دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 63 | باب الإجارة 3

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الإجارة، ووقفنا على ذكر شروط العين المؤجرة. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يشترط في العين المؤجرة خمسة شروط، وهي: معرفتها بالرؤية أو الصفة لما ينضبط بالوصف، والثاني أن يكون العقد على نفعها دون إجزائها، والثالث القدرة على التسليم، ووقفنا على الشرط الرابع.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «والشرط الرابع اشتمال العين على المنفعة، فلا تصح إجارة بهيمة زمنة للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن تسليم هذه المنفعة من هذه العين».

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشرط الرابع، وهو اشتمال العين على منفعة؛ يعني لابد أن تكون العين التي قصد استئجارها لهذه المنفعة، أن تكون المنفعة فيها، فلا يصح استئجار عين لا تشتمل على منفعة؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، فلا بد أن تشتمل العين على المنفعة.

فمثل على هذا قال: «فلا تصح إجارة بهيمة زمنة للحمل»، لو أنه وجد ناقة زمنة لا تمشي، فاستأجرها ليحمل عليها، فهنا لا يصح؛ لأن المنفعة التي يقصدها غير موجودة في هذه الناقة. وكذلك لو أراد استئجار أرض للزرع وهذه الأرض لا تنبت، كأرض سبخة لا تنبت، فهنا لا يصح الإجارة؛ لأنه إنما استأجرها ليزرعها وهي لا تشتمل على هذه المنفعة.

لكن هنا قال: «أرض لا تنبت للزرع»، يعني قصد الزرع فيه، لكن لو استأجر أرضًا فقط لم يحدد المقصود فيها، فصارت لا تنبت، قال إذاً سيجعلها سيبنيها ويسكن فيها مثلاً مدة طويلة، أو سيجعلها استراحة يتنزه فيها ونحو ذلك، فهنا لا بأس، لكن إذا كان إنما ما قصدها للزرع وهي لا تشتمل على هذه المنفعة فلا يصح؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن استفادة المنفعة من هذه العين التي استأجرها وهي لا توجد فيها المنفعة.

قال رحمه الله: «والشرط الخامس أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها، فلو تصرف فيما لا يملكه بغير إذن مالكه لم يصح كبيعه. وتجوز إجارة العين المؤجرة بعد قبضها إذا أجرها المستأجر لمن يقوم مقامه في الانتفاع أو دونه، لا بأكثر منه ضررًا».

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشرط الخامس، وهو أن تكون المنفعة هذه التي عُقد عليها مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها. انظروا، جرى أن تكون العين مملوكة للمؤجر، لا تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها؛ فأحيانًا يكون المؤجر هو مستأجر، مثل من يأخذ أرضًا كبيرة من البلدية بعقد طويل للاستثمار، فيبني هذه الأرض محلات ثم يؤجرها، فهو حقيقة ليس مالكًا للعين على أرض ملك البلدية، لكنه مالك للمنفعة.

وكذلك يكون مأذونًا له فيها مثل الوكيل في الإجارة؛ فهذا البيت أو هذه العمارة ليست له إنما لموكله، ووكل في تأجيرها، وكذلك ناظر الوقف، وكذلك الولي على القاصر، فهؤلاء كلهم ليسوا مالكين للمنفعة، لكن مأذون لهم في التصرف بها.

قال: «فإن تصرف فيما لا يملكه بغير إذن مالكه لم يصح كبيعه». يعني هو لا يملك المنفعة وليس مأذونًا له فيها، مثلاً هذا جار لعمرو، يعلم زيد أن جاره عمرو يريد أن يؤجر عنده شققًا يريد تأجيرهم، لكنه ما وكل زيدًا في ذلك، فزيد وجد مستأجرًا فقال له: تعال أجرك شقة جارى عمرو، هنا هل زيد يملك المنفعة؟ مأذون له فيها؟ لا، فهل يصح هنا؟ ما تحقق الشرط الخامس، اختل هذا الشرط الخامس.

وإذا قال: «لم يصح كبيعه»، كما في البيع؛ لو باع ما لا يملك ولا إذن له فيه، فإن بيعه غير صحيح يسمى بيع الفضولي. وفي المسألة قول آخر في البيع والإجارة؛ أنه إن أجازه المالك صح، وهذا الذي صدر به نظام المعاملات المدنية تصحيح البيع وكذلك الإجارة بالإجازة، والمشهور في المذهب أنه لا يصح ولو أجازه، لكن هذا ماشي على القول الثاني في المذهب.

قال: «وتجوز إجارة العين المؤجرة...» يذكر لك مثالًا لمالك المنفعة، يعني ملك منفعة ولم يملك العين. المستأجر، هل له أن يؤجر؟ هذا شخص استأجر محلًا لمدة ثلاث سنوات، جلس في ستة أشهر وخسر، وهو دافع أجر ثلاث سنوات، أو حتى لو لم يدفع ثلاث سنوات، العقد بينهما ثلاث سنوات، حاول يفسخ العقد، والمالك رفض أن يفسخ العقد، فهنا هل له أن يؤجره إلى غيره؟ المستأجر هذا هل له أن يؤجره إلى غيره؟ هنا هو يملك المنفعة، لا يملك العين لكن يملك المنفعة.

فهنا ماذا قال المؤلف: «تجوز إجارة العين المؤجرة بعد قبضها إذا أجر المستأجر لمن يقوم مقامه في الانتفاع أو دونه، لا بأكثر منه ضررًا». فنقول له إن يؤجرها لمن هو مثله في النشاط التجاري، أو أقل منه ضررًا؛ يعني مثلاً محل سوبر ماركت يؤجره إلى سوبر ماركت أقل منه ضررًا، مثل خياط أو حلويات، يعني يكون ما في زحام عليه، وأيضًا لا يحتاج إلى شغل كبير في المحل أكثر منه ضررًا، مثل خباز يحتاج إلى الفرن ونحو ذلك؛ فيقولون يجوز أن يؤجره المستأجر إلى من كان مثله في الضرر أو أقل.

من كان مثله أو أقل، لا بأكثر منه ضررًا، لا بأكثر منه ضررًا. في مسألة لو قالوا: لو أجره لمن يخالف ضرره، ضرره يعني كلاهما؛ يعني في ضرر في المحل، الضرر متساوي لكن هذا ضرر بجهة وهذا ضرر بجهة أخرى، مثل مطعم وورشة سيارات مثلا، فهنا كلاهما فيه ضرر، قد نقول الضرر متساوي في القدر لكن هذا ضرر في جهة وهذا ضرر في جهة أخرى.

فيقولون أيضًا لا يحجر لمن ضرره يخالف ضرر المستأجر الأصلي، إذ له أن يؤجر لمن مثله في الضرر، يعني من جنسه أو أقل منه، لكن ليس له أن يؤجر لمن هو أكثر منه ضررًا أو بمن يخالف ضرره. لماذا يجوز تأجير العين المؤجرة؟ قالوا: لأن المستأجر مالك للمنفعة، فيجوز له أن يستوفيها بنفسه، ويجوز أن يستوفيها بنائبه، والمستأجر الثاني بمثابة النائب عن المستأجر الأول.

هنا قال المؤلف في أول المسألة: «تجوز إجارة العين المؤجرة بعد قبضها»، واشتراط القبض هو أحد الوجهين في المذهب قياسًا على البيع؛ قالوا لا يصح بيع المبيع قبل قبضه، فكذلك الإجارة. والوجه الثاني في المذهب -وهو المذهب- أنه يجوز، فقوله هنا «بعد قبضها» هذا خلاف المشهور من المذهب. ترى الروض خالف المذهب، ولا الزاد ما ذكر هذا القيد الذي ذكره هنا، صاحب الروض خالف به ما ذكره المرداوي في الإنصاف أنه المذهب، وخالف ما ذكره في الإقناع والمنتهى.

لماذا تجوز الإجارة قبل القبض؟ يعني لو أن شخصًا استأجر سيارة لمدة شهر، وقبل أن يقبضها من مالكها، أجّرها على غيره، فعلى المذهب يصح. طيب لماذا قالوا في البيع لا يصح؟ طبعًا في البيع قالوا لا يصح إذا كان يحتاج إلى قبض. يمكن السيارة لا ينضبط بها المثال، لكن لو في البيع اشترى أربع سيارات، فلا يجوز أن يبيعها قبل القبض، لابد أن يقبضها ثم يبيعها؛ هذا معدود. لكن لو استأجر أربع سيارات، فله أن يؤجرها ولو لم يقبض.

لماذا؟ لأن المنفعة هي التي تُنتج وليست العين، ما السبب؟ هم يقولون: الضمان. الضمان من الذي يضمن هنا؟ في البيع حقيقة إذا باعها، ينتقل الضمان إلى المشتري. لكن في الإيجار؛ استأجر ثم أجّر، الضمان من الأصل، حتى لو أجّر إلى ثالث أو رابع أو خامس، الضمان عند المالك، ما ينتقل الضمان بانتقال المنفعة، بخلاف البيع فينتقل الضمان بانتقال العين بانتقال ملكية العين.

لذلك عللوا بأن قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه، فلم يشترط جواز التصرف عليه قبض العين بالإجارة. المستأجر الآن لو قبض العين فهل ينتقل الضمان إليه؟ لا، يده يد أمانة ليست يد ضمان، فإذا أجّرها على غيره ف أيضًا المستأجر الثاني يده يد أمانة، وهكذا.

هل إذا أراد أن يؤجرها على غيره لابد أن يستأذن المالك؟ لا، لأنه لا يملك المنفعة، فلا يجزئ الاستئذان من المالك. ننتقل إلى مسألة الشرط؛ إذا شرط عليه في شروط العقد لا يحق للمستأجر أن يؤجر هذه العين لطرف ثالث إلا بإذن المالك، وجاء هذا المستأجر وأجر على طرف ثالث بغير إذن المالك، ليس له ذلك.

في الشرط، على المذهب الشرط فاسد والعقد صحيح، مثل ما ذكروا في البيع؛ شرط عليه ألا يبيعه على غيره، قالوا: يفسد الشرط ويصح البيع، فهكذا هنا في الإجارة. والعمل في القضاء، وطبعًا العمل في القضاء غير مضطرد من القضاة؛ من يجري على المذهب ومنهم من يجري القول الثاني. نظام المعاملات المدنية الآن ألزم بالاستئذان خاصة في بعض العقود أو في كثير من العقود ينص فيها على هذا.

أحيانًا بعض العقود أصلًا هي العقد الاستثماري، الذي يستأجر فيه المالك شخصًا من الأمانة أرضًا كبيرة لكي يستثمرها فيبني فيها محلات، هذا أصلًا قائم على التأجير، فهذا غالبًا ينص فيه على أنه للمستأجر أن يؤجر على غيره، أو أحيانًا يسكت فيه عن هذا. أما في العقود العادية فيحتاج إلى إذن خاص؛ لأنه حصلت إشكالات كثيرة في التأجير بدون إذن؛ هذا يقول إن فلان استأجر، وهذا يقول أجرت، فيكون المستأجر لا يعلم مكان المستأجر الجديد، فيتعب المؤجر في ملاحقته، وأصلًا هو مؤجر على هذا الشخص، فإذا قيل لا يصح إلا بالإذن هنا يسد هذا الباب.

قال: «لا بأكثر منه ضررًا»؛ لأنه لا يملك أن يستوفيه بنفسه بنائبه، فهؤلاء مثلاً مستأجر محل خياطة، فلا يحق له أن يؤجره لمن هو أكثر منه ضررًا، مثل أن يؤجره على مطعم، لماذا؟ لأنه هو بنفسه لا يحق له أن يقلب هذا النشاط إلى نشاط أكثر ضررًا من النشاط الأول، فكذلك لا يحق له بنائبه.

وقال: «وليس للمستعير أن يؤجر إلا بإذن مالك والأجرة له». هنا فرق بين المستعير والمستأجر؛ المستأجر له أن يؤجر ولو بغير إذن المالك، أما المستعير فلا يؤجر إلا بإذن المالك. ما الفرق؟ المستعير يملك الانتفاع، يعني ينتفع بنفسه فقط، أما المستأجر فيملك المنفعة؛ له أن ينتفع بنفسه، وله أن ينتفع بها بنائبه، إما بإعارته أو بإجارته ونحو ذلك.

فلو استعار شخص كتابًا من المكتبة، فليس له أن يؤجر هذا الكتاب على غيره إلا بإذن المكتبة، وإذا أجرها بإذن المكتبة فالأجرة لمن؟ لصاحب المكتبة؛ لأنه هو الذي يملك المنفعة، أما المستعير فلا يملك المنفعة بل ينتفع فقط، فكأنه صار وكيلاً لصاحب المكتبة في ذلك؛ إذًا قول: «ليس للمستعير أن يؤجر إلا بإذن مالك والأجرة له». وهل له أن يؤجرها مدة طويلة أو قصيرة؟ الأصل أنه يعين له المدة، يقول: أجرها لمدة كذا.

فإن لم يعين له المدة فيأخذ حكم الوكيل المطلق. الوكيل المطلق إذا قال له: «أجر بيتي»، فننظر الإجارة للبيت في العادة كم يؤجر؟ مثلاً إذا كان في البلد المعين، فبالعادة السنة أو سنتان، فنقول يتقيد بها مثلاً. الكتاب لو قال له: «أجر هذا الكتاب»، إذا كان المعتاد يؤجره أسبوعاً أو أسبوعين يتقيد بها.

والأجرة كما قلنا للمالك دون المستعير؛ لأن العارية انفسخت بوجود الإجارة، لأن الإجارة أقوى للزومها. وتصير العين المؤجرة أمانة بعد أن كانت مضمونة على المستعير، بصيرورتها مؤجرة. كيف يعني؟ الأصل المستعير يده يد ضمان، لما أجر هذه العين بإذن المالك، أجرها إلى شخص آخر، انتهت العارية وصار الآن عقد إجارة بين المالك وبين المستأجر، فتصير عينه وتصير يده يد أمانة ليست يد ضمان.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وتصح إجارة الوقف؛ لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه، فجاز له إجارتها كالمستأجر». يعني الآن عين موقوف، مثلاً شقة أو عمارة سكنية موقوفة على جمعية تحفيظ القرآن، فالجمعية الآن لها أن تؤجر هذه العمارة؛ لأن منافع هذه العين مملوكة للموقوف عليه، يعني ريع هذه العمارة مملوك للموقوف عليه، فلهم الانتفاع بها، فجاز لهم إجارتها كالمستأجر.

نأتي إلى إذا مات المؤجر وانتقل الوقف إلى من بعده، لم تنفسخ؛ لأنه أجر ملكه في زمن ولايته فلم تبطل بموته. وللثاني حصته من الأجرة من حين موت الأول، فإن كان قبضها رجع في تركته بحصته؛ لأنه تبين عدم استحقاقه لها، فإن تعذر أخذها، فظاهر كلامهم أنها تسقط كما قال في المبدع. وإن لم تقبض، فمن مستأجر، وقدم في التنقيح أنها تنفسخ إن كان المؤجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق.

هكذا حكم مقطع: أجر أقطاعه ثم أقطع لغيره، وإن أجر الناظر العام أو من شرط له النظر وكان أجنبياً لم تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله. وإن أجر الولي لليتيم أو ماله، أو السيد للعبد ثم بلغ الصبي ورشد وعتق العبد، أو مات الولي أو عزل، لم تنفسخ الإجارة إلا أن يؤجره مدة يعلم بلوغه أو عتقه فيها، فتنفسخ من حينهما.

لأجل أن نحصر الصور؛ نقول المؤجر هو الناظر، لكن أحياناً الوقف يكون على جهة خاصة محصورة، وأحياناً يكون على جهة خاصة غير محصورة، وأحياناً على جهة عامة. الجهة الخاصة المحصورة مثل أن يقول: «هذا وقف على أبناء فلان»، فمثلاً توفي صديق له وله أولاد، فقال: «هذه العمارة وقف على أولاد صديقي وأولاده من بعدهم»، هؤلاء الأولاد محصورون مثلاً أربعة أو خمسة أو عشرة.

الحالة الثانية أن يكون الوقف على جهة خاصة لكن غير محصورة، مثل لو قال: «وقف على قبيلة كذا»، فالقبيلة جهة خاصة لكنها غير محصورة، كثيرون. وأحياناً يكون الوقف على جهة عامة، مثل: «وقف على بناء مساجد» أو «وقف على جهة خيرية» نحو ذلك، هذا وقف على جهة عامة.

نأتي إلى الموقف؛ أحياناً يعين ناظراً في هذه الصور الثلاث، وأحياناً لا يعين ناظراً. ففي الصورة الأولى، إذا كانوا محصورين ولم يعين ناظراً، فكلهم لهم أن يتصرفوا في الوقف، يعني لو كانوا خمسة أو ستة كلهم لهم حق النظر والتاجير. أما إذا كانوا غير محصورين أو كانت جهة عامة ولم يعين ناظراً، فالنظر للحاكم؛ كان في عهد قريب للمحاكم، والآن صار لهيئة الأوقاف.

هنا تفترق الأحكام بين أربع صور: الأولى: أن يكون الناظر هو الناظر العام، الذي هو الحاكم. الثانية: أن يكون الناظر من شرط له الوقف وكان أجنبياً، يعني ليس من الموقوف عليهم؛ كأن يقول: «هذا وقف على بني فلان»، والناظر هو عمهم مثلاً، فهو ليس من الموقوف عليه. الثالثة: أن يكون الناظر أحد الموقوف عليه، كأن يشترط ويقول: «هذا وقف على أولاد محمد»، وأخوهم الكبير هو الناظر. الرابعة: أن يكون الناظر هم الموقوف عليهم، وهذه في الصورة الأولى التي لم يعين فيها ناظراً وكان الموقوف عليهم محصورين.

إذا كان الناظر هو الناظر العام، أو كان من شرط له النظر وكان أجنبياً، ثم أجر ومات؛ يعني لو أجر لمدة خمس سنوات، وبعد سنتين مثلاً توفي الناظر العام أو عزل القاضي فصار الناظر بعده قاضٍ ثانٍ، هنا قولاً واحداً لا تنفسخ الإجارة. وكذلك إذا كان الناظر من شرط له النظر وكان أجنبياً، فقال: «وقفت هذه العمارة على أولاد صديقي زيد»، والناظر هو عمهم محمد، فهو شرط له النظر وهو أجنبي، فإذا توفي محمد، فإن الإجارة لا تنفسخ قولاً واحداً.

محل الخلاف في الصورتين الأخيرتين؛ وهما إذا كان المؤجر هم الموقوف عليهم بأصل الاستحقاق، أو من شرط له النظر وكان مستحقاً. فلو أجر مثلاً في المثال السابق، فقال: «وقف على أولاد زيد»، ثم بعد وفاتهم كلهم ينتقل الوقف إلى أولادهم.

جاء أخوهم الأكبر وأجر هذه الشقة لمدة عشر سنوات، أو العمارة كاملة، أجرها لمدة عشر سنوات، سواء قبض الأجرة كاملة أو لا، الكلام في العقد. بعد خمس سنوات توفي الموقوف عليهم كلهم، الخمسة؛ فإذا توفوا بعد خمس سنوات سيحل محلهم أولادهم، لأنه قال: وقف على أولاد فلان، وبعد وفاتهم كلهم ينتقل إلى أولادهم.

الآن في السنة السادسة تغير المؤجر، فهل تنفسخ الأجرة أو لا؟ هل تنفسخ؟ هذه مسألة؛ إذا كان المؤجر هم الموقوف عليهم بأصل الاستحقاق، أو كان المؤجر ممن شرط له النظر وكان أجنبياً وكان مستحقاً، أو كان المؤجر ممن شرط له الناظر، يعني كان مثلاً قال: أولاد زيد خمسة، والناظر هو الكبير بينهم لمدة خمس سنوات، وبعد خمس سنوات توفي؛ فهل يستمر العقد أو يبطل؟ هاتان المسألتان هما محل الخلاف.

طبعاً قلنا لكم إذا كان المؤجر هو الناظر العام أو ممن شرط له النظر وكان أجنبياً فلا تنفسخ الإجارة قولاً واحداً. أما إذا كان المؤجر هم الموقوف عليهم بأصل الاستحقاق ففيها القولان الذين ذكرهما المؤلف. وإذا كان المؤجر ممن شرط له النظر وكان مستحقاً، ترى فيها طريقان في المذهب؛ من الأصحاب من يقول: من شرط له النظر وكان مستحقاً إنما هي ملحقة بالناظر العام، ومن شرط له النظر وكان أجنبياً فلا تنفسخ الإجارة قولاً واحداً، هذا الطريق الأول. ومنهم من قال: لا، بل فيها الوجهان الموجودان فيما إذا كان المؤجر هم الموقوف عليهم بأصل الاستحقاق.

وأيضاً محل الخلاف في الصورتين الأخيرتين. وأيضاً في مسألة ذكرها ابن حمدان رحمه الله أنها تخرج عن محل النزاع، وهي ما إذا أجره مدة لا يعيش فيها غالباً؛ مثل لو كان الناظر عمره مثلاً سبعين سنة، وفيه أمراض وأسقام، وأجر مثلاً مزرعة أو عيناً موقوفة لمدة عشرين سنة، والغالب بعلم الله تعالى -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَقَلِيلٌ مَنْ يُجَاوِزُ ذَلِكَ»- فيعني نقول قد يظن ظناً كبيراً أنه لن يجاوز التسعين، وكانت الأعمار كلها بيد الله، فلو مات بعد خمس سنوات أو عشر سنوات مثلاً، فهنا يقول ابن حمدان رحمه الله إنها تنفسخ الإجارة قولاً واحداً. فإذاً تخرج معنا هذه المسألة؛ إذا أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنه لا يعيش فيها ثم مات، فإنه إذا مات تنفسخ الإجارة قولاً واحداً.

فإذاً محل الخلاف: إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، أو كان المؤجر ممن شرط له النظر وكان مستحقاً، وأجرها مدة يغلب على الظن بقاؤه فيها ثم مات في أثنائها؛ فهل ينفسخ العقد أو لا؟ هنا ماذا قال المؤلف رحمه الله؟ يقول: فإن مات المؤجر فانتقل الوقف إلى من بعده لم تنفسخ، لم تنفسخ؛ ولماذا؟ علل ذلك بقوله: لأنه أجر ملكه في زمن ولايته، فلا تبطل بموته كمالك الطلق.

الطلق يعني الأرض المملوكة التي ليست موقوفة؛ يعني يقول الآن لو أن شخصاً أجر عمارته المملوكة له وليست موقوفة، أجر عمارته لمدة سنة، وبعد ستة أشهر توفي المؤجر، هل ينفسخ العقد؟ ما ينفسخ العقد، يقول: هذه مثلها؛ فلا ينفسخ العقد بذلك لأنه لما أجر ينظرون إلى وقت التأجير، وقت العقد، وقت إبرام العقد، يقولون يملك وقد أجره في زمن ولايته، فيصح كذلك.

سآتي إلى قوله الثاني: «وحصلت من أجره إلى آخره»، بس سنذكر القول الثاني. قال صاحب التنقيح المرداوي: قدم أنها تنفسخ إن كان المؤجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق. قلنا إذا لم يعين ناظراً فكان كل الموقوف عليهم المحصورين هم النظار فماتوا، فإنها تنفسخ. والقول عنه في الإنصاف أن هذا المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة. وقال في التنقيح عن القول الأول، لكن قال عن القول بعدم الانفساخ، وهو أشهر وعليه العمل.

لما ذكر أنها تنفسخ ذكر أن القول الثاني أنها لا تنفسخ، وقال: «وهو أشهر وعليه العمل». هذا القول الثاني قاله في الإنصاف، وذكر في الإنصاف أنه المذهب. لكن هناك أشياء خرج بها عن الخطبة لتقرير المذهب، فقرر أن المذهب القول الثاني الذي لا يمشي على القاعدة التي قعدها في الخطبة لسبب ما، ومن هذه المسألة فقال عن الثاني إنه هو المذهب. واختاره أيضاً ابن عقيل شيخ الإسلام رحمه الله وقال: «هذا أصح الوجهين»، وابن رجب رحمه الله تعالى وقال: «هو المذهب الصحيح».

لماذا؟ عللوا؛ قالوا هناك فرق بين الملك الطلق والملك الموقوف. لماذا؟ الآن لو قال الموقف: هذا وقف على أولادي، ثم على أولادهم من بعدهم. مات أولاده، سينتقل الوقف إلى أولادهم؛ الآن الأولاد أحفاد عن آبائهم، أو انتقل إليهم الوقف بتعيين الموقف، تعين الموقف، ولذلك لو لم يقبل الموقف بعدهم على أولاده ما انتقل إليه. ولذلك عللوا بأن الطبقة الثانية، وهم أولاد الأولاد هنا، تستحق العين بمنافعها تلقياً عن الواقف عند انقراض الأولى، وليس تلقياً عن الورثة.

هذا فرق بين الملك الطلق والملك الموقوف؛ في الملك الطلق لا تنفسخ الأجرة بموت المؤجر، فالورثة ورثوا بموجب الإرث لا بموجب الوقف، لكن هنا الطبقة الثانية تلقوا العين عن الواقف ولم يتلقوها عن الطبقة الأولى، فإذا انتهت الطبقة الأولى انتهى ملكهم لها بموت آخر واحد منهم، خلاص، اليوم التالي لموت آخر واحد منهم لا يملكون. بخلاف الملك الطلق؛ صحيح انتهى ملكه لكن جاء بعده ورثته الذين ورثوه منه، فملكهم امتداد لملك مورثهم، بخلاف ملك الطبقة الثانية فليس امتداداً لملك الطبقة الأولى. فلذلك فرقوا بينهم، قالوا هنا صار الإيجار لما بعد موت المؤجر باطلاً؛ لأنه لا يملك المنفعة بعد وفاته.

نرجع إلى ما ذكره في الرو: «لأنه أجر ملكه في زمن ولايته فلا تبطل بموته كمالك الطلق»، وللثاني حصته من الأجرة من حين موت الأول، يعني لو أنه أجرها مثلاً لمدة عشر سنوات.

قال: عشر سنوات بمليون، كل سنة مائة ألف. مات المؤجر بعد وقت الموقوف عليهم في أصل الاستحقاق، بعد السنة الخامسة، يعني في نهاية السنة الخامسة، إذا كانت الطبقة الثانية يستحقون الأجرة للسنة السادسة وما بعدها.

قال: للثاني حصته من الأجرة من حين موت الأول. ثم فصل لك من أين يأخذها، ومن أين تأخذ الطبقة الثانية الأجرة؟ قال: فإن كان قبضها، فإن كان المؤجر قد قبضها. لو كان الموقوف عليه بأصل الاستحقاق واحدًا، هذا وقف على زيد ثم بعده على عمرو، وزيد هذا هو الذي أجر لمدة عشر سنوات، وقبض الأجرة لمدة عشر سنوات التي هي مليون ريال، ثم مات في نهاية السنة الخامسة. السنة السادسة وما بعدها الأجرة يستحقها عمرو، طيب، هل يأخذ عمرو الأجرة من المستأجر؟ المستأجر يقول: أعطني أجرة السنة السادسة، قال: أنا دافعها لزيد، قال: خلاص، زيد على القول الأول أنها لا تنفسخ، زيد مات، أعطني إياها.

فهنا ماذا نقول؟ يقول: فإن كان قبضها، يعني زيد رجع في تركته بحصته. طبعًا عندنا في حاشية ابن قاسم: رجع في تركته، أي الموقوف عليه الثاني يرجع في تركة الموقوف عليه الأول الذي أجر بحصته. فمثلاً الآن هو يستحق أجرة من السنة السادسة إلى العاشرة، خمسمائة ألف، فيرجع بها على تركة زيد؛ لأنه تبين عدم استحقاقه لها، تبين أن زيدًا قبض شيئًا لا يستحقه.

فإن تعذر أخذها، تبين أن زيدًا مات وما عنده شيء، تصرف في الأموال ومات مفلسًا أو فقيرًا، قال: فظاهر كلامهم أنها تسقط؛ خلاص، لأن ذمة المستأجر برئت من الأجرة، والتركة ما عندها شيء، ولا يمكن الأخذ من الورثة؛ لأن «لا تزر وازرة وزر أخرى».

قال: فظاهر كلامه أنها تسقط، قاله في المبدع. وإن لم يقبض، إن كان لم يقبض أجرة السنة السادسة وما بعدها، خلاص يأخذها من المستأجر. لكن هناك مسألة، وهي هل أصلاً يملك المؤجر الموقوف عليه أن يأخذ أجرة السنوات القادمة؟ هل له حق مع أنه قد يموت في أثناء السنة؟ هل له حق أن يأخذ أجرة السنوات القادمة؟ هو سيؤجر، ما في إشكال أنه يؤجر لمدة عشر سنوات، لكن هل له حق أن يقبض الأجرة مقدمًا للسنوات اللاحقة؟

إذا كان مالكًا، ما في إشكال، إذا كان مالكًا في غير الموقوف عليه ما في إشكال؛ لأنه إذا مات الورثة سيأتون بعده، لكن إذا كان موقوفًا عليه، فالوقف لا ينتقل بالإرث. طبعًا ظاهر كلام الأصحاب أن له ذلك، لكن شيخ الإسلام رحمه الله خالف في هذا، وقال: لا يجوز للموقوف عليهم أن يستسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلية. يستسلف الأجرة، يعني يأخذون أجرة السنوات القادمة، لأنهم لم يملكون المنفعة المستقبلية ولا الأجرة عليه، فالتسلف لهم قبض ما لا يستحقونه. يعني إذا أخذوا أجرة خمس سنوات، لا يستحق أجرة السنوات القادمة، السنة هذه صحيح يأخذ أجرتها مقدمة، بخلاف المالك.

وعلى ما قرره الشيخ رحمه الله، فللطبقة الثانية أن يطالبوا المستأجر الذي سلف؛ يعني المستأجر يقول: أنت سلف يعني دفعت مقدمًا وهو لا يستحق أن تدفع الأجرة مقدمًا، فادفعها أنت وارجع عليها؛ لأنه لم يكن له التسليف. ولهم أن يطالبوا الناظر إن كان هو المسلف. الشيخ رحمه الله يرى أن الموقوف عليه ليس له حق أن يأخذ الأجرة مقدمًا للسنوات القادمة، فلو فرض أنه أخذ الأجرة مقدمًا ثم مات في أثناء المدة، فيقول إن للطبقة الثانية حقًا يطالبون به المستأجر؛ لأنه ليس له أن يدفع الأجرة مقدمة، والمستأجر يرجع على تركة الناظر، أو هم يطالبون الناظر، يعني هم مخيرون في ذلك.

وهذا هو الذي ذكره صاحب الإقناع أيضًا، ذكر صاحب الإقناع ما قرره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى. وذكر الشيخ البابطين رحمه الله أن هذا هو الحق فيما نقله عنه ابن عيسى والعنقري في حاشيته. وقال ابن ذهلان، وهو حسن لا يسع الناس غيره في الأوقاف والعمل: كما في هداية الراغب، تجي بعض العبارات فيها مبالغة في الترجيح، فلا يظن إذا سمع شخص هذه العبارة أن القول الثاني باطل مطلقًا، لكن بعضهم تحمسوا قليلًا فزادوا في الترجيح بعبارات فيها مبالغة.

يقول ابن قائد رحمه الله في هداية الراغب: «لا يشك لبيب دين أنه لو عرضت هذه المسألة على الإمام أحمد رحمه الله تعالى لورعه المشهور لم يقل فيها إلا بما في الإقناع»، أي بما قال شيخ الإسلام رحمه الله قبله. طبعًا بعض العبارات مثل هذه تجدها مطلقًا، فقد يكون ابن قائد رحمه الله رأى أن القول الثاني حصل بسببه إشكالات ومطالبات كثيرة لا تُسد إلا باختيار هذا القول فقال بذلك، فينبغي أن يعرف قدر هذه الأقوال، وأن بعض العبارات لا تؤخذ على ظاهرها.

قال: وقدم في التنقيح أنها تنفسخ إن كان المؤجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق. ثم قال: وكذا حكم مقطع أجر أقطع لغيره، نرجع إليها بعد قليل. قال: وإن أجر الناظر العام -هذه التي قلنا قبل قليل- أو من شرط له الناظر وكان أجنبيًا. أجنبيًا ما معناها هنا؟ ليس من الموقوف عليهم، قد يكون أخاهم، الوقف على زيد وعمرو فقط، ولهم أخ ثالث اسمه محمد، فكان الناظر محمدًا، فهنا أجنبي عنهم بمعنى أنه ليس من أهل الوقف. فيقول: إن أجر الناظر العام أو من شرط له وكان أجنبيًا لم تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله قولًا واحدًا.

باقي المسألة الرابعة، التي قدمها أولًا: 1. الموقوف عليه بأصل الاستحقاق. 2. الناظر العام. 3. من شرط له وكان أجنبيًا. 4. الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، أي من شرط له وكان مستحقًا؛ هذه ما ذكرها في الروض.

وقلنا لكم إن الأصحاب رحمهم الله تعالى على طريقتين: منهم من ألحقه بالناظر العام ومن شرط له وكان أجنبيًا، وقال إنه لا خلاف فيها أنها لا تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله قولًا واحدًا. ومنهم من قال لا، فيها القولان الموجودان في إذا أجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق. فقال هنا: وكذا حكم مقطع أجر أقطعه ثم أقطع لغيره، هذه المسألة.

أو نقول التقسيم الذي ذكرناه قبل قليل، ذكره ابن قندس رحمه الله، ونقله البهوتي، لكن ابن قندس هو الذي ذكره بهذا الترتيب في حاشية الفروع.

وابن رجب رحمه الله ذكر هذه المسألة في قواعده، القاعدة السادسة والثلاثين، ونص القاعدة: «من استأجر عيناً ممن له ولاية الإيجار ثم زالت ولايته قبل انقضاء المدة، فهل تنفسخ الإجارة؟» وذكر لها صوراً. ومن هذه الصورة أن ابن رجب هو الذي ذكر أن حكم الإقطاع كحكم الوقف؛ فذكر رجب نقلها عنه في الإنصاف والتنقيح، يقول: «وكذا حكم مقطع أجر إقطاعه ثم أقطع لغيره، وتبِع حكم مقطع أجر إقطاعه ثم أقطع».

سياتينا -إن شاء الله- في إحدى المواد عن الإقطاع، أي إقطاع الاستغلال؛ مثلاً البلدية تقطع أماكن للبائعين الذين يبيعون في الطرقات أو في الأسواق المفتوحة ليعرضوا فيها بضائعهم. فلو أن شخصاً أُقطع، ثم أجر إقطاعه لمدة سنة، وفي أثناء السنة نزعت البلدية عنه الإقطاع وسلمته لغيره، فهل تنفسخ الإجارة أو لا تنفسخ؟ فيها الخلاف الذي ذكرناه، منهم من قال إنها تنفسخ، ومنهم من قال إنها لا تنفسخ.

ثم قال رحمه الله: «وإن أجر الولي اليتيم، أو ماله، أو السيد العبد، ثم بلغ الصبي ورشد، أو عتق العبد، أو مات الولي وعُزل، لم تنفسخ الإجارة».

فمثلاً، الولي على قاصر، فجاء شخص وقال: أريد من يعمل عندي بناءً أو نحو ذلك، فأجر الولي اليتيم الذي عنده ليعمل عند هذا الشخص، وفي أثناء مدة الإجارة التي هي سنة مثلاً، بلغ هذا اليتيم، فهل تنفسخ الإجارة أو لا؟ والمسألة الثانية: أجر ماله، كأن يكون عند اليتيم عمارة فأجرها هذا الولي لمدة خمس سنوات، وفي السنة الثالثة بلغ هذا اليتيم، هل تنفسخ الإجارة أو لا؟ وكذلك أجر السيد العبد، فجاء شخص قال: أريد من يخدمني، فأجر عليه هذا العبد، ثم في أثناء مدة الإجارة أعتق السيد عبده.

وكذلك في مسائل الولي، لو أنه أجر العمارة مثلاً لمدة سنتين، وفي أثناء السنتين توفي الولي، واليتيم ما زال يتيماً لم يبلغ، أو عُزل الولي عن الولاية وجاء ولي آخر، ففي هذه المسائل هل تنفسخ الإجارة أو لا؟ هنا قال لك: لا تنفسخ الإجارة.

لماذا؟ لأن الإجارة عقد لازم، عقده الولي بحق الولاية فلم يبطل بالبلوغ، وكذا إذا مات الولي في أثناء العقد لم يبطل عقده؛ لأنه تصرف وهو من أهل التصرف في محل ولايته، فلم يبطل تصرفه بموته أو عزله، قياساً على ما لو مات ناظر الوقف أو عُزل، فمن شرط الناظر أن يكون أجنبياً، فإذا عُزل أو مات الحاكم بعد تصرفه فيما له النظر فيه، يفارق موت الموقوف عليه.

وقد يقول قائل: الموقوف عليه إذا أجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق فقد قلتم في أحد القولين إنها تنفسخ، فلماذا قلتم هنا إنها لا تنفسخ؟ قالوا: يفارق موت الموقوف عليه؛ لأن الموقوف عليه أجر ملك غيره بغير إذنه وفي مدة لا ولاية له فيها، وأما الولي فإنه له ولاية.

ثم لماذا لم تقولوا إذا جاء ولي ثانٍ إنها تنفسخ؟ قالوا: لأن الولي الثاني يتصرف فيما لم يتصرف فيه الولي الأول؛ فالولي الأول تصرف هنا وأجر خمس سنوات ثم عُزل في السنة الثالثة، فالسنتان الأخيرتان الولي الثاني لا يتصرف فيهما لأنها تصرف فيها الولي الأول وهو أهل للتصرف، فإذا الولي الثاني يتصرف فيما لم يتصرف فيه الولي الأول، فهذا سبب التفريق بينهما.

قال: «إلا أن يؤجره مدة يعلم بلوغه أو عتقه فيها فتنفسخ من حينهما». وعندنا البلوغ مر معنا أنه يكون بسن الخامسة عشرة، أو بنزول المني، أو بإنبات العانة، وتزيد المرأة بخروج الحيض. فلو أن الولي أجر عمارة اليتيم وكان عمره اثنتي عشرة سنة لمدة خمس سنوات، يقيناً السنة الرابعة والخامسة ستكون بعد بلوغ الصبي، فهل تنفسخ الإجارة؟ هنا يقولون: إذا أجره مدة يغلب على الظن بلوغ هذا الصبي أو عتق هذا العبد، فتنفسخ من حين البلوغ أو العتق؛ لأنه في هذه المدة يعلم الولي أنه لا ولاية له على مال الصبي بعدها، وكذلك يعلم السيد أنه لا ولاية له على مال العبد بعدها.

مثلاً لو أن السيد علق عتق عبده على دخول شهر رمضان، فقال: «إذا دخل شهر رمضان فأنت حر لوجه الله»، ثم لما جاء شهر رجب أجره للخدمة عند شخص لمدة ستة أشهر، فالشهران الأولان هو عبد فيهما، لكن من دخول شهر رمضان سيصير حراً، فهنا يصح العقد في الشهرين الأولين ويبطل في الأشهر الأخيرة.

نقف عند هذا. المسألة تحتاج إلى تشجير، فتأجيل الوقف يحتاج إلى تشجير.

يقول سؤال يتعلق بدرس ماضٍ: يطلب من شخص، مثل مكاتب المحاماة، أن يستشيرهم، ولا يتفقون على أجرة معينة ثم يحصل خلاف، وكذلك لو ذهب إلى مكتب عقاري لخدمة في شيء لكن لم يتفقوا على شيء معين، فما العمل؟

نقول هنا: كلاهما، لا صاحب مكتب المحاماة ولا صاحب المكتب العقاري، هؤلاء كلهم في العرف منتصبون للعمل بأجرة، فالأصل أن يتفق معهم على شيء، فإذا لم يتفق معهم على شيء فإنه يعطون أجرة المثل.

أحسنت، هذه ستأتينا إن شاء الله في الوقف. يقول في الوقف على الأشخاص: إذا أوقف على «أولاد فلان»، فهل يدخل فيهم من لم يولد بعد؟ هذه ستأتينا، وهي حقيقة ترجع إلى قصد الشخص الموقف؛ فإذا قصد أولاد فلان هؤلاء، كأن قال: «وقفت على أولاد فلان العشرة هؤلاء»، فهنا وضح قصده أنه يقصد الموجودين، لكن إذا أطلق «أولاد فلان» ولم يقصد كذا، فالأصل أنه يدخل فيهم المحصورون الآن الموجودون، ومن وجد لاحقاً من ولد لاحقاً، هذا ما لم يكن هناك أيضاً عَرْض.

إذا قال: «وقفت على أولاد فلان»، الموجودين، فيتبع العرق في هذا.

صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.