بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أما بعد، فنحمد الله عز وجل على أن منّ علينا بالعودة إلى هذا الدرس بعد الانقطاع في الإجازة، ونحمد الله عز وجل على ما مّ به من إتمام التعليق على قسم العبادات من الروض المربع، وأسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به القائل والمستمع. وفنحن على كتاب البيع.
نقدم قبل التعليق على كتاب البيع مقدمات كمدخل لهذا الباب؛ فبداية كتاب البيع هذا هو الربع الثاني من أرباع كتب الفقه. وتقدم الربع الأول وهو ربع العبادات، والربع الثاني وهو ربع المعاملات وأولها البيع، والربع الثالث ربع أحكام الأسرة: النكاح، الطلاق، وتوابعها، والربع الرابع ربع الجنايات وتوابعاتها من أحكام الخصومات ونحوه، ويذكرون فيها الأيمان والنذور والصيد والذبائح والأطعمة.
ومناسبة هذا الترتيب بهذه الأرباع ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كلامه على تحريم الميسر؛ فحكمة هذا الترتيب مرده إلى أن أحكام الفقه مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد. فقال رحمه الله في المجلد العاشر من مجموع الفتاوى، صفحة ٢٣١: «ومعلوم أن مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال، ومصلحة القلب مقدمة على مصلحة البدن، وإنما حرم المال لأنه مادة البدن».
قال: «ولهذا قدم الفقهاء في كتبهم ربع العبادات على ربع المعاملات، ربع العبادات متعلق بصلاح القلب، وربع المعاملات متعلق بصلاح المال الذي به قوام البدن». قال: «وبهما، يعني بالعبادات والمعاملات، تتم مصلحة القلب والبدن». ثم ذكر ربع المناكحات؛ لأن ذلك مصلحة الشخص، العبادات والمعاملات فيها مصلحة الشخص في القلب والبدن، وهذا الذي هو ربع المناكحات مصلحة النوع الذي هو أفراد بني آدم، مصلحة النوع الذي يبقى بالنكاح. ثم لما ذكروا المصالح، ذكروا ما يدفع المفاسد في ربع الجنايات. فهذه حكمة هذا الترتيب.
وابن مفلح رحمه الله الحفيد في "المبدع" ذكر في أول تعليق على كتاب الطهارة قالوا: بدأوا بربع العبادات اهتمامًا بالأمور الدينية، فقدموها على الدنيوية؛ لأن العبادات تتعلق بالدين، والمعاملات تتعلق بالدنيا. وقال: وقدموا ربع المعاملات على النكاح وما يتعلق به؛ لأن سبب المعاملات وهو الأكل والشرب ونحوهما ضروري يستوي فيه الكبير والصغير، وشهوته مقدمة على شهوة النكاح. فلذلك قدموا المعاملات لأنها يستوي فيها الصغير والكبير يحتاج إليها كل واحد، أما النكاح فلا يحتاج إليه إلا من بلغ سنًا من العمر وحصلت له شهوة النكاح. وقال: وقدموا النكاح على الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع الجنايات إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج. وهذه مناسبة حسنة ذكرها المتولي في تتمة.
يدعي الأصحاب رحمه الله عندنا يذكرون أبواب الأطعمة، الصيد، الذبائح، الأيمان، والنذور ضمن أبواب الجنايات. الشيخ عبد الوهاب بن سليمان رحمه الله له رسالة جيدة في الباب اسمها "ترتيب الموضوعات الفقهية ومناسبتها في المذاهب الأربعة". ذكر الترتيب عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، واختار من كل مذهب كتابًا مشهورًا عندهم وتكلم عليه على المناسبة.
ذكر المناسبة في ذكر الأيمان والنذور والصيد والذبائح في الجنايات؛ مرده إلى أن الصيد والذبائح فيها جناية على الحيوان، ولما كانت فيها جناية ألحقوها بهذه المناسبة. ولما تكلم عن الصيد والذبائح، وهذا أكل للطعام، توسعوا في الأطعمة والأشربة في هذا الباب. وأما الأيمان والنذور، فيقول: ذكروا الأيمان بعد الجنايات وقبل القضاء؛ لأن القاضي يحتاج إلى التحليف، تحليف بعض المتخاصمين، فلذلك ذكروا أو توسعوا في أحكام الأيمان هناك، وإن كانت الأيمان التي يذكرونها جزءًا يسيرًا منها يحتاجه القاضي، أما ما يحتاج القاضي كثيرًا من الأيمان فإنهم يذكرونه في أبواب القضاء نفسه، الأيمان في الدعاوى. ولما ذكروا الأيمان هناك ألحقوا بها النذور؛ لأن النذر فيه شبه باليمين.
هناك بعض الفقهاء من المذاهب الأخرى يقدمون الأنكحة على المعاملات المالية، مثل الحنفية؛ يقدمون الأنكحة على المعاملات المالية لأن النكاح فيه شوب عبادة، فلما كان فيه شوب عبادة وشوب مهجة جعلوه تابعًا لأبواب العبادات. وهذا ما ذكر في رسالة الشيخ عبد الوهاب بن سليمان رحمه الله، وفيها ذكر لمناسبات لطيفة في مختلف المذاهب الأربعة يستفيد منها القارئ والباحث؛ لأن الباحث أحيانًا يبحث في كتب المذاهب الأخرى فيعرف أن ترتيبهم ليس موافقًا لترتيب الأصحاب رحمه الله عندنا، فكل مذهب له ترتيب معين. فالحنفية مثلاً يلحقون أو يقدمون الأنكحة على المعاملات، بل إنهم يدخلونها في المعاملات، فالمعاملات خمسة أقسام ويذكرون منها الأنكحة.
هناك فرق بين العبادات والمعاملات؛ العبادات مبناها على الدليل، ولذلك تكثر؛ لأن الأصل فيها التوقيف. أما المعاملات، فما كان الأصل فيها الحل، كما سيأتي؛ فالأدلة فيها ليست كثيرة ككثرة العبادات، فإذا أتقن الضوابط في أبواب المعاملات فقد أتقن جزءًا كبيرًا من المسائل.
طيب، هنا ذكرنا المقدمة الأولى التي هي الترتيب في الأبواب الفقهية. المقدمة الثانية عندنا هي أنواع العقود من حيث موضوعها؛ لا تخلو العقود من حيث موضوعها من أربعة أنواع، وكل نوع من هذه الأنواع له أحكام تخصه، وقد يشتركون في بعض الأحكام.
النوع الأول: عقود المعاوضات؛ هذه فيها أخذ وإعطاء، هذا يأخذ ويعطي مقابلة، والآخر يعطيه مقابل ما أخذ شيئًا، مثل البيع، والإجارة، والسلم ونحوها.
النوع الثاني: عقود التبرعات؛ هذه فيها إعطاء لكن ليس فيها أخذ مقابلة، مثل الهبة والوصية.
النوع الثالث: عقود التوثيقات؛ يتوثق صاحب الحق من حقه، مثل الرهن والضمان والكفالة. لشخص اشترى من آخر سيارة إلى أجل، لكن هذا قال: أنا ما أكاد أسدد لك، فمثلاً بعد سنة أتني بكفيل، كفيل غارم الذي هو الضامن، فيأتي له بضامن؛ فهنا هذا الضامن أتي به ليتوثق الحق لحقه.
النوع الرابع: عقود المشاركات؛ اشتراك بين اثنين أو أكثر، يكون هناك مال ويكون هناك عمل، قد يكون منهما كليهما المال والعمل، وقد يكون المال من أحد ما والعمل من الآخر، هذا مثل عقود الشركات مثل المساقاة والمزارعة، هذه كلها من عقود المشاركات. ولذلك لما منع بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى المساقاة والمزارعة، وبعضهم منع المزارعة؛ لكونها مجهولة، لكون ما ينتج منها أو الأجر فيها.
رد عليهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى؛ لأن عقود المزارعة والمساقات هذه من عقود المشاركات، وليست من عقود الإجارات. يقولون: لا، الإجارة لو كانت مجهولة الثمن والأجرة مجهولة لا تجوز، فقاسوا عليها المزارعة. ومنهم من قال: لا بل تجوز لكن على خلاف القياس. شيخ رحمه الله قال: لا تجوز وليست على خلاف القياس؛ لأنها من عقود المشاركات فتشبه الشركة، وليست من عقود الإجارات.
المقدمة الثالثة: أنواع العقود من حيث اللزوم وعدمه. لا تخلو العقود من حيث اللزوم وعدمه من ثلاثة أنواع. النوع الأول: عقود لازمة من الطرفين، مثل البيع؛ فهو عقد لازم من الطرفين، إذا تم البيع لا يُفسخ إلا بإقالة، أو كان يوجد خيار مجلس أو شرط أو عيب ونحو ذلك. لكن لو أن شخصًا اشترى سيارة مثلاً، بعد أسبوع ندم أنه شرعها، فجاء لصاحب المعرض وقال: أريد أن أفسخ البيع، هل هناك عيب؟ ما في عيب ولا شيء، فقط ندمت. هنا طبعًا طلب الإقالة، فالبائع مخير؛ إما أن يقي ويقول: لا، العقد لازم، وإما أن يقول: لا أقبل بفسخ العقد. لكن لو كان عقدًا جائزًا جاز له ذلك كما سيأتي.
النوع الثاني: عقود جائزة من الطرفين، مثل الوكالة. لو أن زيدًا وكل عمرًا في بيع سيارته، قال عمر: لا لن أتوكل عنك، هل يُجبر عمر على هذا؟ لا، لا يُجبر. أو قال: ما عندي مانع سأبيع، ثم ذهب اليوم الأول والثاني ما أحد شرى، قال: خلاص أنا لن أبيع لك، هل يُجبر على الإتمام؟ لا، لا يُجبر. أو أن زيدًا نفسه قال: خلاص فسخت وكالتي لك، لا أريدك أن تبيعها، هل يجب عليه الإتمام؟ لا، لا يُجبر. هذه في الوكالة التي هي وكالة بتبرع.
أما الوكالة بأجرة، فهذه تأخذ حكم الإجارة. والمحاماة ليست إجارة مطلقًا، أو نقول ليست إجارة دائمًا وليست جعالة دائمًا، لها أحيانًا لأن عقودها أيضًا مختلفة؛ فأحيانًا العقد فيها يقرب من عقد الإجارة وأحيانًا لا، يقرب من عقد الجعالة، فهي تخرج على أقرب عقد لها من العقود المسمى، ولا تأخذ حكمًا واحدًا مطلقًا في كل عقودها.
النوع الثالث: عقود جائزة من طرف ولازمة من طرف آخر، مثل الرهن. الرهن؛ عندنا الراهن والمرتهن. صاحب المعرض قال للمشتري الذي اشترى السيارة: أرهن شيئًا، فقال: أرهن سيارتك الأخرى. فهنا الراهن هو المشتري، والبائع هو المرتهن. فالعقد هنا هل هو عقد رهن جائز أو لازم؟ نقول: لازم من طرف وجائز من طرف؛ لازم من طرف الراهن وجائز من طرف المرتهن. فالراهن لا يحق له استرداد الرهن بدون إذن المرتهن، لكن المرتهن له أن يقول: خلاص أنا ما يحتاج أرتكن عني، استرد سيارتك أو العين التي رهنتها.
وكذلك الضمان والكفالة؛ لازم في حق الضامن والكفيل، وجائز في حق المضمون له والمكفول له، أي صاحب الحق. فصاحب المعرض هذا الذي أراد أن يبيع سيارة، والمشتري قال: سأسددك بعد سنة، قال: ائتني بكفيل غارم، اللي هو الضامن، فأتاه بكفيل، على أن المشتري سيسدد، ووجد أنه ماطل. فهل جاء الضامن إلى صاحب الحق وقال: أنا حسبت أن صاحبي سيسدد وظهر مماطل، أنا سأفسخ ضماني؟ هل يحق له ذلك؟ لا، ما يحق له، هذا لازم في حقه. لكن صاحب المعرض له أن يقول: خلاص أنا أبرأتك أيها الكفيل والضامن، أبرأتك، ما عندي ما أطالب به، سأطالب فقط المدين اللي هو المضمون عنه، فله ذلك.
المقدمة الرابعة: الأصل في العقود الإباحة. فأي عقد مالي الأصل فيه الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، والبيع هنا للاستغراق لجميع البيوع، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، هذا يدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك في سياق الامتنان، ولا يمتن إلا بما هو مباح. ولما كان الأصل في الأشياء الإباحة، نجد أن المحرمات في البيوع قليلة، وترجع إلى أصول وقواعد؛ إذا وجدت فيها هذه القواعد أو الأصول فإنها تحرم، وإذا خلت من أحد هذه الضوابط فإنها لا تحرم.
تكلم جمع من أهل العلم رحمهم الله تعالى في حصر الأمور التي يحرم بها عقد البيع، وبينوا لها إلى أصل واحد، ومنهم من أعادها إلى ثلاثة أصول، ومنهم من أعادها إلى خمسة أو سبعة ونحو ذلك. فمثلاً نذكر أمثلة، ومن أراد الرجوع إليها يرجع إليها: ابن نجيم في البحر الرائق ذكر سبعة أسباب تعود لها أسباب الفساد في البيوع، وابن العربي المالكي في القبس في شرح الموطأ ذكر ثلاثة أسباب، وفي أحكام القرآن تقريبًا ذكر ثلاثة أو أربعة أسباب تقريبًا، وابن الصواف المالكي في كتابه الخصال الصغير ذكر خمسة أسباب، وابن رشد في بداية المجتهد ذكر أربعة أسباب، وشيخ الإسلام رحمه الله تكلم عنها في مواضع من كتبه، أحيانًا يعيدها إلى سببين وأحيانًا يعيدها إلى سبب واحد.
فمثلاً في المجلد العاشر من مجموعة الفتاوى قال: الشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكل المال بالباطل. وما نهى عنه النبي ﷺ من المعاملات، كبيع الغرر، وبيع الثمر قبل بدو صلاح، وبيع السنين، وبيع حبل الحبلة، وبيع المزابنة والمحاق ونحو ذلك، هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر، فهنا أرجعهما إلى سببين: الربا والميسر، وكلاهما أرجع إلى الظلم، كأنه يقول في النهاية: هما من الظلم.
وأيضًا قال في موضع آخر في المجلد الثامن: عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم؛ دقة وجلة، مثل أكل المال بالباطل، وجنس من الربا والميسر، وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي ﷺ مثل بيع الغرر وبيع حبل الحبلة إلى آخره. وقال في قواعد الفتاوى المطبوعة باسم القواعد النورانية: الأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكل أموال الناس بينكم بالباطل، إلى أن قال: ﴿وَأَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ﴾ في المعاوضة.
نوعان ذكرهما الله في كتابه هما الربا والميسر؛ فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة، وسورة آل عمران، والروم، والمدثر، وذم اليهود عليه في سورة النساء. وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة.
ثم إن رسول الله ﷺ الآن ذكر لك الربا والميسر، يقول لك في السنة فصل الربا والميسر؛ قال: «ثم إن النبي ﷺ فصل ما جمعه الله في كتابه، فنهى النبي ﷺ عن بيع الغرر» كما رواه مسلم عن أبي هريرة. والغرر هو المجهول العاقبة، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار. وفصل ذلك، فأعادها إلى الربا والميسر، وفي موضع آخر أعاد الربا والميسر إلى الظلم.
فهي تعود إلى هذه الأمور؛ إذا قلنا الظلم، أو بعضهم يعيدها إلى أكل المال بالباطل، فكله يعود للربا؛ فالربا فيه ظلم، والغرر فيه ظلم إن قلنا إنه ظلم من جهة، أو ميسر من جهة أخرى. فإن نظرت إليه من ناحية أن البائع قد يظلم المشتري فيبيع عليه شيئًا فيه غرر وجهالة، فيكون المشتري مظلومًا بذلك، ففيه ظلم.
وإن قلنا إن المشتري اشترى هذا الشيء الذي فيه غرر، مثل العبد الآبق؛ اشتراه المشتري مثلاً وكان قيمته عشرة آلاف فاشتراه بخمسة آلاف، ثم وجده في نفس اليوم، فهنا كسب خمسة آلاف، لكن لو لم يجده راحت عليه الخمسة آلاف، فهنا أحدهما سيظلم الآخر. وأيضًا أحدهما وهما دخلا في العقد على أن أحدهما غار من الآخر غارب. فالمهم أن هذه الأمور التي تحرم العقود إما ربا أو ميسر، والميسر يدخل فيه الغرر أو الظلم، والظلم يدخل فيه أيضًا الغرر، والربا أيضًا يدخل في الظلم، فكلها يمكن أن نعيدها إلى أصل الظلم.
هناك في رسالة للشيخ خالد آل سليمان -وفقه الله- جميلة اسمها: "العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة"، تكلم فيها عن جمع النصوص التي فيها معاملات محرمة وأعادها إلى ما ذكره الفقهاء، وهو نقل عن ابن العربي وابن رشد وشيخ الإسلام والمعاصرين الشيخ عبد الله البسام والشيخ بكر أبو زيد -رحمهم الله تعالى- فجمع كلامهم في هذا، وأعاد أسباب التحريم إلى خمسة أمور: الربا، والظلم، والغرر، والتغرير الذي هو الخداع، والضرر. والضرر هذه ممكن نعيدها كلها إلى أصل واحد وهو الظلم.
عندنا الغرر، والربا سنأتي في الكلام عليه في باب الربا. العلماء متفقون -رحمه الله تعالى- على أن الغرر يؤثر في العقد، لكن يختلفون في ضابط الغرر المؤثر، ويختلفون أيضًا في المقصود بالغرر؛ فبعضهم يحده بحد وبعضهم لا يذكر له أمثلة.
عندنا الغرر المؤثر، طبعًا في رسالة مشهورة في الغرر لمن صديق الضرير -رحمه الله تعالى- وهي رسالة دكتوراه قديمة جدًا، لكن غالب من كتب في الغرر بعده عال عليه -رحمه الله-، استنبط من كلام الفقهاء ما اتفق الفقهاء على كونه مؤثرًا على كون الغرر فيه يؤثر في العقد، وهو إذا كان الغرر كثيرًا، وكان في عقد من عقود المعاوضات، وكان في المعقود عليه أصالة، ولم تدعُ إلى حاجة؛ فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة هنا يتفق الفقهاء على كون الغرر مؤثرًا، لكن إذا اختل وصف يقع خلاف، بعضهم يقول مؤثر وبعضهم يقول غير مؤثر. وكذلك في ضابط الغرر: الكثرة من القلة؛ فقد اتفق العلماء على أن الغرر اليسير غير مؤثر، والفاحش مؤثر، والوسط محل خلاف، فكما ذكره القرافي في الفروق: فمن لحقه باليسير قال يغتفر، ومن لحقه بالكثير قال لا يغتفر.
عندنا أيضًا المقدمة الأخيرة، يتكرر عندنا لفظ جائز التصرف وجائز التبرع، وبعض الفقهاء من الأصحاب وغيرهم يتسمون في إطلاق أحدهم على الآخر، لكن يوجد فرق. فجواز التصرف أو جائز التصرف، إذا لم تتوفر فيه أربعة أوصاف يكون: بالغًا، عاقلًا، حرًا، رشيدًا. بالغ يعني ليس صغيرًا، وعاقل ليس مجنونًا ولا معتوهًا ونحوه، وحر ليس عبدًا، ورشيد ليس سفيهًا؛ فإذا اجتمعت في هذه الأوصاف فهو جائز التصرف.
أما جائز التبرع، فما اجتمعت فيه هذه الأوصاف وزاد عليه وصفان آخران: أن يكون تصرفه في ماله بنفسه، لا إخراج المتصرف بالوكالة وبالولاية. فالوكيل مثلاً هل يجوز له أن يقرض من مال موكله وهو لم يؤذن له في ذلك؟ لا. أو يتبرع منه ويتصدق منه وهو لم يوكل بذلك؟ لا. وكذلك الولي على القاصر، لا يجوز له أن يتبرع من مال القاصر، هذه تراها تخفى على بعض الناس. مثل أب أو أم بلغت مرحلة الخرف، فأصبح ابنها أو ابنتها هو المتولي على أموره، فيقول: أريد أن أحفر بئرًا وأبني له مسجدًا من مال والده، فقل له: لا، لا يجوز لك؛ لأن المال للمورث ما زال لصاحبه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]، ويعدى إلى كل قاصر، فلا يقرب ماله إلا بالتي هي أحسن في أمور الدنيا، أما أمور الآخرة التي هي التبرعات المستحبة فلا يقرب ماله بذلك.
إذًا يضاف إليه وصفان: الأول أن يتصرف في مال نفسه، والوصف الثاني ألا يكون محجورًا عليه؛ فالمفلس ليس جائز التبرع. هذه بعض المقدمات في فقه المعاملات المالية نقدم بها كتاب البيع.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان