بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع على أثناء باب الشركة، وذكرنا وعلقنا على الأقسام الأربعة من شركة الأملاك لا العقود؛ فكل ما تكلم فيه في باب الشركات فإنما في شركة العقود، أما شركة الأموال والأملاك فكلامهم فيها مفرق في أبوابها.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن شركة العقود خمسة أقسام، وهي التي تكلمنا عليها: العنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان. وقفنا على الخامس، وهي شركة المفاوضة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «الخامس: شركة المفاوضة. وهي أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة؛ بيعًا وشراءً ومضاربة وتوكيلًا وابتياعًا في الذمة ومسافرةً بالمال، وارتهانًا، وضمان ما يرى من الأعمال، أو يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما. فتصح، والربح على ما شرطه، والوضيعة بقدر المال؛ لما سبق في العنان. فإن أدخلا فيها كسبًا أو غرامة نادرين؛ كوجدان لقطة أو ركاز أو ميراث أو أرش جناية، أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه؛ فسدت؛ لكثرة الغرر فيها، ولأنها تضمنت كفالة وغيرها مما لا يقتضيه العقد».
هذا النوع الخامس من أنواع شركة العقود وهي شركة المفاوضة، وذكر تفسيرها؛ قال: «أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة». شركة المفاوضة نوعان: صحيحة وفاسدة، والشركة الصحيحة تحتها قسمان، إذن هي ثلاثة أنواع: نوعان منها صحيحة والثالث فاسد.
النوع الأول الصحيح الذي ذكره هنا: أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة. يعني حقيقتها أن يتشارك الاثنان في عدة أنواع الشركات السابقة: عنان، ومضاربة، ووجوه، وأبدان. يعني لو جمعوا الأربعة أنواع كلها، أو جمعوا ثلاثة، أو جمعوا نوعين، فهذه تسمى شركة مفاوضة. وشركة المفاوضة من القسم الصحيح؛ لأن هذه الشركات لو فصلت كل واحدة لوحدها صحت، فإذا دمجت فإنها تصح.
يعني مثلاً اثنان؛ أحدهما معه مال والآخر عمل، قال خلاص خذ مالي واتجر به في مثلاً بيع التمر، واشتركوا، وكلهم منهم كهربائيين قالوا خلاص نحن سنتقبل أعمال الكهرباء من الناس، وأيضًا في نوع ثالث قالوا إننا نريد أن نتاجر في الجوالات لكن ما معنا رأس مال، لكن في الناس يثقون فينا، خلاص اشتركوا في الجوالات؛ فهذه ثلاثة أنواع من أنواع الشركات: مضاربة ووجوه وأبدان، فتصح وتكون هذه من قبيل شركة المفاوضة.
النوع الثاني في قوله: «أو يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما» من الصحيح؛ في كل ما يثبت لهما وعليهما، بدون أن يدخلا كسبًا أو غرامة نادرين. كيف؟ اثنين مثلاً، هذه تراها كانت يعمل بها في السابق، من كبار السن الذين مثلًا قبل 50 سنة أو 40 سنة كانوا يقولون خلاص أي شيء نشتريه أو نريد أن نبيعه فبيننا نحن الاثنين أو نحن الثلاثة؛ فيشترون سيارات، يشترون مزرعة، يشترون بيتًا، شركاء فيه، شركاء في كل ما يشترون، فهذا صحيح بشرط ألا يدخل فيه الأشياء النادرة مثل الإرث؛ لو ماتت زوجة أحدهما فيرثها زوجها فقط، لا يشترك معه أخوه أو شريكه، فهذه شركة صحيحة.
إذًا أن يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما فتصح. إذًا شركة المفاوضة الصحيحة نوعان: النوع الأول في كل تصرف مالي من أنواع الشركة التي قلنا يجمع نوعين أو ثلاثة من أنواع الشركة الصحيحة، والقسم الثاني أن يشتركا في كل ما يثبت لهما أو عليهما فيصح، قلنا إلا إذا أدخلوا فيها كسبًا نادرًا أو غرامة نادرة لأنه إذا أدخلوا فتكون من القسم الفاسد.
في الصحيح يقول: «والربح على ما شرطا». فإذا قالوا إننا سنشترك في كل شيء يثبت لنا وعلينا، وأنا يا عبد الله لي مثلًا 20% وأنت يا أحمد لك 80% أو العكس، أو 50 و50، ما في إشكال، يتفقون على الربح يكون على حسب الشرط. أما الوضيعة، وهي الخسارة، بتكون على قدر المال؛ هذا ملك مثلاً 50,000 وهذا ملك 100,000، فتكون الخسارة على صاحب الـ 100 بالثلثين والخسارة على صاحب الـ 50 بالثلث، قال: «لما سبق في العنان» لأنها مقيسة عليه.
قوله: «فإن أدخل فيها كسبًا أو غرامة نادرين» إلى آخره ففاسد. هذا النوع الثاني من أنواع شركة المفاوضة، وهو المفاوضة الفاسدة. كيف يشتركا في كل ما يثبت لهما أو عليهما مطلقًا، سواء كان شيئًا مستمرًا أو شيئًا نادرًا؟ فنقول لا يصح؛ لأن الشيء النادر كسبًا نادرًا مثل الميراث، ومثله وجدان لقطة؛ الأصل أن اللقطة إذا التقطها صاحبها فتكون طبعًا فيما يملك بعد التعريف، فإذا عرفها سنة ما جاء صاحبها يتملكها واجدها، فهنا لا يكون شريكًا، لو كان هناك شخص شريك معه قال سأدخل معك في كل شيء ومنها هذا، فنقول: إذا أدخلوا فيها مثل هذا الكسب النادر فإن العقد يكون فاسدًا.
وكذلك قال: «ركاز»؛ الركاز مر معنا في الزكاة، لكن الركاز الذي يملك يكون الأصل لصاحبه لا يشركه فيه غيره. كذلك الميراث، مثلنا عليه «أرش الجناية»، هذا مثال على الغرامة النادرة؛ لو أنه مثلاً فقأ عين شخص فألزمه بنصف الدية، فقال خلاص أنت شريك معي في كل شيء، تلزمك إذاً ربع الدية لأن علي الربع وأنت عليك الربع، فهنا نقول لا يصح لأن هذه شركة مفاوضة فاسدة.
قال كذلك: «أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه»؛ ضمان الغصب؛ غصب أحدهما مثلاً سيارة شخص فلزمته قيمة هذا المغصوب وأجرته ومدة بقائه في يده، فإنه هذا يلزمه وحده لا يشركه فيه صاحبه، فإن اتفق على أن يشركه فيه صاحبه فإن المفاوضة هنا تكون فاسدة. أو نحوه مثل ضمان العارية؛ لو استعار شيئًا فتلف فأُلزم بقيمة هذا المعار التالف، فإنه يلزمه وحده، فإن قال لصاحبه أنت شريك معي فإن هذه تكون.
لماذا تفسد هذه إذا أدخلوا فيها كسبًا أو غرامة نادرين؟ ماذا قال؟ قال لكثرة الغرر فيها؛ لأنه لا يعلم، قد تأتيه مثلاً أرش جناية يصير عليه 500 ريال، وقد يأتي أرش جناية أو ضمان غصب يكون عليه 5000 ريال، فيها غرر كثير.
وأيضًا قال لأنها تضمنت كفالة وغيرها مما لا يقتضيه العقد. كيف؟ لأن كل واحد منهما سيصير كفيلًا للآخر، ولو الشركة تضمنت الوكالة، والوكالة أصيل بنفسي ووكيل لغيري لا تتضمن الكفالة، لا تتضمن الكفالة.
إذا عقدوا الشراكة على هذا وأدخلوا الغصب وأدخلوا الكسب والغرامة النادرين، وقلنا إنها فاسدة، وجنى أحدهما جناية، فعلى من يكون أرش الجناية؟ على الجاني فقط، لذلك يختص الغاصب والجاني بالضمان، فقالوا يختص، هنا تفسد الشراكة.
إذا حصل الضمان، حصل ما يقتضي الضمان، من الذي يضمن؟ الذي يضمن الجاني، من غاصب أو جاني. تقصد أرش جناية مثال على كسب نادر، محتملة لكن كونها تكون على الغرامة أولى، والآن سيمثل. إذا مثل أربعة أمثلة على الكسب النادر فهو مثل على كسب نادر ولم يمثل على الغرامة، وعادتهم أنهم إذا أرادوا أن يمثلوا يمثلوا على الأقسام كلها.
انتهينا الآن من الشركات، ننتقل إلى ما بعده وهو باب المساقاة، تكلم عن المساقاة، والفصل الذي بعده تكلم عن المزارعة، وهما من أبواب الشركات، يعني في أحكام كثيرة منهما توافق أحكام الشركة.
ولما كان لهما شبه بالإجارة، لكن شبههما بالشركة أكثر، جعلها المؤلف رحمه الله بين الشركة والإجارة، فتكلم عن الشركة ثم تكلم عن المساقاة والمزارعة، ثم انتقل إلى الإجارة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان