دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 61 | باب الإجارة 1

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فكنّا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع على باب الإجارة، بعد أن أنهينا ما يتعلق بباب الشركة وما الحق بها من المزارعة والمساقاة. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب الإجارة: مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا، وهي عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة، مدة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم، وتنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما، وبلفظ بيع إن لم يضف للعين».

لما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى الكلام على أبواب المعاوضات على الأعيان، وما الحق بالبيع من الرهن والقرض والسلم إلى آخره -وإن كان القرض من التبرعات، أقصد أن فيه نوع تبرع- ثم انتقل إلى الكلام على عقود المشاركات، انتقل الآن إلى باب الإجارة، وهي من عقود المعاوضات، لكن العقد هنا منصب على المنفعة، وقد ينصب على العمل كما سيأتي. ولذلك تجد في بعض الأبواب التي بعده شبهاً به، مثل الجعالة؛ فقد سبق في الجعالة شبه بالإجارة من حيث إنه متصل بالعمل.

قال: «الإجارة مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا»، لأن الله عز وجل يعوض العبد به على طاعته أو صبره على معصيته. والأصل في جواز الإجارة الكتاب والسنة والإجماع والمعنى الصحيح.

فمن الكتاب، تذكرون آيات من القرآن تدل على جواز الإجارة؟ نعم: ﴿إِنَّ خَيْرَ الَّذِينَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].

ومن السنة أحاديث، ومنها فعل النبي ﷺ في الهجرة؛ حيث استأجر رجلاً من بني الدير يدله على الطريق وكان خريتاً ماهراً، حيث استأجر النبي ﷺ في الهجرة عبد الله بن أريقط، وكان كافراً، لا أعلم هل أسلم بعده أو لا. ومن الإجماع أجمع العلماء رحمهم الله على ذلك إلا من شذ، وأيضًا من المعنى الناس بهم حاجة إلى ذلك؛ لأن ليس كل الناس يملك مثلاً سيارة يسافر عليها، أو ليس كلهم يعرف كيف يعمل البناء أو يعمل الكهرباء أو نحو ذلك، فمن لديه سيارة لا يجبر على إعطائها لغيره مجانًا، وكذلك من يجيد الصنع لا يجبر على عمله لغيره مجانًا، ففي تجويز الإجارة تحقيق لمصلحة الفئتين.

يقول في تعريفها: «عقد على منفعة مباحة معلومة»، هي عقد على منفعة، إذ ليست عقدًا على عين، لكنها عقد على منفعة مؤقتة. هل في عقد على منفعة دائمة؟ الوقف، الوقف للمنفعة أم للعين؟ العين. لكن هل في عقد على منفعة مطلق المؤبد؟ أحسنت، في البيع مر معنا من صور البيع "بيع منفعة"، عقد على مبادلة مال بمال، أو منفعة مباحة بمثل لأحدهما مع التأبيد غير ربا وقرض. ذكر في الروض أن صور البيع تسعة، مبادلة عين بعين أو بدين أو بمنفعة، فهي مبادلة عين بمنفعة، هذه تعد وتسمى بيعًا، لكن هناك المنفعة مؤبدة، يعني يبيع ممرًا في دار ممرًا مؤبدًا، لكن هنا المنفعة مؤقتة.

يقول: «عقد على منفعة مباحة معلومة»، لابد أن تكون المنفعة إذًا مباحة، ولا بد أن تكون معلومة، وهذه من الشروط. «من عين معينة أو موصوفة في الذمة»، وهذه ستأتينا، إن العين أحيانًا تكون معينة، وأحيانًا تكون موصوفة في الذمة؛ عين معينة مثل: «أجرتك هذه السيارة»، وموصوفة في الذمة مثل: «أجرتك سيارة صفتها كذا وكذا».

«مدة معلومة»، لأنها إذا كانت المدة مؤبدة فصارت بيعًا، فلا بد أن تكون المدة معلومة، ولا بد من العلم بالمدة. واستثنى الأصحاب صورتين ذكرهما في المنتهى والإقناع، وهما مستثنيان من علم المدة: الأول في الصلح، ذكروا إذا صالحه على إجارة مائة فيجوز أن تكون إجارة وإن لم تحدد المدة. وأيضًا قالوا: «ما فُتح عنوة ولم يُقسم»، يُجعل في أيدي الكفار بالأجرة وإن لم تحدد المدة.

«أو عمل معلوم بعوض معلوم»، هذا النوع الثاني مما يقع عليه الأجرة؛ إذ الأجرة إما أن تقع على عين، مثل أجرة شقة أو سيارة، وإما أن تقع على عمل، كأن يخيط له ثوبًا أو يبني له بيتًا ونحو ذلك، هذه أجرة على عمل. إذًا الأجرة عندنا إما أن تكون على عين وإما أن تكون على عمل، ستأتي إن شاء الله لاحقًا بس نبينها في التعريف. وكما ذكرنا، العين أحيانًا تكون معينة وأحيانًا تكون موصوفة في الذمة.

قال: «بعوض معلوم»، فلا بد أن يكون العوض معلومًا ولا يكون مجهولًا، وسياتي لأن هذا من الشروط. قال: «تنعقد بلفظ الإجارة»، عندنا الإجارة لها أركان؛ إما أن تقول خمسة أو تقول ثلاثة: العاقدان، والعوضان، والصيغة. من يقول ثلاثة أو يقول خمسة؟ العاقدان (مؤجر ومستأجر)، والعوضان (الأجرة والمعقود عليه إما عين أو عمل)، والخامس الصيغة.

يتكلم هنا عن الصيغة، قال: «تنعقد بلفظ الإجارة»، مثل: «أجرتك هذه السيارة»، وكذلك بلفظ الكراء: «أكريتك هذه السيارة وهذه الشقة ونحوها»، وما في معناهما، مثل: «أعطيتك منفعة هذه السيارة مقابل كذا»، أو «أعطيتك منفعة هذه الدار مقابل كذا»، لأن هذه الألفاظ موضوعة للإجارة فصح العقد بها.

قال: «وبلفظ بيع إن لم يضف للعين»، يعني هل تنعقد الإجارة بلفظ البيع أم لا؟ هو قال لك: «إن لم يضف»، أي لم يضف إلى المنفعة. كأن يقول: «بعت عليك منفعة السكن في هذه الشقة لمدة سنة»، هنا البيع أضيف إلى المنفعة، فيصح، لماذا؟ لأن الإجارة حقيقتها هي منفعة، فصحت بذلك. لكن إذا أضيفت للعين، كأن يقول: «بعت عليك الشقة لمدة سنة»، هل يصح؟ لا يصح؛ لأنها أضيفت للعين. طيب، إذا أضاف للعين ماذا؟

الإشكالية؟ هذا القول الثاني، لكن عندنا نتكلم على كلام المؤلف؛ هنا يقول: «بعت الشقة»، هذا الأصل أنه مؤبد، جاء بعده «لمدة سنة»، هنا صار مؤقتاً، والبيع لا يكون مؤقتاً؛ فلذلك قالوا: ناقض آخر الجملة أولها، فلا يصح.

هناك قول هو الذي مشى عليه هنا، وهو الذي مشى عليه في المنتهي، وهو أنه يصح؛ لماذا؟ المقصود علمنا لما لمدة سنة أنه يقصد بيع المنفعة التي هي الإجارة. وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله تعالى، وأيضاً اختاره المرداوي رحمه الله، وصاحب الإقناع.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «التحقيق أن المتعاقدين إن عرف المقصود انعقدت بأي لفظ كان من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدان مقصودهما»، وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحد حداً لألفاظ العقود بل ذكرها مطلقة. هذه قاعدة الشيخ رحمه الله تعالى في ألفاظ العقود؛ أنها تنعقد بما دلت عليه.

والحفني رحمه الله ذكر في القواعد قاعدتنا: «إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن مقصودها، فهل يبطل العقد بذلك أو يصح ويكون كناية عن العقد الصحيح؟» ذكر فيه وجهين للأصحاب. هنا وصل بلفظ العقد ما يخرجه عن موضوعه، قال: «بعتك هذه الشقة لمدة سنة»، الأصل التأبيد، هنا أخرجه عن موضوعه من التأبيد إلى التوقيت، فهل يبطل أو يكون كناية عن العقد الصحيح؟ ذكر فيها وجهين للأصحاب. فهذا منزع الخلاف: هل ينظر إلى اللفظ أو ينظر إلى مقصود المتعاقدين؟

هنا فقط فيه تنبيه في حاشية ابن قاسم، في الحاشية رقم ثلاثة من صفحة 294، قال لما تكلم عن هذه المسألة: «وفي الإقناع إضافة إلى العين أو أطلق، لا، اللي في الإقناع إضافة إلى النفع أو أطلق بدل العين النفع»، وهو كذلك هذه اللفظة. في حاشية ابن عيسى نقل كلام صاحب الإقناع: «إضافة إلى النفع» الذي في الإقناع. هم بالعادة يتكلمون عن المنفعة، منفعة العين في الإجارة. إذا كانت العين من الأصل محرمة، فمتيقن أن المنفعة التي ستكون منها ستكون محرمة، لكن أحياناً تكون العين مباحة والمنفعة منها محرمة، وسياتي إن شاء الله.

أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «وتصح الإجارة بثلاثة شروط؛ أحدها معرفة المنفعة لأنها المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالمبيع، وتحصل المعرفة إما بالعرف كسكنى دار؛ لأنها لا تُكرى إلا لذلك، فلا يعمل فيها حدادة ولا قصارة، ولا يسكنها دابة ولا يجعلها مخزناً لطعام، ويدخل ماء بئر تبعاً، وله إسكان ضيف وزائر، وكخدمة آدمي، فيخدم ما جرت به العادة من ليل ونهار، وإن استأجر حرة أو أمة صرف وجهه عن النظر. ويصح استئجار آدمي لعمل معلوم كتعلّم علم، وخياطة ثوب أو خسارته، أو ليدل على طريق ونحوه»، لما في البخاري عن عائشة رضي الله عنها في حديث الهجرة: «واستعجل رسول الله ﷺ أبا بكر رجلاً من بني الدير هادياً خريتاً»، والخريت الماهر بالهداية. وأما بالوصف، ما عندنا اسمه، عندنا رجلاً هو عبد الله بن أريقط، وقيل ابن أريقط، كان كافراً من بني الدير. أشار شيخنا إلى نسخة في بدنا المثبتة في الحاشية عندكم.

أحسن الله إليكم. هنا يقول: «تصح الإجارة بثلاثة شروط». عندنا هذه الشروط بكل إجارة، إجارة عين أو إجارة منفعة أو إجارة على عمل، فلا بد فيها من هذه الشروط الثلاثة. وطبعاً الإجارة كما قلنا هي بيع منافع، فما في شروط في باب البيع من الشروط السبعة لصحة البيع طبقها أيضاً على الإجارة، لكن هذه الشروط التي هنا تراها داخلة هناك، لكن عبر بها هنا بما يناسب باب الإجارة.

سيتبين معنا، يعني مثلاً الشرط الأول: معرفة المنفعة، يقابلها هناك العلم بالمبيع. الثاني: معرفة الأجرة، يقابلها هناك العلم بالثمن. الشرط الثالث: الإباحة، إباحة في نفع العين؛ أن يكون المبيع مالاً وهو ما أبيع الانتفاع به من غير حاجة.

قال: «معرفة المنفعة بأنها المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالمبيع»؛ معرفة المنفعة، فلا تصح الإجارة مع جهالة المنفعة. هنا لماذا لا تصح؟ قال: لأن المعقود عليها في الشرط على البيع، كبيع، رُدَّ إلى باب البيع؛ في كتاب البيع ذكرنا لك لماذا لا يصح البيع مع الجهل بالمبيع، فكذلك هنا لا تصح الإجارة مع الجهل بالمنفعة؛ لما تقدم هناك، تقدم أنه غرر، فهنا كذلك يقال إنه غرر.

تحصل المعرفة بأمرين؛ هنا قال: «تحصل المعرفة»، نقول بأمرين: إما بالعرف، هذا الأمر الأول، والأمر الثاني سيذكره بعد قليل، وأما بالوصف. أما بالعرف، وذكر لك أمثلة، قال: «كسكنى الدار». يعني قال استأجرت شقة، هل لابد أن تقول استأجرت هذه الشقة لأسكن فيها؟ ما يحتاج. لماذا؟ لأنها أصلاً جعلت للسكن. مثل استئجار سيارة، هل لازم تقول استأجرت سيارة لأقودها؟ لا، لأنها هي صنعت وأجرت لأجل أن تقودها.

قال: «كسكنى دار لأنها لا تُكرى إلا لذلك»، يعني هذا هو العرف في تأجيرها، فلا يحتاج إلى النص على السكنى، لأن الدار لا تُكرى إلا للسكنى؛ فاستغني بالعرف عن ذكر المقاصد التي لأجلها استأجر المتعاقد. قالوا: «كإطلاق الثمن في بلد فيه نقد معروف»، يعني الآن لو جئت تشتري سيارة، شريتها بـ 50,000، اتفقتوا على 50,000، يوم جئت تسلم 50,000 أعطيت 50,000 ريال، قال لا دينار كويتي، ما يقبل. طيب، قال أنا ما حددت، ما في شيء ما حددته يرجع إلى العرف، التعامل الآن بالريال. فهنا قالوا: «كما أنه لا يشترط ذكر النقد في البلد الذي ليس فيه إلا نقد واحد أو نقد معروف، فكذلك لا يشترط ذكر المنفعة في ما جرت العادة أو العرف بكونه يستعمل هذا الشيء لهذه المنفعة المعينة».

قال: «فلا يعمل فيها حدادة»، إن لو استأجر شقة ليسكن فيها، ما يجي اليوم الثاني ويروح جايب حديد وقاعد يشتغل فيه؛ لا، طيب أنا ما اشترطت علي ذلك، نقول نرجع إلى العرف، هل العرف أنك تستأجرها لتعمل فيها حدادة؟ لا. قال: «ولا قصارة»، ما هي القصارة؟ غسل الثوب وصبغه، صبغة الثياب، هي تقريباً هم يقولون تبييض الثياب، مثلاً كانوا يستعملونها قديماً، يعني الثوب يكون بلون معين فيجعلونه في...

يستعملون في هذه الأواني، يجعلون في إناء أو نحوه، ويمكن يضيفون إليه بعض الأشياء لكي يقلب لونه إلى لون آخر، هذه هي القصار؛ فيقولون أيضًا لا يجعل فيها قصارة للثياب. لماذا؟ ليس العرف كذلك، وقالوا أيضًا الحدادة والقصارة تضر الجدران، كذلك ولا يسكنها دابة.

يأتي يستأجر الشقة، ثم لما كان بكره جايبين حوش غنم في الشقة، فما أنا قلت: السكن مسكن الغنم، هو يملك المنفعة، فهل يملك ذلك؟ لا، العرف هو الحاكم في هذا. أنت خلاص إذا استأذن خلاص، إذا كان ما في شرط ولا استئذان ولا شيء، العرف العرف؛ يسوغ له ذلك أو لا؟ نقول لا يسوغ له ذلك، قالوا إلا إذا كان هناك قرينة لذلك.

قال في الكشاف: «إن لم تكن قرينة كالدار الواسعة التي فيها أسطبل للخيول، لو استأجر بيتًا كبيرًا وفي طرف الحوش أسطبل للخيول أو حوش الغنم، فهنا دلت القرينة على أنه أذن بذلك، فلا بأس به».

قال: «ولا يجعلها مخزنًا لطعام». يعني بدل ما يجعلها مستودعًا للأطعمة، هنا قالوا لا، لماذا؟ مخالف للعرف، ولأنه قالوا يفضي إلى أن يخرب الفأر أرضها وحيطانها، لكن كونه يجعل فيها طعامًا أكله هذا ما في إشكال؛ لأن العرف دال عليه، الكلام فيما إذا جعلها مستودعًا مثلاً للأطعمة.

قال: «ويدخل ماء بئر تبعًا». هذه ترى حتى الجملة هذه جاءت تبع الجملة، ليس مكانها هنا، يعني أقصد لا يبحثونها هنا، لكن هنا جاء بها لما تكلم عن تأجير الدار، تكلم عن تأجير الدار قال: «كماء بئر»، انتبه عنه، له سيتكلم عن حكم؛ ماء البئر الآن لو استأجر بيته أو مزرعته وفيها بئر، فهل الماء داخل في العقد أو لا؟ هل يجوز تأجير ماء؟

الماء تذهب من شروط الإجارة أن يكون ينتفع به مع بقاء عينه، فلذلك الماء لا يؤجر. طيب، هنا سؤال فيه: هل يجوز بيع ماء وبئر؟ لا يجوز بيع الماء ولا يجوز تأجير الماء، يعني لا يجوز بيع الماء في هذه الحال لأنه ما زال في البئر لم تتم حيازته، ولا تأجيره لأنه يستهلك. طيب، سؤال فيه: نقول «دخل تبعًا»؟ دخل تبعًا، فهو وإن لم يجز استئجاره أصالة أو شراؤه أصالة، لكن دخل تبعًا، لكن هو جاء بها هنا لماذا؟ لأن عن تأجير الدار للسكنة فأتى بها تبعًا، واللاحق سياتي لاحقًا.

قال: «وله إسكان ضيف وزائر». يعني هو الآن يملك المنفعة، فله أن يسكن من يأتيه من الضيوف والزوار، له أن يسكنهم، هذا هو الأصل. لكن أحيانًا في بعض الدول تشترط عليك ألا تسكن أحدًا زيادة على من حددتهم في العقد؛ إذا جئت تستأجر مثلاً يقولون كم فرد؟ تقول مثلاً خمسة، فيؤجرون لك شقة لخمسة أفراد. هل يجوز أن تأتي بالسادس والسابع كونهم يزورونك؟ ما في إشكال، لكن كونهم يسكنون معك هذه المدة، هنا شرط عليك ألا تسكنه، فلا تسكنه. هنا إذا ما شرط عليك هذا الشيء، فيظهر أنه لا بأس به على قواعد المذهب؛ لأنك إن تملك المنفعة فلك أن تستوفيها بنفسك، ولك أن تستوفيها بمن يقوم مقامك، هذه ستأتينا إن شاء الله.

قال: «وكخدمة آدمي». هذا مثال آخر لـمعرفة المنفعة بالعرف، والمثال الأول سكن الدار هذا تأجير عين، المثال الثاني خدمة آدمي هذا استئجار على عمل. وانظروا تنوع الأمثلة، إذا ذكر أكثر من مثال فغالبًا يكون الأمثلة هذه كل مثال يراد به حالة معينة.

كخدمة آدمي، من استأجر على الخدمة استأجر آدميًا لكي يخدمه، فهذا أجر على عمل، فما المرجع في تحديد الأشياء التي يخدم بها؟ المرجع العرف، إذا لم يحدد بالشرط فالمرجع العرف. فمثلاً لو إنسان أتى بخادمة لتخدم عنده في المنزل، العرف أنها تنظف، تطبخ، توصل ملابس ونحو ذلك. طيب إذا اشترطت قالت فقط سأربي الأطفال ما عندي شيء ثاني، هنا خلاص نتقيد بالشرط، لكن إذا ما وجد شرط فإننا نرجع إلى العرف، لكن لو كان عرف بلد من البلدان أن الخادمة فقط تنظف لا علاقة لها بالطبخ، فهل نلزمها بالطبخ؟ لا، إذاً نرجع إلى العرف، العرف في كل بلد بحسبه.

قال: «فيخدم فيما جرت به العادة من ليل أو نهار، ويرجع فيه إلى العرف». قال: «وإن استأجر حرة أو أمة صرف وجهه عن النظر». للحرة ولا للأمة ولا لكلتيهما، كلتاهما لا يجوز له النظر لها. يقول: «إن استأجر حرة وصرف وجهه عن النظر»، يعني عنهما، لكن الحرة لا ينظر إليها، لا ينظر إلى شيء منها، والأمة ينظر إلى... لا، لا ينظر إلى عورتها، وعورتها صح الشرع إلى الركبة، هذا نص عليه في شروط الصلاة.

المراد إلى العورة طبعًا، وخلاف ترى حتى الأمة، هل عورتها كعورة حرة أو لا؟ في خلاف، لكن الكلام على المذهب. ترى الكلام هذا مأخوذ من اللفظة: «استأجر حرة وصرف وجهه عن النظر»، هذا من كلام الإمام أحمد رحمه الله، وكلام الإمام أحمد يقصد الحرة، يقول الإمام أحمد رحمه الله: «إن استأجر حرة صرف وجهه عن النظر، ليست الأمة مثل الحرة، ولا يخلو معها في بيت، ولا ينظر إليها متجردة ولا إلى شعرها». فقوله «ليست الأمة مثل الحرة» هذا يفهم أنه يقصد يصرف وجهه عن النظر يعني عن الحرة، لأن المراد لا ينظر إلى وجهها، هذا المقصود. لكن إذا أخذناه بعمومه نقول: الحرة إلى وجهها، والأمة إلى ما يظهر منها غالبًا.

وإنما قال الإمام أحمد رحمه الله ذلك لأن حكم النظر بعد الإجارة حكمه قبلها، وفرق بين الأمة والحرة لأنهما يختلفان قبل الإجارة فكذا بعدها، فقبل الإجارة كذلك الحرة لا ينظر إليها كلها، والأمة فيها الخلاف في عورتها، وكذلك بعد الإجارة. ولذلك هذه مسألة يتساهل فيها الناس في استئجار الخدم، تجدهم يعاملون الخادمة كأخت من المحارم، يعني ينظر إليها، يخلو بها، يسلمها الأغراض وتستلم، يركب معها في السيارة، تركب معه في السيارة وحدها، هذا كله لا يجوز، هذا كله لا يجوز، هي أجنبية عنه.

أنه امرأة من الخدم، وجه لا يدعو إلى الفتنة، ولا يدعو إلى الفتن. الشيطان يزين الوجه القبيح حتى يكون فاتنة، والله المستعان.

قال: ويصح استئجار آدم لعمل معلوم، كتعليم علم. استئجار الآدمي للعمل يكون العمل معلوماً، قال: كتعليم علم. سيأتينا -إن شاء الله- أن المراد العلم الذي لا يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة، ولذلك العلم الشرعي لا يؤخذ عليه أجرة كما سيأتي إن شاء الله.

قال: وخياطة ثوب، أو قصارته، أو ليدل على طريق، هذه كلها أمثلة على عمل فيجوز أخذ الأجرة عليها. واستدل على الفعل الأخير (الدلالة على الطريق) بفعل النبي ﷺ وأبي بكر في استئجار عبد الله بن أريقط هادياً خريتاً يدلهم على الطريق. نعم، إذاً هذا هو الأمر الأول مما تعرف به المنفعة.

الأمر الثاني، أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: وأما بالوصف، كحمل زبر حديد وزنها كذا إلى موضع معين، وبناء حائط يذكر طوله وعرضه. عليك ضبطها عندنا بالفتح يا شيخ. نعم، وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته.

أحسنت، هذا الأمر الثاني مما يعرف به المنفعة وهو الوصف، كحمل زبر حديد، يعني حمل مجموعة من الحديد، لكن لا بد أن يصفه، يقول: وزنها كذا، ويحملها إلى موضع معين، فيبين الوزن ويبين المكان؛ لأن هذا كله يختلف به الأجرة. لو كانت خفيفة كانت أجرتها أقل، ثقيلة أجرتها أكثر، الموضع كان قريباً أجرتها أقل، بعيداً أجرتها أكثر، فيبين ذلك. قالوا: بناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته.

السمك، قال: في المضلع -بفتح السين وسكون الميم- يعني تخانته، السمك في الحائط بمنزلة العمق في غير المنتصب. الطول ارتفاعه، والعرض من اليمين إلى اليسار، والسمك هو العمق. فيبين ذلك، وآلته، الآلة التي سيبني بها، فهذه كلها يبينها لأنها يختلف بها الثمن.

أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: الشرط الثاني معرفة الأجرة بما تحصل به معرفة الثمن، لحديث أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ: «نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره». فإن أجره الدار بعمارتها، أو عوض معلوم وشرط عليه عمارتها خارجاً عن الأجرة لم تصح. ولو أجرها بمعين على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه محتسباً به من الأجرة صح. وتصح الإجارة في الأجير والضئر بطعامهما وكسوتهما، روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى في الأجير. وأما الضئر فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. ويشترط لصحة العقد العلم بمدة الرضاع، ومعرفة الطفل بالمشاهدة، وموضع الرضاع، ومعرفة العوض.

ونرجع للشرط الثاني: معرفة الأجرة بما تحصل به معرفة الثمن. يعني كيف تعرف الأجرة؟ تكلمنا عليه في كتاب البيع؛ العلم بالثمن بما يحصل به العلم بالثمن أو الوصف، فكذلك الأجرة تعلم بالمشاهدة أو الوصف. واستدل على ذلك حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره، وهذا حديث أعله الوقف، لكن العلماء رحمهم الله تعالى متفقون على أنه لا بد من معرفة الأجرة.

قال الموفق رحمه الله: لا نعلم في ذلك خلافاً؛ لأنه عوض في عقد معاوضة، فوجب أن يكون معلوماً كالثمن في البيع. كما قلنا في البيع لا بد أن يكون الثمن معلوماً، فكذلك في الإجارة نقول لا بد أن تكون الأجرة معلومة.

بين لي أمثلة لأجرة تكون فيها جهالة وأجرة لا جهالة فيها. قال: فإن أجرة الدار بعمارتها، أو عوض معلوم وشرط عليه عمارتها خارجاً عن الأجرة لم تصح.

أجرة الدار بعمارتها؛ هذه المسألة: جاء شخص يستأجر من شخص بيتاً، وقال: والله البيت للسكن، أنا سأبنيه من جديد، فخلاص أنا بستأجره منك واجعل الأجرة بنائي لها. هنا نقول: أجرة الدار بعمارتها فلا تصح، بماذا؟ بجهالة. لا تصح للجهل.

قال: أجرتك خلاص أنا أjarكتها إياها خمس سنوات، والسنتين الأوليين سأسقط عنك الأجرة بشرط أن تبنيها من جديد. هنا لا يصح؛ لماذا؟ لصير شديدة، لماذا؟ قد يبنيه ويقول: أنت لم تبنِ على الوصف الذي أريد، أنا أريد وصفاً كذا وكذا، أنت أتيت بوصف لا أريده، مثلاً بناء غير محكم غير متقن. فيحصل بينهم جهالة فيحصل بينهم نزاع. وقد يوافق المدعي المستأجر على ذلك، ثم يتبين أن قيمة البناء الذي بناه توازي أجرتها خمس سنوات بأجرة سنتين، فيحصل بينهم نزاع في ذلك. فلذلك إذا كانت الأجرة هي عمارة هذه الدار من جديد فنقول لا تصح.

الصورة الثانية: إذا أجّر الدار بعوض معلوم وشرط عليه عمارتها. قال: أجر السنة بـ 100,000 بشرط أن تبني من هدم منها أو تبنيها من جديد أو نحو ذلك. فنقول هنا أجرها بعوض معلوم لكن شرط عليه العمارة، وهنا الشرط حقيقة هو جزء من الأجرة، فجزء من الأجرة صار مجهولاً. المسألة الأولى: الأجرة كلها مجهولة، المسألة الثانية: الأجرة جزء منها معلوم وجزء منها مجهول، فلا تصح.

لكن الصورة الثالثة: قال لو أجرها بمعين على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه محتسباً به من الأجرة صح. أجرها بـ 50,000، لكن تحتاج مثلاً أن تبني غرفة زيادة، قال: ما في مشكلة، اتفقوا على أوصاف هذه الغرفة وتكاليفها وكل شيء، قال: خلاص ابنها، السنة الأولى ستكون أجرتك بناء الغرفة هذه مع 30,000، والأجرة بالسنة الثانية خلاص تكون 50,000. فهنا يصح، لماذا؟ ما الفرق بينها وبين المسألة الثانية؟ هنا التكاليف معلومة، واحتسب بها من الأجرة، احتسبها من الأجرة. وهناك طبعاً لم يحتسبها من الأجرة لكن شرط عليه فكأنها أجرة يدفع فيها، لكن هنا احتسب الأجرة، يعني قال الأجرة 50,000، لكن أنت تنفق 20,000 فيكون الأجر 30,000، فهنا تصح.

فهنا تصح، ولا يصح إذا اشترط أحدهما في الآخر، اشترط إحدى البيعتين بشرط أن تؤجر، لكن جمع بدون شرط. هنا حقيقة أجرة هذه وكالة، إجارة ووكالة، وكالة بأجر.

الإشكال في الفرق بين الصورتين الثانية والثالثة. الثانية يظهر والله أعلم أنها لم تحدد العمارة، لم تحدد العمارة شرطًا عليه، عمارته خارجًا عن الأجرة، فلم تُحدد؛ فلذلك لم تصح. الثالثة حددت واحتسبت من الأجرة، هذا الذي يظهر في الفرق بين الثانية والثالثة.

قال: وتصح الإجارة في الأجير وبئر بطعامهما وكسوتهما. هذا ترى استثناء من الشرط، يعني الأصل الأجرة لابد أن تكون معلومة، هنا الأجير والظئر قالوا: يجوز أن تكون الأجرة غير معلومة ترجع بها إلى العرف. الأجير؛ يستأجر شخصًا مثلاً سائقًا، يقول: أنا سأسوق عندك، سأوصلك إلى ما تريد، أريد منك فقط أن تؤمن لي الوجبات الرئيسية، خلاص. هنا يجوز؛ الوجبة الرئيسية تختلف من شخص إلى آخر، والاختلاف بين الناس في الأكل ليس كبيرًا، فلذلك جاز.

واستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على جواز استئجار الأجير بطعامه وكسوته، سواء بهما أو بأحدهما؛ بالطعام والكسوة، أو بالطعام وحده، أو بالكسوة وحدها، بأن هذا وارد عن بعض الصحابة؛ أبي بكر وعمر وأبي موسى في الأجير، ونسبه إليهم الموفق رحمه الله تعالى.

ذكر البغوي في شرح السنة أنه في مسائل الرضاع، الموفق رحمه الله نسبه إلى أبي بكر وعمر وأبي موسى وأبو هريرة رضي الله عنهم أنهم يستأجرون أجرًا بطعام. أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان أجيرًا لابنه غزوان، يقول على طعام بطل وعقبة رجلي، كان مسافرًا معه، عقبة رجلي يعني يتناوبان في الركوب، هو طعام البطن، يعني يطعمونه.

رضي الله تعالى عنه وأرضاه، من يتأمل في حال أبي هريرة رضي الله تعالى عنه يجد أنه لاقى مشقة شديدة في الحياة، حتى إنه كان يغمى عليه من شدة الجوع رضي الله تعالى عنه. لكن ذهب ذلك النصب وذلك التعب كله، وبقي هو وعلمه إلى الآن رضي الله تعالى، فكان كما قال عن نفسه: «كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني». المهاجرون كان شغلهم السوق، كانوا يذهبون ويتاجرون، ومن يذهب إلى مزرعته ونحوه، وأنا كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني. فحفظتم ونحن... رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

هذا في الأجير، إذا روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى رضي الله تعالى عنهم، وأيضًا هو فعل موسى عليه السلام؛ فعل موسى عليه السلام لما أجر نفسه عشر سنين على الطعام، على عفة فرجه وطعام بطنه، وشرعنا قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.

أما الظئر، أما الظئر فجاء في الآية: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، فجعل الله عز وجل للظئر كسوتها ورزقها -اللي هو طعامها- بالمعروف، بالعرف؛ فيجوز استئجارها بطعامها وكسوتها للآية. الظئر هي المرضعة لولد غيرها، يقال ظهره على الشيء إذا عطفه عليه.

ثم ذكر أنه يشترط لصحة العقد على الرضاع أربعة شروط: الأول: العلم بمدة الرضاع، يستأجرون لكي ترضع، لابد أن تعلم مدة الرضاع، تكون شهرًا أو شهرين إلى سنتين. الثاني: معرفة الطفل بالمشاهدة؛ أن الأطفال يختلفون، فمنهم السمين ومنهم النحيف، هو الذي يرضع كثيرًا، ومنهم من يكتفي بالقليل. وهل يكفي الوصف أو لا بد أن تشاهده؟ المذهب أنه لابد أن تشاهده؛ لأن الرضاع يختلف باختلاف الصبي في كبره وصغره ونهمه وقناعته. وهناك قول آخر في المذهب قاله القاضي أنه يكتفى بالوصف، وصوبه المرداوي رحمه الله في الإنصاف. الثالث: أيضًا لابد أن تعرف موضع الرضاع، هل ستأتون بالصبي إلى بيتها، أو هل ستذهب إلى بيت أهله؟ لأنه يختلف، فيشق عليها في بيت الصبي، ويسهل عليها في بيتها. الرابع: معرفة العوض. وهذا الشرط الرابع ذكره في المغني والشرح، لكن لم يذكره في الإقناع والمنتهى. الحقيقة أنه معرفة العوض إذا لم يكن الطعام والكسوة، أما إذا كان الطعام والكسوة فهو مستثنى، ولذلك في حاشية العنقري يقول: أي إن كان غير ما تقدم من طعامهما أو كسوتهما فيصح لو لم يكونا معلومين.

طيب، هنا مسألة: وهي ما المعقود عليه بالرضاع إذا استؤجرت امرأة لترضع طفلًا؟ فما المعقود عليه في الرضاع؟ هل المعقود عليه هو الحضانة والرعاية والحمل ونحو ذلك والرضاع يدخل تبعًا؟ أو المعقود عليه هو اللبن؟ خلاف بين الأصحاب رحمهم الله تعالى.

فقيل: المعقود عليه هو خدمة الصبي وحمله ووضع الثدي في فمه، واللبن يدخل تبعًا كالصبغ يدخل تبعًا في أجرة الصباغ، وماء البئر يدخل تبعًا؛ لأن اللبن عين من الأعيان فلا يعقد عليه في الإجارة لأن المعقود عليه النفع، هذا هو المشهور في المذهب.

وقيل هو اللبن، قال القاضي أبو يعلى: هو أشبه، بأنه المقصود دون الخدمة. ولهذا لو أرضعته دون أن تخدمه استحقت الأجرة؛ لو أرضعته ولم تنظف ملابسه ولم تحمله، فقط أرضعته وذهبت، تستحق الأجرة. لكنه بالعكس، جاءت ولعبت وغيرت منها لكنها لم ترضع، فإنها لا تستحق. لذلك قال: لو أرضعته دون أن تخدمه استحقت الأجرة، ولو خدمته بدون رضاع لم تستحق شيئًا. ولأن الله جعل الأجر مرتبًا على الإرضاع؛ فدل على أنه المعقود عليه. وأما كونه عينًا، فيردون على أصحاب القول الأول: أما كونه عينًا فإنما جاز العقد عليه في الإجارة بالضرورة؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، والضرورة تدعو إلى استيفائه، وهذا ظاهر ما قطع به الموفق في الكافي، اختاره الشيخ الدناوي وابن القيم رحمهما الله تعالى، وقواه ابن القيم في زاد المعاد.

وقال كما ذكره في الحاشية: "عندكم هنا يقول الله يعلم والعقلاء قاطبة أن الأمر ليس كذلك"، يعني أنه ليس المعقود عليه خدمة الصبي، ويقول لك إن وضع الطفل في حجرها ليس مقصودًا أصلًا، ولو ورد عليه عقد الإجارة لا عرفًا ولا حقيقة ولا شرعًا، ولو أرضعت الطفل وهو في حجر غيره أو في مهده لاستحقت الأجرة. وطبعًا هذا الذي قلنا لكم، المعقود عليه هو خدمة الصبي وإن اللبن يدخل تبعًا، هذا هو المشهور من المذهب عند صاحب المرداوي ومن قبله. لكن عند المتأخرين في الإقناع ذكر أن المعقود عليه هو الأمرين: الحضانة واللبن، وفي المنتهى ذكر القول الأول: المعقود عليه هو الخدمة وأن اللبن يدخل تبعًا، ثم قال: والأصح اللبن، فصحح أنه اللبن فقط.

نعم. السلام عليكم.

قال رحمه الله: وإن دخل حمامًا أو سفينة بلا عقد، أو أعطى ثوبه قصارًا أو خياطًا ليعملاه بلا عقد، صح بأجرة العادة.

وكذا لو دفع متاعه لمن يبيعه، أو استعمل حمالًا ونحوه، فله أجرة مثله ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة.

هنا يذكر مسألة من عمل لغيره عملًا بلا أجرة ولا شرط. الأصل أن الإجارة لا تستحق إلا بالشرط، وهو العقد، أي عقد معه على أنه سيفعل له مقابل كذا فيستحق الأجر، لكن في مسائل مجيزة فيها أخذ الأجرة بدون شرط.

قال: إن دخل حمامًا، اللي هو في موضع الاستحمام، إن دخل حمامًا بلا عقد؛ في الحمامات طبعًا الأصل يكون هناك من يقبض الأجرة ممن يدخل فجأة، ما تفاوض مع الذي هو المسؤول عن الحمامات، دخل واغتسل وتنظف ثم خرج، قال له: ادفع ما اتفقت معك على شيء، فهنا هل يستحق صاحب الحمام الأجرة أو لا؟ يقول: نعم يستحق الأجرة؛ لماذا؟ لدلالة العرف على ذلك، فما أوجدت الحمامات وجعل المسؤول عنها إلا ليقبض الأجرة كذلك.

وكذا ركب سفينة، راكب سفينة مع شخص قال: أريد أن توصلني إلى الجزيرة الفلانية، فركب معه، وصلنا، نزل، قال: جزاك الله خيرًا، أجرتي؟ ما اتفقنا على شيء، فهل يستحق أجرة؟ لا يستحق، لأن العرف دل على ذلك؛ لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول.

أو أعطى ثوبه قصارًا، الذي اشتغل بالقصارة أو خياطًا ليعمله بلا عقد، ما اتفق معهم على أجرة معينة، فهل يصح؟ يصح ويأخذ أجرة المثل؛ لأننا هنا عملنا بالعرف، قال: لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول.

وكذا لو دفع متاعًا لمن يبيع، واحد عنده تمر، فدفع إليه تمرًا ليبيعه، فإذا وجد من يشتري واشتراه، قال الدلال: أعطني، قال: أنا ما قلت لك مقابل كذا، فهل يستحق؟ يصح.

وكذا لو استعمل حمالًا ونحوه في السوق، فكان هناك حمال ووجد معه بضاعة كثيرة، فقال له: أنا أوصلها لسيارتك، قال: جزاك الله خيرًا، فركبها في السيارة، فقال: جزاك الله خيرًا، أجرتي؟ ما قلت تحملها مقابل كذا، هل يصح؟ لا يصح، فهؤلاء كلهم لابد أن يعطيهم أجرتهم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة». هنا لو كان مثلاً هذا الشخص يعرف هذه العمل، لكن ليس مثل الخياط، فجاء شخص فقال له: قرب العيد وذهبت للخياطين كلهم لا يخرجون إلا بعد العيد، فلعلك تخيط لي هذا، فهل يستحق الأجرة أو لا؟ نعم، هنا يقول: ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة، فهو يستحق الأجرة ولو لم يكن معتادًا أخذ الأجرة.

وهذا هو المشهور من المذهب، وهناك قول في المذهب أنه لابد أن يكون معتادًا لأخذ الأجرة، ويتحقق ذلك بأن يكون منتصبًا للقيام بهذا العمل مثل الخياط ونحوه، أما من لم ينتصب لذلك فإنه لا يستحق الأجرة. وهذا القول الثاني الذي اشترط أن يكون منتصبًا للعمل هو الذي اختاره الموفق والشارح رحمهما الله تعالى.

الحقيقة أن البهوتي رحمه الله في شرح المنتهى وفي الكشاف، وكلهم ينصون في المنتهى والإقناع على أنه يستحق الأجرة ولو لم يكن له عادة. فيقول البهوتي: هذا في المنتصب لذلك، فكأنه فرق بين أن يكون هناك شخص منتصب وليس له عادة فيستحق الأخذ، وبين غير المنتصب.

والله أعلم، فالمُنتصب هو الذي له عادة بأخذ الأجرة، وغير المنتصب هو الذي ليس له عادة، فهل يكون هناك شخص انتصب لهذا العمل ولم يكن له عادة بأخذ الأجرة؟ الله أعلم. أما إذا كان زميلاً لا يأخذ أجره، فهذا ليس محل الخلاف، كأن يقول: لن آخذ، فيكون هدية ونحو ذلك. لكن الكلام في شخص منتصب للعمل وليس له عادة بأخذ الأجرة.

هنا الشيخ منصور يقول: الذي ليس له عادة بأخذ الأجرة قد يكون منتصبًا، يعني يستحق الأجر بشرط أن يكون منتصبًا، كمن يخرج لنجدة الناس.

ثم يقول: ما المراد بإسكان الضيف أو الزائر؟ هل هو مجرد مبيته عندك ليلة أو ليلتين؟ تعليلهم بأنه له أن يستوفي المنفعة بنفسه وله أن يستوفي بمن يقوم مقامه، يدل على أنها مدة طويلة، لكن كما قلنا إذا وجد شرط فيتقيد بالشرط.

ويقول: كيف نوافق بين ما ذكروا هنا، من تعاقد مع منتصب للعمل بلا أجرة فإنه يستحق أجرة المثل، وقولهم في باب الجعالة إنه لا أجرة لمن عمل عملًا لغيره بلا شرط ولا أجرة إلا إذا كان منتصبًا للتكسب بذلك العمل؟ فإذا قلنا هنا ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة، يعني أنه غير منتصب، يكون فيه خلاف بين البابين، لكن إذا قلنا لابد أن يكون منتصبًا للعمل، فهل يتصور أن ينتصب للعمل ولم يكن له عادة بأخذ الأجرة ويستحق الأجرة؟

وفي سؤال آخر: هل نخرج على إجازتهم للأجير بطعامه وكسوته البوفيه المفتوح؟ الطعام متقارب، فخرجها عليها على المذهب، فهي قريبة منها ومحتمل تخريجها الظاهر. كما ذكر بعض العلماء أن هناك فرقًا بين عورة النظر وعورة اللبس.

في عورة المرأة أمام المرأة، قالوا: من السرة إلى الركبة. وهذا لا يعني أن المرأة إذا جلست عند النساء إنما تستدر ما بين سرتها وركبتها، لكن المقصود أنها لو احتاجت أن تبرز شيئًا من هذا بين النساء، مثل ترضع طفلة مثلاً بين النساء فلا بأس، هذا هو المقصود.

فممكن أن يقال مثله أيضًا في الأمانة، لأن الهبة نوعان: هبة تبرع، وهبة ثواب. فإذا أشرت في عقد عوضاً معلوماً، فهو من النوع الثاني هبة الثواب، وهبة الثواب تأخذ حكم البيع.

الأصحاب رحمهم الله تعالى يستثنون هنا الظئر، وهو اللبن الآدمية، أما لبن الحيوان فلا يستثنونه، فهو استثناء من الأصل. الأصل أنه لابد أن يكون الطعام نعم الأجرة معلومة، فاستثنوا في الظئر، وهو المرضعة للطفل، وفي الأجير، استثنوا ذلك، فيبقى ما عداهم على الأصل اللي هو الأجرة.

الشيخ الإسلام رحمه الله توسع أكثر من الأصحاب في الاستثناء منها، فأجاز مثل تأجير الحيوان بما يخرج منه، ويتكلمون على تأجير الشيء بما يخرج منه، أو رعاة على أن يسب من حديده أجرته، من يسب من حديده هل يجوز أو لا؟ الشيخ الإسلام رحمه الله يجوز والمذهب لا يجوز. هم ينظرون الأصل فيها لأنها عمل شرعي يتقرب به إلى الله تعالى وهو عبادته، ولذلك وهذه العبادة فيها القربة إلى المقصد الأساسي فيها.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.