دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 62 | باب الإجارة 2

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.

أما بعد، فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الإجارة. وتقدم في المجلس الماضي ذكر أول باب، وهو باب الإجارة وشروط صحتها. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الإجارة تصح بثلاثة شروط، وهي: معرفة الأجرة، ومعرفة المنفعة، والإباحة في نفع العين. وتوقفنا عند الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين.

قال المؤلف رحمه الله: «الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين المقدور عليه المقصود، كإجارة دار يجعلها مسجداً، أو شجر لنشر ثياب، أو قعود بظله، فلا تصح الإجارة على نفع محرم كالزنا والزمر والغناء، وجعل داره كنيسة، أو لبيع كنيسة، أو لبيع الخمر؛ لأن المنفعة المحرمة مطلوبة إزالتها، أحسن الله إليك، والإجارة تنافيها، وسواء شرط ذلك في العقد أو لا إذا ظن الفعل. ولا تصح إجارة طير ليوقظه للصلاة؛ لأنه غير مقدور عليه، ولا شمع وطعام ليتجمل به، ولا ثوب يوضع على نعش ميت، ذكره في المغني والشرح، ولا نحو تفاحة لشم؛ وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبة معلومة عليه للإباحة ذلك. ولا تؤجر المرأة نفسها بعد عقد النكاح عليها بغير إذن زوجها؛ لتفويت حق الزوجة».

المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هنا حقيقة عدة شروط في المنفعة؛ أي ما المنفعة التي يصح عقد الإجارة عليها؟ لا بد أن تتحقق فيها أمور، وقد لخصها ابن قائد رحمه الله في شرحه للمنتقى، أو في حاشيته على المنتهى، فذكر أن محصل ما يعتبر في النفع سبعة أمور: الإباحة، وهذا الأول. وإطلاقها، وهذا الثاني. الثالث أن يكون مقصوداً. الرابع كونه متقوماً أي له قيمة. والخامس أن يمكن استفاؤه مع بقاء العين. والسادس القدرة عليه. والسابع أن يكون النفع للمستأجر. وبعض هذه الشروط سنأتي إليها في الفصل القادم، سنتكلم على كلام ابن قائد ثم نرجع إلى عبارة الروض.

يقول: «محصل ما يعتبر في النفع سبعة أمور». الإباحة، يعني أن تكون المنفعة مباحة، وهذا كثير؛ مثل استئجار الشقة للسكن، واستئجار السيارة للركوب عليها وقيادتها ونحو ذلك، فيخرج فتخرج المنفعة المحرمة، مثل الاستئجار على الزنا، أو الغناء، إلى آخره.

الثاني: إطلاقها، يعني أن تكون مباحة مطلقاً بإخراج ما يباح للحاجة أو للضرورة، مثل كلب الصيد؛ كلب الصيد يباح للحاجة، فلا يجوز تأجيره.

الثالث: أن يكون مقصوداً؛ النفع مقصوداً، مثل من استأجر الشقة ليسكن فيها، فالسكن منفعة مقصودة. لكن لو استأجر شيئاً لغير المنفعة المقصودة منه، كما لو استأجر طعاماً ليتجمل به ثم يرده؛ فالطعام أصلاً المنفعة المقصودة منه هي الأكل، لكنه استأجره ليتجمل به، كمن استأجر بائع فاكهة فأخذ منه موزة وفاكهة وتفاحة وبرتقال، فجعله للتجمل ليظن الناس أنه شخص يهتم بصحته مثلاً، فهو لم يستأجره للمنفعة المقصودة منه، وهي الأكل، إنما استأجره بمنفعة غير مقصودة.

الرابع: كونه متقوماً أي له قيمة، فإذا كان الشيء غير متقوم، أي لا يمكن تقويمه، فإنه لا يصح استئجاره، مثل استئجار تفاحة للشم؛ هل لو أخذ واحد تفاحة ليشمها، هل الشم لرائحة التفاح لها عوض؟ لا، لا يمكن تقويم ذلك. كما في الغصب كما سيأتينا، أنه إذا غصب شخص شيئاً فإنه يرد العين المغصوبة ويرد أجرة المثل، ويعوض بأجرة مكفيها عنده، لكن هنا التفاحة لو ردها ما فيه أجرة لنافعة؛ لأن المنفعة التي هي الشم لا تتقوم، فلذلك هنا الأجرة لو استأجر تفاحاً ليشمه فنقول: لا يصح، لأن المنفعة غير متقومة، وهذا مما عُلل به منع استئجار التفاح للشم.

الخامس: أن يمكن استفاؤه مع بقاء العين، فإذا كان لا يمكن أن تستوفى المنفعة إلا بذهاب العين فلا يصح، مثل استئجار الطعام للأكل؛ فالطعام لا يستأجر للتجمل ولا للأكل، لأنك إذا استأجرته للمنفعة لا يمكن أن تستهلك المنفعة إلا باستهلاك العين، فإذا استأجرت مثلاً موزة لتأكلها، خلاص أكلتها وذهبت العين، ما يمكن أن تردها، فصار هذا بيعاً وليس إجارة.

السابع: أن يكون النفع للمستأجر، يعني مملوكاً للمستأجر؛ المنفعة مملوكة للمستأجر، فلا يؤجر مثلاً شيئاً لا يملكه ولا يملك منفعته، وهذا سيأتينا إن شاء الله في الفصل القادم.

نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى، هنا يقول المؤلف ذكر بعض القيود؛ قال: «الإباحة في نفع العين»، فأن تكون المنفعة مباحة وهذا هو القيد الأول الذي ذكره ابن قائد، لكن كونها مباحة مطلقاً هذه لم يذكرها هنا، أي أنها تباح مطلقاً لا أنها تباح عند الحاجة والضرورة.

«في نفع العين المقدور عليه»، إخراج غير المقدور عليه، أي المعجوز عن تسليمه، كالمغصوب، وكذلك مثل استئجار الديك ليوقظه للصلاة؛ فهذا غير مقدور عليه، لماذا؟ لو ما أذن الديك هنا، هل تستطيع استخراج الصوت من الديك بضرب ونحوه؟ لا، فالديك من نفسه، فهنا لا تستطيع المنفعة التي ستستخرجها من الديك، لا تتحكم بها، فلذلك هذا غير مقدور عليه.

«المقصود»، كما قلنا في إجارة الطعام والشمع ليتجمل به. هنا ذكر لك الأمثلة لما تحقق فيه هذه الشروط، قال: «كإجارة دار يجعلها مسجداً»، إذا استأجر داراً ليجعله مسجداً يصلون فيها، فهنا يصح؛ لأن هذه منفعة مباحة، الصلاة فيه مباحة، ويمكن استفاؤها من العين مع بقائها، فجاز استئجار العين لها كالسكنة كذلك.

«وشجر لنشر ثياب، أو قعود بظله»، يعني يجوز لشخص عنده أشجار أن يقول له شخص آخر: أنا أغسل ثيابي وأريد أن أنشرها على شجرك، فيقول: طيب، سأستأجرها منك لأنشر ثيابي عليها، فهنا يصح ذلك؛ هذه منفعة مباحة. قالوا: لأنها لو كانت مقطوعة جاز استئجارها، فكذلك إذا كانت ثابتة.

وكذلك استئجار الشجر للقعود بظله، يعني شخص عنده أشجار يستظل بها، فقال شخص: أنا أريد أن أستظل بها، فقال له: ما عندي، بمعنى أعطني أجره لتجلس بها تستظل بها، أو مثلاً قال: أريد أن أوقف سيارتي تحتها، قال: ما عندي، هذه شجرة لي، شجرة له هو الذي زرعها عند بيته، فقال: ما عندي، بمعنى أعطني أجره مقابل إيقاف سيارتك فيها.

هل يستحق هذا؟ هل يصح؟ وما هو النظام؟ لا أقول ما يصح، بل هناك منع، يعني يمنع أن يؤجر، لا تقول سآخذ أجره منك، ما عندي بمعنى تقف، لكن سآخذ أجره منك؛ لأنه لا يملك. مثلما نقول حريم الدار، وهو المكان المحيط بالبيت، فالأصل أنها مواقف لهذا الساكن في البيت، فجاء شخص وأراد أن يقف فيها، فيقول له: ما عندي بمعنى تقف فيها، ادفع أجره، لكن في النظام شيء يمنع، لا أعرف هل هناك منع أو لا، لكن نتكلم عنها من ناحية فقهية.

لو لم يكن فيه منع، فنقول يصح؛ لأن هذا الظل هو يملك الشجرة، فيملك منفعة الشجرة، والمنفعة المباحة، طبعاً الشجرة التي تكون في أرضه أو في حريم داره، يعني زراعة عند بيته مباشرة أو في أرضه، فهنا يملك منفعة هذا الظل، فله أن يؤجرها.

هل للشخص الذي لا يملك أن يستظل بها؟ ولو لم يستأذن؟ يستظل بها بنفسه، ليس بسيارته، بنفسه يتعب ويجلس في ظلال شجرة، هل يجب عليه الاستئذان؟ غير الشجرة، ظلال الجدار، ظلال جدار المنزل، إذا جاء الظل على خارج المنزل في الشارع، هل يجب عليه استئذان صاحب المنزل أن يستظل بظلال جداره؟ نعم، هذا لا يلزم، هذا يباح الانتفاع به.

نعم، هنا قال الخلوتي في تعليقه على هذه الجملة من المنتهى: «وهذا يعني جواز إجارة العين المباح نفعها للمستأجر، فإن له الجلوس في ظل حائط غيره»، فيقول يصح له الجلوس من باب الإباحة لا من باب الملك، يعني أُبيح له، عندنا ملك المنفعة وعندنا إباحة الانتفاع، أُبيح الانتفاع لك بملك الغير، لكن هذه الإباحة مستندة إلى العرف؛ لأن الناس يتساهلون في مثل هذا، وتجري العادة أن الناس يتسامحون، فلذلك هو يملك تأجيرها.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة للنفع الذي لم تتحقق فيه هذه الشروط، قال: «فلا تصح الإجارة على نفع محرم كالزنا والزمر»، لماذا؟ لأن منفعته محرمة فلا يجوز الاستئجار عليها. والغناء أيضاً كسابقه، والمقصود بالغناء هو الغناء المحرم، لأنه قال في أول الجملة: الإجارة على النفع المحرم، هل هناك غناء مباح؟ المراد بالغناء هو الشعر المتغنى به، وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «الحسن حسن والقبيح قبيح»، فنقول إذا كان شعراً مباحاً ولا يوجد فيه تشبيه بنساء أو نحوه أو وصف لمحرم ونحوه، وكان خالياً من المعازف والموسيقى، فإنه مباح، لكن ليس هو المراد هنا، المراد هنا الغناء المحرم الذي فيه إما وصف للمحرمات بما يقتضي الإشادة بها والتفاخر بها ونحو ذلك، أو يكون شعراً مباحاً لكنه مقترن به المعازف ونحوها فإنه يكون محرماً.

قال: «وجعل لداره كنيسة أو لبيع الخمر أن يستأجر»، فيؤجر داره لمن يحولها إلى كنيسة، هنا في الأول قال: من يؤجر داره ليصلي فيها، هذه منفعة مباحة، لكن يؤجر داره لمن يحولها إلى كنيسة أو لمن يبيع فيها الخمر، فهذه لا تصح؛ لأن هذه منفعة محرمة، والمنفعة المحرمة مطلوب إزالتها، والإجارة تنافيها؛ لأن الإجارة ستجعل هذه المنفعة المحرمة تزيد، والمنفعة المحرمة مطلوب إزالتها.

قال: «وسواء شرط ذلك في العقد أو لا، إذا ظن الفعل»، يعني مثلاً شخص معروف عنده أنه فتح عدة محلات لبيع أشرطة الغناء أو لبيع الشيشة ونحوها، فجاء واستأجر من شخص محله، وهذا الشخص يعرف أن هذا صاحبه عنده هذا النشاط، هنا صحيح هو لم يقل له سأستأجرها لبيع الشيشة، لكنه هو المؤجر يغلب على ظنه أن المستأجر استأجرها لهذا الفعل المحرم أو لهذه المنفعة المحرمة، فهل يجوز له تأجيرها أو لا؟ يقول: لا يجوز، ولذلك يقول: سواء شرط ذلك في العقد أو لا، إذا ظن الفعل، يعني إذا غلب على ظنه أن المستأجر سيستعملها في منفعة غير مباحة فلا يجوز له تأجيرها.

نأتي إلى تأجير المحلات، كالسوبر ماركت الذي يبيع فيه الدخان مثلاً، فهل يجوز تأجيره؟ الدخان، نقول هنا ينظر إلى الأغلب في نشاط هذا المحل، فإذا كان الأغلب في نشاط هذا المحل المنفعة المباحة فنقول بالجواز، وإذا كان الأغلب المنفعة المحرمة فنقول بالتحريم. وكذلك في الحلاقة، المباحة أو التحريم، يختلف بعض الحلاقين، فإذا كان أصل نشاطه على الحلاقة المباحة فنقول يجوز، حتى لو كان هناك جزء من النشاط غير ذلك.

قال: «ولا تصح إجارة طير ليوقظه للصلاة»، لأنه غير مقدور عليه، وهذا تقدم قبل قليل نقله إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد رحمه الله، قالوا: لأن ذلك يتوقف على فعل الديك من المنفعة ليوقظ للصلاة، وهذا يتوقف على فعل الديك، وهل فعل الديك يستطيع الإنسان أن يستخرجه؟ لا، قالوا: لأن ذلك يتوقف على فعل الديك ولا يمكن استخراج ذلك بالضرب ولا غيره، فإذا ضربته قد لا يؤذن، وقد تمنع عنه الطعام فقد يؤذن وقد لا يؤذن، فلذلك قالوا: لا يمكن استخراج ذلك منه بالضرب ولا غيره، فقد يصيح وقد لا يصيح، وربما صاح بعد الوقت، فهنا المنفعة غير مقدور عليها.

قال: «ولا شمع وطعام ليتجمل به ويرده»، الشمع المنفعة المقصودة منها الاستضاءة، وبعضهم يجعلها للزينة لأنها تخرج روائح طيبة، والطعام المنفعة المقصودة منه الأكل، فهنا الشمع والطعام ليتجمل به ويرده.

فهنا قالوا لا يصح ذلك؛ لأن هذا ليس بمنفعة، اللي هو التجمل بالشمع والطعام. كلامهم على الشمع في السابق كان المقصود منها الإضاءة، قالوا: لأن ذلك ليس بمنفعة مرعية في الشرع، فبدل المال فيه سفه وأخذه أكل مال بالباطل، فلم يجز. طبعاً الآن الشمع يتجمل به.

فيأتينا السبب الثاني في منع إجارة الشمع، أنه لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه. فيأتينا إن شاء الله في الفصل القادم: «ولا ثوب يوضع على نعش ميت». نعش الميت، انتهى، يوضع عليه ثوب يستأجر ثوباً ليضع عليه؛ قالوا: هذا الثوب استفاد منه في اللبس، ليست هي المنفعة المقصودة منه، فلذلك قالوا لا يصح ذلك، لأن هذا ليس من المنافع المقصودة للثوب.

قال ذكره في المغني والشرح، الحقيقة أنه ذكره في الشرح، ذكره الشارح، أما الموفق حقيقة ما وقف عليه في المغني، لكن وقفت عليه في الكافي. والحقيقة أنها تتابع الأصحاب رحمهم الله تعالى على نسبة هذا للمغني؛ يعني ذكره في الفروع والإنصاف والكشاف، والله أعلم هل ذكره في موضع آخر أو لا، لكن هو ذكره ابن قدامة في الكافي وذكره في الشارح.

قال: «ولا نحو تفاحة للشم». لماذا؟ السبب الأول أنها غير مقصودة المنفعة، والسبب الثاني أنها غير متقومة، المنفعة هذه للشم غير متقومة. وقالوا: «نحو التفاحة كالريحان والورد والبنفسج فلا يصح استئجارها للشم»، لأنها تتلف عن قرب، يعني رائحتها ليست زكية فتذهب سريعاً ولا تبقى، أشبهت المطعومات لكن ما تبقى رائحتها طويلاً.

قالوا: يصح استئجاره في ذلك لأن هذه منفعة مقصودة. ذكر في المغني أنه يصح استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وقطع الكافور والند للشم؛ لأنها منفعة مباحة. قال: «وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبة المعلوم عليه»، لإباحة ذلك.

مر معنا مسألة وضع الخشب على جدار الجار؛ في أي... نعم، إجابة الشيخ حمزة والشيخ عبد الله: لا، في الصلح. في الصلح؛ لأنهم يذكرون أحكام الجوار في آخر باب الصلح. ذكرنا سبب ذلك سابقاً أن غالباً المشاكل بين الجيران قد تكون بينهم مشاكل كثيرة، فأحسن الحلول لها باب الصلح، فلذلك يذكرون أحكام الجوار في باب الصلح.

فهنا يقول: تصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبة المعلوم عليه، يعني هو الأصل أنه لا يمنع جار جاره أن يضع خشبة على جداره كما جاء في الحديث، فيبذله له، إما أن يبذله له مجاناً أو يبذله له بأجرة. فهنا قال: يصح أن يبذله له بأجرة، قال: لإباحة ذلك، لإباحة هذه المنفعة وكونها مقدوراً على تسليمها.

قال: «ولا تؤجر المرأة نفسها بعد عقد النكاح عليها بغير إذن زوجها بتفويت حق الزوج». حق الزوج هنا؛ المزوجة عندها حق للزوج عليها بالاستمتاع، فهي إذا أجرت نفسها فإنها ستنقص حق الزوج. فلو أجرت نفسها مثلاً خياطة تخيط للناس، أو مثل الوظيفة، وظيفتكم معلمة أو طبيبة، يعني بعد الزواج هنا إذا أجرت نفسها بغير إذن الزوج فهنا لا يصح؛ لأن هذا فيه تفويت لحق الزوج.

أقول: لو أن امرأة توظفت بعد زواجها، فهنا منعت زوجها بعض الوقت، وزوجها يستحق منفعتها كل الوقت، فهي منعت زوجها بعض الوقت، فهنا لا بد أن تكون بإذن الزوج؛ لأنها إذا كانت بغير إذنه فوتت حق الزوج. ولذلك لو كان تأجير نفسها في وقت لا يفوت حق الزوج، فظاهر تعليلهم جوازه.

يقول شيخنا ابن عثيم رحمه الله في حاشيته على الروض: يؤخذ من هذا التعليل لتفويت حق الزوج أنها لو أجرت نفسها على وجه لا تفوت به حق الزوج، مثل أن تستأجر لخياطة ثوب ونحوه مما لا تفوت به حق الزوج، وهو كذلك. يعني لو كان مثلاً الزوج يخرج يومياً للعمل من الساعة السابعة إلى الساعة الواحدة مثلاً، فهي قالت خلاص أنا ساعتين منها أخيط للناس، لا أفوت حق زوجي، فهنا لا يلزم أن تستأذن زوجها لأنها لن تفوت حقه بذلك. وهذا يؤخذ من قوله: «بعد عقد النكاح عليها»، فلو كانت مؤجرة النفس من قبل عقد النكاح فلا يلزم إذن الزوج بعد عقد النكاح؛ فلو كانت مثلاً معلمة وزوجها زوجها وهي معلمة، فهنا ليس له حق في منعها لأنها مستأجرة من قبل.

يقول: الوظيفة عن بعد، هل يلزم استئذانها؟ طبق التعليق: هل تفوت حق الزوج أو لا؟ إذا كانت تفوت حق الزوج فلا بد من الإذن، وإذا كانت لا تفوته فلا يلزم. يعني اهتم بحق الفراش، فلو مثلاً إذا أتى والبيت غير مرتب غير منظف، وكانت عادة أهل البلد أن المرأة هي التي تقوم به، فهنا ضيعت شيئاً من حق الزوج، هنا لا بد فيه من الإذن.

قال رحمه الله: «فصل: ويشترط في العين المؤجرة خمسة شروط: أحدها معرفتها برؤية أو وصف انضبط بالوصف». ولهذا قال في غير الدار ونحوها مما لا يصح فيه الوصف؛ فلو استأجر حماماً فلا بد من رؤيته، لأن الغرض يختلف بالصغر والكبر، ومعرفة مائه، ومشاهدة الإيوان ومطرح الرماد ومصرف الماء. وكره أحمد كراء الحمام؛ لأنه يدخله من تنكشف عورته فيه.

ما عقد المؤلف رحمه الله تعالى فصلاً في بيان أحكام العين المؤجرة؛ عندنا عقد الإجارة إما أن يكون على عين وإما أن يكون على عمل، وهنا في هذا الفصل سيتكلم على إجارة الأعيان. والعين قد تكون معينة وقد تكون موصوفة في الذمة. قال: يشترط في العين المؤجرة خمسة شروط. أولاً: ما العين التي يجوز تأجيرها؟ قالوا القاعدة: أن كل ما صح بيعه صح تأجيره.

طيب، ما الذي يصح بيعه؟ ارجع إلى كتاب البيع: كل ما أبيح الانتفاع به من غير حاجة، فكل ما صح بيعه صح تأجيره، وما لا يصح بيعه لا يصح تأجيره. واستثنوا من ذلك الحر والحرة؛ فلا يصح بيعهما، لكن يصح تأجيرهما. نعم، صح أن تستأجر شخصاً ليعمل لديك، كخدم في البيوت، الآن هي استئجار للعمل، أنت استأجرت هذا السير أو هذه الخادمة، لكن هل يجوز لك بيعها؟ لا؛ فالحر والحرة.

يجوز استئجارهما ولا يجوز بيعهما. وإذا استأجر الحرة كما تقدم معنا في الدرس الماضي، يصرف وجهه عن النظر لأنها أجنبية عنه. وكذلك الوقف، الوقف لا يجوز بيعه في نطاق ضيق، لكن الأصل أنه لا يجوز بيعه ويجوز تأجيره. وأم الولد لا يجوز بيعها ويجوز تأجيرها.

ذكر أنه يشترط في العين المؤجلة خمسة شروط. الشروط التي مرت معنا ثلاثة، هذه شروط للإجارة تكون سواء كانت على عين أو منفعة. وهنا الإجارة على عين تشترط فيها خمسة شروط؛ الشرط الأول أن تكون العين معروفة، التي سيقع العقد عليها معروفة برؤية أو صفة.

الرؤية هذه لكل مرئي: سيارة، بيت، ونحو ذلك. والصفة هذه إذا انضبطت بالوصف. فما لا ينضبط بالوصف، كيف تعرف الذي ينضبط بالوصف؟ أحياناً الفقهاء -رحمهم الله تعالى- يختصرون ويحيلونك لبواب سابقة، لأجل أن تربط أبواب الفقه بعضها ببعض، سواء يحيلونك على سابق أو يحيلونك على لاحق، فلا يكررون المعلومة في كل باب لكن يحيلونها.

فقولهم: «إذا انضبطت بالوصف»، ما الذي ينضبط بالوصف؟ ارجع إلى باب السن، فقد جاب عليها أحد الإخوان في السنة، فما ينضبط بالوصف وما لا ينضبط به تعرفه في باب السن. فهنا يقول: إن انضبطت بالوصف، فما لا ينضبط بالوصف فإنه لا يصح استئجاره إلا بالرؤية.

إذاً الرؤية، كل شيء يصح استئجاره بالرؤية، لكن بالصفة نقول: لابد أن ينضبط بالوصف. فلذلك قال: «في غير الدار ونحوها»، يعني العقار لا ينضبط بالوصف، فلذلك يقولون: هذا لابد فيه من رؤية. قال: «في غير الدار ونحوها مما لا يصح فيه السلام»، فهذا لابد فيه من رؤية؛ هذا هو المشهور من المذهب.

وهناك قول آخر في المذهب بجواز استئجار الذي لا ينضبط بالصفة، يستأجر بالصفة ويثبت له خيار الرؤية إذا رآه؛ بمعنى يستأجره ثم إذا رآه ولم يعجبه أو لم يكن على الوصف الذي توقعه معه، فهنا له خيار الفسخ. هذا قول في المذهب، وهذان القولان أيضاً هما في البيع بالصفة. ذكرنا في شروط البيع أنه لابد أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو بصفة، والمذهب أن الصفة مما ينضبط بالوصف، فلو كان مما لا ينضبط بالوصف وبيع بالصفة، فهل يصح أو لا؟ المشهور أنه لا يصح، وهناك قول آخر في المذهب أنه يصح ويثبت له خيار الرؤية، وهكذا هنا.

ثم ذكر لك أمثلة بما لابد فيه من الرؤية، قال: «فلو استأجر حماماً فلا بد من رؤيته». لماذا؟ لأنه لا يكفي فيه الوصف، لابد فيه من الرؤية؛ لأن هناك أوصافاً في الحمام تختلف وتنضبط بالوصف. قال: لأن الغرض يختلف بالدق والكبر، بعضهم يريد الحمام الصغير وبعضهم يريد الحمام الكبير، ومعرفة مائه؛ هل هو من البئر أو لا، ومعرفة مشاهدة الإيوان وصفته، ومطرح الرماد؛ يعني المكان الذي يسيل إليه الرماد، وموضع الزبل ومصرف الماء؛ هذه كلها يختلف بها غرض من يستأجر الحمام، لذلك قالوا: لابد فيه من رؤيته.

ثم انتقل إلى مسألة كراء الحمام؛ استئجار الحمام هل يصح؟ هل يجوز أو لا يجوز؟ قال: كره الإمام أحمد -رحمه الله- كراء الحمام؛ لأنه يدخله من تنكشف عورته فيه. هنا الكراهة هي كراهة تنزيه. سئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن كراء الحمام فقال: «أخشى»، وكأنه على سبيل الورع. فقيل له: إذا شرط على المكتري ألا يدخله أحد بغير إزار؟ (والمكتري هو الشخص الذي سيستأجر الحمام لكي يبذله للناس)، فقال: «ومن يضبط هذا؟».

وهذه الجملة تصلح لبعض الناس الذين يجوزون بعض الأشياء التي الفساد فيها أكثر، ويقولون: تجوز على وفق الضوابط الشرعية. فما الذي سيطبق من الضوابط الشرعية؟ إذا كانت مست الحاجة إليه ونحو ذلك ممكن أن يتجاوز، لكن إذا كانت مسائل ترفيه ونحو ذلك، فماذا نقول؟ يجوز وتطبق الضوابط الشرعية.

ذكر ابن حامد -رحمه الله- أن كلام الإمام أحمد في الكراهة أن هذا على طريقة الكراهة تنزيهاً؛ لأنه قد تبدو فيه عورات الناس فتحصل الإجارة على فعل محظور فكرهه لذلك. وأما العقل فصحيح. وقد ذكر ابن المنذر -رحمه الله- إجازة كراء الحمام بقول أو إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم رحمهم الله تعالى.

طبعاً كراء الحمام جائز إذا حدده وصفاً ونحو ذلك؛ لأن المكتري إنما يأخذ الأجر عوضاً عن دخول الحمام والاغتسال بمائه. وأحوال المسلمين محموله على السلامة، وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز لم يحرم الأجر المأخوذ منه؛ كما لو استأجر شخص داراً ليسكنها، فاستأجرها والسكن صحيح والعقد صحيح، وهذا أخذ الأجرة للمالك، لكن المستأجر مرة شرب فيها دخاناً أو خمراً، هل نقول الأجرة باطلة والعقد باطل؟ لا، صحيح، الأجرة صحيحة ولكن الفعل هذا الذي فعله المستأجر هو الفعل المحرم.

قال رحمه الله: «والشرط الثاني أن يعقد على نفعها المستوفى دون إجزائها»؛ لأن الإجارة هي بيع المنافع، فلا تدخل الأجزاء فيها؛ فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليُشعل، ولو أكرى شمعة ليُشعل منها ويرد بقيتها، وثمن ما ذهب وأجر الباقي، فهو فاسد. ولا حيوان ليؤخذ لبنه أو صوفه أو شعره أو وبره إلا في الظئر فيجوز، وتقدم.

قال رحمه الله: «ووقع البئر -أي ماؤها المستنقع فيها- وماء الأرض يدخلان تبعاً كحبر ناسخ وخيوط وخياط وكحل ومرهم طبيب ونحوه». هنا قال الشرط الثاني: «أن يعقد على نفعها المستوفى دون إجزائها»؛ فالإجارة هي عقد على المنافع، هي بيع منافع وليست بيع أعيان، فلذلك يقولون: المعقود عليه هو المنفعة وليست العين، فإذا كانت العين ستذهب مع المنفعة فلا يصح هنا عقد الإجارة عليها؛ لأن الإجارة عقد على المنافع وهذه لا.

ينتفع بها إلا مع إتلاف عينها، وهذا التعليل أيضًا سيأتينا في الوقف. إن من شروط العين الموقوفة أن تبقى العين ولا تذهب مع الانتفاع بها؛ قال: لأن الإجارة هي بيع المنافع فلا تدخل الأجزاء فيها.

ثم ذكر أمثلة، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، كما في الجملة السابقة في الفصل السابق؛ إجارة الطعام التي قرأناها قبل قليل. الطعام والشمع للزينة لا تصح؛ لأن المنفعة غير مقصودة، لكن هنا المنفعة مقصودة، الطعام للأكل والشمع ليُشعل، لكن في سبب آخر وهو أن العين ستذهب، فكان العقد وقع على المنفعة والعين، وهو عقد إجارة، والذي يقع على المنفعة والعين هو عقد البيع؛ فلذلك قالوا: لا تصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليُشعل؛ لماذا؟ لأن هذا لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه فلم يجز، وهذا هو المشهور عند الأصحاب رحمهم الله.

شيخ الإسلام رحمه الله يجوز هذا، لكن يقول: ليس هذا بإجارة، بل هو إذن في الإتلاف وهو سائغ، كقوله: «من ألقى متاعه فعلي»، فهو من باب الالتزام.

وهنا في حاشية ابن قاسم في صفحة 306، لما ذكر كلام الشيخ رحمه الله، قال في الفروع وهو المختار، وصاحب الفائق نقل هذه الجملة، لكن صاحب الفروع لم يصرح باختياره في هذه المسألة التي قال فيها: «وهو المختار»، فهو صاحب الفائق كما في الأنصار، كما في حاشية العنقري التي نقلها الشيخ ابن قاسم عنا.

هنا في الشارع يقول: لو جاء شخص وقال أنا ما دمتم قلتم إنه لا تصح إجارة الشمع ليُشعل لأنها تذهب العين، أنا سأؤجر شمعًا ليُشعل، وهذا المستأجر ما بقي منه يردُّه، والذي استهلكه يعطيني ثمنه، والذي لم يستهلكه يعطيني أجرته. يقول مثلاً: أنتم تقولون إجارة الشمع لا تجوز لأنها تذهب، طيب أنا سأؤجر شخصًا شمعة وأقول له: انظر أنت أشعلها ورجع الباقي، فإذا أشعلتها وبقي نصفها رجع النصف، والنصف الذي استهلكته خلاص هذا مبيع سأبيعه عليك، والنصف الباقي هذا سأجعله إجارة لأنه لم يذهب، فالعلة التي منعتم من أجلها تأجير الشمع انتفت هنا؛ أنا سأؤجر ما بقي.

فهنا هل يصح هذا؟ هو أولى؟ ماذا قال المؤلف؟ لو أكرى شمعة ليُشعل منها ويرد بقيته وثمن ما ذهب وأجر الباقي -يعني الذي استهلك يدفع ثمنه يصير مبيعًا، والذي لم يستهلك يدفع أجرته- يقول هو: فاسد. لماذا؟ عقدان في عقد واحد، هل يبطل العقدان إذا اجتمعا في عقد واحد؟ ترى في الشروط في البيع العقدان في عقد واحد لا يلزم أن يفصل، هذا يتجه إلى الجزئية وهذا يتجه إلى الجزئية، لكن هنا وسم بإجارة، ما الإشكالية؟ الإشكالية ليست في أنه اجتمع عقدان، الإشكالية في الجهالة في العقدين؛ قالوا لأنه يشمل بيعًا وإجارة وما وقع عليه البيع مجهول، وقال: ما يعني يوم أعطاه، الذي ستستهلكه أعطني ثمنه، كم سيستهلك؟ هل سيستهلك الشمعة كلها؟ يستهلك ربعها أو نصفها؟ مجهول، وإذا جُهل المبيع وجُهل المستأجر فيفسد العقدان، فيفسد عقد البيع وعقد الإجارة؛ يعني هنا فسد لاجتماعهما ولكن لوجود الجهالة في كل منهما.

قال: ولا حيوان، يعني لا يجوز تأجير الحيوان ليؤخذ لبنه أو صوفه أو شعره أو وبره؛ لماذا؟ جاء وقال: أنا سأستأجر منك هذه النوق، خمس نوق سأستأجرها، أنا لن أركبها، أنا فقط سأستأجرها لأخذ حليبها، فهنا في جهالة. لو قال: نرفع الجهالة، أستأجرها لأخذ خمسة أَتار من الحليب، يستمر الإيجار إلى أن يحصل هذا، هنا العقد حقيقة وقع على العين، على الحليب، والإجارة هي عقد على المنفعة؛ يعني لو استأجر الناقة للركوب هذه منفعة، لكن استأجر الناقة ليأخذ حليبها أو صوفها أو شعرها أو وبرها فهنا لا يصح؛ قال: لأن مورد عقد الإجارة النفع، والمقصود هنا العين وهي لا تملك ولا تستحق بالإجارة.

طبعًا شيخ الإسلام رحمه الله يجوز ذلك، قال: إلا في الظئر فيجوز. في الظئر يجوز استئجار الظئر المُرْضِعة لترضع الطفل، فيجوز. طيب العقد هنا على ماذا؟ في الرضاعة تكلمنا في الدرس الماضي، هل العقد على الفعل أو العقد على اللبن؟ هل العقد على أنها تجعله في حجرها وتلقمه ثديه ونحو ذلك، أو العقد على اللبن نفسه؟ اللبن نفسه؛ طبعًا هناك خلاف بين الأصحاب رحمهم الله تعالى، والذي مشى عليه في "الإقناع" قال: الحضانة واللبن، وفي "المنتهى" قال: والأصح اللبن. وفي قول في المنابذ أن المعقود عليه هو الفعل، فعل الظئر، وهي تجعله في حجرها وتقيمه ثديها ونحو ذلك، فيقولون هذا هو المعقود عليه واللبن جاء تابعًا. وابن القيم رحمه الله ناقش ذلك في "زاد المعاد". فشيخ الإسلام رحمه الله الحق بها، يعني يقول حكمه واحد، لو استأجر حيوانًا لأخذ لبنه فهو مثل الظئر، خذ لبنها. أما الأصحاب رحمهم الله تعالى قالوا: الظئر استُثنيت.

قال: ونقع البئر -أي ماؤها المستنقع فيها- وماء الأرض يدخلان تبعًا. يعني إذا استأجر أرضًا مزرعة مثلاً وفيها ماء في بئر، أو فيها مياه جوفية، فهنا هل يملك هذا الماء؟ هل يدخل في عقد الإيجار؟ يقولون نعم، لكن دخل في عقد الإيجار تبعًا؛ لماذا؟ ما قالوا أصالة؛ لأن الماء عين، والعقد يقع على المنفعة، لذلك قالوا إنه يدخل تبعًا، كحبر ناسخ، وخيوط خياط، وكحل كحال، ومرهم طبيب ونحوه. يعني لو استأجرت شخصًا لكي ينسخ لك فيكتب لك، فأعطيته أجرة على فعله وهذا الحبر الذي أحضره معه، الحبر ليس عينًا؟ بلى هو عين، لكن دخل تبعًا في العقد. وكذلك خيوط الخياط، أنت استأجرت خياطًا ليخيط ثوبك، طيب الخياط اشترى خيوطًا لكي يخيط، فالخيوط هنا دخلت في عقد الأجرة تبعًا، هي ما دخلت أصالة لأنها عين. وكذلك كحل الكحال ومرهم الطبيب ونحو ذلك، فهي كلها تدخل تبعًا.

قال رحمه الله: والشرط الثالث القدرة على التسليم كالبيع، فلا تصح إجارة عبدٍ آبق، والجماد الشارد، والطير في الهواء، ولا المغصوب مما لا يقدر على أخذه ممن لا...

ممن لا يقدر على أخذه، ولا إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك، ولا يؤجر مسلم لذمي ليخدمه، وتصح لغيرها.

مع العلم أن الشرط الثالث هو القدرة، القدرة على التسليم كالبيع؛ لأن من شروط البيع أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه، كذلك من شرط صحة عقد الإجارة أن تكون المنفعة أو أن تكون العين المؤجرة مقدوراً على تسليمها.

ذكر لك أمثلة لمسائل لا تصح إجارتها لأن العين غير مقدور على تسليمها؛ قال: فلا تصح إجارة العبد الآبق الهارب والجمل الشارد، فلا تصح إجارتهما؛ لأنهما غير مقدور على تسليمهما، يعني لا صاحبهما يستطيع أن يسلمهما لهذا المستأجر.

وهل يصح تأجيرهما لمن يقدر على تحصيلهما؟ نعم، ذكروا في البيع أنه لا يصح بيع العبد الآبق والجمل الشارد، لكن إذا قالوا «آبق» يقصدون به العبد اصطلاحاً، ولا يصح أن تقول الجمل آبق والعبد شارد، لكن اصطلاحاً لكي يفرقوا يقولون العبد آبق والجمل شارد. وقد ذكروا هناك أنه لا يصح ولو لقادر على تحصيلهما، فكذلك في الإجارة؛ ولذلك قالت في الكشاف: «وقياس البيع ولو من قادر على تحصيله»، يعني لا يجوز تأجرهما ولو من قادر على تحصيلهما قياساً على ما ذكره في البيت.

قال: «والطير في الهواء لا يصح تأجيره لأنه لا يقدر على تسليمه»، قال: «ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه». فالمغصوب لا يصح تأجيره لمن لا يستطيع أخذه من غاصبه، لكن يجوز تأجيره لمن يستطيع ذلك؛ مثلاً شخص عنده سيارة، فجاء موظف في جهة ما وغصب هذه السيارة، جاء رئيس هذا الموظف إلى مالك هذه السيارة قال: تؤجرني إياها؟ قال: نعم، هنا له أن يؤجره؛ لأن الرئيس يستطيع أن يحصلها من الموظف الذي تحته، لكن إذا كان العكس، المستأجر لا يستطيع أن يحصل هذه العين المغصوبة من الغاصب، فهنا لا يصح التأجير.

قال: «ولا إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك». يعني عندنا مثلاً أحمد ونصار شريكان في عمارة سكنية، كل منهما يملك النصف مشاعاً، لن يتقاسما الشقق التي في العمارة. هنا هل لأحمد أن يؤجر نصيبه لعمر؟ أحمد نصيبه مشاع لم يقسم، هل له أن يؤجر نصيبه لعمر؟ قال مثلاً أحمد هو مدين لعمر بمائة ألف ريال، فقال: أنا أملك نصف هذه العمارة، خلاص سأجعلك تحل محلي سنتين في نصيبه منها لمدة سنتين مقابل هذا الدين، هنا هل يصح أو لا يصح؟ قالوا: لا يصح إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك.

أما للشريك فيصح؛ لو أن أحمد الذي يملك النصف أجر نصفه لنصار، فصار نصار يملك منفعة هذا العقار كاملاً؛ نصفه يملكه عيناً ومنفعة، والنصف الآخر يملكه منفعة، فهذا يصح. لكن إذا كان سيؤجر نصفه لغير الشريك فلا يصح؛ لماذا قالوا؟ لأنه لا يقدر على تسليمه، فلم تصح إجارته كالمغصوب؛ هنا لو قال عمر أعطني النصف، ما يستطيع؛ لأن كل متر أو كل شبر في هذا العقار نصفه لأحمد ونصفه لنصار، فلا يستطيع أن يسلمه ما دام لم يقتسم.

قال: «لأنه لا يقدر على تسليمه فلم تصح إجارته كالمغصوب»، وذلك لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه، ما يقدر يسلم نصيبه لعمر إلا بتسليم نصيب شريكه أيضاً، وهو لا ولاية له على مال شريكه. هذا هو المشهور من المذهب، والقول الثاني في المذهب، أو ما إليه الإمام أحمد رحمه الله، أنه يجوز، واختاره جمع من الأصحاب منهم أبو حفص العكبري، وأبو الخطاب، وصاحب الفائق، والحافظ ابن عبد الهادي، والمرداوي رحمه الله صوبه في الإنصاف. وقال في التنقيح: «وهو أظهر وعليه العمل»، وقال البهوتي في شرح المنتهى: «عليه العمل»، يعني عمل الحكام إلى زماننا، أي يجيزون مثل هذا التصرف؛ لأنه معلوم يجوز بيعه فجازت تجارته. قالوا: ومعلوم أنه يملك نصف هذا العقار جاز بيعه، فلما جاز بيعه جازت إجارته.

ثم قال رحمه الله: «ولا يؤجر مسلم لذمي ليخدمه، وتصح لغيرها». تأجير المسلم نفسه للذمي؛ نقول إما أن يؤجر نفسه للخدمة أو لغير الخدمة. لغير الخدمة مثل عمل معين؛ مثل خياطة، أو تغسيل ثوب، أو طبخ وجبة معينة ونحوها، فهنا إذا كان لعمل معين فيجوز بالإجماع؛ استدلالاً بإقرار النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة. علي بن أبي طالب رضي الله عنه أجر نفسه من يهودي، وعلي رضي الله عنه من سادات الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكنه رضي الله تعالى عنه هنا أجر نفسه من اليهودي، وهذا كان عندما كان يجمع المهر لزواجه من فاطمة بنت النبي ﷺ، فهو عمل ولم يتكفف الناس رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والنبي ﷺ علم بذلك وأقره ولم ينكر عليه.

فهنا أجر نفسه لعمل معين، لكن تأجير المسلم نفسه لخدمة الذمي، أن يكون خادماً له يعمل عنده ليلاً ونهاراً، فهنا قالوا: لا يجوز، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثر؛ قال: إن أجر نفسه في خدمته لم يجز، إن كان في عمل شيء جاز. لماذا لا يجوز تأجير نفسه للخدمة؟ قال: لأنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه له، أشبه بالبيع، ولا يباع العبد المسلم للكافر، فكذلك لا يستأجر الكافر مسلماً ليخدمه. قال موفق: يحق له إذا عقد الإجارة للخدمة يتعين فيه حبسه مدة الإجارة واستخدامه، والبيع لا يتعين في ذلك، يعني قد يشتريه ولا يحبسه طوال المدة بخلاف الإجارة، فإذا منع من البيع منع من الإجارة من باب أولى.

الملحق بالمشاع: يقول المسألة المعاصرة وهي في شقق التمليك التي تكون في وحدات سكنية مجتمعة، يعني عدة شقق في العمارة، فتكون بعض الأسطح أو أحياناً الدرج أو أحياناً الارتدادات تكون مشاعة بين الشقق كلها، وأحياناً تكون مشاعة بين شقق معينة؛ يكون السطح الشرقي للشقق رقم كذا وكذا وكذا، والسطح الغربي...

للشقق رقم كذا، فهل يجوز لصاحب الشقة مثلا التي في السطح التي بجواره، الساحة التي في السطح التي هي مشاعة، هل يجوز له أن يؤجر للغير؟ والآن سيؤجر نصيبه ونصيب غيره، يعني يؤجر نصيبه فقط أو يؤجر نصيبه ونصيب غيره؟ فهي ليست مثل هذه المسألة، سيؤجر نصيبه ونصيب غيره.

