بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المرجع أثناء باب الشركات، وكنا قد بدأنا بشركة المضاربة. وذكرنا سابقا أن الشركات تقوم على العدل؛ فالربح يكون للشريكين، والخسارة عليهما. وذكرنا ذلك في شركة العنان، ولذلك إذا اشترط أن يكون الربح لأحدهما والآخر ليس له ربح، ما الحكم؟ لا تصح، فالشرط فاسد.
سواء كان أحدهما منه المال والآخر منه العمل، أو منهما المال والعمل، سواء كانت مضاربة أو عناناً، واشترط أن يكون الربح لأحدهما، فإنه لا تصح. لكن، إذا كان مثلا شخص قال لآخر: أعطني 1000 ريال وأنا سأعمل فيها، فقال الآخر: ما في إشكال، الربح كله لك للعامل، ماذا يكون؟ ليس عقد مضاربة. أعطاه 1000 ريال وقال له: اعمل بها والربح كله لك، وهو لم يقل: ما ترجعها، بل الربح فقط كله لك. هذا مر علينا كأحد العقود التي مرت معنا؛ وقف واجب عليه، فهو عقد إجارة.
بالعكس، أعطاه الألف وقال: اعمل بها والربح كله لي، أي لصاحب المال. هذا الخاص له مبلغ، والعامل ليس له شيء، فهو أجير. لو كان سيأخذ هذا العامل مبلغا هنا، فإنه ليس له أي شيء. سموها بحقه، الربح كله لصاحب المال، فهو إجارة.
في المضاربة، إذا خسر المال -ونحن قلنا الخسارة يتقاسمونها- لو خسر المال الآن؛ زيد أعطى عمر 100,000 ريال وقال: اعمل بها والربح بيننا نصفان، وبعد سنة تبين أنها خسرت، فصارت 80,000. الآن الـ 20,000 خسرها صاحب المال، وطيب صاحب العمل؟ العامل هل خسر شيئا؟ عمل سنة كاملة، فإذا لم يفرط أو يتعدَّ، فهو خسر عمله، فقد عمل سنة كاملة بدون مقابل.
وقفنا على قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يضارب العامل بمال لآخر إن أضر بالأول ولم يرضَ».
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمستمعينا والحاضرين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يضارب العامل بمال لآخر إن أضر بالأول ولم يرضَ؛ لأنها تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه وإن لم يكن فيها ضرر على الأول أو أذن، جاز. فإن فعل، بأن يضارب لآخر مع ضرر الأول بغير إذنه، رد حصته من ربح الثانية في الشركة الأولى؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقها بالعقد الأول، ولا نفقة لعامل إلا بشرط».
هنا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يضارب العامل بمال لآخر إن أضر بالأول ولم يرضَ». قوله: «ولا يضارب العامل بمال لآخر إن أضر بالأول ولم يرضَ»؛ زيد أعطى عمر، الآن كأنه أجير خاص لزيد، بمعنى أنه يعمل لزيد فقط، فأعطاه 100 ألف ريال وقال: تاجر بها في التمر، فبدأ يتاجر فيها بالتمور فربح، فصار الربح لزيد. سمع بهذا، فقال: إذا سأعطي عمر أيضا مبلغا يتاجر لي فيه، إما بالتمر أو بأمر آخر، فهل يجوز ذلك أو لا؟
هنا قال المؤلف رحمه الله: «ولا يضارب العامل بمال لآخر إن أضر بالأول ولم يرضَ». هنا قال: «لا يضارب»، لم يصرح في حكمه التكليفي، والمذهب أن هذا محرم. يحرم أن يضارب العامل بمال لآخر بقيدين: إذا كان فيه إضرار بالأول، وكان الأول لم يأذن.
مثال الضرر: أن يكون المال كثيرا، سواء كان مال الأول أو مال الثاني كثيرا، بحيث إذا عمل به العامل فإنه يؤثر على عمله مع الأول. لماذا يحرم ذلك؟ قال: لأن هذه الشراكة -شركة المضاربة- تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه منها. إنما انعقدت هذه الشركة لكي يضارب العامل بمال صاحب المال بنية طلب تنمية المال، فيستفيد العامل ويستفيد صاحب المال. فإذا اشتغل بمال لآخر، فهنا سينقص الحظ والنماء الذي اتفق فيه مع الأول.
ثم ذكر محترزات القيدين فقال: «وإن لم يكن فيها ضرر على الأول أو أذن، فإنه يجوز». فإنه يجوز إن لم يكن فيها ضرر على الأول؛ لأن كان مثلا قال له: تاجر لي في التمر في الصباح مثلا فقط، وفي باقي اليوم ما في بيع وشراء بالتمر، فجاء شخص آخر وقال له: تاجر بهذا المال في تجارة الجوالات، فبدأ في الصباح يبيع التمر، فهنا يجوز.
إذا لم يضر الأول فهذا يجوز ولو لم يأذن، أما إذا أضر الأول فلا بد من إذنه. طيب، إذا خالف المضارب هذا الشرط وعمل مع أنه يضر الأول ولم يستأذن، فما العمل؟ هل نقول تجارته مع الثاني باطلة؟ لا. يقول: «فإن فعل بأن يضارب لآخر مع ضرر الأول بغير إذنه».
طبعا أولا عقده مع الثاني صحيح، ومضاربته للثاني صحيح. لماذا مضاربته للثاني صحيحة؟ لأن المضاربة جاءت من منظوره هو، فخطأ المضارب هذا يجعل الربح لصاحب المال الثاني مستحقاً له، فلا يؤثر خطأ المضارب على استحقاق صاحب المال الثاني للربح.
ما الذي يؤثر؟ الذي يؤثر هو نصيب المضارب من المال الثاني. نضرب لذلك مثالا: هذا محمد هو صاحب المال الأول، وصالح صاحب المال الثاني، وأحمد هو المضارب. فمحمد أعطى أحمد مثلا 100 ألف ريال وقال: تاجر لي فيها في التمر. جاء صالح، وطبعا تاجر في التمور وقال: الربح بيننا نصفان، فجاء صالح وأعطى أحمد مثلا 50 ألفا وقال: تاجر لي فيها بالتمور، وكان هذا سيؤثر على المضارب الأول، وصالح لم يستأذن من محمد، وأخذ المال من صالح وبدأ يتاجر له في التمر. طيب لما مثلا في نهاية السنة، صالح أعطى أحمد 5500 ريال وقال: الربح بيننا نصفان، وفي نهاية السنة وجدوا أن المبلغ صار 150,000 ريال، فالربح 50,000.
خمس مئة وخمسون ألفاً، خمسة وعشرون منها لصاحب المال، وخمسة وعشرون للمضارب. نقول إن الخمسة وعشرين التي لصاحب المال يأخذها، فما في إشكال، الإشكال في الخمسة وعشرين التي للمضارب. ماذا قال المؤلف؟ يقول: «فإن فعل بأن ضارب لآخر مع ضرر الأول بغير إذنه رد حصته من ربح الثانية في الشركة الأولى؛ لأنه استحق ذلك».
هذا التعليم نأتي إليه، فيقول: هذه الخمسة وعشرون يضيفها إلى ربح الأول، يضيفها إلى ربح الأول. فلو كان الأول قد أعطاه مئة ألف، فلما كان في نهاية السنة آذى، مثلاً صرف مئتي ألف، فيكون الربح مئة لصاحب المال، وخمسين للمضارب، وخمسين للمضارب، فنقول يضاف إليها خمسة وعشرون تكون لمن، فترد في الشركة فيكون الربح مئة وخمسة وعشرين، فيتقاسمون المئة وخمسة وعشرين، فيكون لصاحب المال الأول نصفها وللمضارب نصفها.
يقول: تعليل ذلك؛ هذا ترى هذا من مفردات الحنابلة رحمه الله تعالى، وإلا فالجمهور على أنه يستحق الثانية كما يستحق من الأولى؛ لأنهم يرون جواز ذلك. المذهب يرى التحريم، التحريم: المضاربة للثاني بغير إذن الأول. الأئمة الثلاثة يرون الجواز، فلذلك يقولون في الثاني يستحق الربح كاملاً. في تعليل الأصحاب يقولون: لأنه أي المضارب استحق ذلك، يعود إلى الربح من الثانية؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول، فهو أصلاً جعل له وقتاً لكي يتاجر به، فهذا الوقت الذي يتاجر به تاجر به للثاني، فيقول هذا الوقت أصلاً الأول ليس للثاني، فالذي حصلت عليه ترده في شركتك مع الأول؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول، فيرد الربح في شركة الأول ويقتسمانه بينهما.
وقلنا إن ربح الثاني -الذي هو صاحب المال الثاني- هذا يستحقه كاملاً لا يسقط منه شيء؛ قلنا إن الجمهور رحمهم الله تعالى على أن الأول لا يستحق من ربح الثانية شيئاً، فالمضارب الذي ضارب مع الثاني يستحق المال كاملاً، وإلى هذا مال الموفق رحمه الله تعالى. قال: لأنه الأول إنما يستحق حق الربح بمال أو عمل وليس له فيها شيء منهما، الأول الذي هو محمد في المثال يستحق الربح إما بمال أو عمل، وهو لم يعطِ ماله شيئاً في شركة الثاني ولم يعمل فيها، فيقول: لما لم يكن له مال أو عمل فإنه لا يستحق الربح. وتعدي المضارب لا يوجب عوضاً، ولو أوجبه -يعني يقول فإن قال إن المضارب تعدى- فإنه يستحق، يقول: لا يوجب عوضاً ولو أوجبه لأوجب شيئاً مقدراً، أن التعويض لابد أن يكون مقدراً.
وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال: «ولا نفقة لعامل إلا بشرط». العامل هذا الذي يتاجر لا نفقة له إلا بشرط، يعني إذا اشترط له صاحب المال: أن تسافر بالمال وتذهب وتأتي، مثلاً تذهب للسوق في مكة أو في المدينة، وأنا أعطيك نفقة سفرك، فهنا فيه شرط، فيستحقها. لكن لو سكت ما قال شيئاً، لم يقل لك نفقة، فإنه لا يستحق النفقة. لماذا لا يستحق النفقة؟ يقولون: لأنه لو استحقها، ربما تكون النفقة مثلاً ألفي ريال وتكون التجارة لم تربح الألفي، فيكون قد أخذ الربح كاملاً.
وهل يضاف على الشرط إذا كانت العادة أن يعطى المضارب نفقة؟ يعني لو لم يشترط، لكن في العادة الناس في بلدهم إذا أعطى مالاً لآخر وقال تاجر به، فإنه يتحمل نفقات سفري، فهل تكون العادة كذلك مثل الشرط أو لا؟ شيخ الإسلام رحمه الله يرى أنه يستحق النفقة بالشرط أو العادة، وقواه في الإنصاف.
هنا تأتي مسألة: هل النفقة تكون من الربح ولا من رأس المال؟ بمعنى الآن أعطاهم مئة ألف وقال تاجر به في التمور، وقال لك: النفقة لك، فذهب وتاجر، وفي النهاية رجع ولما أرادوا أن يصفوا ووجدوا أن المال مئة وخمسين ألف ريال، والنفقة التي أخذها ألفي ريال، هل الألفي ريال هذه من الربح، بمعنى يقال الربح مثلاً لو هو مئة وخمسون وأخذ ألفين صار مئة وثمانية وأربعين، فهل يقال ألفين هذه تُخصم من الربح؟ أو يقال تُخصم من رأس المال؟ فيقال: إن ترجع لك يا صاحب المال تسعة وثمانين ألفاً ثم تتقاسمون الباقي، أو يقال: يرجع لك مئة ألف ثم تتقاسمون الباقي؟
السؤال محتمل، وكلاهما متجه، وكلاهما احتمال في المذهب، ولذلك ابن نصر الله تردد في ذلك هل هي من الربح أو من رأس المال، واستظهر الشيخ منصور البهوتي في الكشاف أنها من الربح. والشيخ ابن فيروز رحمه الله في حاشيته على الروض انتهت بباب الوكالة، يعني في الشركات وما بعدها، لكن له تعليقات على المنتهى أو شرح المنتهى وله تعليقات على الكشاف، نقل منها كثيراً. والشيخ ابن حميد رحمه الله في تعليقه في حاشيته على المنتهى المطبوعة له تعليقات على الكشاف، والشيخ ابن سعدي رحمه الله نقل منها في حاشيته على الإقناع، أو هي على نسخة من الكشاف جردها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ثم طبعها الشيخ سامي تصويراً، فيها نقل من حاشية ابن فيروز على الكشاف.
وجدت موضعين صرح فيهما أنهما لابن فيروز، وموضعين لم يصرح فيهما قد يكون لابن فيروز وقد يكون غيره. وهنا يقول في حاشية السعدي رحمه الله: قال الشيخ عبد الوهاب -عليه ابن فيروز في حاشية له على شرح الإقناع بخطه-: وعلى هذا، يعني على كلام الشيخ منصور أن النفقة تكون من الربح، يقول على هذا إذا لم يظهر ربح فالظاهر أنه يرجع عليه؛ يعني لو أنه قال: خلاص اشترطت النفقة فأنفق عن نفسه ألفي ريال، ونظر فما في ربح أبداً، فالمئة ألف صارت مئة ألف مأخوذة من هذه الألفين، يعني صارت تسعة وثمانين، فيقول يرجع عليه في هذه النفقة لأن النفقة تكون من الربح وليس من رأس المال.
قال: وعلى هذا فالظاهر أنه يرجع عليهم. قال ابن فيروز: وأقول بل الظاهر أنها من رأس المال؛ لكونه ما أنفق إلا بإذنه، ولما فيه من الضرر الذي لا يخفى على من تأمل فتدبره. قاله كاتبه عبد الوهاب، وعرب ربه على شيخنا والده العلامة محمد بن فيروز، فأقره محمد بن.
فيروز هذا والد الشيخ بن فيروز محمد بن فيروز رحمه الله وعفى عنه، كان من المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الجميع.
أقصد أنه محتمل، ومحتمل لصاحب الذي قال هنا في ضرر، والربح قد يحصل وقد لا يحصل، وإذا لم يحصل فسيكون في ضرر على العامل بأن يرد هذا المبلغ، كأنه استقر به، وفيه إشكال، وعلى حسب الاتفاق بينه. يقول: هل السفر يجب فيها النفقة؟ سفر المضارب بمال صاحب المال؛ أقول على حسب الاتفاق بينهم، الشرط أو العادة على كلام الشيخ.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «ويقسم الربح مع بقاء العقد» أي المضاربة إلا باتفاقهما؛ لأن الحق لا يخرج عنهما، والربح وقاية لرأس المال، وإن تلف رأس المال أو تلف بعضه قبل التصرف انفسخت فيه المضاربة كالتلف قبل القبض، وإن تلف بعد التصرف جُبر من الربح؛ لأنه دار في التجارة وشرع فيما قصد بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح.
أو خسر في إحدى سلعتين أو سفرتين جُبر ذلك من الربح، أي وجب جبر الخسران من الربح، ويستحق العامل شيئًا إلا بعد كمال رأس المال لأنها مضاربة واحدة قبل قسمته ومحاسبته، فإذا احتسب وعلم ما لهما لم يجبر الخسران بعد ذلك ما قبله تنزيلاً للتنظيم مع المحاسبة، وإذا انفسخ العقد والمال عرض أو دين فطلب رب المال تنظيمه لزم العامل.
هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يقسم الربح مع بقاء العقدين» المضاربة إلا باتفاقهما. يعني هنا متى يستحق المضارب الأخذ من الربح؟ يقول: لابد أن يكون هناك اتفاق، وطبعًا هذا إذا بقي العقد ما زال العقد باقيًا. يعني مثلاً أعطاه تمورًا يتاجر بها، أعطاه مبلغًا يتاجر في التمر فاشترى مثلاً تمراً بـ ٥٠٠٠ وباعه بـ ٦٠٠٠، الآن الربح ١٠٠٠، هل للمضارب -إلى الآن ما انتهت المضاربة- أن يقول مثلاً: هذه ١٠٠٠ ربح آخذ ٥٠٠ وهذا له ٥٠٠؟ لا، إلا إذا اتفق، فاتفق، قال: أي شيء بعته وربحت فيه فلك نصفه، خذ نصفه، هنا اتفقا فالحق له، لكن لو لم يتفقا فإنه ليس له ذلك؛ قال: لا يقسم الربح مع بقاء العقد أي المضاربة إلا باتفاقهما.
قوله: «لأن الحق لا يخرج عنهما»، هذا تعليل لماذا؟ لا، ليس لعدم تقسيم الربح، بل لتقسيم الربح بالاتفاق، فأحسنتم، فإن قوله «لأن الحق لا يخرج عنهما» هذا ترى تعليل لقوله «إلا باتفاقهما»، فإذا اتفق جاز ذلك لأن الحق لا يخرج عنهما، فهما حران في التصرف في كيفية قسم الربح.
قال: «والربح وقاية لرأس المال»، وهذا تعليل لأنه لا يقسم أثناء العقد بدون اتفاق، لماذا؟ لأن الربح وقاية لرأس المال. يقول الموفق رحمه الله: «إذا ظهر الربح في المضاربة فليس للعامل أخذ شيء منه بغير إذن صاحب المال، لا نعلم في هذا خلافًا».
وذكر ثلاثة أسباب لذلك؛ السبب الأول قال: لأن الربح وقاية لرأس المال، وهو الذي ذكره المؤلف هنا، فالربح وقاية لرأس المال فلا يأمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابرًا له، فيخرج بذلك أن يكون ربحًا. يعني يقول مثلاً: هذا الذي باع التمر أخذ ٥٠٠٠ وباعه بـ ٦٠٠٠ وأخذ ٥٠٠ بدون إذن صاحب المال، ثم الآن بقي ٥٥٠٠ فاشترى وباعه بـ ٣٠٠٠ فخسر، فكيف يأخذ ٥٠٠؟ إن الـ ٥٠٠ التي ربحها هي وقاية رأس المال، لو خسر فهي ترد رأس المال شيئًا ما، بمعنى أنه لا يكون خسرانًا كبيرًا.
الامر الثاني: أن رب المال شريكه، فلم يكن له مقاسمة نفسه، كيف الآن المضارب يستحق هذا المبلغ ورب المال يستحق جزءًا من هذا المبلغ؟ فرب المال شريك للمضارب، وكذلك المضارب شريك له، كلاهما شريك للآخر، والشريك يتصرف في مال الشركة بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن شريكه، فهو كأنه يقاسم نفسه إذا أخذ المال إذا أخذ ما يستحقه بدون إذن صاحب المال، فكأنه يقاسم نفسه لا يقاسم شريكه.
والثالث: أن ملكه عليه غير مستقر، لأنه بعرض أن يخرج عن يده بجبران خسارة المال، ملكه عليه غير مستقر لماذا؟ لأنه قد يخسر المال فيذهب الربح، فلذلك ملك المضارب غير مستقر. تذكرون في الزكاة من شروط وجوب الزكاة استقرار الملك، ولذلك يذكرون هذه المسألة، لذلك يقولون: لا زكاة في ربح المضارب بمجرد الظهور، لماذا؟ هل يملك المال؟ هل يملك المضارب الربح بمجرد الظهور؟
مسألة خلافية هو ترتب على الخلاف فيها مسائل، وذكر ابن رجب رحمه الله في خاتمة القواعد: هل يملك المضارب المال بالظهور مثل هنا ظهر له ربح ١٠٠٠ ريال، أو بالقسمة؟ هنا هو يملكه بالظهور، لكن يستقر ملكه بالقسمة، يستقر ملكه بمعنى لا يسقط، يملك بالظهور وقد يسقط، فلذلك قالوا: لا زكاة في ربح المضارب، لكن ملكه غير مستقر، فلذلك في الزكاة قلنا إنه لا زكاة فيه لأن ملكه غير مستقر، لكن إذا قبضه حصلت المقاسمة، فإذا قبضه فهنا يزكيه.
قال: «وإن تلف رأس المال أو تلف بعضه قبل التصرف انفسخت فيه المضاربة كالتلف قبل القبض». عندنا تلف رأس المال أو تلف بعضه قبل التصرف، عندنا قبل التصرف وعندنا قبل القبض، إذا تلف قبل القبض؛ قال: أنا سأشارك بـ ٥٥٠ ألف ريال، وهذا قال مشارك ٥٠ ألف معهم، فأتفق على الشراكة فيها، جاء هذا في جيبه ٥٠ ألف فسرقت أو احترقت إلى آخره، فلم يعد يستطيع إحضارها، فهنا تلفت قبل القبض، قبل قبض شريكه، هذه عندنا مضاربة؛ قال: أعطيتك ٥٠٠٠ ريال، فأراد أن يعطيها فتلفت قبل القبض، هنا تنفسخ المضاربة لأن المال الذي سيضارب به تلف، العين يعني محل العقد تلف فلا وجه للعقد.
أما إذا تلف قبل التصرف؛ أعطى صاحب المال المضارب ٥٥٠٠ ريال وقال تاجر بها في الجوالات مثلاً، فسرقت أو احترقت قبل أن يتصرف، قبل أن يشتري ويبيع، فهنا تنفسخ المضاربة فيها، وإذا تلف بعضها؛ لو سرق ١٠٠٠٠ ريال أو احترقت انفسخت في الـ ١٠٠٠٠ وبقيت المضاربة في ٤٠٠٠٠ ريال. إذا هذه مسألته: تلف قبل التصرف، والتلف قبل القبض، سواء كان التالف كل المال أو بعضها، فينفسخ التالف سواء كان التالف كله أو بعضه.
المسألة الثالثة: إذا تلف بعد التصرف.
بعد التصرف؛ فأعطاه 5500 ريال وقال: اشتري بها في التمور، فاشترى وباع واشترى وباع. ومرة من المرات كان فيه 10000 ريال، وهي جزء مما باعه، فسبقت هذه الـ 10000 ريال؛ فلتنفسخ فيها. ماذا قال المؤلف؟ أي يُجبر من الربح. قد يكون في ربح غيره، فيكون هذا يُجبر من الربح. فلو كان الربح مثلا 50000 ريال وسُرقت 10000 ريال، يكون الربح كأنه 40000 ريال.
لماذا لا نقول في المسألة الثالثة: ينفسخ فيما سُرق أو تلف؟ قال: لأنه هذا المال دار في التجارة، والمضارب شرع فيما قصد بالعقد، ويقصد بالعقد تنمية المال من التصرفات المؤدية إلى الربح؛ فلذلك نقول هنا لا تنفسخ المضاربة فيها.
وكذلك ذكر المؤلف: إذا خسر في إحدى سلعتين أو سفرتين، هو مثلا يبيع في التمور والقمح، فربح في التمور وخسر في القمح، فهل نقول القمح خلاص ما خسر فيه، فيكون خاصا ليس للعامل فيه شيء؟ أو نقول لا، الربح الذي في التمور يُجبر الخسارة التي في القمح؟ نقول: يُجبر من الربح. قال: «أو خسر في إحدى سلعتين أو سفرتين، ذلك من الربح»، أي وجب جبر الخسران من الربح، ولم يستحق العامل شيئا إلا بعد كمال رأس المال؛ لأنها مضاربة واحدة.
مثلا لو أعطاه 5500 ريال وقال: 25 بالتمر و25 بالقمح، فالـ 25 التي بالتمر ربحت 35، والـ 25 التي بالقمح خسرتها صارت 15؛ فهنا في ربح في إحدى السلعتين وفي خسارة في سلعة أخرى، فيُجبر الخسران من الربح. فإذا جُبرت العشرة من العشرة وصار ما في ربح، فلا يستحق العامل شيئا. لو كان الربح 10 هنا والخسارة 5 هناك، فيُجبر الخسارة من الربح. فيكون كأن القمح ما فيه خسارة والتمر فيه ربح 5000، هذا معنى كلامه، قال: «لأنها مضاربة واحدة».
قال: «قبل قسمته أو تنضيضه مع محاسبته». أي قسمة المال، "تنضيده" يعني يكون نقدا. فلو بيع التمر كله نقدا، فالتمر كله الآن صار ربحه موجودا، فتقاسم الآن 35000؛ تقاسم 25 لصاحب رأس المال والخم، والـ 10000 هذه نصفها برأس المال، إذا تقاسم انتهى. ثم جاءت القمح، القمح إلى الآن لم ينتهِ موسمه، وبعد شهر انتهى موسم خسارة، هل تُجبر خسارة القمح من ربح التمر؟ لا، لأنه هنا تم قسم التمر كاملا فانتهى تنضيده وانتهى، وكذا ذلك.
فلذلك يقول: يُجبر من الربح قبل قسمته. اقرأ الذي في الزاد ما بين قوسين: «يُجبر من الربح قبل قسمته»، فإذا قُسم فلا يُجبر من الربح. قال: «أو تنضيده مع محاسبته»، يعني تحويله إلى نقد، تنضيده أي تحويله إلى نقد مع محاسبته بأن يتحاسب على هذا. فإذا تحاسب وعلم ما له وما عليه، إما أن يتقاسما أو يتحاسبا. المحاسبة يعني قال: خلاص أنا لك خمسة وأنا لي خمسة، وإلى الآن لم يعطه الخمسة، هذه هي المحاسبة. لكن المقاسمة هي أن يعطاه، فيقول: إما بالمقاسمة أو بالمحاسبة.
بالمحاسبة يعني ولو لم يتقاسم فيُحاسب؛ نظر التمر ربحه 3000 ريال، قال: خلاص أنت لك خمسة وأنا لي خمسة، بس إلى الآن لم يتقاسم، لكن أنت تحاسبت، فوجد في القمح خسارة، فهل تُجبر خسارة القمح من ربح التمر هنا؟ لا تُجبر. قال: «فإذا احتسبهما ولم يجبر الخسران بعد ذلك مما قبله»، تنزيلا للتنضيد مع المحاسبة منزلة المقاسمة. التنضيد مع المحاسبة -والذي قلنا لكم- يعني يبيعون هذا المال المتاجر به ويعرف كل واحد منهم ما له وما عليه، فهذه المحاسبة تقوم مقام المقاسمة، أي أن يقبض حقه واقعا، ويستقر ملكه بالقسمة، ويستقر ملكه بالمحاسبة.
قال: «وإذا انفسخ العقد والمال عرض أو دين، فطلب رب المال تنضيده، لزم العامل». يعني الآن عقد الشراكة هل هو عقد لازم أو جائز؟ هو عقد جائز. فكان أعطاه مثلا مبلغ 100000 وقال: تاجر به في التمور، ثم وهو يتاجر بعد شهر أو شهرين اتصل عليه وقال: خلاص أريد أن تتوقف، سنتحاسب، بع كل اللي عندك الآن؛ فهنا يقول يلزم العامل البيع.
إذا انفسخ العقد بفسخ الشريك، والمال عرض أو دين، العرض يعني مثل التمر الذي لم يُبع، أو جزء منه لم يُبع، أو دين مثلا جزء منه دين مؤجل في ذمة الناس، فطلب رب المال تنضيده يعني تحويله إلى نقد، لزم العامل أن يبيع لكي يعطي رب المال حقه من رأس المال وحقه من الربح ويأخذ هو حقه. يعني يطلبه من الناس، تنضيد الدين يعني مثلا الدين المؤجل، خلاص اطلب من الناس هذا المؤجل. لو فرضنا أن الدين حال وهو تسامح معهم، قالوا نجيبه بعد أسبوع أو أسبوعين مثلا، فينضضه يعني يجعله حالا أو يطالب الدائنين به لكي يتقاسما.
وإذا طلب العامل التنضيد، قال: خلاص أنا سأفسخ وطلبت التنضيد، هنا في حاشية: «إن طلب العامل البيع فأبى رب المال أجبر إن كان فيه ربح»، يعني إذا كان سيربح فيه فيُجبر رب المال على بيع هذا فيأخذ العامل الحق، لكن لو لم يكن في ربح، لو كان سيبيعه بخسارة يعني السوق نازل أو يبيع برأس ماله، فهنا لا يُجبر على ذلك.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «وتبطل بموت أحدهما، فإن مات عامل أو مودع أو وصي ونحوه، وجهل بقاء ما بيدهم، فهو دين في التركة»، لأن الإخفاء وعدم التعيين كالغصب. أحسنت. هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «تبطل بموت أحدهما»، الشركة كما قلنا هي عقد جائز، والعقود الجائزة تبطل بالموت، فإذا مات أحد الشريكين بطلت الشركة، والوكالة كما تقدم معنا. وأيضا مما تبطل به الشركة -ولم يذكر المؤلف- جنون أحد الشريكين أو الحجر عليه للسفه، وكذلك تبطل بالفسخ من أحدهما. وعلى هذا، فلو أعطى...
مثلا زيد أعطى عمرا مالا ليتاجر به ثم مات عمرو، نقول بقت الشركة. لو أراد زيد أن يتعاقد مع وارث عمرو، وكان عمر مثلا تاجر يأخذ معه أكبر أبنائه، فقال زيد: «لأكبر ابن عمر خلاص كمل عمل والدك»، هل يصح هذا العقد؟ قالوا: يصح وتكون مضاربة مبتدأ، كأنه الآن تعاقد مع ابن عمرو عقد جديد، ليست استكمالا للعقد السابق؛ هذا الذي قرره في الإنصاف وغيره.
وفي الإقناع ما يفهم منه أنها تكون استكمالا للمضاربة السابقة، وطبعا يختلف إذا قلنا استكمال إذا قلنا ابتداء عقد جديد، فلا بد أن يكون رأس المال نقدا، فلو كان عرضا، يعني مثلا قال اشتري به تمورا، وكان التمر موجودا يوم توفي عمر، فإنه لا يصح؛ لابد أن يكون نقدا، لكن على قول صاحب الإقناع يصح لأنها مضاربة استكمال للسابقة.
قال: «فإن مات عامل»، وطبعا هي عندنا الآن في المضاربة أو المودع أو الوصي، هذه ترى جابها قياسا على هذه، بدلا من أن يكرر لك هذه المسألة في باب الوديعة والوصية، جاء لك بها هنا وقال: حكمهم واحد. الآن مثلا عمر أخذ 100000 من زيد مضاربة وتاجر بها ثم مات، لا يُدرى هل هو رابح أم خسر، فما العمل؟ هل نعتبره رابحا فنقول نأخذ رأس المال والربح، أم نعتبره خاسرا فيكون خسر كل المال وليس عليه شيء ولا يضمن؟
ماذا قال المؤلف؟ قال: «أما تعاقد أو مودع أو وصي ونحوه وجهل بقاء ما بأيديهم»، يقول: إذا علمنا أن ما بأيديهم باق أو أنهم خسروا، يعني إذا علمنا الحال على حقيقته، إذا علمنا مثلا أنه عزل مال المضاربة وجعله في صندوق مستقل ففتحنا هذا الصندوق ووجدنا مثلا 80000 أو وجدنا 12000، علمنا أن هذا رأس المال قد ربح أو رأس المال قد خسر، فهنا يعامل معاملة الحي، يعامل معاملة الحي الذي فسخ العقد؛ فإذا كان خاسرا خلاص يكون المال كله لصاحب المال، وإذا كان رابحا فرأس المال لصاحب المال والربح يتقاسمونه.
أما إذا جهل بقاء ما بيده ولم يعلم هل هو رابح أم هو خاسر، فيقول: فهو دين في التركة. فنقول الـ 100000 التي أخذها دين في التركة، فإن لم يربح أو يخسر فتضمن الـ 100000. طيب إذا كانت التركة ما فيها إلا 50000، أعطينا 50 ألفا، هل الميت له ذمة؟ الورثة يقولون تتعلق بالتركة، فمثل ما قلت إذا ظهر له مال فإنه يسدد هذا الدين، وإذا لم يظهر فإنه لا يلزم الورثة السداد، لكن إن تبرعوا فالحمد لله، إبراء ذمة مورثهم، أما إذا لم يتبرعوا فهي باقية على المورث، يعني على تركته.
لماذا تجب في ذمته؟ قال: لأن الإخفاء وعدم التعيين كالغصب، هو أخفاها ولم يعينها فكأنه غصبها فتلزمه كاملا. وفي حاشية الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال، وهي في الإنصاف أيضا: «وقيل لا، إن مات فجأة لا يلزم شيء»، لم يفاجئه، وصحيح أنه لم يعزلها لكنه عارف بحساباته فلا يضمن إن لم يفاجئه. وقيل: هو كالوديعة، وفيها وجه، لا يكون دينا في تركته ولا يلزمه شيء، والوديعة فيها وجه في المذهب أن ما دام صاحبها محسن فإنه لا يلزمه شيء إذا مات ولا يعلم بقاؤها، بقاؤها في ذمته.
والمشهور في المذهب أن حكم المضارب والمودع والوصي حكمهم واحد، في أنه إذا ماتوا وجهل بقاء ما بأيديهم فإنها تكون في ذمتهم، يعني دين في التركة. يقول: هل ينظر إلى عادة الناس في السوق؟ مثلا إذا كان السوق رابحا فنقول ربما ربح، أو إذا كان السوق خاسرا نقول ربما خسر؟ لا، هنا لا تنظر العادة؛ لأن السوق ليس فيه عادات، قد يذهب اثنان للسوق كلاهما يبيع تمر، واحد يربح ربحا كبيرا، وواحد يربح ربحا قليلا، والثالث مثلا لا يربح شيئا، وكلاهما بذل جهده في ذلك.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «ويقبل قول العامل فيما يدعيه من هلاك وخسران، ولا يذكر أنه اشتراه لنفسه أو لمضاربة لأنه أمين، والقول قول رب المال في عدم رده». هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل الاختلاف بين المضارب وصاحب المال، ونطبق عليها القواعد التي ذكرناها سابقا في الأمين. وهنا المضارب أمين، والأمين يقبل قوله في التلف والخسارة ونفي التعدي والتفريط، فلذلك قال: «يقبل قول العامل فيما يدعيه من هلاك وخسران».
فلو أخذ مالا ليضارب به ثم قال: «خسرت»، فهنا يقبل قوله، وقال صاحب المال: «لا، لم تخسر، هو عندك»، فهنا يقبل قول العامل. لكن إذا سبق أن قلنا: إذا كان التلف في أمر ظاهر فإنه لابد من بينة على وجود الأمر الظاهر، كذلك في الخسارة؛ لو قال لو تاجر له بالمال ثم بعد سنة قال: «والله خسران، 100000 الآن معي 8000»، قال له: «أنت ربحت، ربحت 12 ألفا، يعني 200 ألف، أنت الآن رأس مالك 120»، قال: «لا خسرت»، فهنا يقبل قول العامل في ذلك. وطبعا كل من قلنا القول قوله فإنه مع يمينه، وكذلك لا نقول قول قوله إلا إذا لم توجد البينة، فلو وجدت البينة مع رب المال فيؤخذ بها.
طيب لو كان العامل قال لرب المال -ودائما رب المال يلحو حال العامل- فقال العامل: «ترى ربحنا 10000 ريال في نصف السنة»، ثم في نهاية السنة قال: «لا ما ربحت شيئا»، قال له: «وين الـ 10000 التي قلت لي؟»، قال: «والله أنا قلت لك عشان أسكتك»، فهنا هل يقبل قول العامل؟ لا، ما يقبل رجوعه. لكن قال: «صحيح في نصف السنة ربحنا، لكن ترى تاجرنا وخسرنا»، هنا يقبل. لكن لو قال: «لا لم نربح»، ترى من يوم تجارته والمال في خسارة ونقص، فهنا لا يقبل قوله في ذلك.
كذلك يقبل قول العامل فيما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة؛ يعني لو أن العامل اشترى ثمرا بماله الخاص وباعه وربح فيه، فقال له رب المال: «أنت اشتريت هذا وربحت فيه»، قال: «اشتريته لنفسي من مالي»، قال: «لا، أنت اشتريته من المال الذي أعطيتك»، فهنا يقبل قوله.
العامل في ذلك لأنه أمين، ولأن هذه -سواء كان كونه اشتراه لنفسه أو للمضاربة- تُعرف من نيته، والنية أمر خفي لا يعلم إلا من جهة صاحبها.
فقبل قوله في الرد أو بعد سنه، قال رب المال: يلا خلنا نتقاسم المال الذي أنا رديت لك قبل شهر، أنت دعوتني قبل شهر وتقاسمنا وتصفينا. قال: لا ما تقاسمنا ولا رد لي ريال. فيقبل قول من؟ رب المال، لماذا؟ لأن الأصل العدم، عدم الرد، وذمته مشغولة.
القاعدة التي ذكرناها أن الأمين هل يقبل قوله في الرد أو لا؟ نقول: إذا كان قد قبض المال لمصلحة صاحبه فيقبل قوله في الرد مثل المودع. المودع لو قال رب المال: أعطني المال، قال: أنا أعطيتك وديعة، قال: أعطيتك قبل أسبوع، قال: لا ما أعطيتني، فهنا يقبل قول المودع. لكن إذا قبضه لمصلحة نفسه أو لمصلحته، ما يعول في الرد غير مقبول، مثل هنا؛ قبض المال لمصلحته، ما يعول فيه؛ لأن له جزء من الربح ولصاحبه أيضاً جزء من الربح، فهو قبض المصلحة معاً فلا يقبل قوله في الرد.
تقصد لو أنه ضارب بمال الآخر وربح، وهو قال إن الربح أثره ليس لك إنما للمضارب، نعم يقبل قولك في ذلك. لا، هذه لا تدخل هناك، مضاربة هنا؟ لا، اشتغل لشأنه الخاص ليس مضاربة. كلاهما سواء يقول اشتراه لنفسي للكسب أو للاستخدام، أقول كلاهما؛ لأن هذا يرجع إلى النية، الشراء لنفسه أو يرجع إلى النية وهو أعلم بما نواه.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: فصل ثالث، شركة الوجوه، سميت بذلك لأنهما يعملان فيها بوجهيهما، والجاه والوجه واحد؛ على أن يشتركا على أن يشتريا في ذمتيهما من غير أن يكون لهما مال، بجاههما فربحاه فهو بينهما على ما شرطا، سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه أو جنسه أو وقته. فلو قال ما اشتريت من شيء فبيننا، صح، وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن؛ لأن مبناها على الوكالة والكفالة، كبينا بينهما على شرطهما لقوله ﷺ: «المؤمنون عند شروطهم»، على قدر ملكيتهما كشركة العنان لأنها في معناها، والربح على ما شرط كالعنان، وهما في تصرف كشريكي عنان.
هذا النوع الثالث من أنواع الشركة، شركة العقود، وهي شركة الوجوه. ثم ذكر اشتقاقها، يعني لماذا سميت بذلك؟ قال سميت بذلك لأنهما يعملان فيها بوجههما، أي جاههما، والجاه والوجه واحد. نذكر تعريفها ثم نعود إلى سبب التسمية، قال في تعريفها: أن يشتركا على أن يشتريا في ذمتيهما من غير أن يكون لهما مال بجاههما، فما ربح فبينهما على ما شرطا.
هذان الاثنان ما عندهم رأس مال، يريدون أن يتاجروا بالتمر ويترزقون، فقالوا: في ناس يعرفوننا في السوق عندهم تمر، نأخذ منهم بالدين ثم نبيع، فيكون رأس مالنا هو الدين الذي اشتريناه من الناس. فمثلاً يشتروا من السوق بـ 10، اتفقوا على أن يكون واحد منهم النصف، هذا يملك ما قيمته 5000 وهذا يملك ما قيمته 5000، فهذه الشراكة صحيحة.
قال: لماذا سميت شركة الوجوه؟ قال لأنهما يعملان فيها بوجههما، أي جاههما، يعني منزلتهم عند الناس؛ لأن أصحاب المحل لن يدينوا عليهم بدين، هم واثقون منهم، فالثقة هذه هي الجاه التي سميت شركة الوجوه. والجاه والوجه واحد، وفي التنزيل يقول الله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 37].
وهي جائزة، نص عليها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية ابن منصور؛ لأنهما اشتركا في الابتاع، أي في الشراء، وأذن كل واحد منهما للآخر فيما يتبايعان بينهما. ومعنى الشراكة فيه أن كل واحد منهما شريك للآخر في نصف المتاع بنصف الثمن، يعني كان كل واحد منهما اشترى نصف التمر بنصف قيمته، فيستحق الربح في مقابلة ملكه الحاصل في المبيع.
قال: فما ربح فبينهما على ما شرطا؛ في الربح على حسب الشرط، فلو اتفقوا على أن يكون لهذا 80% وهذا 20%، أو هذا الثلث وهذا الثلثان، أو هذا النصف وهذا النصف، فهذا كله جائز. سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه أو جنسه أو وقته أو لا؛ يعني سواء قالوا سنشتري بالتمر أو لم قالوا، سنشتري من السوق بضائع فلا يلزم التعيين.
لماذا قال المؤلف هذا؟ انظروا دائماً، نقول لكم إذا فصل المؤلف في جملة مفهومه من عموم جملة سابقة لها، فهذا التفصيل غالباً للإشارة إلى خلاف؛ لأن من الأصحاب ومن الفقهاء أيضاً في المذاهب الأخرى يرون أنه لا بد من التعيين، يقول لك: طيب أنت تشارك في الشراء في التمر مثلاً، وممكن يعينون مثلاً الوقت، الوقت يكون في الشهر الفلاني، لكن هنا يقول لا يلزم التعيين، هذا كله لا يلزم التعيين؛ لأنها شراكة، والشراكة لا يلزم فيها التعيين، بخلاف الوكالة المفردة؛ الوكالة المفردة لو وكله أن يشتري له شيئاً لا بد أن يعين، اشتر لي مثلاً سيارة أو جوالاً، لكن هذه وكالة داخلة في شراكة فلا يلزم فيها التعيين.
قال: فلو قال ما اشتريت من شيء فبيننا، صح، أو قال هذا، يترتب على قوله لا يلزم، التي قال لو قال: كل ما اشتريت من شيء فبيننا، فهذا صحيح. ثم ذكر تكييف العلاقة بين الطرفين، قال: كل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن؛ لأن مبناها على الوكالة والكفالة. يعني الآن لو أن زيداً وعمراً هما الشريكان، فذهبا إلى السوق، زيد ذهب إلى محل تمر، قال: أنا سأشتري مثلاً كراتين تمر بـ 5000، الآن هو أصيل عن نفسه وشريك لنفسه ولشريكه، فهو أصيل عن نفسه ووكيل عن شريكه وكفيل عنه بالثمن، يعني لو لم يسدد شريكه القيمة فهو سيسددها عنه، فهي إذاً مبناها على الوكالة والكفالة.
قال: والملك بينهما على ما شرطاه، وهذا أيضاً الملك بينهما على ما شرطاه ليس على ما دفعه؛ لأنه لم يدفع شيئاً حقيقة، إنما تقبل في ذمتيهما، فالملك بينهما على ما شرطا في الحديث: «المؤمنون عند شروطهم». وتأتينا مسألة لو أن أحدهما اشترى وقال...
أنا اشتريته قاصداً لنفسي، ما قصدت الاشتراك فيه، فهنا هل يقبل قوله أو لا؟
نرجع إلى ما قرأناه قبل قليل في المضاربة، وأنه يقبل قوله في ذلك، والوضيعة خسارة على قدر ملك كليهما، كشركة العنان لأنها في معناها؛ لأن الوضيعة عبارة عن خسارة رأس المال، والخسارة مختصة بالملاك، فوزعت بينهما على قدر حصصهما. فلو اتفقوا على أن الملك بينهما، هذا له الثلث وهذا له الثلثان، فتكون الخسارة لصاحب الثلث ثلث الخسارة، ولصاحب الثلثين ثلثي الخسارة، والربح على ما شرطاه.
فلو أنهم اتفقوا على أن يكون الملك بينهم مناصفة، لكن الربح لزيد 70% ولعمر 30%، يجوز ذلك؛ لماذا يجوز التخالف بين الربح والملك؟ ليس الربح على قدر الملك، لأن الملاك يختلفون، منهم من يكون أحذق في البيع والشراء، أو أكثر عملاً فيأخذ زيادة على ذلك. قال: «وهما في تصرف كشريكي عنان»، يعني ما أخذناه في شركة العنان من التصرفات التي تجوز للشريك أو تمتنع عليه، انقلها هنا في شركة العنان.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: الرابع، شركة الأبدان؛ أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما، يشتركان في كسبهما من صنائعهما، فما رزق الله فهو بينهما. فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله ويطالبان به؛ لأن شركة الأبدان لا تنعقد إلا على ذلك. وتصح مع اختلاف الصنائع، كقصار مع خياط، ولكل واحد منهما طلب الأجرة، وللمستأجر دفعها إلى أحدهما، وإن تلفت بيده بغير تفريط لم يضمن.
وتصح شركة الأبدان في الاحتشاش والاحتطاب ووسائل المباحات الكثيرة المأخوذة من الجبال والمعادن، والتلصص على دار الحرب. روى أبو داود بإسناده عن عبد الله رضي الله عنه قال: «اشتركت أنا وعمار يوم بدر، فلم يجيء أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين، قال: أشرك بينهم»، فأشرك بينهم النبي ﷺ أحدهما، فالكسب الذي له أحدهما بينهما.
احتج الإمام بحديث سعد رضي الله عنه، ولو ترك العمل لغير عذر، والصحيح أنه إن أقيم مقامه لزمه مقامه، أحسن الله إليك، وإن أقيم مقامه لزمه؛ لأنه ما دخل إلا الأصل بالضم، وقالوا يجوز الفتح. الأصل بالضم لأنها من الرباعي، وقالوا يجوز الفتح، لكن إذا كانت من الثلاثي فلا يجوز. غير أن قلت: قام مقامه، فهنا لا تصح إلا بالفتح، أما بالرباعي فالأصل فيها الضم ويجوز الفتح.
أحسن الله إليكم، ما دخل على أن يعمل، فإذا تعذر عليه العمل بنفسه لزمه أن يقيم مقامه، توفيقاً للعقد يقتضيه للآخر، وللآخر الفسخ. واشتركا أن يحملا على دابتهما والأجرة بينهما، وإن أجرا باعيانهما، فلكل أجرة دابته. ويصح دفع دابة ونحوها يعمل عليها، ورزقه الله بينهما على ما شرطاه.
هذا النوع الرابع من أنواع الشركات، شركات العقود، وهي شركة الأبدان. وصّف المؤلف رحمه الله تعالى يقول: «وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما»، هذه بالصنائع، لذلك يقول: «يشتركان في كسبهما من صنائعهما». هذا نوع، فهناك أيضاً الشركة فيما يأخذانه من المباحات، إذاً النوع الثاني.
وكان النوع الرابع، أحسن الله إليكم، شركة الأبدان؛ سبب التسمية أنهم بذلوا أبدانهم في الأعمال لتحصيل المكاسب. فمثلاً لو كان اثنان يعملان بالكهرباء أو ثلاثة يعملان بالكهرباء، فاتفقوا على أن يشتركوا فيما بينهم، فما تقبله أحدهم من العمل يشاركونه في الأجرة. فلو كان مثلاً محمد وخالد وصالح كهربائيين، فيجلسون في الشارع، فإذا جاء أحد يريد منهم أن يعملوا عمل كهرباء في بيته، يذهب أحد الثلاثة ويعمل عنده، والأجرة تكون شراكة بين الثلاثة على حسب اتفاقهم، فيصح ذلك؛ هذه تسمى شركة أبدان.
قال: «يشركان في كسبهما من صنائعهما، فما رزق الله فهو بينهما». هل يقصد بينهما مناصفة؟ لا، على ما شرطاه، فلو قالوا مناصفة يكون مناصفة لو كانوا اثنين، ولو كانوا اثنين وقالوا مثلاً يكون لأحدهما 75% وللثاني 25%، فلهم ذلك على حسب ما يتفقان عليه.
قال: «فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما». هل الميم مفتوحة أم لا؟ هي مفتوحة، ويجوز فيها الضم، ويجوز فيها الجزم؛ يجوز فيها الضم على الرفع، ويجوز فيها الجزم، ويمكن أن يقال الجزم هنا أولاً؛ لأنه جواب شرطي هنا، لئلا يتوهم أن يلزمهما.
صفة لعمل، قد يعني يظن القارئ أن «فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما»؛ طيب، العمل يكون مما يلزمهما فعله، طيب، ما الجواب؟ لم يأتِ الجواب، فنقول له الجواب: يلزمهما فعله. إذاً يقول: ما تقبله أحدهما من عمل فإنه يلزمهما فعله ويطالبان به؛ لأن شركة الأبدان لا تنعقد إلا على ذلك، يعني لا تنعقد إلا على ضمان العمل، هي تنعقد على ضمان العمل، فكل منهما يضمن العمل الذي سيطالبان به. فإذا مثلاً اتفق الذي يريد عمل الكهرباء مع أحدهما، يقع اللزوم على الجميع فيقوم به أحدهما.
قالوا: «يطالبان»، لأن شركة الأبدان تنعقد على ذلك، ثم قالوا: «وتصح مع اختلاف الصنائع». مسألة خلافية بين الأصحاب، هل تصح؟ هل يصح مثلاً أن يشترك كهربائي مع بناء، أو كهربائي مع سباك مثلاً؟ الكهربائي لا يعرف إلا عمل الكهرباء، والسباك لا يعرف إلا عمل السباكة، فهل يصح ذلك أو لا؟ يقول: تصح مع اختلاف الصنائع؛ لأنهما اشتركا في كسب مباح، فشرط أن يكون الكسب مباحاً، فلما اشتركا في كسب مباح صح كما لو اتفقت الصنائع.
ولأن الصنائع المتفقة، يقولون حتى لو كانوا اثنين كلهم صنعتهم واحدة، كثيراً يكون أحدهما أحد الصنعة من الآخر، فيكون عمله أكثر وفهمه أكثر وثقة الناس به أكثر، ومع ذلك لم يمنع هذا أن نجعلهما شريكين. وذكر في الكشاف أنه يمكن أن يخرج من هذا المحذور بأن يمكن أن نلزم هذا الثاني بأن يجعل هناك من يقوم مقامه في العمل، فلو اتفق مثلاً جاء واحد وراء اثنين كهربائيين، فاتفق مع شريكين، وقال الشريك: أريدك أن تعمل عمل كهرباء في كذا وكذا، وهو سباك لا يدفع من كذا، فيقول بإمكانه أن يحضر شخصاً آخر يعمل عمله مكانه، إما مجاناً أو بأجرة.
قال: «ولكل واحد منهما طلب الأجرة»، فالشريكان لكل واحد منهما يطلب أجرة، سواء يطلب أجرة العمل الذي تقبله وعمله، أو أجرة العمل الذي عمله صاحبه، يعني مثلاً لو بنائين اثنين، اتفق صاحب البيت مع أحدهما لكي يبني له جداراً.
في البيت، إذا اتفق مع زيد على مبلغ معين، فما أعطاه يجوز لعمر أن يطالب به؛ فقد يقول: «أنا ما اتفقت معك»، فيقول له: «لكني شريك معه»، فله حق المطالبة. فلكل واحدة منهما طلب الأجرة، وللمستأجر دفعها إلى أحدهما، يعني لو دفعها إلى زيد أو لعمر يجوز له ذلك ويبرأ بدفعها له؛ لأن الشريكين بمثابة الوكيلين عن بعضهما، ومن تلفت بيده بغير تفريط لم يضمن.
أعطى مثلاً: زيد هو الذي عمل له مقابل 1000 ريال، فأعطاها لزيد، فسرقت من زيد؛ فإذا تلفت بيده بغير تفريط هل يضمن زيد؟ يقول عمر: «أنا استحق منها 500، فأعطني 500»، أقول: لا، تذهب عليهما جميعاً. لكن لو أنه فرط، ما أخفلها، مثل أن يريد دخول دورات المياه في المسجد فجعلها عند المغسلة، فخرجت وهي مسروقة، هنا فرط ولا لم يفرط؟ فرط، فهنا يضمن. لذلك يقول: «من تلفت بيده بغير تفريط لم يضمن، فإن كان بتفريط فإنه يضمن».
قد تصح شركة الأبدان في الاحتشاش، وهذا النوع الثاني من شركة الأبدان الصحيحة؛ النوع الأول في الصناعات، والنوع الثاني في إنشاء المباحات كالأحتشاش والاحتطاب، يعني اثنين ذهبا إلى الصحراء، لكن في غير السعودية ممنوع الاحتطاب. واتفقوا على أن ما يسنونه فبينهما، فواحد ملأ صندوق السيارة والآخر لم يأتِ إلا كيلواً أو كيلوين، فهنا يصح ويتقاسمان بينهما على حسب اتفاقهما، سواء النصف بالنصف أو الثلث بالثلثين ونحو ذلك، فهذا يصح.
قال: «في الاحتشاش والاحتطاب وجمع المباحات من الصيد ونحوه، والثمار المأخوذة من الجبال، والمعادن، والتخلص على دار الحرب، هذا كله يجوز»، ويجوز الاشتراك به. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «اشتركت أنا وسعد وعمار بن ياسر يوم بدر، فلم آتِ أنا وعمار بشيء وجاء سعد بأسيرين»، قال أحمد: «أشرك بينهم النبي ﷺ».
كيف أشرك بينهم النبي ﷺ والغنيمة تقسم على الغانمين؟ كيف يشتركون في أمر هو حقيقة ملك للغانمين، سواء كان في ذاتهم أو في قيمتهم؟ لكن لماذا صار ملكاً لهم وهو حقيقة السلب؟ لو قال الإمام شيئاً صحيحاً يكون باب التحفيز، لكن هذا كان في أول الأمر، كان من أخذ شيئاً فهو له، ثم جاء تقسيم الغنائم، وأن الغنائم خمسها لبيت المال وأربعة أخماس تكون بين الغانمين، لكن هذا جاء بعد بدر، فكان في بدر من المباح.
هنا قال: إذا تخلف أحدهم عن العمل، والتخلف عن العمل أحد الشريكين، فإما أن يكون تخلفاً لعذر أو لغير عذر. فإذا تخلف لعذر، كأن مرض أحدهما، فالكسب الذي عمله أحدهما بينهم -لو مثلاً أحدهم دخل المستشفى لمدة أسبوع، فالأسبوع هذا عمله أحد الاثنين فقط- فهل يتقاسم مع شريكه أو لا؟ يقول: نعم. قال: احتج الإمام أحمد رحمه الله على ذلك في حديث سعد، حيث إنه سعد أتى بأسيرين وابن مسعود وعمار لم يأتوا بشيء، ومع ذلك أشرك بينهم النبي ﷺ.
هذا إذا كان لعذر، أما إذا كان لغير عذر، قال: «وكذا لو ترك العمل لغير عذر»، فتكون الأجرة، أي ما كسبه أحدهما، بينهما. لماذا؟ قالوا: لأن العمل مضمون عليهما، والعمل مطالب به كلا الاثنين، فالضمان هذا هو الذي جعله يستحق الربح، فهو كأنه عون لصاحبه في ذلك العمل، ولا يمنع تركه للعمل من استحقاقه، كمن استأجر رجلاً ليخيط له ثوباً مثلاً، فاستعان هذا الخياط بآخر وخاطا له هذا الثوب، فإن الأجرة تكون للخياط الذي تعاقد معه صاحب الثوب، فكذا هنا.
هذا ما قرره المؤلف رحمه الله، وهناك قول آخر في المذهب، وذكره الموفق رحمه الله احتمالاً، وهو أن الشريك متى ترك العمل لغير العذر فإنه لا يشارك صاحبه في أجرة عمله؛ لأنه إنما شاركه ليعمل جميعاً، فإذا ترك أحدهما العمل فما وفى فيما شرط على نفسه فلم يستحق ما جعل له في مقابلته، وإنما احتمل ذلك فيما إذا ترك أحدهم العمل لغير عذر لأنه لا يمكن التحرج منه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لازمه»، يعني الآن أحدهما مرض، فقال الصحيح: ما عندي مانع، بل شخص يقوم مقامك، فهنا يلزم المريض أن يأتي بشخص يقوم مقامه؛ لأنهما دخلا على أن يتشاركا، فإذا حصل لأحدهما العذر لزمه أن يقيم مقامه توفية للعقد مما يقتضيه، لأن العقد اقتضى أن يتشاركا ولا يعمل أحدهما وحده.
وقال: «ولخيار الفسخ»، وهنا ظاهره أن له الفسخ إذا لم يأتِ المريض بمن يقوم مقامه، وهذا ظاهر الإقناع. لكن قال الشيخ منصور في الكشاف: «بل له فسخها وإن لم يمتنع»، حتى لو قال: «سأحضر من يقوم مقامي»، فله الفسخ. لماذا؟ لأن الشركة حق جائز، فله الفسخ، سواء أقام مقامه من يعمل عنه أو لم يقم مقامه من يعمل عنه.
كيف ذلك؟ لأن الأصل في الشركة أنها عقد جائز، والعقود الجائزة لأصحابها فسخها، لكن إذا ترتب على العقد الجائز ضرب، فإنه ينقلب لازماً. مثل على ذلك بما لو استعار شخص من آخر قارباً ليصل به من الشاطئ إلى الشاطئ الفلاني، ففسخ الإعارة الجائزة في وسط البحر، هل يملك هذا؟ لا، ينقلب لازماً، فيه ضرب. فالعقود الجائزة إذا ترتب على فسخها ضرر فإنها تنقلب لازمة، وهذا ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله في القواعد.
قال: «وإن اشتركا على أن يحملا على دابتين والأجرة بينهما صح»، ثم قال: «وإن أجراهما باع عينيهما فلكل أجرة دابته»، هذه مسألتان. لو مثلاً عندنا سيارتان، واتفقنا على عقد شراكة لحمل الركاب، فجاء مثلاً مجموع عشرة ركاب قالوا: نريد أن توصلونا من مكة إلى المدينة، هنا يصح هذه الشراكة، وتتفق على أن الأجرة بينهما نصف، هذا ركب مثلاً أربعة، والأجرة بخمسين، وهذا ركب ستة، والأجرة بخمسين.
فهنا الشراء والأجرة بينهما، لا يصير هذا يأخذ فقط أجرة الأربعة وهذا يأخذ أجرة الستة، لا، الأجرة بينهما. هما اتفقا على الحمل، اللي هو إركاب والنقل؛ المسألة ثانية، لا، هم أجروا كل واحد أجرة سيارته، أجرة سيارته للحمل.
فهذا جاء اتفق معه أناس على تأجير السيارة، استجار السيارة يحملهم من المدينة إلى مكة، وهذا اتفقوا معه ناس آخرون على أن يأتي بهم من المدينة إلى مكة، فكل واحد منهم مستقل، فهنا لا تصح الشراكة هنا؛ لذلك قال: «وإن أجراهما بأعيانهما»، أجراهما أجرة الدابتين مثل السيارة هنا بأعيانهما، فكل واحد أجر السيارة بعينها، فهنا لا تصح الشراكة في الأجرة، لذلك قال: «فلكل أجرة دابته».
لماذا؟ لأن هنا عقدان مستقلان، لو أن السيارة الأولى تلفت صدمت في الطريق وتلفت خلاص، تبطل الإجارة، ولا تبطل الإجارة الثانية، لا، كل واحدة مستقلة. بخلاف المسألة الأولى، المسألة الأولى تعاقدوا على الحمل، حامل الركاب، ليس على أعيان السيارتين. المسألة الأولى ترى لو تعاقدوا على حامل الركاب، أن يحملهم بسيارتيهم ولهم أن يحملهم بسيارات أخرى، أنهم ما تعاقدوا على أعيان السيارتين.
المسألة الثانية لا، تعاقدوا على حمل بالسيارة الفلانية، حمل بالسيارة الفلانية، فإذاً الفرق بين المسألتين أن المسألة الأولى العقد على الحمل فقط، المسألة الثانية العقد على عين السيارة تنقلنا بهذه السيارة. ففي المسألة الأولى يصح فيها الشراكة لأن الشراكة في العمل، في المسألة الثانية لا تصح الشراكة لأن حقيقة عقدان مستقلان في الأجرة.
قال: «ويصح دابة ونحوها لمن يعمل عليها وما رزقه الله بينهما على ما شرطا». وهذا نص على الإمام أحمد في رواية الأثرم ومحمد أبي حرب وأحمد بن سعيد. يعني واحد عنده سيارة، وجاء شخص قال: والله سيارة زائدة عنده، جاء شخص قال: أنا ودي ترزق الله، ولا عندي سيارة، هذه سيارتي جالسة أعمل عليها، كد عليها، والأجرة التي تأخذها بيني أنا وإياك، حملت بـ 1000 ريال، خلاص لك 500 ولي 500، حملت بـ 10000، لك 5000 ولي 5000، فهنا يصح، يصح ذلك.
لماذا قالوا؟ لأن هذه العين التي اشترك فيها، اللي هي الدابة هنا أو السيارة، مثال العين تنمى بالعمل عليها، فصح العقد عليه، يعني هي لما عمل عليها جاء الربح فصح العقد عليها ببعض نمائها. يعني هذه ليست أجرة، هذه شراكة ليست أجرة بينهما، ما أجرة السيارة، لا، شراكة بينهما، لو أنه كد عليها يوم كامل ما حمل أحد، خلاص ما يأخذ شيء ولا يعطيه شيء، فهي شراكة بينهما قياساً على الشجر في المساقات في المزارعات، فكلها أعيان تنمو بالعمل عليها.
نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
أي صورة؟ لا هي مش الكتاب ده، لكن الفقهاء رحمهم الله تعالى في الصورة الأخيرة: يصح دفع دابة ونحوها لمن يعمل عليها، هذه ليست شركة أبدان، لكن الفقهاء رحمهم الله تعالى أحياناً يستطردون لأدنى مناسبة، فهم لما ذكروا المسألة التي قبلها شركة أبدان، اشتراك على حمل على دابة، جاؤوا بهذه المسألة. المسألة الأخيرة ليست شركة أبدان، هي حقيقة ليست شركة، لكن لا تنطبق عليها وجه المضاربة؛ لأن على المذهب لا تنطبق لأن رأس المال هنا عين وليس نقداً، لكن على القول بأن رأس المال عباد تصح.
طيب هنا يقول: رجل يعمل مع أناس مضاربة، حيث يأخذون مضاربة لهم فيها، فإذا حصل ربح اقتسم معهم، وإذا حصل خسارة يضع معهم مثل ما خسروا تبرعاً منه وليس هذا مشروطاً عليه، فما حكم ذلك؟ إذا كان هذا تبرعاً منه ليس مشروطاً عليه في العقد ولم يلتزمه، لكن لما خسروا وكانوا دخلوا على أنهم سيربحون فخسروا، فقال: أنا من عندي أسوي عوضكم تبرعاً، هذا لا بأس به. لكن لو كان التزاماً منه في بداية العقد أو مشروطاً عليه هنا لا، لأن الشركة قائمة على الخسارة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان