة آلاف لتغيير القفل؟ لا، لكن الكلام يعني في زمنهم ممكن يطبق، صحيح، ممكن الإيجار القصير الأيام هذه ممكن يقبل هذا، لكن الإيجار الطويل يمكن أن نقول هذا يخالف العادة.

قال: وعلى المؤجر أيضاً عمارتها، فلو سقط حائط أو خشبة فعليه إعادتها؛ لأن هذا مما يتمكن به المستأجر من الانتفاع. قال: فأما تفريغ البالوعة والكنيف، وما في الدار من زبل أو قمامة ومصارف حمام، فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة من ذلك؛ لأنه حصل بفعله فكان عليه تنظيفه. يعني عندنا إذا كان المستأجر تسلمها فارغة.

ما فيه نظيفة جداً، فإذا خرج من الشقة بعد نهاية السنة فيها مثلاً متسخة ونحو ذلك، فتنظيفها على المستأجر، هذا إذا استلمها نظيفة، لكن لو استلمها أيضاً متسخة فلا يلزمه ذلك. قال: يلزم أن يستلمها فارغة؛ لأنه حصل بفعله فكان عليه تنظيفها، هذا كله ممكن نقول يرجع إلى العرف، فلو كان العرف في بلد معين أن التنظيف على المؤجر فالعبرة بما جرى عليه العرف.

أحسن الله إليكم شيخ. قال رحمه الله تعالى: «ويصح كراء العقبة بأن يركب في بعض الطريق ويمشي في بعض، مع العلم به إما بالفراسخ أو الزمان، وإن استأجر اثنان جملاً يتعاقبان عليه، صح، وإن اختلف في البادئ منهما اقرع بينهما في الأصح»، قاله في المبدع.

فسر العقبة بأن يركب في بعض الطريق ويمشي في بعض، يعني شخص استأجر شخصاً أن يوصله من المدينة إلى مكة، كان في الزمن السابق على مثلاً جمال يوصله بـ 100 درهم، فما عنده 100 درهم، عنده 50 درهماً، فقال: إذاً سأركب في بعض الطريق وأمشي في بعض، فقال: ما معي إلا 50 درهماً، فهذا هل يصح؟ يقول: نعم، بشرط أن يكون معلوماً المدة التي سيركبها والتي سيمشيها، معلوماً.

قال: «مع العلم به إما بالفراسخ أو الزمان»، يقول مثلاً: سأمشى خمسة فراسخ ثم أركب خمسة فراسخ وهكذا، أو بالزمان، يقول مثلاً: سأمشى النهار كله وفي الليل سأركب، أو بالعكس، أو سأمشى اليوم الأول ثم أركب اليوم الثاني ثم اليوم الثالث أمشي، فعلى حسب ما يتفقان عليه، المهم أن تكون مدة الركوب والمشي معلومة؛ لأنه إذا جاز استئجار الركوب في الجميع فيجوز استئجاره في البعض.

قال: «وإن استأجر اثنان جملاً يتعاقبان عليه»، صح، المسألة الأولى: واحد استأجر جملاً يركب بعض الطريق ويمشي في بعض. المسألة الثانية: اثنان استأجرا جملاً على أن بعض الطريق يركبه أحدهما وبعض الطريق يركبه الآخر، فيقول: يصح ويستوفيانه على حسب ما يتفقان عليه، يعني لو اتفقا على أن هذا يمشي يوماً ويركب يومين، أو هذا يمشي يوماً ويركب يوماً، على حسب ما يتفقان عليه، لا يلزم التساوي بينهما، بل يمشيان على حسب ما يتفقان عليه.

قال: «وإن اختلف في البادئ منهما اقرع بينهما في الأصح»، قاله في المبدع، وذلك لأنهما تساويا في ملك هذا الانتفاع، فقدم أحدهما بالقرعة لعدم وجود مرجح، تساويا في سبب الاستحقاق ولا وجود مزية لأحدهما على الآخر فاستويا، فهنا تشرع القرعة.

ومسائل القرعة والمسائل التي ذكرها الفقهاء في القرعة كثيرة، وقد أجمعها ابن رجب رحمه الله تعالى في القاعدة الأخيرة من قواعده، وهي القاعدة الستون بعد المائة، فذكر فيها المسائل التي ذكر فيها الأصحاب القرعة رحمهم الله تعالى. نقف على هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

في سؤال: يقصدون بالفعل وحقيقة القراءة، يعني يلقنه، هل تحسب؟ لا، هذا يمكن أوسع لأنهم يمكن يدخل في تعليم الحديث والفقه الذي وقع فيه خلاف، لكن تعليم القرآن يظهر -والله أعلم- أنهم يقصدون تلقينه القراءة.

كان هنا عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة أي مسلم، هذه يشترط لها أن يكون مسلماً كالحج والأذان وتعليم القرآن، على أن من شرط هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يجوز أخذ الأجرة عليها. يبقى لنا مثل تعليم الأمور الشرعية كالفقه والحديث ونحوها، هل تلحق بها أو تلحق بما يقع قربة وما لا يقع قربة؟ قلنا لكم خلاف بين الأصحاب رحمه الله.

باب الإجارة، قال: «كل ما صح أن يكون ثمناً أو أجرة»، هنا قالوا عندما أنه جاز أخذ الأجرة عليها فجاز أخذها، تقول السائلة لو العامل انتهى من العمل قبل نهاية المدة هل له أن يذهب ويأخذ الأجرة ويمشي؟ هنا بالإجارة على عمل، هذه حقيقة ما ذكرها المؤلف رحمه الله هنا، ولذلك ما ذكرناها في الإجارة على عمل.

يذكر الأصحاب رحمه الله تعالى أنه لا يصح تقدير العمل والمده، يعني لا يقول: ابنِ لي في مدة أسبوع جداراً وصف كذا وكذا وكذا إلى آخره في مدة أسبوع، لا، لا يصح، قدر العمل، أنا استأجرتك لتبني لي هذا الجدار في مدة أسبوع، وهنا لا يصح قدر المدة والعمل معاً، فلا بد أن يقدر يا المدة يا العمل، فلا يجمع بينهما؛ لأنهم قالوا إذا استأجره على عمل فإنه يكون أجيراً خاصاً، قالوا إذا أنهاه خلال ثلاثة أيام يكون معطل نفسه، وهذا يعني هو استأجره هذه المدة، فإما أن يبقى بدون شيء وهو الأصل سبعة أيام، أو أنه يعمل عملاً زيادة وهو لم يستأجره إلا على عمل، فقالوا لأجل ذلك لا يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل، وإنما يصح ذلك في الجعالة، أما في الإجارة فلا يصح.

والقول الثاني بالمذهب أنه يصح، ويقولون إنما قدرت المدة لأجل التعجيل، فلو أنهى في أقل من المدة فقد حقق مقصود المستأجر، لكن هم يقولون إنه يعتبر أجيراً خاصاً، فكان كلامهم عاماً بأنه لا يجوز الجمع بين المدة والعمل، لكن هم لما ذكروا هذه قالوا إذا استأجروا على عمل معين فيكون أجيراً خاصاً، والله أعلم.

الدرس الأسبوع القادم ما في درس إن شاء الله، نعود إن شاء الله بعد أسبوعين، أسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله.