دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 02 | حكم البيع ومعناه ومعنى المال

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومواليه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين.

البيع جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]. وهو في اللغة أخذ شيء وإعطاء شيء، قاله ابن هبيرة؛ مأخوذ من الباع، لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء.

وشرعًا: مبادلة مال ولو في الذمة، بقول أو مطآة، والمال عين مباحة النفع بلا حاجة، أو منفعة مباحة مطلقة، كممر في دار أو غيرها، بمثل أحدهما متعلق بمبدأ أو منفعة مباحة. فتناول تسع صور: عين بعين، أو دين، أو منفعة؛ دين بعين، أو دين بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق، أو بمنفعة؛ منفعة بعين، أو دين، أو منفعة.

وقوله: «على التابعي» يخرج الإجارة، غير ربا وقرض؛ فلا يسميان بيعًا وإن وجدت فيهما المبادلة. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، والمقصود الأعظم في القرض الإرفاق، وإن قصد فيه التملك أيضًا.

قال: البيع جائز بالإجماع، هنا ذكر حكمه وأنه جائز، وهذا كما قلنا إن الأصل في البيع الإباحة. لماذا نقول بالكتاب والسنة والإجماع؟ قال بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. ماذا قد الإجماع على الكتاب؟ ما دليل الإجماع؟

أحسنت، نعم، يقولون دليل الإجماع مقدم في القوة على الاستدلال بالكتاب والسنة لوجهين: الأول أنه قاطع معصوم من الخطأ، والثاني أنه آمن من النسخ والتأويل. طبعًا قاطع معصوم من الخطأ، حتى الكتاب معه، حتى القرآن قاطع معصوم من الخطأ، لكن السنة هي التي قد يقع فيها خطأ، يقصد من الرواة؛ يعني يكون الحديث ضعيفًا أو موضوعًا. وكذلك أنه آمن من النسخ والتأويل، يعني الآية قد تكون منسوخة أو مؤولة، لكن الإجماع يكون على ما أجمع عليه يكون صريحًا وليس منسوخًا.

ودليله من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار»، ومنها أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى وأقر الصحابة على بيعهم وشرائهم، وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة.

والحكمة تقتضيه لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بدون عوض، فتشريع البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل منهما إلى غرضه ودفع حاجته.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعريفه في اللغة، قال: «وهو في اللغة أخذ شيء وإعطاء شيء»، قاله ابن هبيرة رحمه الله تعالى. هذا أصله في اللغة. في الاصطلاح قال: مأخوذ من الباع، يعني لماذا سمي بيعًا؟ قال مأخوذ من الباع، ما علاقته بالباع؟ المتبايعان يمدان باعهما للأخذ والإعطاء. وقيل إنه مأخوذ من المبايعة؛ لأن كل واحد منهما يبايع صاحبه أن يصافحه عند البيع، ولذلك سمي البيع صفقة.

قال: «وشرعًا مبادلة مال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممر، بمثل أحدهما على التابعي، غير ربا وقرض». هذا تعريف الحجاوي رحمه الله تعالى، وهذا تعريف مطول نوعًا ما، والأصحاب رحمهم الله تعالى بعضهم يختصر وبعضهم يطيل، والذي يطيل يريد أن يكون تعريفه جامعًا مانعًا ويخلو من المحترزات.

وهذا التعريف قريب من تعريف صاحب الوجيز، وقريب من تعريف صاحب الإنصاف. أما صاحب المنتهى فيختلف تعريفه نوعًا ما عن تعريف الحجاوي، لكنه قريب منه وفيه زيادة وفيه نقص. والفتوحي في الكشاف ذكر أن تعريف الحجاوي أجمع من تعريف الفتوحي رحمه الله.

بعضهم كما قلنا يختصر، الذين يختصرون بأن البيع معروف، فيذكرون بشيء يقربه؛ يعني مثلا الموفق رحمه الله يعرفه بأنه مبادلة المال بالمال تملكًا وتمليكًا، هذا يتملك السلع وهذا يتملك الثمن، فهذا تعريف لأجل أنه يوضح فقط، ما هنا هذا التعريف ذكر الصور التي تدخل فيه واحتاج إلى إخراج الربا والقرض مثلا، فهو أحجل أن يحترز عن بعض ما قد يدخل في تعريفه.

قال: «مبادلة مال ولو في الذمة»، قال: «بقول أو مطآة»، هذه صيغة العقد كما سيأتي أنها قولية وفعلية. قال: «المال عين مباحة النفع بلا حاجة»، بإخراج ما يحرم نفعه كالخمر، وما لا يباح نفعه إلا عند الحاجة ككلب الصيد، وما لا يباح نفعه إلا عند الضرورة كالميت، وما لا منفعة فيه أصلًا وهم يمثلون بالحشرات.

قال: «أو منفعة مباحة مطلقًا»، يعني إما أن يبادل مالًا سواء كان هذا المال معينًا أو في الذمة، أو يبادل منفعة مباحة مطلقًا؛ أي هذه المنفعة لا تختص بحال دون حال، بل هي مباحة في جميع الأحوال؛ لإخراج ما يباح نفعه أحيانًا أو ما يباح نفعه في حال دون حال، مثل جلد الميت المدبوغ، فهل يباح نفعه؟ أيوه، جلد الميت المدبوغ يباح استعماله في اليابسات.

فلما كان كذلك قالوا: «إلا ما يباح نفعه مطلقًا»، قال: «كممر»، هذا مثال للمنفعة المباحة، كممر في دار أو غيرها، يعني شخص مثلا طريقه للمسجد بعيد، لكن لو أنه سلك في أرض جاره صار طريقه قريبًا، وجاره لا يأذن له أن يمر من داره أو عقاره، فقال: بعني هذا الممر، فباعه إياه، فهنا باع عليه المنفعة، منفعة المرور.

قال: «بمثل أحدهما متعلق بمبدأ أو منفعة مباحة»، قال: «فتناول تسع صور». تسع صور لا أن إلا أقسام؛ إما أن يكون عينًا أو دينًا أو منفعة، والمقابل، يعني الثمن والمثمن كلاهما إما أن يكون عينًا أو دينًا أو منفعة؛ اضرب ثلاثة في ثلاثة تسعة لك.

قال: تناول تسع صور: «عين بعين»، طبعًا عين بمعنى أنها معينة، فتقول بعتك هذا الكتاب بهذه العشرة، هذا عين بعين. «عين بدين»، الدين يعني غير معين، ليس المراد بالدين القرض، قال: بعتك هذا الكتاب بعشر ريالات، عين بدين؛ العشر ريالات غير معينة، قد تكون في جيبك، قد تكون ستدفعها بالبطاقة، قد تكون ستحضرها من السيارة، قد تكون ستحضرها بعد يوم، فهي ليست معينة، ليس المراد بالدين أنك لن تحضرها هذا اليوم، قد تدفعها في مجلس العقد لكنها لم تعين وقت العقد.

«عين بمنفعة»، قال: اشتريت منك هذا الكتاب و... بتعليمه الشحن، يشحن له رصيدًا، شحن الرصيد ممكن أن نقول إنها دين، ممكن نقول خدمة، أو نقول دين تحتمل هذا وهذا، لكن...

التعليم؛ أنا اشتريت منك هذا الكتاب مقابل أن أعلمك كذا أو أحفظك سورة من القرآن، هذا بيع بمنفعة.

الدين بعين: قلنا الدين يعني غير معين، عنده مثلاً عشر نسخ من الروض المربع، اشتريت منك كتاب الروض المربع بهذه الخمسين ريالاً، قد يعطيك هذه النسخة، هذه النسخة الثانية في نسخة في المستودع؛ هذا بعين، أنت عينت الخمسين ريالاً هذه.

الدين بدين: اشتريت منك الروض المربع بخمسين ريالاً، الخمسين ريالاً قد تكون في جيبه، قد تكون بروح جيبها من السيارة، قد أسحبها من البنك إلى آخره، لكن قال بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق؛ يعني لا بد ما إذا تعاقدت دين بدين لا تتفرق إلا أن يقبض أحد العوضين، لكي لا يدخل في بيع دين بدين المنهي عنه. مثلاً قال: اشتريت منك الروض المربع بخمسين ريالاً، فخلاص فتفرقوا، قال: خلاص جيبها بكره، وأنا بجيبها بكره، تجيب لي الفلوس، فهنا إذا تفرقوا قبل أن يقبض أحد العوضين فلا يصح العقد لأنه بيع دين بدين، لكن لو قبض أحد العوضين في المجلس خرجوا من هذا المحذوف.

الدين بمنفعة: قال اشتريت منك كتاب الروض المربع بخمسين ريالاً بأن أعلمك كذا، طيب منفعة؟ بيع بمنفعة، بعت عليك المرور بداري مقابل هذا الكتاب أو نحوه منفعة؛ دين بمنفعة، المرور مقابل مثلاً خمسين ألفاً تسلمها بعد سنة أو خمسين ألفاً يسلمها الآن، ما في إشكال، بس ما عين المنفعة؛ بمنفعة ممر بالتعليم.

البهوتي رحمه الله في حاشية الإقناع يقول: هل يختص بيع المنافع بمنافع العقار في الصور التي ذكروها في الصلح لدعاء الحاجة إليها، كما هو ظاهر قصرهم عليها هناك، أو يعم كل منفعة لإطلاق هنا؟ وإنما مثلوا بتلك لكثرة وقوعها. لم أرَ من تعرض له بيع المنافع أن تكون في منافع العقار أو كل المنافع، نعم في العقار ما في إشكال، لكن هل يشمل حتى بيع المنافع بغير العقار أو لا؟ أقول لم أرَ من تعرض له.

نقل ابن فيروز وقال: مقتضى القاعدة ما ذكره أولاً، وهي أن المطلق يحمل على المقيد ولا يعدل عنها إلا بتثبت، فابن فيروز يرى أنها خاصة بمنافع العقار. نعم، هم قالوا إنهم هنا أطلقوا، وهناك في الصلح قيدوا منافع العقار، فكأنها تلك مقيدة للإطلاق الذي هنا.

قال شيخنا رحمه الله في حاشيته، أقول: كلام الشيخ منصور في حاشيته يدل على عمومها لمنفعة العقار وغيره؛ حيث قال في جلد الميتة المدبوغ فلا يباع، لا هو ولا نفعه، ونفعه هنا نفع جلد الميتة المدبوغ لأنه لا ينتفع به مطلقاً بل في اليابسات، ودل على أنه يشمل كل منفعة. الشيخ منصور في موضع آخر من حاشية الإقناع قال في جلد الميتة المدبوغ فلا يباع لا هو ولا نفعه لأنه لا ينتفع به مطلقاً، ما قال لأنه المنافع خاصة بالعقار، قال لا ينتفع به مطلقاً بل في اليابسات.

وقوله "على التأبيد" يخرج الإجارة، لأنها مؤقتة، وهذا هو الفرق بينها وبين بيع المنفعة؛ بيع المنفعة على التأبيد، أما الإجارة فهي بيع منفعة لكنه مؤقت.

غير الربا والقرض، قال: فلا يسميان بيعاً وإن وجدت فيهما المبادلة، وإنما لم يسمَّ الربا بيعاً لأن الله عز وجل مايز بينه وبين البيع، قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. ولماذا لم يسمى القرض بيعاً وهم يبذلون مالاً بالمال؟ قال: المقصود الأعظم في القرض الإرفاق، وإن قصد فيه التملك، لكن لننظر، المقصود الأعظم هو الإرفاق، وأما البيع فالمقصود الأعظم فيه المتاجرة، المتاجر وليس الإرفاق والمعاوضة.