قال رحمه الله: «وينعقد البيع بإيجاب وقبول بفتح القاف وحكي ضمها، بعده أي بعد الإيجاب؛ فيقول البائع: بعتك أو ملكتك أو نحوه بكذا، ويقول المشتري: قبلت أو نحوه». ويصح القبول أيضًا قبله، أي قبل الإيجاب، بلفظ أمر أو ماضٍ مجرد عن استفهام ونحوه؛ لأن المعنى حاصل به.
ويصح القبول متراخيًا عنه، أي عن الإيجاب، ما دام في مجلسه؛ لأن حال المجلس كحالة العقد، فإن تشاغلا بما يقطعه عرفًا، أو انقضى المجلس قبل القبول بطل؛ لأنهما صارا معرضين عن البيع، وإن خالف القبول الإيجاب لم ينعقد. وهي -أي الصورة المذكورة، أي الإيجاب والقبول- الصيغة القولية للبيع، وينعقد أيضًا بالمعاطاة، وهي الصيغة الفعلية؛ مثل أن يقول: «أعطني بهذا خبزًا»، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول البائع: «خذ هذا بدرهم»، فيأخذ المشتري أو يضع ثمنه عادة ويأخذه عقبه؛ فتقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول للدلالة على الرضا؛ لعدم التعبد فيه، وكذا حكم الهبة والهدية والصدقة، ولا بأس بذوق المبيع حال الشراء.
هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى بما ينعقد البيع، قال: «ينعقد البيع بإيجاب وقبول». عندنا البيع له أركان ثلاثة: العاقدان، والصيغة، والمعقود عليه؛ فالعاقدان: البائع والمشتري، والصيغة، والمعقود عليه وهو الثمن والمثمن. فالبيع لابد له من صيغة، والصيغة إما قولية أو فعلية. والصيغة القولية قول من البائع وقول من المشتري، فالقول من البائع يسمى إيجابًا، والقول من المشتري يسمى قبولًا.
قال: «ينعقد البيع بإيجاب وقبول بفتح القاف وحكي ضمها». قبولٌ بعده لابد أن يكون الإيجاب سابقًا للقبول، هذا الأصل. وإذا تولى الشخص طرفي العقد فإنه ينعقد؛ كيف يكون ذلك؟ يكون وكيلاً عن البائع والمشتري، أو يكون هو البائع ووكله المشتري بالشراء منه، يعني هو البائع أصيلًا ووكله المشتري بالشراء منه، فهنا ينعقد البيع بإيجاب كما ذكره الخلوتي رحمه الله في حاشية المنتهى.
فيقول: «بعتك» أو «ملكتك» أو نحوه، ولا توجد ألفاظ خاصة بالبيع لا ينعقد بغيرها، فالألفاظ ليست منحصرة في لفظ بعينه، بل كل ما أدى معنى البيع، لكن هناك ألفاظ اختلف الأصحاب رحمهم الله تعالى هل ينعقد بها البيع أو لا؛ مثل لفظ السلم: «أسلمت إليك»، فهل لو قال: «سلمت إليك هذا البيت» وكذا -يعني بيع ليس سلمًا- فهل ينعقد أو لا؟ خلاف بين الأصحاب، لكن الأصل أن كل بيع وكل لفظ فهم منه المبايعة والشراء فإنه ينعقد به البيع، وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمه الله تعالى.
وهذا أحد ضربي البيع، وهي الصيغة القولية؛ فينعقد البيع بالإيجاب والقبول لأنه صريح فيه، لأن الإيجاب والقبول صريحان في العقد أو في إرادة العقد، فانعقد به كسائر الصرف، فينعقد البيع بكل قول يدل عليه لدلالته على المقصود.
هنا قلنا إن الأصل أن يتقدم الإيجاب على القبول، لو تقدم القبول على الإيجاب فهل يصح أو لا يصح؟ يقول: «ويصح القبول أيضًا قبله»، أي قبل الإيجاب، لكن بشرط أن يكون بلفظ أمر أو ماضٍ مجرد عن الاستفهام ونحوه. بلفظ أمر، يعني: «هذا القلم بكذا»، فيقول: «بعتك»، فهنا ينعقد؛ لأنه ماضٍ مجرد عن استفهام.
فلو كان الماضي مقترنًا بالاستفهام: «تبيع؟»، فهذا فيه استفهام، وكذلك لو كان مضارعًا: «تبيعني بكذا؟»، فقال: «بعتك»، فهنا وكذلك نحوه من الاستفهام كالترجي والتمني: «لعلك تبعني»، «ليتك تبعني»، فهنا يقولون لا ينعقد بذلك إذا تقدم القبول على الإيجاب؛ لأنه ينعقد إذا تقدم بلفظ الطلب، اللي هو الأمر، أو بلفظ الماضي مجردًا عن الاستفهام، قالوا: لأن المعنى حاصل به، اللي هو الدلالة على الرضا من الطرفين.
لكن إذا تقدم بلفظ استفهام فإنه لا يصح. يمثل عليه: إذا قال: «تبيعني هذا الكتاب بـ 20 ريالًا؟»، فقال: «نعم»، فإذا قال: «قبلت» صح؛ لأن هنا أعاد القبول فصار الإيجاب متقدمًا على القبول. لكن إذا سكت، فإما أن يسكت ويوجد منه ما يدل على الرضا من المعاطاة، يعني قال: «تبيع هذا الكتاب بـ 20 ريالًا؟»، قال: «بعتك هذا الكتاب بـ 20 ريالًا»، ثم طلع 20 ريالًا وأخذ الكتاب، فهل يصح؟ يصح؛ لأنه بالمعاطاة صار بيعًا، والمعاطاة تكون أحيانًا لا يكون الكلام منهما جميعًا، أو يكون الكلام من أحدهما والآخر فعله، فهنا بيع معاطاة.
لكن متى لا يصح؟ إذا لم يصرح بالقبول ولا وجد منه ما يدل على الرضا. قال: «تبيعني هذا الكتاب بـ 20 ريالًا؟»، قال: «نعم»، ثم سكت وخرج، فهل نقول انعقد البيع بذلك؟ لا، هذه محل المسألة: هل ينعقد البيع بذلك أو لا؟ يقول الموفق رحمه الله: «فإن كان بلفظ استفهام لم يصح بحال»، نص عليه أحمد، وذكر الموفق أنه لا يعلم فيه خلافًا؛ لأن ذلك ليس بقبول ولا استدعاء.
هنا الإيجاب والقبول لابد أن يتقدم الإيجاب على القبول، والأمر الثاني أن يكون الإيجاب والقبول في المجلس؛ لذلك قال: «ويصح القبول متراخيًا عنه»، أي عن الإيجاب، ما دام في مجلسه؛ لأن حال المجلس كحالة العقد. يعني قال: «بعتك هذا الكتاب بـ 50 ريالًا»، ولم يقل مباشرة «قبلت»، بل جلس يناقشه أو يماكس ثم في النهاية قال: «قبلت»، فهنا نقول إذا تراخى لكنه قبل في المجلس فإنه يصح.
لابد أن يكون في المجلس؛ لأن حال المجلس كحالة العقد، بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه لما يشترط قبضه. يعني مثلاً سيأتينا في السلم أنه لابد من قبض رأس المال في المجلس؛ قال: «أسلمت إليك 1000 ريال في 100 كيلو من البر تسلمني إياها بعد سنة»، الـ 1000 ريال لازم أن يسلمها في المجلس. لو سلمها في المجلس لكن ليس بعد الكلام مباشرة، ولكنهم لم يتفرقوا عن المجلس، فهنا يقولون ما في إشكال، حال المجلس كحالة العقد، فما دام في المجلس فإن العقد يكون ممتدًا.
هذا إذا كان حاضرًا، أما إذا كان غائبًا عن المجلس فكاتب أو راسله، ثم لما بلغه الخبر قال: «قبلت»، فهل يصح أو لا يصح؟ كتب إليه: «أريد أن أبيع عليك سيارتي بكذا وكذا»، وأرسل...
هذه الرسالة مع شخص، ثم قام البائع عن مجلسه والرسالة لم تصل إلى ذلك الشخص، فلما وصلت الرسالة لذلك الشخص قال: قبلت، فهل يصح قبوله أو نقول لا تفرقوا عن المجلس؟
لا، أرسل إليه ليس معه في المجلس. أين المرسل؟ راح تفرق عن البائع، لكن نفس البائع أيضًا قام من مجلسه، يأخذ حكم المجلس؛ هذه نص عليها في الإقناع. قال: «وإن كان غائبًا عن المجلس فكتبه أو راسله: إني بعتك أو بعت فلانًا داري بكذا، فلما بلغ الخبر قبل، صح». قال في الكشاف: «لأن التراخي مع غيبة المشتري لا يدل على إعراضه عن الإجابة، بخلاف ما لو كان حاضرًا».
والشيخ عبد الله بطين رحمه الله ذكر أن في بعض كتب الشافعية: لو كتب إلى غائب بالبيع، فقبل بمجرد اطلاعها الكتاب، صح؛ لأن الإجابة إنما تتم بوصول الكتاب، وما دام في مجلس القبول فالخيار له ثابت. ويمتد خيار الكاتب أيضًا إلى انقطاع خيار المكتوب إليه، حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مغادرة المكتوب إليه مجلسه، صح الرجوع ولم ينعقد البيع، وهذا موافق لما في الإقناع.
وصاحب الغاية وافق صاحب الإقناع على ذلك، لكن في الكشاف ذكر أن ظاهر كلام أكثر الأصحاب خلافه؛ ظاهر كلام أكثر الأصحاب أنه لا بد أن يكون القول في المجلس ولا يصح هنا. قال: «فإنهم اعتبروا في القبول أن يكون عقب الإيجاب»، ثم ذكروا حكم التراخي على ما ذكره في التفصيل في المجلس فقط، وحكوا رواية أبي طالب في النكاح مقابلة لما قدموه.
رواية أبي طالب في النكاح أنه إذا قال الإمام أحمد رحمه الله -سئل عن رجل قال: زوجت بنتي فلانًا، فذهب الشهود إلى الزوج وقالوا: إن فلانًا يذكر أنه زوجك ابنته، فقال: قبلت- فالإمام أحمد رحمه الله أجاز ذلك. الأصحاب يذكرونها رواية أخرى، فدل على أنهم يرون أن الصحيح من المذهب خلافه، وأنها لا تقبل بالكتابة والمراسلة.
الشرط الثالث من شروط الصيغة: إذا كان الشرط الأول أن يكون الترتيب، أي أن يكون الإيجاب ثم القبول إلا فيما استثني، والشرط الثاني أن يكون في المجلس، فالشرط الثالث أن لا يتشاغل؛ قال: «فإن تشاغل بما يقطعه عرفًا أو أن انقضى المجلس قبل القبول بطل؛ لأنهما صارا معرضين عن البيع». يعني هو في المجلس، قال: تبيع؟ قال: بعتك سيارتي بـ 500، فقال: ما شاء الله! أنت جئت في مكة وقاعد تصلي في مكة هنا، تشاغل الطرفان عن إتمام البيع، ثم بعد ذلك قال: قبلت، فهنا لا يقبل؛ لأنه تشاغل، فصار وجود الإيجاب كعدمه. قال: «ولأن العقد إنما يتم بالقبول لم يتم مع تباعدهم».
الاستثناء: إذا فصل بين المستثنى والمستثنى منه كلام أجنبي فإنه لا ينفع الاستثناء، قالوا مثله القبول؛ إذا فصل بين الإيجاب كلام أجنبي فإنه لا ينفع، حتى لو تعمد الفصل ما دام أنهما أعرضا عن إتمام البيع، والمقصود مثل ما قلناه سابقًا: لو قال "قبلت" ثم أعطاه السيارة، خلاص تمت بالمعاطاة. قال: «وإن انقضى المجلس قبل القبول بطل»، هنا لأنه اختل الشرط الثاني الذي هو أن يكون في المجلس.
قال: «وإن خالف القبول الإيجاب لم ينعقد»، وهذا الشرط الرابع: أن يكونا متوافقين، فإذا خالف القبول الإيجاب لم ينعقد، سواء خالفه في القدر، قال: «بعتك هذا القلم بعشرة»، فقال: «اشتريته بخمسة»، فهنا لا يصح؛ لأن هذه ليست موافقة على إتمام البيع. أو خالفه في النقد، قال: «بعتك هذا الكتاب بعشرة دراهم بدنانير»، قال: «قبلت شراءه بعشر دراهم»، فهنا لا يصح الاختلاف. أو في الصفة، قال: «بعتك هذه بدرهم»، وهم يمثلون بالمكسرة والصحيحة؛ دراهم مكسرة أو دراهم صحيحة، فقال: «اشتريت دراهم مكسرة». أو بالحلول والأجل، قال: «بعتك بحال»، قال: «اشتريتها منك بألف مؤجلة»، فهنا كله لا ينعقد للمخالفة بين القبول والإيجاب، وهذا إذا خالفه في المعنى.
لكن إذا كانت المخالفة في اللفظ دون المعنى فإنه يصح، كما لو قال مثلا: «بعتك في مئة دولار»، فقال: «عشرة دولارات تساوي مثلاً 37 ريالاً ونصفًا»، قال: «اشتريتها منك بـ 37 ريالاً ونصفًا تماثلها في القيمة»، فهنا يصح.
والصورة المذكورة: الإيجاب والقبول هي الصيغة القولية، وينعقد أيضًا بالمعاطاة وهي الصيغة الفعلية. هل الإيجاب والقبول خاص بالصيغة القولية أو حتى الصيغة الفعلية؟ يسمى الفعل من البائع إيجابًا والفعل من المشتري قبولًا، يقوم مقامها، لكن هل يسمى حقيقة؟ هو خلاف بين الأصحاب في التسمية أو في الاصطلاح؛ هل يسمى أم لا يسمى؟
فمثلاً الموفق رحمه الله وتبعه جماعة من الأصحاب أن المعاطاة ليست صيغة فعلية، أي أن الفعل في المعاطاة لا يسمى إيجابًا وقبولًا، والإيجاب والقبول خاص بالصيغة الفعلية، لذلك يقول هنا: المعاطاة تقوم مقام الإيجاب والقبول. شيخ الإسلام رحمه الله يرى أنها تسمى الصيغة الفعلية، وتسمى إيجابًا وقبولًا، يقول: لأن إيجاب الشيء جعله واجبًا، وقبول ذلك التزامه. ويقول: عبارة أصحابنا وغيرهم من أن المعاطاة ونحوها ليست من الإيجاب والقبول، يقول: هذا تخصيص عرفي؛ فهي في اللغة تسمى إيجابًا وقبولًا، لكن هم خصصوها عرفًا، فخصصوا الإيجاب والقبول بالصيغة اللفظية والقولية، وجعلوا الصيغة الفعلية مضيًا، فلم يسموها إيجابًا وقبولًا، فهي اصطلاح. لكن يقول الشيخ رحمه الله: هو اصطلاح موافق للغة؛ لأن في اللغة يسمى هذا إيجابًا وقبولًا، وكلام المتقدمين أن الأفضل الإيجاب والقبول، ويشتمل على صور العقد قولية أو فعلية.
وكلامه في شرح المحرر، كلام شيخ الإسلام رحمه الله في شرح المحرر هو شرح جزء من المحرر لجده رحمه الله، ونقل كثيرًا من كلامه ابن مفلح في النكت على المحرر، وأيضًا ابن قندس في حاشية الفروع وحاشية المحرر رحمه الله.
قال: الصيغة الفعلية وينعقد أيضًا بالمعاطاة. ثم ذكر لك ثلاثة أمثلة، وبهوتي رحمه الله إذا أكثر الأمثلة دقق فيه ترى كل مثال أشير به إلى صورة. انظر المثال الأول: يقول "أعطني بهذا خبزًا فيعطيه ما يرضيه"، هنا القول من المشتري والفعل من البائع. الثانية: يقول البائع "خذ هذا بدرهم فيأخذ المشتري"، القول هنا من البائع والفعل من المشتري. المثال الثالث: "وضع ثمنه عادة وأخذه عقبه"، هذا فعل من الاثنين، فهو مثل للصيغة الفعلية بثلاثة أمثلة، كل مثال لصورة.
فهو يقول لك ترى الصيغة الفعلية، سواء كان هناك قول من أحدهما من البائع أو من المشتري، أو كان لا يوجد قول وكلاهما فعل، فكلها صيغة فعلية، ويجوز العقد ويصح العقد بها. نص الإمام أحمد رحمه الله على صحته فيمن قال لخباذه: «الخبز كذا بدرهم؟ قال: زنه وتصدق به، فإذا وزنه فهو عليه». وإنما صحت البيع بالصيغة الفعلية لأن الله عز وجل أحل البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرغ؛ فكل شيء أتى بدون تحديد من نصوص الكتاب والسنة فيرجع فيه إلى العرف.
كما قال شيخنا رحمه الله في منظومته: وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع ... فبالعرف أُحدد
وقال موفق رحمه الله في تتمة كلامه: «والمسلمون في أسواقهم وبياع على ذلك»، على أنهم يتبايعون بدون ألفاظ محددة، وقد يكونون يتبايعون بالمعاطاة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوه لنقل نقلاً شائعاً.
وهنا قال: «أعطني بهذا خبزاً فيعطيه»، «خذ هذا بدرهم فيأخذ فيه». وهنا تعقيب، فبعضهم قال: «التراخي في المعاطاة يبطل البيع»، بخلاف الصيغة القولية؛ فالصيغة القولية يتسامح في التراخي ما دام في المجلس ولم يتشاغل بما يقطعه، لكن الصيغة الفعلية يشترطون فيها التعقيب. وهذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في شرح المحرر، وتبعه من بعده صاحب الإقناع والمنتهى، كلهم نصوا على هذا، وشيخ الإسلام هو الذي لم ينص عليه من قبله نصاً صريحاً، فنقلوا عنه في شرح المحرر نقله عن ابن قندس في حاشية الفروع، وتابعه في الإقناع والمنتهى.
قوله: «أو وضع ثمنه عادة وأخذه عقبه». يعني جاء إلى محل الخباز ووجده خبزاً، فأخذ خبزتين ولم يقل للبائع بكم، فأخذ خبزتين ووضع ريالين مثلاً، فهنا قال: «أو وضع ثمنه عادة»، أي ثمنه المعلوم أنه ثمنه عادة، «وأخذه عقبه»، يعني جاء هذا البائع وأخذه مباشرة. وبعض الأصحاب يشترطون أن يأخذه عقداً، لذلك بعضهم -مثل صاحب المبدع- قال ظاهره: «ولو لم يكن المالك حاضراً»، يعني أنه حتى لو تراخى فإنه يصح.
طيب، لو وضع ثمنه ثم ضاع هذا الثمن قبل أن يأخذه البائع، فهل الضمان هنا على المشتري أو على البائع؟ يعني أخذ خبزتين ووضع ريالين، ثم قبل أن يأخذ البائع جاء سارق وسرق الريالين؛ فهل نقول للمشتري: أنت خلاص ما سددت وما وصلت الريال للبائع فادفع مرة أخرى؟ أو نقول للبائع: أنت الذي ما أخذت، والمشتري أدى ما عليه فالضمان عليك؟ أي لا يطالب المشتري بل يطالب السارق. اختلف الخلوتي وابن قائد في هذا، فالخلوتي عليه.
قال: «وهذا يعني الخلوتي رحمه الله جيد في حاشيته أنه يربط لك بين الأبواب، فيذكر مسألة مثلاً في الصوم ويربطها بمسألة في البيوع، أو يذكر مسألة في البيوع ويربطها بمسألة في الشهادات أو في القضاء أو في الطلاق». ونعم، هنا قال: «لكن يشكل على ذلك ما سيأتي في باب تعليق الطلاق بالشروط، أنه لو قال له: إن أعطيتني كذا فأنت طالق، إنها لا تطلق إلا إذا وضعته بين يديه مع تمكنه من أخذه، ولم يجعلوا وضعه ولو غائباً معاطاة».
لكن قال: «وقد يفرق بين البابين، الطلاق والبيع، بأنه لا يبطل العصمة المحققة إلا أمر محقق». يعني عندنا في الطلاق هي في عصمة زوجها، هذه عصمة محققة، فلا يطلع الأمر محقق. هو قال: «إن أعطيتني كذا فأنت طالق»، فمجرد وضعها للمال هنا لا ينقلها من عصمة زوجها إلى الطلاق، بخلاف البيع؛ قال: «بخلاف البيع فإنه مما يتسامح فيه غالباً». أما الشيخ ابن قائد رحمه الله ذكر أنه من ضمان المشتري لأن البائع لم يقبض. والعنجري رحمه الله لما نقل كلام ابن قائد استظهر كلام ابن قائد. وأما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فإنه استظهر كلام الخلوتي، قال يقول: «بل الأظهر»، تعليقاً على كلام العنجري في استظهاره لكلام ابن قائد، يقول: «أقول بل الأظهر قول الخلوتي إذا كان البائع قد أعد مكاناً لوضع الأثمان، لو وضع مثلاً علبة: يلا ضعوا أموالكم فيها، ووضع هذا ماله فيها ثم أخذ هذا المثمن». والشيخ يتكلم عن الأظهر على قواعد الأصحاب.
هنا قال: «فتقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول»، هذا كما قلنا لكم قبل قليل إنهم قالوا إنها ليست إيجاباً وقبولاً، إنما تقوم مقام الدلالة على الرضا، فإعطاءه وأخذه يدلان على الرضا لعدم التعبد فيه؛ يعني أن البيع ليس فيه صيغة يتعبد فيها بـ «بعت واشتريت»، بل بأي صيغة دلت على البيع والشراء.
قال: «وكذا حكم الهبة والهدية والصدقة في أنه لا يلزم لكل منها صيغة قولية، بل يجوز أن تكون بالمعاطاة». فلو أعطى واحد قلماً لآخر، فإن هذه على فهم أنها هبة فإنها تصح بذلك، لا يلزم أن يقول: «وهبتك». وكذلك في الهدية وكذلك في الصدقة. الشافعية رحمهم الله تعالى يشددون في الصياغ، ولذلك الأصل أن البيع بالصيغة الفعلية لا يصح عندهم، وكذلك في الصدقة والهدية. لذلك يذكر في سيرة الإمام النووي رحمه الله أنه سرق سارق عمامته فلحقه الإمام النووي وهو يهرب، فالإمام النووي رحمه الله قال: «وهبتك»، قل: «قبلت»، قل: «قبلت». أما المذهب الشافعي رحمه الله فلا بد فيها من إيجاب وقبول، فهو الآن: «وهب»، وهذا ما قبل، فما صح.
طيب، ما الفرق بين الهبة والهدية؟ الهبة قالوا: ما لم يقصد به سوى الإعطاء فقط. أما الهدية فلا قصد بها إلا الإكرام والتودد، هذه هدية. الهبة لا يلزم يقصد بها الإكرام والتودد. أما الصدقة فهي ما قصد به الثواب.
الآخرة، قال: «لا بأس بذوق المبيع». حال الشراء حال الشراء، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في أحد أجوبته، وسئل عنه مرة أخرى فقال: «لا أدري إلا أن يستأذن». ولذلك ذكر في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله؛ أنه لا بد من الإذن، والرواية الأخرى أنه مطلق أن يذوق للتجربة، إذا أراد أن يشتري عنباً مثلاً نحو ذلك، فهل لا بد أن يستأذن أو لا؟ يلزم؛ قلنا فيها الروايتان، وصاحب الإقناع قال قيده بالاستئذان، والحجاوي قيده بالاستئذان.
يقول أحياناً البائع يعطي الأطفال الصغار زيادة على ما اشتراه أبوهم أو والدتهم، فهل نقبل أو نسأل هل أنت مصرح لك في ذلك أو لا؟ يظهر الله أعلم أن هذا مما يتسامح فيه، هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه، إلا إذا علمنا يقيناً أن مثلاً صاحب المحل هذا دقيق جداً ولا يسمح، لكن الأصل في مثل هذا أنها يتسامح فيها.
قال في الإنصاف: نص عليه لقول ابن عباس رضي الله عنه. ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة في كتاب الصيام؛ في رواية عن أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: «لا بأس أن يذوق الصائم الخل والشيء الذي يريد شراءه ما لم يدخل حلقه».
نقف على هذا، إذا قلنا إن هذا أثر ابن عباس فهو دليل على ما هو أعم، والذوق للصائم، لكن إذا ذاق الصائم فالمفطر من باب، لا، هو ممنوع، لا، هنا لا بأس بذوق المبيع إن شاء الله، ليس أي شيء. قال: قالت الإنصاف نص عليه لقول ابن عباس، نص عليه لقول ابن عباس لا الاستئذان. الإمام أحمد قال: «لا أدري إلا أن يستأذن».
سأتينا إن شاء الله في خير المجلس المقصود بالمجلس؛ فإذا اتصل شخص على آخر وقال: بعت عليك كذا، قال: اشتريت، خلاص، انتهى الاتصال. الشراء من المواقع الإلكترونية هل ينزل على الصيغة الفعلية أو الصيغة القولية؟ فيها كتابة، وفيها فعل، الكتابة هل هي قول أو فعل؟ ليست فعلاً، تجمع الاثنين، إذا قلنا الكتابة قول وكلاهما كتب، إذا قلنا الكتابة فعل فنعم، فهمهما. الأصحاب نصوا على الكتابة في باب الوكالة أنها فعل.
هذا يقول: ممكن تذكر من ذكر الفرق بين الهبة والهدية؟ أنا نقلتها من كلام الشيخ بن عثيمين رحمه الله في حاشيته على الروض، لكن ممكن أن يكون مثل الصاحب المطلع قد يكون نقلها، ممكن يذكرون هم حقيقة في باب الهبة. الكلام على الفروق بين هذه الألفاظ، وهناك المراجع اللغوية التي تذكر فروقاً بين الألفاظ المتشابهة، الكتب المسمى بكتب فقه اللغة، فقه اللغة هي التي تذكر الفروق بين الكلمات المتقاربة.
قلنا الفروقات بين الهبة والهدية: الهدية هي إعطاء من يقصد به المحبة والتودد، وتكون من الأعلى للأدنى والعكس. الهبة يقصد بها النفع، وغالباً ما تكون من الأعلى للأدنى، كهبة الأب إلى ابنه.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان