بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أما بعد، فقد ابتدأنا في الدرس الماضي في أول كتاب البيع، وذكرنا المقدمة في فقه المعاملات المالية، وعلقنا على ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من تعريف البيع وصوره وصيغه. وله صيغتان: قولية وفعلية. والقولية فيها إيجاب وقبول؛ الإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع، والقبول هو اللفظ الصادر من المشتري. وأيهما يكون أولاً؟ الإيجاب؛ فإن تقدم القبول فهل يصح؟ يصح في حالين، وهما لفظ الأمر ولفظ الماضي المجرد عن الاستفهام.
ذكرنا في الدرس الماضي أيضًا أركان العقد: العاقدان، والصيغة، والمعقود عليه. العاقدان هما البائع والمشتري، والصيغة هي الإيجاب والقبول، والمعقود عليه هو المبيع والثمن. أما الشروط التي سنأخذها، فبعضها يعود إلى العاقدين وبعضها يعود إلى المعقود عليه. أما شروط الصيغة، فيذكرون فيها أن يكون الإيجاب متقدمًا وأن يكون في المجلس إلى آخره. أما الشروط المتعلقة بالعاقدين أو بالمعقود عليه، فإنهم يذكرونها ضمن الشروط التي سيذكرها المؤلف.
يقول المؤلف: شروط سبعة، لكي تضبطها، ثلاث منها تتعلق بالعاقدين، وهي: الأول الرضا، والثاني أن يكون جاهز التصرف، والرابع الملك؛ أن يكون مالكًا. فهذه الشروط الثلاثة عائدة للعاقدين. أما الشروط الأربعة الباقية فهي عائدة للمعقود عليه، وهي: أن يكون المبيع مالًا يباح الانتفاع به من غير حاجة، وأن يكون مقدورًا على تسليمه، وأن يكون معلومًا، والثمن معلوم، والمبيع معلوم.
صاحب الزاد ذكر سبعة شروط، لكنه دمج الشرطين السادس والسابع في شرط واحد، فعبّر عنهما بأن يكون المعقود عليه معلومًا، أي المبيع والثمن، وذكر شرطًا سابعًا وهو أن يكون البيع منجزًا، أي غير معلق. وهذا يعني أن صاحب الزاد ذكره لكن لم يذكره في الشروط الفاسخة، بل في الشروط.
نعم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين. للبيع سبعة شروط، أحدها التراضي منهما، أي من المتعاقدين؛ فلا يصح البيع من مكره بلا حق، بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما البيع عن تراض»، رواه ابن حبان. فإن أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه صح، لأنه حُمِل عليه بحق.
وإن أُكره على وزن مال، فباع ملكه، كُره الشراء منه وصح. هذا الشرط الأول من شروط صحة البيع أن يكون عن تراضٍ منهما، أي من المتعاقدين، فلا يصح البيع من مكره بلا حق، واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: «إنما البيع عن تراض»، ومن القرآن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. فإن أُكره على بيع غير واجب عليه، فإنه لا يصح البيع لعدم الرضا.
ذكروا أيضًا أنه اشترط الرضا لأن حق كل واحد من المتعاقدين متعلق بماله، فلم يجز إزالة ملكه عنه بغير رضاه؛ فأنت أيها المشتري متعلق حقك في مالك، والبائع حقه في السلعة التي سيبيع، فلا يجوز إزالة هذا الحق عن أحد المتعاقدين إلا برضاه. والآن سيذكر لك مفهوم المخالفة لقوله «بلا حق»؛ إذ قال: فلا يصح البيع من مكره بلا حق، فإذا كان الإكراه بحق، فمفهوم أنه يصح.
مثاله ما ذكره هنا: أن أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، وهذا موجود في المحاكم وفي قضاء التنفيذ؛ فإذا لم يسدد المدين ما عليه ولم يجد في حسابه ما يغطي هذا الدين، فإنه يلجأ إلى ما يملك، لو كان له عقار فائض عن حاجته، فإنه يقوم ببيعه. تجد اللوحات في الطرقات للبيع بالمزاد العلني، فبعضها بهذا الطريق، وهذا بيع بإكراه لكنه صحيح؛ لأنه حُمِل عليه بحق، أي إلزام له بقضاء واجب عليه.
وقياسًا على إسلام المرتد؛ الآن لو ارتد شخص فقيل له: إما أن ترجع إلى الإسلام وإلا سنقطع رأسك، فإذا تاب ورجع إلى الإسلام، فهل يصح؟ نحن نتكلم في الظاهر، هل يصح ويرتفع حكم القتل الذي هو حد الردة؟ نعم يصح، لأن هذا إكراه بحق، فقالوا مثله أكراه المدين.
ثم تكلم المؤلف رحمه الله في المسألة الأخيرة عن الإكراه غير المباشر؛ قال: إن أُكره على وزن مال فباع ملكه، كُره الشراء منه وصح. مثل أن يكون هناك شخص أسير، فقيل له: نفك أسرك إذا دفعت لنا كذا وكذا مبلغًا من المال، وليس عنده هذا المبلغ الآن، لكن عنده سلعة يستطيع أن يبيعها فيحصل له هذا المبلغ، فباع هذه السلعة، وما أُكره على بيع السلعة ذاتها، لكنه أُكره على دفع المبلغ، فهنا هل يصح البيع أو لا يصح؟
يقول المؤلف: كُره الشراء منه وصح؛ لأن هذا بيع المضطر، فيكره الشراء منه، وجاء في الحديث النهي عن بيع المضطر. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه يصح من غير كراهة؛ لأن الناس لو امتنعوا من الشراء منه كان أشد ضررًا عليه، فهو مجبر على دفع هذا المال وأراد أن يبيع سلعته، فلو امتنع الناس عن الشراء منه لصار أشد ضررًا عليه. وكونه يبيع وهو لا يريد البيع أهون من كونه لا يسدد، والمسألة في مثل أسير؛ أهو أهون من أن يبقى أسيرًا عند الكفار؟
ومن البيوع التي لا يتحقق فيها شرط الرضا، بيع التلج؛ وهو أن يخاف شخص من سلطان أن يأخذ ماله، فيبيع ماله بيعًا صوريًا على شخص.
آخر يبيع ماله بيعًا صوريًا على شخص آخر ولا يريد البيع الحقيقي، ويريد أن يهرب من تسلط هذا الظالم عليه، فهنا هذا البيع ليس صحيحًا؛ لماذا؟ لتخلف شرط الرضا.
بيع الهازل: شخص عنده سيارة جديدة، فجاء واحد يبارك له، قال: أبيعها عليك بـ 10000؟ قالها مازحًا، فقال: قبلت. الآن جاء إيجاب وقبول، فهل يصح؟ لا يصح؛ لماذا؟ لعدم الرضا، فرضا هو صحيح تكلم به، لكنه لم يرضَ به حقيقة.
إذا اختلف البائع والمشتري في الهزل، فقال البائع مازحًا، وقال المشتري: لا، إنما بعتني جادًا، فمن يقدم قوله؟ القول قول البائع إن لم تكن هناك قرينة. المثال السابق، السلعة بيد البائع وقال: بعتك هذه بـ 3000 ريال، قال: قبلت، ثم قال: لا، إنما قلتها على 6000 ريال مازحًا، الأصل مع البائع لأنها في يده.
هم ما اختلفوا في الثمن، كلاهما قال ريال، ما قال هذا: أنت قلت لي بـ 5000، لا، كلاهما اتفقوا على أنه قالها بـ 10000 ريال. القول قول البائع لأنه صاحب المال، هل هو هازل أو جاد؟ القول قول واحد.
أعكس المثال؛ القول لمن يدعي أنه جاد، لماذا؟ لأن الأصل أن من يدعي الهزل يدعي فساد البيع، ومن يدعي الجدية يدعي صحة البيع، وإذا اختلف الطرفان فيما يصحح العقد أو يفسده فالقول قول مدعي الصحة، لكن طبعًا مع يمينه.
لكن إن وجدت قرينة، مثل هذه المسألة: البائع مثّل قيمة السيارة 8000 وقال: بعتك بـ 3000، وجدت قرينة على أنه هازل، فهنا نقول خلاص قولك يقدم. لكن لو لم توجد قرينة، يعني مثلاً الثمن الذي طرحه قريب من قيمة السلعة في الأصل وقال: لا، أنا أمزح، فهنا نقول لا يقدم القول، القول قول مدعي الصحة.
قد أعكس المثال مثلاً؛ قال: أبيعك السيارة، قال: خلاص بعت عليك، في قيمة السيارة 8000، قال: قبلت، ثم قال: لا، أنا قلتها مزحًا. فلا يلزم أن يكون الهازل هو البائع، قد يكون الهازل هو المشتري وقد يكون الهازل هو البائع، فالقول إذاً قول مدعي الصحة، الذي هو من يدعي أنه جاد، إلا إذا وجدت قرينة على الهزل.
طبعًا كل من قلنا القول قوله فيكون مع يمينه، هذه القاعدة: الأصل أن كل من قيل القول قوله فإنه مع يمينه. استثنى الفقهاء مسائل مستثناة، لكن القاعدة العامة أن كل من قيل القول قوله فإنه مع يمينه.
مر علينا مسائل يقبل فيها قوله بلا يمين، مثل في الزكاة، وفي العبادات عمومًا، يقول لا يحلف فيها؛ مثل لو قال: أنا فقير، أو جاءه الساعي وقال: قد دفعت الزكاة، فهنا لا يلزم أن يحلف اليمين في ذلك.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان