دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 60 | باب المساقاة

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رحمه الله: «باب المساقاة، من السقي؛ لأنه أهم أمرها بالحجاز، وهي دفع شجر له ثمر مأكول، ولو غير مغروس، إلى آخر، ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره. تصح المساقات على شجر له ثمر يؤكل من نخل وغيره، بحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع»، متفق عليه. وقال أبو جعفر: «عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهلهم إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع».

ولا تصح على ما لا ثمر له، كالحور، أو له ثمر غير مأكول كالسنوبر والقرض. وتصح المساقات أيضًا على شجر ذي ثمر موجود لم تكتمل تنميته بالعمل، كالمزارعة على زرع نابت؛ لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر، ففي الموجود وقلة الغرر أولى. وتصح أيضًا على شجر يغرسه في أرض رب الشجر ويعمل عليه حتى يثمر، احتج الإمام بحديث خيبر، ولأن العوض والعمل معلمان، فصحت كالمساقات على شجر مغروس بجزء من الثمر مشاع معلوم، وهو متعلق بقوله: «تصح». فلو شرط في المساقات الكل لأحدهما، أو أصعًا معلومة، أو ثمره شجرة معينة لم تصح.

وتصح المناصبة والمغارسة، وهي دفع أرض وشجر لمن يغرسه كما تقدم، بجزء مشاع معلوم من الشجر. هنا انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى باب المساقاة، وعرف المساقاة بقوله: «دفع شجر له ثمر مأكول، ولو غير مغروس، إلى آخر، ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره».

يعني عندنا مثلاً: محمد عنده مزرعة، زرعها في سنة من السنوات، وحصل له ظرف وسيسافر لمدة سنة، ولا يريد أن تموت المزرعة، فاتفق مع شخص قال له: قم على هذه المزرعة، وهي مليئة بالنخيل والأعناف ونحوها، فقال: قم عليها واعتنِ بها هذه السنة، وعند نهاية الموسم ننظر ما خرج منها من الثمر ونتقاسم، كل واحد له النصف. فهذه هي المساقاة: دفع شجر له ثمر مأكول إلى آخر ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره. لكن لو قال له: خلاص اعتني به وازرعه وحافظ عليه، وبعد سنة خلاص أنا سأعطيك مثلاً عشرة آلاف ريال، فهذه تصح أو لا؟ لا تكون إجارة ولا تكون مزارعة.

قال: «من السقي»، يعني اشتقاقها من السقي؛ لأنه أهم أمرها بالحجاز، لأن أهل الحجاز أكثر حاجة لشجرهم إلى السقي لأنهم يستقون الماء من الآبار. قد يكونون يسقون مثلاً لو كانت تجري عليها الأنهار، أو تسقى بماء المطر ونحو ذلك، لكن أرض الحجاز ليس فيها أنهار، وليست أرضًا ماطرة كل السنة، فيحتاجون إلى السقي استقاءً من البئر ونحوه، فسميت المساقاة.

والمساقاة جائزة، ودل على جوازها السنة والإجماع. من السنة حديث ابن عمر هذا الذي ساقه المؤلف، أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع؛ هذه مساقاة ولا مزارعة؟ بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل خيبر، فتكون إما مساقاة أو كلاهما؛ مزارعة يعني الثمر مساقاة على الشجرة، أو زرع مزارعة على الحب.

والإجماع ليس المقصود به إجماع الفقهاء، لأن في خلاف، لكن إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيما نقل هاهنا. لما ذكر حديث ابن عمر وأثر أبي جعفر، قال أبو جعفر: «عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهلهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع»، هذا دليل على استمرار عمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في عهد الخلفاء الراشدين؛ فلذلك ذكر الموفق رحمه الله أن هذا اشتهر ولم ينكره منكر، فكان إجماعًا، وطبعًا يقصد إجماع من الصحابة. وذكر الموفق في المغني في هذا الموضع مناقشة لهذا الإجماع وهل ثبت هذا الإجماع أو لا، ومن أراد الاستزاده يرجع إليه هناك.

قال: «تصح المساقاة على شجر له ثمر يؤكل»، إذاً لا بد أن يكون الشجر له ثمر، وهذا الثمر يكون مأكولاً، وسياتينا محترز هذا الشرط بعده. ولذلك لما ذكر حديث ابن عمر وأثر أبي جعفر قال بعده: «ولا تصح على ما لا ثمر له كالحور»، فهو لا ثمر له لأنه شجر يستخرج منه الخشب، أو له ثمر لكنه غير مأكول كالسنوبر والقرض، فهذه لها ثمر غير مأكول، وقس عليها كل ما لا ثمر له أو له ثمر غير مأكول، فهذه لا تصح المساقاة عليها.

قال الموفق رحمه الله: «لا نعلم فيه خلافًا لأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص، إلا أن يكون مما يقصد ورقه أو زهره كالتوت والورد». فالقياس يقتضي جواز المساقات عليه؛ لأنه في معنى الثمر لكونه نماء يتكرر كل عام ويمكن أخذه، والمساقاة عليه بجزء منه، فثبت له مثل حكمه.

يعني عندنا الشجر له ثمر يؤكل، هذا ما فيه إشكال، مثل النخل مثل العنب، تصح المساقاة عليه. وعندنا شجر لا ثمر له، فلا تصح المساقاة عليه. وعندنا شجر له ثمر غير مأكول، فهذا لا تصح المساقاة عليه، إلا إن كان مما يقصد ورقه أو زهره، فالموفق رحمه الله ذكر أن القياس جواز المساقات عليه، والمذهب يرون أنه لا تصح المساقاة عليه، وما ذكره الموفق.

تابعه عليه المرداوي في الإنصاف والحجاوي في الإقناع. والحجاوي في الإقناع لما ذكر كلام الموفق قال: «وعلى قياسه شجر له خشب»، يقصد شجر له خشب على قياس كلام الموفق، قال: شجر له قصد شجر له خشب، يقصد كالحور وصف الأبصار، فهذه لا تمر لها، لكن لها يقصد شجرة يقصد خشبها.

قال البهوتي رحمه الله في شرح الكشاف: كيف يقاس على كلامهما؟ لأنه عزا الكلام للموفق الشارح، قال: كيف يقاس على كلامهما ما صرح بنفيه؟ لأنهم قالوا: الحور هذا لا تغت له فلا يصح المساقاة عليه. قال: كيف يقاس على كلامهم ما صرح بنفيه؟ إلا أن يقال القصد منه إلزامهما الحجة، أي هذا لازم لكم مع أنكم لا تقولون به؛ يعني إذا قلتم في الشجر الذي يقصد ورقه وزهره تصح المساقاة عليه في شيء مقصود، طيب الشجر الذي يقصد خشبه كذلك في شيء مقصود، فقياسه جواض.

وهذه ترجع إلى مسألة لازم المذهب، هل هو مذهب أو لا؟ يعني من قرر شيئًا وهذا الشيء يلزم منه لازم. فهل نقول يلزم من أن يقول هذا الشيء وإن لم يصرح به أو لا؟ هذه مسألة يتكلم عنها الأصولي، ويتكلم عنها أيضًا أهل الاعتقاد في المسائل العقدية؛ هل لازم المذهب مذهب أو لا؟ لأن أحيانًا بعض العلماء يطلق أقوالًا قد يفهم منها أو قد تفضي إلى الكفر، فهل نقول إنه يلتزمها ويكون كافرًا بذلك أو لا؟ هذه مسألة تبحث هناك.

قال: وتصح المساقاة أيضًا على شجر ذي ثمرة موجودة لم تكمل تنمى بالعمل. يعني عندنا المساقاة إما أن تكون على شجر لم ينبت ثمره بعد إلى الآن، ما بدا موس، أو شجر بدا ثمره لكن لم يكمل بعد، فيقول: إذا كان هذا الشجر لم يكمل بعد وينمى بالعمل فإنه تصح المساقاة عليه. لماذا؟ قال: كالمزارعة، لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر، ففي الموجود وقلة الغرر من باب أولى.

كيف يقول الآن: أنتم في المساقاة على الشجر الذي لم يظهر ثمره بعد أجزتموه مع وجود الغرر؟ هذه الثمرة قد تخرج، قد لا تخرج، قد تخرج نصفه، قد تخرج كلها، قد لا يخرج شيء، في غرر. فإذا أجزتموه مع كثرة الغرر، فكوننا نجيزه مع قلة الغرر لأنه إذا خرج وما بقي إلا جزء لينكتمل فيعني قل الغرر كثيرًا، يقول: كوننا نجيزه مع قلة الغرر من باب أولى.

قال الموفق رحمه الله: وإنما تصح إذا بقي من العمل ما يستزاد به الثمر كالتقبير والسقي وإصلاح الثمر، فإن بقي ما لا تزيد به الثمرة كالجداد ونحوه لم يجز بغير خلاف. يعني لو أن صاحب المزرعة عمل المزرعة وتابعها إلى أن ما بقي إلا فقط الجداد، فقال: يا فلان أريد أن أشاقيك عليها ما بقي الجداد، فهنا لا يصح؛ لماذا؟ ما في عمل بما يستحق المساقاة، اللي هو نصيبه من الشجر وهو لم يعمل شيئًا.

ولذلك هنا ماذا قال المؤلف؟ على شجر بثمرته موجودة لم تكمل تنمى بالعمل، يعني يكون لعمل العامل أثر في نضج الثمرة، أما إذا كان ما له أثر، ما بقي إلا الجداد، فهنا نقول لا تصح المساقاة.

ها هنا قال: وتصح أيضًا على شجر يغرسه في أرض رب الشجر ويعمل عليه حتى يثمر. احتج الإمام بحديث خيبر. يعني عندنا ذكرنا نوعين من أنواع المساقاة الصحيحة، وهذا ثالث وهذا يسمى مغارسة. نوعين من أنواع المساقاة قلنا: إما أن يكون الشجر لا ثمر له، أو الشجر فيه ثمر لكنه لم يكمل. هذا يدفع شجرًا يغرسه لمن يغرسه في أرضه بجزء معلوم من الشجر أو من الثمر، يعني عنده مثلاً فسائل نخل يدفعها إلى العامل ويقول: اغرسها في أرضي واعتني بها، وإذا أثمرت لك النصف ولي النصف مثلاً، فهنا هذا يصح وهذه تسمى المغارسة.

قال: احتج الإمام أحمد رحمه الله بحديث خيبر. حديث خيبر ماذا؟ عامله يأخذ منها من ثمر أو زرع. والمغارسة منين أخذ المغارسة؟ ممكن ويمكن أن يقال بعموم الحديث، فالثمر قد يخرج من شجر موجود وقد يخرج من شجر مغروس، فاحتج بعموم ذلك. قال: ولأن العوض والعمل معانٍ فصحت المساقاة على شجر مغرس. يقول يعني نقيس على المساقاة على الشجر الموجود كذلك الشجر الذي سيغرس، لأن العوض معلوم والعمل معلوم فصحت.

قال: بجزء من الثمرة مشاع معلوم. قال: وهو متعلق بقوله تصح، وهو ضمير يعود على عبارة المؤلف، بجزء من الثمر بجزء مشاع معلوم كما تقدم؛ لأن هذه نوع من الشراكة، فكما تقدم عندنا في الشركات مشاع غير معين، فلو قال لك: ثمر الشجر الشرقي من المزرعة ولي، وثمر الشجر الغربي لك، فهل يصح؟ لا يصح لأنه معين غير مشاع. طيب معلوم، فلا يصح أن يكون مجهولًا، فلو قال لك: نصيب من ثمرها، يصح، ما يصح لأنه مجهول.

قال: فلو شرط المساقاة في المساقاة الكل لأحدهما فلا تصح. قال محمد لأحمد: عندي المزرعة، اعمل عليها وثمرها كله لك، تصح أو لا تصح؟ تبرعًا لا تصح مساقاة. طيب لو كان العكس، قال محمد لأحمد: اعمل عليها والثمر كله كأجرتك، ما قال إلا كأجرتك، متبرع بالعمل فتصح، لكن لا تصح مساقاة؛ الكلام هنا على أنها لا تصح مساقاة.

قال: فلو شرط في المساقاة كل لأحدهما أو أصعًا معلومًا. قال لك مثلاً ساقيت على النخل، قال لك: مئة صاع من التمر والباقي لي، أو قال المالك: لي مئة صاع من التمر والباقي لك، فهنا لا يصح، لماذا؟ وإذا حدد الإشكالية؛ قد لا تخرج المزرعة إلا مئة صاع، فالمالك ماله شيء، أو قد لا تخرج شيئًا فيخسرون كلهم، قد تخرج عشرة آلاف صاع فكل العام مئة صاع، فلذلك قالوا لا يصح.

أو تمرت شجرة معينة، قال: وساقيت على أشجار النخل، هذه الشجرة النخلة الأخيرة هذه تمرها لك والباقي لي، فهنا لا يصح؛ لأنها قد لا تثمر إلا هذه الشجرة، وقد تثمر جميع الشجر إلا هذه، فيكون فيها الضرر على أحدهما. هل تصح المناصبة؟ المناصبة هي المغارسة، ولذلك في شرح المنتهى لما قال: صح منتهى المناصبة والمغارسة، قال: المناصبة وهي المغارسة، يطلق عليها المناصبة ويطلق عليها المغارسة. طيب هل يعطف الشيء على نفسه؟

سلك العطف المغاير، عطف البيان، عطفيه ما تجي في الواو في القرآن.

في سورة الأعلى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، و﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، كلها تعود إلى الله عز وجل. فعطف فاشتق نفسه لاختلاف الصفات؛ اختلاف الصفات، فهنا قد يقال: اختلاف التسمية، يعني يبين أن هذه التسمية اختلاف الصفة تقريبًا. قد نقول إنه اختلاف الصفة؛ فهذه منصبه، وهذه مغارسه، والمغارسة من الغرس. قد يكون من النصب، يعني نصب هذه الشجرة في المكان المعين.

قال: دفع أرض وشجر لمن يغرسه كما تقدم بجزء من شاع معلوم من الشجر، سواء من الشجر أو من التمر، يعني سواء قال لك ربع الشجر أو قال لك ربع الثمر الذي يخرج من هذه الشجر، أو منهما لك ربع الشجر والتمر، فهذا كله جائز. والمناسبة والمغارسة هي التي تكون في الشجر، أما المساقاة فهي في الثمر.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وهو، أي عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة، عقد جائز من الطرفين، قياسًا على المضاربة؛ لأنها عقد على جزء من النماء في المال، فلا تفتقر إلى ذكر مدة، ولكل منهما فسخها متى شاء. فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة، أي أجرة مثله؛ لأنه منعه من إتمام عمله الذي يستحق به العوض. وإن فسخ هو، أي فسخ العامل المساقاة قبل ظهور الثمرة فلا شيء له؛ لأنه رضي بإسقاط حقه. وإن انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطا، ويلزم العامل تمام العمل كالمضارب».

هنا ذكر حكم عقد المساقاة، الحكم الوضعي له حكم التكليف، الجواز عن الإباحة، والحكم الوضعي أيضًا الجواز، يعني عدم اللزوم. قال: «وهو، أي عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة - والمزارعة التي ستأتينا في الفصل اللاحق إن شاء الله - كلها عقد جائز من الطرفين». لماذا عقد جائز؟ قال: «قياسًا على المضاربة». والقول بكونها عقدًا جائزًا هذا من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، وأما الجمهور فيرون أنها عقد لازم.

الجمهور الذين يرون جواز المساقاة والمزارعة يرون أنها عقد لازم. كيف يعني؟ مثلا لو أن محمدًا ساق أحمد على الشجر لمدة سنة، وفي أثناء السنة قال محمد: خلاص أنا كنت عندي انتداب عمل خارج المنطقة وخلصت لله الحمد في ستة أشهر ورجعت، خلاص أنا سأكمل العمل وفسخت العقد معك، فهنا على المذهب يجوز ذلك؛ لأن العقد جائز. طبعًا ما يترتب على الفسخ سيأتينا بعد قليل، لكن نذكر حكم الفسخ، وعلى القول الثاني الذين يقولون إنه لازم، يقولون لا، لا يصح.

الذين قالوا إنه جائز استدلوا بحديث معاملة النبي ﷺ لأهل خيبر؛ حيث لم يخرج زرعًا، وفي الحديث قال: «نقركم على ذلك ما شئنا». وهذا دليل على جوازه لا لزومه، ولو كان لازمًا لم يجز بغير تقدير مدة، ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقراره، فيتفقون لو كان لازمًا على مدة معينة، ولا كان للمالك فسخها من تلقاء نفسه.

وأيضًا الدليل الثاني الذي ذكره المؤلف هنا، القياس على المضاربة؛ قال: «المضاربة عقد جائز وهذه مثلها، كلاهما عقد على جزء من النماء في المال»، فكل منهما عقد على جزء من نمائه، فلما كانت المضاربة جائزة - أي غير لازمة - فكذلك المساقات والمزارعات والمغارسة يكونان جائزين.

الجمهور يرون أن المزارعة والمساقاة والمغارسة عقد لازم، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأيضًا اختاره بعض أئمة الدعوة. هنا عندكم في حاشية ابن قاسم رحمه الله يقول: قال الشيخ عبد الرحمن بن الحسن: صحيح اللزوم وهو الذي عليه الفتوى. وقال ابن ذهلان: الذي استقر عندنا لزوم المساقاة. والشيخ محمد بن عمر بن سليم كما نقله ابن عيسى في حاشيته يقول: الذي نراه أن المساقاة عقد لازم إلا أن حصل من العامل تفريط فللمالك الفسخ.

ولعلهم رأوا شبهها بالإجارة من هذه الناحية أكثر، فألحقوها بها في اللزوم، والأصحاب قالوا: لا، هي تختلف عن الإجارة؛ الإجارة عقد بيع لأنها بيع منفعة فكانت لازمة كبيوع الأعيان، بخلاف المساقاة والمزارعة فإنها عقد شراكة. هنا قال: لأنها عقد على جزء من النماء في المال، فلا تفتقر إلى ذكر مدة، وهذا ينبني على الجواز؛ أنه لا يفتقر إلى ذكر مدة ولكل منهما فسخها متى شاء. أما إذا قلنا إنها عقد لازم فإنه لا بد فيها من ذكر المدة كالإجارة، وأيضًا لا تُفسخ بدون عذر، أو لا تُفسخ من اختيار أحد الأطراف فقط من دون اختيار الطرف الآخر.

هنا رتب المؤلف رحمه الله تعالى على الفسخ، على جواز الفسخ، إذا فسخ هل يذهب حق العامل عبثًا هباءً منثورًا؟ ما يصير له شيء، قال لك: لا، التفصيل في حكم من الفاسخ، هل هو المالك أو العامل؟ وكذلك وقت الفسخ؛ قبل ظهور الثمرة أو بعد ظهورها. طبعًا بعد ظهور الثمرة الحكم واحد، لكن قبل ظهور الثمرة يختلف الحكم إذا فسخ العامل أو فسخ المالك.

يقول: إذا فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة، أي أجرة مثله؛ لأنه منعه من إتمام العمل الذي يستحق به العوض. يعني عندنا مثل المثال السابق: محمد هو صاحب المزرعة واتفق مع أحمد على أن يعمل له في المزرعة، واتفقوا على أن يكون له مثلا ٥٠٪ من التمر، المزرعة كلها نخيل، لما انتصف موسم التمر، أي موسم زراعة النخيل والعناية به، جاء محمد وفسخ العقد قبل ظهور الثمرة. الفسخ على المذهب عقد جائز إذًا يصح الفسخ.

طيب هل يذهب جهد أحمد عبثًا؟ لا، يقول المؤلف: للعامل الأجرة، أي أجرة المثل. لماذا له الأجرة؟ قال: لأنه منعه من إتمام عمله الذي يستحق به العوض، فأشبه ما لو فسخ الجاعل قبل إتمام الجعالة. الآن لو أن شخصًا قال: «من رد لي بعيري فله ١٠٠٠ ريال»، فذهب شخص يبحث، ثم قبل أن يجده قال المالك: فسخت الجعالة، فهنا هذا الباحث يستحق أجرة، لا يستحق الألف، ينظر أجرة عمله، أجرة مثل عملي. وكذلك هنا ينظر مثلًا محمد وأحمد عمل ستة أشهر في النخيل، ينظر أجرة مثله؛ لو أن شخصًا استأجر من يعمل له بالعناية بالنخيل لمدة ستة أشهر فكم يعطى؟ يقولون هذا هو الذي يستحقه العامل.

طيب، هنا ترى اختلف ما ترتب على فسخ المساقاة والمزارعة عن فسخ المضاربة، مع أنهم دائمًا يقيسون على المضاربة؛ فالمضارب إذا فسخ - أقصد صاحب رب المال إذا فسخ - قبل ظهور الربح، فليس للعامل أجرة.

فليس للعامل أجره. كيف يعني مثلا؟ جاء وقال: خلاص خذ هذه عشرة آلاف ريال واشتر وبع بها في التمر، بعد أسبوع قال: خلاص فسخت العقد. الآن التمر مثلا يريد وقتا لأجل أن يربح، هو يقول أنا مربح، طيب اصبر علي شهراً إن شاء الله نربح، يقولون لا. طيب يقول: أنا اشتريت تمراً إلى الآن ما بعته، خلاص يقول يلزمك بيعها، فإن بعتها بأثمانها خلاص رأس المال يذهب للمضارب، لرب المال، وأنت ليس لك شيء.

أما في المساقات والمزارعة فيقولون له أجرة عمله، لماذا فرقوا؟ واضح إشكال، لماذا فرقوا؟ وقريب من هذا يقول الموفق رحمه الله في المغني: «وفارق رب المال في المضاربة»، ويتكلم على فسخ صاحب المزرعة في المساقاة فسخ العقد قبل ظهور الثمن، فالعامل له أجرة المثل.

فارق يعني هذه المسألة فارقت رب المال في المضاربة، إذا فسخ قبل ظهور الربح فلا شيء للعامل، لماذا؟ يقول: لأن عمل هذا الذي هو المساقي يفضى إلى ظهور الثمرة غالباً، الثمرة تحتاج إلى ساقٍ ونحو ذلك، فهذا العمل غالباً سيفضي إلى ظهور الثمرة، فلذلك يستحق الأجرة، فلولا الفسخ لظهرت الثمرة فملك نصيبه منها، وقد قطع ذلك بفسخه الذي هو المالك قطع ذلك، فأشبه فسخ الجعالة، بخلاف المضاربة فإنه لا يعلم إفضاؤها إلى الربح، المضارب قد يعمل ويعمل ويعمل لكن يخسر، فهي قد لا يربح فيها قد يخسر، فالعمل فيها قد لا يؤدي إلى الربح بخلاف العمل في المساقاة فإنه مؤدٍ غالباً إلى ظهور الثمرة، فلذلك أوجبوا فيها أجرة المثل وهناك لم يوجبوا أجرة المثل.

هذا في فسخ المالك، وفي فسخ العامل قال: وإن فسخها هو، أي فسخ العامل المساقاة قبل ظهور الثمرة فلا شيء له، لأنه رضي بإسقاط حقه. يعني في المثال السابق، في أثناء موسم النخيل قال أحمد: خلاص أنا انشغلت ما أستطيع أكمل، التمرة ما ظهرت حتى الآن، قال ما أستطيع أكمل وترك العمل، فهنا لا شيء له، لماذا؟ هو الذي أسقط حقه، يعني لو أكمل لاستحق لكنه أسقط حقه لأنه رضي بإسقاط حقه، فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح، وكذلك عامل الجعالة إذا فسخ قبل إتمام عمله، فكلهم لا شيء لهم في ذلك.

هذا إذا فسخ قبل ظهور الثمرة، قلنا إذا كان الفسخ من المالك فللعامل أجرة مثله، وإذا كان الفسخ من العامل فلا شيء له. طيب بعد ظهور الثمرة؟ قال: وإن انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطا، ما قال إذا فسخ العامل أو فسخ المالك، لأنه لا يختلف الحكم سواء فسخ العامل أو فسخ المالك بعد ظهور الثمرة، يكون الربح بينهما على ما شرطاه، لماذا؟ لأن الربح مستحق، لأن الملك مستحق بظهور الثمرة، فملك العامل مستحق بظهور الثمرة، فلا يسقط حق العامل بفسخ ولا بغيره، لكن هي بينهما على ما شرطا.

مع ذلك يلزم العامل إتمام العمل، فهنا الأصل أنها جائزة، لكن إذا ظهرت الثمرة فتحتاج إلى جهد لكي يكتمل نضجها، فهنا تنقلب إلى لازمة، هذا الذي قلنا لكم سابقاً إن الأصحاب رحمه الله تعالى ذكروا أن العقد الجائز إذا ترتب على فسخه ضرر انقلب لازماً، ومثله هنا المساقاة، عقد جائز، هنا بعد ظهور الثمرة ينقلب لازماً، فقال: يلزم العمل، تمام، يلزم العامل تمام العمل كالمضارب.

يعني كما يلزم المضارب بيع العروض، بيع العروض إذا فسخت المضاربة وما زالت العروض عنده، يعني مثل السابق التمر عنده، فيلزمه بيعه، الذي عبر عنه المؤلف في الشركة قال: يلزمه إذا فسخت الاشتراك والمال عرض فإنه يلزمه تمضيضه، تمضيض يعني تحويل إلى نقد، وهنا يلزم لأن هذا من تمام العمل.

الآن سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى على مسؤوليات كل من العامل والمالك، ما الذي يلزم العامل وما الذي يلزم المالك؟ السلام عليكم، قال رحمه الله: «ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة من حرث وسقي وزبار -بكسر الزاي وهو قطع الأغصان الرديئة من الكرم- وتلقيح وتشميس وإصلاح موضعه وإصلاح طرق الماء وحصاد ونحوه، كعاله حرث وبقرة وتفريق زبل وقطع حشيش مضر وشجر يابس وحفظ ثمر على شجر إلى أن يقسم، وعلى رب المال ما يصلحه أي ما يحفظ الأصل كسد حائط وإجراء الأنهار وحفر البئر والدولاب ونحوه كالآلة التي تديره ودوابه وشراء ما يلقح به وتحصيل ماء وزبل والجداد عليهما بقدر حصتيهما، إلا أن يشترطه على العامل، والعامل فيها كالمضارب فيما يقبل ويرد وغير ذلك».

هنا قال: يلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة، والمالك يلزمه كل ما فيه صلاح الأصل، يعني عندنا مساقاة، عنده الشجر موجود فيريد من العامل أن يعتني به لتخرج الثمرة، فالعامل مسؤول عن كل شيء يترتب عليه صلاح الثمرة، والمالك مسؤول عن كل شيء يترتب عليه صلاح الأصل وهو هنا الشجر، فكل ما يترتب عليه صلاح الثمرة يكون على العامل، وكل ما يترتب عليه صلاح الأصل وهو الشجر أو الأرض يكون على المالك.

على هذا قال: يلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة من حرث الأرض لكي يزرعها أو يغرس الشجر فيها، وسقي الشجر بالماء، وزبار -فسرها أنه قطع الأغصان الرديئة من الكرم أي شجر العنب- وتلقيح، وتشميس التمر بعد قطفه وإصلاح موضعه، وإصلاح طرق الماء، والحصاد وهو للزرع والمزارعة، فهو أيضاً يلزم العامل، ونحوه قال: كعاله حرث وبقرة وتفريق زبل، اللي هو السماد، لكن شراء السماد هذا على المالك. كذلك هنا قبل قليل قال: تلقيح، التلقيح هذا على العامل، لكن شراء ما يلقح به هذا على المالك. وقطع حشيش مضر وشجر يابس، هذا كله مما يلزم العامل لأنه في صلاح للثمرة، وحفظ ثمر على شجر إلى أن يقسم، فهذا كله مما يلزم العامل.

ثم ذكر ما يلزم رب المال، قال: على رب المال ما يصلحه، أن يحفظ الأصل كسد حائط، جدار لو أنهدم الجدار مثلاً فجدار المزرعة فإقامته، وإجراء الأنهار، لو كانت هذه المزرعة قريبة من النهر لكن لكي تستفيد من النهر لا بد أن تجري لها ساقية، تحفر ساقية لأجل أن يأتي الماء، فهنا الحفر على المالك. وكذلك حفر البئر في المزرعة، يعني يمكن أن يحفر فيها بئراً يشقى به، فيكون الحفر هنا على المالك، والدولاب ونحوه، يعني الدولاب هي الآلة التي يستخرج بها الماء، ودوابه الدواب التي تدير هذا الدولاب كالبكر.

ونحوه وشراء ما يلقح به، وتحصيل الماء والزبل؛ هذا كله على المالك. إذا عندنا القاعدة أن كل ما يتعلق بصلاح الثمرة فعلى العامل، وكل ما يتعلق بصلاح الأصل فهو على المالك.

وذكر الموفق رحمه الله أن بعض أهل العلم عبر عن هذا بعبارة أخرى فقال: «كل ما يتكرر كل عام فهو على المعامل، وما لا يتكرر فهو على رب المال». وهذه قاعدة الأغلبية، ولذلك قال الموفق وهذا صحيح في العمل. فإما شراء ما يلقح به فهو على رب المال وإن تكرر؛ لأن هذا ليس من العمل، يعني هذا فقط شراء، وليس من العمل الجهد الذي يبذل في الشجر ونحوه.

هنا إذا عرفنا مسؤوليات العامل ومسؤوليات المالك، لو شرط أحدهما على الآخر ما هو من مسؤولياته، فشرط المالك على العامل أن يكون هو الذي تولى حفر البئر، أو شرط العامل على المالك أن يكون هو الذي يلقح الشجر، فهل يصح أو لا يصح؟ الكلام إذا رضي العامل في ذلك أو رضي المالك بأن يقوم بما هو من مسؤوليات العامل، أم هنا المذهب عندنا أنه لا يصح ويبطل العقد؟

قال: لا يصح ويبطل العقد؛ لأن هذا مخالف لمقتضى العقد فأفسده، وهذا المشهور من المذهب. وروي عن أحمد رحمه الله ما يدل على صحة ذلك، فإنه ذكر أن الجذاذ عليهما؛ فإن شرطه على العامل جاز لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد ولا مفسدة فيه فصح، ولذلك هنا قال: «والجذاذ عليهما بقدر حصتيهما إلا أن يشترطوا على العامل».

هنا الجذاذ؛ هل هو يتعلق بصلاح الثمر أو بصلاح الأصل؟ فهل هو من مسؤولية العامل أو من مسؤولية المالك؟ هم يقولون الجذاذ الآن هو المساقات بينهم إلى أن تنضج التمر وتصلح، فيقولون الجذاذ حقيقة بعد انقضاء العقد بينهما، فنرجع إلى الأصل أن تملك 50% خلاص الجذاذ عليك في نصيبك والمالك يملك 50% فالجذاذ عليه في نصيبه. قالوا لأنه يكون بعد تكامل الثمرة وانقضاء المعاملة، فأشبه نقله إلى منزله؛ اشتريت سيارة، نقل السيارة إلى منزلك أنت ولا البائع؟ المشتري لأنها ملكه هو المسؤول، وتكون هذه مثلها؛ انتهى العقد الذي بينكم، خلاص أنت يا عامل لك 30% أنت مسؤول عن جذاذ 30%، وأنت لك 70% أنت مسؤول عن جذاذ 70%.

وهذه رواية عن أحمد، والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه على العامل كالحصاد؛ الحصاد تقدم معنا قبل قليل أنه على العامل، والجذاذ مثل الحصاد كالحصاد واللقاط؛ اللقاط الذي هو جنيه الأمر الذي يلقط كالباذنجان ونحوه، لأن النبي ﷺ دفع خيبر إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم، ولأن هذا من العمل فيكون عليه كالتشميس. قبل قليل قلنا التشميس على العامل؛ تشميس الثمر بعد أن يجن، يعني بعض الثمر التي تحتاج إلى تشميس تكون على العامل.

قال: «ويفارق النقل إلى المنزل»، فإنه يكون بعد القسمة. هنا لم يقتسم بعد، ولما ذكر البهوتي في شرح المنتهى تعليل الأصحاب قوله: «لأنه يكون بعد تكامل الثمرة وانقطاع المعاملة»، نقل إلى المنزل، قال: «وفيه نظر». وكأنه لم يرتض ذلك، وأنه يقول: مادام تقول له الحصاد عليه يكون كذلك الجذاذ عليه. الفرق بين الحصاد والجذاذ أن الحصاد للزرع والجداد للثمر. فهم يقولون: أنتم قلت الحصاد على العامل، فالجذاذ -ما الفرق بينه وبين الحصاد في الأثر؟- هم مثلاً يقولون: أنت لك 30% يمكن يخرصونه، فـ 30% أنت تجده و70% المالك يجده.

قال: «إلا أن يشترطه على العامل»، فإذا اشترطه صح ذلك. في الثمر هنا، أنت ساقيته على مثلاً 100 شجرة، فينظر الثمر الذي في 100 شجرة، أنت لك 30% من الثمر، يمكن بالخرص ينظرونه فيقولون 30% تقريباً، فهذه فيها 30% من ثمر المزرعة كله، فأنت الذي تجده والباقي يجده المالك.

قال: «إلا أن يشترطه على العامل»، كما قلنا أنه إذا اشترطه على العامل جاز ذلك؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد ولا مفسدة فيه فصح. قال: «والعامل فيها كالمضارب فيما يقبل ويرد وغير ذلك»، يعني ما تقدم لك في المضاربة في الاختلاف بين المضارب وصاحب المال ومن يقدم قوله، قس عليه الاختلاف بين المساقي والعامل.

فإذا قال: ساقيتك على الثلثين، فلما انتهوا قال العامل: خلاص لي الثلثين، قال: لا، أنا قلت ساقيتك الثلثين وأقصد الثلثين لي ولك الثلث، فهنا اختلف لمن المشروط. تقدم لنا في المضاربة أنهما إذا اختلفا في المشروط فإنه للعامل. طيب إذا اختلف، قال العامل: أنت قلت لي اعمل عليها ولك النصف، قال: لا، أنا قلت اعمل عليها ولك الربع، يقدم قول المالك هنا لأنه منكر للزيادة. وهكذا فكل ما تقدم هناك من الاختلاف؛ لو قال المساقي مثلاً: أنا أعطيتك نصيبك، أنا أخذت 50% وأعطيتك نصيبك، قال: لا لم تعطني شيئاً، يقدم قول من لا يلحقه.

وكل شيء واشتغل على الزرع وجنى الثمر، مثلاً خرج 100 كيلو من الثمر، كل واحد منهما له النصف، فأعطاه النصف وأخذ النصف، اتصل عليه صاحب المزرعة بعد السبي، قال: ما أعطيتني النصف، أطيت؛ يقدم قول العامل. هنا إذا اختلف في الرد قدم قول المالك، لأن هذا أمين لكنه بعوض، أمين بعوض ويقبل قوله في التلف وأنه بدون تفريط ولا تعدٍ، لكن في الرد لا يقبل قوله.

قال رحمه الله: «فصل وتصح المزارعة لحديث خيبر السابق، وهي دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو حب مزروع ينمى بالعمل لمن يقوم عليه بجزء مشاع معلوم النسبة كالثلث أو الربع ونحوه مما يخرج من الأرض لربها أي لرب الأرض أو للعامل، والباقي للآخر»، أي إن شرط الجزء المسمى لرب الأرض فالباقي للعامل، وإن شرط للعامل فالباقي لرب الأرض؛ لأنهما يستحقان ذلك، فإذا عين نصيب أحدهما منه لزم أن يكون الباقي للآخر.

هذه المزارعة؛ وهي دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو حب مزروع ينمى بالعمل. يعني عندنا مثل المساقات، عندنا نوعان: إما أن يكون في المساقات الشجر ما فيه ثمر، أو الشجر فيه ثمر لكن يحتاج إلى استكمال. هنا قد تكون الأرض ما فيها زرع أبداً فيدفع الأرض ومعه الحبل ليزرعه العامل، وقد يكون فيها زرع لكنه لم يستكمل، فيتفق مع شخص ليقوم باستكماله، والمزارعة.

مشتقة من الزرع، وهي جائزة في قول كثير من أهل العلم رحمهم الله تعالى، ودل عليها حديث ابن عمر السابق: «دفع أرض وحب لمن يزرع ويقوم عليه، أو حب مزروع ينمى بالعمل لمن يقوم عليه بجزء معلوم النسبة كالثلث أو الربع من الأرض».

يقول: يزرع لهذه الأرض قمحًا أو شعيرًا أو ذرة نحو ذلك، ولك مثلاً 30% من الزرع الذي يخرج، فهذا يصح. لكن لو قال لك: 100 كيلو أو 100 صاع من البر، هل يصح أو لا؟ يصح؛ إذا قال لك 100 صاع من البر لكن ليس منها، أي ليس من الأرض، فهذه لا تصير مزارعة، تصير إجارة.

الأرض لربها وللعمل للباقي، وهذا يقصد أنه إما أن يحدد النسبة للمالك أو للعامل مثل ما تقدم لنا في شركة العنان؛ إذا قال المالك لي النصف، فمعلوم أن العامل له النصف، إذا قال المالك لي الثلث، فمعلوم أن العامل له الثلثان، إذا قال المالك لك الثلثان، فمعلوم أن المالك له الثلث؛ فسواء حدد النسبة لكل منهما أو حدد لأحدهما ما في إشكال كما تقدم معنا في شركة العنان.

قال رحمه الله: ولا يشترط في المزارعة والمغارسة كون البذر والغراس من رب الأرض، فيجوز أن يخرجه العامل في قول عمر وابن مسعود وغيرهما، ونص عليه في رواية مهنا، وصححه في المغني والشرح، واختاره أبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين وعليه عمل الناس؛ لأن الأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين.

وظاهر المذهب اشتراطه، نص عليه في رواية جماعة، واختاره عامة الأصحاب. والظاهر أن الصواب "جماعة" وهي التي موجودة في الإنصاف والمغني والشرح. نص عليه في رواية جماعة واختاره عامة الأصحاب وقدمه في التنقيح، وتبعه المصنف في الإقناع وقطع به في المنتهى. وإن شرط رب الأرض أن يأخذ مثل بذره ويقتسم الباقي لم يصح.

هنا ذكر مسألة خلافية في المزارعة والمغارسة؛ في المزارعة هل يشترط أن يكون البذر من رب المال؟ يعني قال المزارع للعامل: خذ هذا البذر قمحًا أو شعيرًا ابذره وازرعه واعتنِ به ولك جزء من النصف أو الربع مما يخرج، هذه ما فيها إشكال، هذه مزارعة صحيحة. لكن لو أنه قال: زرعتك على أن تزرع في هذه الأرض حبًا أو شعيرًا والذي يأتي بالحب هو العامل، فهل تصح هذه مزارعة أو لا؟

هنا ذكر المؤلف رحمه الله، والحجاوي رحمه الله قال: "ولا يشترط"، إذا سبق أن قلنا لكم مرارًا أن غالبًا إذا ذكر الأصحاب "لا يشترط" أو "لا يجب" أو "لا يسن" فإنه إشارة إلى خلاف. هنا قال لا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض، كذلك في المغارسة، هل يجوز أن يأتي العامل بالفسائل هو الذي يغرسها، أو لابد أن يكون الفسائل الذي يحضرها هو صاحب الأرض؟ فهذه المسألة في المغارسة والمزارعة: هل يشترط أن يكون الغرس والبذر من رب المال أو لا؟ ما ذكر المؤلف رحمه الله -وهو الحجاوي- أنه لا يشترط ذلك.

قال البهوتي: فيجوز أن يخرجه العامل بقول عمر وابن مسعود وغيرهما، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية مهنا. قال الإمام رحمه الله في رواية مهنا: «في رجل يكون له الأرض فيها نخل وشجر يدفعها إلى قوم يزرعون الأرض ويقومون على الشجر على أن لهم النصف ولهم النصف، فلا بأس بذلك»، وقد دفع النبي ﷺ خيبر على هذا، يعني أنه لم يشترط عليهم أن يكون البذر من صاحب الأرض في خيبر.

صاحب الأرض الآن في خيبر؛ المزارعة والمساقاة العامل هم اليهود والمالك المسلمون؛ لأنهم فتحوا خيبر عنوة فملكوا أرضها، كانت أرضهم ملكًا للمسلمين فأبقوا اليهود يعملون فيها، فكان اليهود عاملين وليسوا هم أصحاب الأرض. فهنا الإمام أحمد رحمه الله يقول: دفع النبي ﷺ الأرض لليهود ولم يزرعوا لهم حبًا يزرعونه، فدل على جواز أن يكون البذر من العامل.

قال: وصححه في المغني والشرح، واختاره أبو محمد الجوزي. وأبو محمد الجوزي ليس هو ابن الجوزي المشهور صاحب سيد الخاطر وغيره، لا، ليس هو، هذا حفيده يوسف، إذا قالوا أبو محمد الجوزي فإنما يقصدون به الحفيد. واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله وابن قيم وغيرهم.

قال: وعليه عمل الناس، وعمل الناس حجة؟ هذه العبارة هي الوحيدة في الزاد التي استدل بها بعمل الناس. وعليه عمل الناس، هل هو حجة؟ يبدو أنه يقصد عمل الناس في مزارعهم، هذا الظاهر. هم يقصدون أنه عمل الناس عليه وفيهم العلماء والدعاة ومع ذلك لم ينكروا عليهم، وهذا دليل على جوازه عنده، فعمل الناس لا يستدل به، لكن سكوت العلماء عن إنكاره دل على إقراره.

لأن المعول عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين. وهذا القول أيضًا صححه في الإنصاف، وقال: "وهو الأقوى دليلًا". والقول الثاني قال: ظاهر المذهب اشتراطه، نص عليه في رواية جماعة، واختاره عامة الأصحاب، وقدمه في التنقيح.

ولما ذكر القول الثاني قال: "وعليه العمل"، وتبعه المصنف في الإقناع. تبع المردوي في التنقيح في تقديم القول لا في الترجيح، ففي الإقناع قدم القول بأنه يشترط أن يكون البذر من رب المال، ثم ذكر الرواية الثانية أنه لا يشترط وذكر من قال بها وذكر أن عليها العمل، لذلك هنا عبارته توهم أن المصنف في الإقناع اختار هذه الرواية، لا هو حقيقة، لم يخالف كلامه في الإقناع، يظهر أنه موافق لكلامه في الذات، لكنه في الإقناع ذكر القولين وقدم القول بالاشتراط، لكنه لما ذكر القول الثاني قال: "وعليه العمل"، فيظهر أنه يميل للقول الثاني، والله أعلم. قال: وقطع به في المنتهى.

قال: «وإنَّ شرطَ ربِّ الأرضِ أن يأخذَ...». طبعاً دليلهم هنا -كما ذكر المؤلف رحمه الله البهوتي- هو دليل القول الثاني، ودليلهم القياس على المضاربة.

المضاربة: المال من أين؟ من رب المال، فقالوا كذا. المزارعة والمغارسة: يكون الزرع -الذي هو الحب والغرس- من رب المال، هذا دليلهم. قال: «وإنَّ شرطَ ربِّ الأرضِ أن يأخذَ مثلَ بدرةٍ ويقتسمَ الباقي لم يصح». يعني رب الأرض مثلاً أحضر عشرة أصع من البر ليبذر، فقال واتفق مع العامل على أنه إذا خرج البر فسيأخذ هو عشرة أصع على أنها رأس ماله، ثم الزائد أصع سيتسامانه بينهم النصف والنصف؛ فهنا هل يصح أو لا يصح؟ قال: لا يصح. لماذا؟ لأنه كأنه اشترط لنفسه قطعاً معلوماً؛ أنه قال لي عشرة أصع مع نصف ما زاد عليه. والأصل في المزارعة -بما أنها من الشراكة- أن يقتسم الطرفان الربح والخسارة؛ لأن الأرض ربما لا تخرج إلا هذه العشرة أصع، فيتبرم العامل بذلك.

المسألة السابقة: اشتراط كون البذر من رب المال، على المذهب الذين يشترطون كون البذر من رب المال. لو أن العامل هو الذي أحضر البذر وعمل عليه، وخرج الزرع وأراد أن يتقاسم؛ هنا يقولون لا تصح مزارعة، فتبسد المزارعة. فيقولون الزرع الآن نتج عن الحب الذي أحضره العامل، فيكون الزرع كله للعامل؛ لأنه نتاج حبه الذي كان يملكه. وصاحب الأرض له الأجرة؛ لأنه هنا عمل في أرضه، فله الأجرة.

هنا في كلام لابن القيم رحمه الله، حيث تطرق لهذه المسألة، لكننا لن نتكلم عن أصلها، بل سيتكلم عن اشتراط البذر من رب المال. قال: «والذين اشترطوا البذر من رب الأرض قاسوه على المضاربة، وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة الصحيحة وقول الصحابة، فهو من أفسد القياس؛ فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة». وفي المزارعة الأرض هي التي ترجع إلى صاحبها، أما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه -كما يذهب نفع الأرض- فالحاقه بالنفع الذاهب أولى من الحاقه في الأصل الباقي، فيفرق بينهم. فالذي يشبه رأس المال في المزارعة هو الأرض نفسها دون الحب.

هذه عبارة الموافق، وظاهر المذهب اشتراطه في عباده. قال رحمه الله: «وإن كان في الأرض شجرٌ فزارعه على الأرض، وساقاه على الشجر صح». وكذا لو أجّر الأرض وساقاه على شجرها فيصح، ما لم يتخذ حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. وتصح المساقات والمزارعة بلفظها، ولفظ المعاملة، وما في معنى ذلك، ولفظ إجارة؛ بأنه مؤدٍ للمعنى. وتصح إجارة أرض بجزء مشاع مما يخرج منها، فإن لم تزرع نظر إلى معدل ما يخرج.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى اجتماع عقدين؛ كأن يكون في الأرض مزرعة فيها أشجار وفيها زروع، فساقاه على الشجر وزارعه على بقية الأرض التي فيها زروع، مثلاً عنده أشجار نخيل وعنده يزرع برسيم أو بر أو نحوه، فأحضر عاملاً فقال: أساقيك على الشجر وأزارعك على الحب؛ فيصح ذلك. نص عليه الإمام أحمد رحمه الله وقال: «قد دفع النبي ﷺ خيبر على هذا»؛ لأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما تمر أو زرع، فجمع بين المساقات والمزارعة.

وكذا لو أجره الأرض كاملة وساقاه على شجرها فيصح؛ فهذا كله صحيح لأنهما عقدان يجوز إفراد كل واحد منهما، فجاز الجمع بينهما. قال: «ما لم يتخذ حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها». كيف؟ مر معنا أنه لا يجوز بيع التمر قبل بدو صلاحها. فجاء شخص إلى آخر وقال أنا أريد أن أشتري منك نخلاً قبل أن يبدو صلاحها، فقال: أنا أجرّك المزرعة وأساقيك على الشجر، ولي من الثمر مثلاً 90% ولك 10%. هنا هو ما زاد الأجرة إلا لكي يستفيد من الثمر، وزاد في نصيبه من المساقاة؛ ليتحصل على شراء الثمر قبل صلاحها. فهنا نقول لا يجوز؛ لأنه حيلة، والحيل على المحرمات لا تبيحها بالحرام.

ما الذي يبطل؟ هل يبطل العقدان كلاهما، أو تبطل المساقاة فقط لأنها هي التي توصل بها إلى هذا الأمر المحرم؟ هنا بعض الأصحاب قالوا: ننظر هل العقدان عقدا معاً؟ فإن كانا عقداً معاً فتبطل المساقاة لوقوع الحيلة بها، ولا تبطل الإجارة، فيكون فيها مسألة تفريق الصفقة؛ فإذا كان عقداً معاً يكون للمساقي -وهو العامل- الخيار في تفريق هذه الصفقة، فله أن لا يلتزم بالإجارة ويطلب فسخها لأنها تفرقت عليه الصفقة. أما في المسألة الثانية، إذا لم يعقدا معاً، فيقولون تبطل المساقاة وتلزم الإجارة الأولى.

في الكشاف يقول البهوتي، وقال المنقح -وهو المرداوي في التنقيح-: «قياس المذهب بطلان عقد الحيلة مطلقاً»، يعني يبطل العقدان معاً. ومقتضى هذا كلام البهوتي، ومقتضى ما قدمه في المنتهى أنه يصح في الإجارة ويبطل في المساقاة؛ يصح في الإجارة لأنها ما فيها الحيلة، الحيلة في المساقاة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الألفاظ التي يصح بها عقد المساقاة والمزارعة، وهو هنا آخرها بالعادة، حيث يذكرونها في أول الباب، لكنه ذكرها في آخر الباب ولعله ذكرها هنا تمهيداً للمسألة التي تلي. قال: «تصح مساقاة ومزارعة بلفظها»، فيصح أن يقول: ساقيتك على الشجر مقابل نصف التمر، والمزارعة: زارعتك على الأرض مقابل نصف ما يخرج منها. هذه مساقات بلفظها، وهذه مزارعة بلفظ المعاملة.

عاملتك على الأرض بشطر ما يخرج منها، هذا يصح، وأيضا وما في معنى ذلك. قالوا مثل مفالحه؛ كأن ألححتك على أن تسقي الشجرة أو نحوها، أو أعطيتك شجري لكي تعمل عليه مقابل كذا وكذا، فكل لفظ أدى إلى المعنى فإنه يصح، لأن هذا لا يتعبد بلفظه، العبرة بالمعنى.

قال أيضا: لفظ إجارة، كما لو قال استأجرتك لتعمل عمل هذا البستان حتى تكمل ثمرته بثلثها، فهو صرح بالاستئجار، قال بثلث ما يخرج منها من الثمر، فهذا يصح؛ لأنه مؤدٍ للمعنى. أو إذا قصد به بلفظ الإجارة المزارعة فيصح؛ لأنه مؤدٍ للمعنى، فعقد المزارعة مؤدٍ للمعنى يطبق عليه أحكام المزارعة.

ثم ختم هذا الباب بمسألة في الإجارة وهي شبيهة بالمزارعة، قال: وتصح إجارة أرض بجزء مشاع مما يخرج منها. هنا إجارة ليست مزارعة، طبعا فيها خلاف في المذهب، لكن الذي قرر هنا أنها إجارة. قال: أجرتك هذه، ويقصد الإجارة ولا يقصد المزارعة، لو قصد المزارعة فإنها يشملها اللفظ السابق، لا، هنا يقصد الإيجار: أجرتك هذه المزرعة لتعمل فيها، العوض في الأجرة ما هو؟ قال بجزء مشاع مما يخرج منها. يعني مثلا هي فيها نخل فقال: أجرتك الإجارة لك نصف التمر، نصف التمر الذي في النخل.

هنا يقول تصح إجارة أرض بجزء مشاع مما يخرج منها. عندنا إجارة الأرض إما أن تكون إجارة الأرض المزرعة، إما أن يؤجرها بالنقد، أجرتك بـ 10000 أو بـ 20000، هذه ما فيها مشكلة، أو يكون بطعام ليس من جنسها، مثلا هي مزرعة نخيل، قال مقابل مثلا أعطيك أقماع من البر، طعام ليس من جنسه، هذا أيضا لا إشكال فيه. أو يؤجرها بطعام من جنسها لكنه ليس منها، هي من النخل، قال استأجرتك على أن تعمل على هذا النخل مقابل 50 كيلو من التمر لكن ليس منها، هذا يصح وفي خلاف في المذهب، لكن المشروع أنه يصح.

الرابعة هذه هي التي فيها خلاف المذهب، هل تصح إجارة أو لا؟ هل هي إجارة أو نقول لا هي مزارعة بلفظ الإجارة؟ إذا قال: أجرتك هذه الأرض بنصف التمر الذي سيخرج منها، إذا انتهيت شيء خلاص، ننظر التمر لك نصفه ولي نصفه، هذه أجرتك، هنا هل تصح أو لا تصح؟ يقول تصح إجارة أرض بجزء مشاع مما يخرج منها، وهذا هو الذي مشى عليه الأصحاب، وذكر المرداوي أن هذا الصحيح من المذهب وأن هذه إجارة.

طبعا هذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، لكن اختلف العلماء في فهم كلام الإمام أحمد، اختلف الأصحاب؛ فالمشهور في المذهب قالوا إن كلام الإمام أحمد دل على أنه يصح ذلك وتكون إجارة، وأن الإجارة تجوز بجزء مشاع مما يخرج من الأرض. وهذا كما قلت نص عليه الإمام أحمد وعليه جماهير الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهو من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، وعليه يشترط لها شروط الإجارة من تعيين المدة ونحو ذلك، وأنها تكون لازمة ليست جائزة.

والقول الثاني في المذهب، وهو قول أبي الخطاب وتابعه الموفق وغيرهم، أنها مزارعة بلفظ الإيجار، ما يصير، لا تصح إجارة؛ لماذا؟ لأن الإجارة لابد أن تكون أجرة معلومة كما سيأتينا في باب الإيجار، وهذه الأجرة ليست معلومة. فقالوا لا تصح إجارة، لكن هي كما قال الإمام أحمد يقصد أنها مزارعة بلفظ الإجارة. فهذا فهم أبي الخطاب والموفق رحمهم الله تعالى، يكون حكمها حكم المزارعة وإنما لم تصح إجارة، كما قال الموفق: لم تصح إجارة لأنها إجارة بعوض مجهول، فلم تصح؛ من شروط صحة الإجارة أن يكون العوض معلوما، ولأنها للعَيْن ببعض نمائها فلم تصح كسائر الأعيان.

هذه مسألة يقرر الأصحاب أنه لا يصح أن يؤجر العين ببعض نمائها، يعني مثلا أجر عليه البقرة الأجرة بجزء من حليبها فلا يصح، المذهب قالوا هذا مثله أيضا، ولأنه لا نص في جوازها، ولا يمكن قياسها على المنصوص على جواز إيجارها بذهب أو فضة أو بشيء مضمون معلوم وليس هذا كذلك.

طيب على المذهب أنها تصح إجارة، طيب لو استأجرها، قال أنا انشغلت لن أعمل فيها خلاص، ما يخصنا شيء، سنة كاملة ما عمل فيها، وصاحب المزرعة مأمل أنه سيعمل فيها وسيتيه نصف الثمر، فهنا الفوت والموسم على صاحب المزرعة، فما العمل؟ يقول: فإن لم تزرع، وكذلك لو زرعت لكنها لم تنبت، فينظر إلى معدل المغل.

قالوا في شرح المنتهى: معدل المغل من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي إلى المغل المعدل أي الموازن فيما يخرج منه. لو زرعت فيجب القسط المسمى، كيف يقولون؟ طيب مزرعة راحت كل سنة، قالوا طيب أنت يا صاحب المزرعة يمكن كنت تزرعها كل سنة، كم كانت تخرج؟ قال كانت تخرج مثلا 100 كيلو من الثمر، إذا لك 50 كيلو يا صاحب، يا أيها العامل، أنت الأصل أن تعطيه 50 كيلو، لو ما عمل عليها خلاص اشتري له 50 كيلا من التمر، اشتري له 50 كيلا من التمر، فهذا هو الواجب عليه. فلو فسد هذا العقد في أي مفسد من المفسدات، فإنه يجب أجرة المثل على المذهب، وقيل أجرة المثل وهذا اختيار الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.

وهنا انتهينا من باب المساقاة والمزارعة الملحقات في باب الشركة، ووقفنا على باب الإجارة. هنا يقول: أليس ورق القرض يستخدم في الدباغ؟ نعم، على المذهب يشترطون أن يكون الثمر يؤكل، فلذلك قالوا لا يصح في المساقات، لكن إذا كان يستخدم، يعني ينتفع بورقه أو بزهره، فعلى كلام الموفق الذي مال إليه المرداوي رحمه الله وكذلك الحجاوي فيصح المساقاة به، لكن عن مشهور المذهب أنه لا يصح لأنه لا يؤكل.

نعم، في سؤال؟ هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.