نقول: إذا استأذن منهم، يعني أخذ الإذن منهم، يجوز؛ من استأذن من جميع من يشتركون في ملكية هذا السطح مثلا فيجوز. هنا يجوز؛ لأن التأجير حقيقة من الملاك كلهم، لكن إذا لم يستأذن فلا يجوز، لماذا؟ لأنه أجر نصيبه ونصيب غيره وغيره لم يوكل، فلا يصح.

طبعاً إذا جينا نطبق كلام الأصحاب -رحمه الله- في تفريق الصدقة، نقول: يصح في نصيبه بقسطه، ولا يصح في نصيب الباقين. لكن هنا حقيقة هذا المستأجر ما استأجر جزءاً معيناً، أو يستأجر لكي يأخذ جزءاً يسيراً من هذا المكان، استأجر المكان كاملاً، فحقيقة لن يأخذ هو من هذا المكان جزءاً. فيعني إما أن نقول يصح في نصيبه ويبطل في نصيب الباقين وللمستأجر حق الفسخ، أو نقول لا يصح مطلقاً. لا، لا يجوز، يجوز له أن يمنع.

وطبعاً هناك نظام يحكمها؛ في الوحدات السكنية عندهم نظام يحكم. جاءت عدة قضايا يكون فيها هذا الذي في شقته في السطح يسور الجوار له ويمنع غيره من الدخول، فيجعله كأنه توسعة له أحياناً للمجلس أو جلسة خارجية له ويمنع غيره من الدخول، هذا مش صحيح. في بعض الوحدات السكنية ما يمكن يدخل إلا إذا استأذن، لذلك أحياناً إذا توقف الماء أو مثلاً التكييف، يحتاجون لإصلاح التكييف فيستأذنون من هذا لكي يدخلون في شقته لأجل أن يصلحوه، فحصلت مشاكل كثيرة.

هذا يقول: هو نظام ملكية الوحدات العقارية وفرزها وإدارتها. نعم، هذا النظام الذي ينظم مثل هذه الشقق والتعامل فيها.

يقول: كيف نوفق بين استئجار الدار لجعلها مسجداً مع اشتراط كون المسجد وقفاً، وكون الوقف ملكاً للواقف، وكونه على التأبيد؟ المسجد يكون وقفاً إذا صرح به صاحبه، فيصرح به صاحبه فيبني مسجداً. وأما أن يقول هذا وقف لله، أو يأذن لغيره بنية أنه وقف مستمر. لكن لو جعل جزءاً مثلاً من مزرعته مسجداً، جزءاً من مزرعته مسجداً لكي يجتمع هو وأولاده ومن يردون إليهم في المزرعة، أو صاحب محطة جعل فيها، بنى مسجداً في المحطة، أما أحياناً يبنون غرفة تكون مسجداً أو مصلى، فهنا هل يأخذ حكم الوقف الذي وقف مؤبداً؟ والله أعلم أنه لا يأخذ حكم الوقف المؤبد.

ولذلك، مثلاً لو أن هذا استأجر -وغالباً المحطات يكون أصحابها يستأجرونها- ويجعلون فيها مسجداً، فلو استأجر شخص آخر بعد المستأجر الأول، فله أن ينقل المسجد إلى مكان آخر غير المسجد، يجعله مثلاً محلاً تجارياً وينقل المسجد إلى محل آخر نحو ذلك. ولا نقول إن هذا مسجد مستقل لا يباع، وإن هذه البقعة من المحطة خلاص صارت وقفاً، لا يظهر والله أعلم أن المسجد الذي يعتبر وقفاً هو ما قصد صاحبه أن يكون صاحبه يملكه وقصد إقامته، لكن مثل هذا يملك منفعته، لكن قال ما دام أني أملك المنفعة في هذا فسأجعلها غرفة للصلاة، فلا تأخذ حكم المسجد الموقوف موقوفاً مؤبداً، والله أعلم.

يقول: ما الفرق بين المغصوب والآبق؟ الآبق قالوا: لا يصح ولو من قادر على تحصيله، والموصوم قالوا: إذا كان من قادر فيصح. لا يحضرني الجواب الآن، أبحث.

يقول: ألا يمكن أن يقال إن حق الزوج بالاستمتاع يتجدد يومياً، فله منعها من استئجار نفسها ولو أذن قبل ذلك؟ أو تزوجها وهي موظفة ثم منعها؟ والله أنا هذا محتمل. لكن الاحتمال الآخر أيضاً أنه دخل على بصيرة وهي موظفة، يعني كانت موظفة ومؤجرة نفسها من قبل، فدخل ولم يمنعها، فلم يشترط أن لا تستمر في وظيفتها، فيظهر والله أعلم أنه ليس له حق منعها؛ وإن كان حقه في الاستمتاع يتجدد، لكن سكوته السابق دليل على إقراره، والله أعلم، والمسألة محتملة.

يقول: هذه كانت موظفة من قبل الزواج؟ ولا في شرط ألا يمنعها من الوظيفة؟ يقول: إذا كانت موظفة ففُصلت، ودخل على أنها موظفة ففُصلت، ثم وجدت وظيفة أخرى، فهل له منعها؟ يعني هل لا بد من إذنه؟ لا، يظهر أنه لا بد من إذنه هنا، لأن اتصال الإجارة انقطع فصار عقداً جديداً بعد الزواج، فهنا لا بد من إذنه.

يقول: لو كان الشجر كبيراً والظل يصل إلى مسافات بعيدة، فهل له حق تأجيره تأجيراً فضلاً؟ نعم. يقول: إذا أجر شخص لآخر محلاً تجارياً على أن نشاطه مباح، ثم تبين له أنه يعمل به في نشاط محرم، هنا يقول: هل له حق الفسخ أو لا؟ نقول هنا: هل أكثر النشاط محرم أو لا؟ يعني ينظر للأغلب، هل أغلب النشاط محرم؟ إذا كان أغلب النشاط محرماً فهنا له حق الفسخ، بمعنى أنه كان نشاطه مباحاً ثم بدأ يزيد هذا المحرم، فله حق الفسخ. لكن إذا كان النشاط المحرم صحيحاً كثيراً لكن أغلب النشاط مباح، فهنا ليس له حق الفسخ، لكن بإمكانه أن لا يجدد له بعد نهاية المدة، والله أعلم.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.