بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد:
فلما أهنينا الكلام على أحكام العبادات من أركان الإسلام العملية، وصلنا إلى كتاب الجهاد، وهو من العبادات، ويلحقه بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى بأبواب العبادات، وبعض الأصحاب رحمهم الله تعالى يأتون به متأخراً عند أبواب الحدود ونحوها، وختم به المؤلف رحمه الله تعالى أبواب العبادات لأنه أفضل تطوعات البدن كما سيأتي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسا معين. قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب الجهاد، مصدر جاهد أي بالغ في قتال عدوه، وشرعاً قتال الكفار، وهو فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل، ويسن بتاكد مع قيام من يكفي به، وهو أفضل متطوع به، ثم النفقه فيه.
أحسنت. الجهاد وردت نصوص كثيرة في فضله من الكتاب والسنة؛ جاء الأمر به في آيات كثيرة من القرآن، وجاءت الدلالة على فضله في السنة بأحاديث كثيرة؛ سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما يعدل الجهاد؟ فقال للسائل: هل تستطيع أن تكون مثل شخص يصوم ولا يفطر، ويقوم ولا يفتر حتى يرجع المجاهد؟ قال: هذا الذي يعدل الجهاد. عظيم وثوابه جزيل، ومثل سائر الواجبات لا يجب إلا إذا وجدت الاستطاعة وتوفرت فيه سائر شروطه.
ولذلك بعض الناس يقول: لماذا لا نجاهد الآن؟ لماذا لا يخرج المسلمون للقتال؟ لابد أن تعلم أن الجهاد من شروطه الطاقة والاستطاعة، وهذا شرط في كل واجب، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. والمسلمون إذا كانوا ضعفاء فإنه لا يقدمون على الجهاد إلا إذا أعدوا القوة، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، ومن أعظم القوى التي يعدونها هي القوة في العبادة والطاعة وترك المعصية؛ فإذا أقبلوا على عبادة الله عز وجل وطاعته وأوامره واجتناب نواهيه أورثهم قوة.
يقول: الجهاد مصدر جاهد، جاهد يجاهد جهاداً أي بالغ في قتال عدوه، وشرعاً قتال الكفار؛ قتال الكفار لتكون كلمة الله العليا. وقولهم: قتال الكفار، بإخراج قتال المسلمين كالبغي وقطاع الطرق، فإن هذا لا يعد جهاداً، ولذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى يفردون له باباً قتال أهل البغي، يفردون له باباً قتال أهل البغي في أبواب الحدود. أما كتاب الجهاد فهو خاص بجهاد قتال الكفار.
قال: وهو فاضل، فهذا حكمه؛ حكمه أنه فرض كفاية. طبعا يشترط لوجوب الجهاد شروط لم يذكرها المؤلف رحمه الله تعالى هنا، وذكرها في المقنع؛ المقنع أصل الكتاب ذكرها أو ذكر بعضاً منها، وذكر في المغني أنه يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقه.
فالإسلام، الكافر كغيره من العبادات لا تجب عليه، ويأثم بتركها يعاقب عليها في الآخرة. والبلوغ والعقل؛ كذلك الصغير والمجنون لا يجب عليه الجهاد لأنه مرفوع عنه القلم. والعبد لا يجب عليه الجهاد لأنه مشغول بخدمة سيده، واختلف الأصحاب لو حضر أو لو حُصر بلده فهل يلزمه الجهاد أو لا؟ على خلاف بينهم. والذكورية؛ فالمرأة الأنثى لا يلزمها الجهاد لأنها ليست من أهل القتال وليست من أهل الشجاعة.
والسلامة من الضرر، ويقصد بها السلامة من العمى والعرج والمرض، التي قال الله فيها: ﴿لَّيسَ عَلَى الأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61]، والعمى معروف، والعرج المؤثر هو العرج الشديد، أما العرج الخفيف فانه لا يؤثر، وكذا المرض إذا كان شديداً، أما المرض الخفيف كصداع أو ألم في الضرس فإنه لا يؤثر.
والسابع وجود النفقة؛ فإذا كان الشخص ليس عنده نفقة فلا يجب عليه الجهاد، لكن إذا كانت ستوفر له النفقة فهل يلزمه الجهاد أو لا؟ مر معنا نظيرها في الحج، لا تجب في الحج، قالوا: ولا يكون الشخص مستطيعاً ببذل غيره له، وهنا لا تجب أيضاً لمنه إلا إذا كان البادل له الإام أو نائبه؛ فإذا كان البادل له الإام أو نائبه، الإمام أو نائبه، فهنا قالوا تجب لعدم المنة، ولأن الإمام يجب عليه أن يجهز الجيش.
طيب هنا قال: الجهاد فرض كفاية، إذا قام به.. هذا تعريف فرض كفاية، أنه إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا.. هذه أداة استثناء ولا ماذا؟ مر معنا مراراً، يعني مثل هذا التعبير يذكرون مسألة ثم يقولون: وإلا كذا وكذا، فهل إلا هذه أداة استثناء؟ طيب، أحسنت، أنا أجاب.. حكم حمزة يقول: وإلا.. يعني إن لم يكن به من يكفي.. يعني أداة شرط منفي، أداة شرط منفي، يعني هي تحليلها إلا، يعني إن لم، والنفي لعكس المثبت في السابق؛ المثبت في السابق إذا قام به من يكفي، فإن فيها إن لم يقم به من يكفي أثم الكل، أثم الكل.
طيب، من الذي يكفي؟ الذي يكفي قال الموفق: ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم، سواء كانت لهم جنوداً لهم دواوين أو متبرعين بذلك؛ يعني لا نقول عدد واحد أو 10 أو 20، لا، الذين يكفون العدو في قتال العدو، وكان هذا العدو يكفيه مثلاً ألف شخص، نقول: قام ألف شخص، خلاص، صار سنة في حق الباقين.
طيب، وإذا لم يقم فإنه يأثم الكل ممن توفرت فيهم الشروط. طيب، إذا قام به من يكفي يكون في حق الباقين سنة؛ إذا قلنا مثلاً يكفي ألف، فقام به ألف، يكون في حق الباقين سنة، ولذلك قال: ويسن بتاكد، يكون السنة مؤكدة مع قيام من يكفي به، مع قيام من يكفي به، وهذا مبني على أحد القولين في حكم فرض الكفاية إذا قام به من يكفي، فهل يكون حكمه فرضا في حق الباقين أو يكون سنة؟ على خلاف بين العلماء، وهما وجهان في المذهب، وهما وجهان في المذهب.
هذه مسألة أصولية، هذه مسألة أصولية، وعليها ينبني، وعليها ينبني.. صلاة الجنازة الآن فرض عين فرض كفاية أو فرض عين؟ فرض كفاية، طيب، إذا صلي على الجنازة بعد الفجر أو بعد العصر، يعني في وقت نهي، ثم اتى شخص بعد أن صل.. أراد أن يصلي مرة أخرى، أراد أن يصلي.. يعني لم يصلي الجنازة، وافقها في المقبرة، أراد أن يصلي على الجنازة مرة.. على المذهب هل يجوز له ذلك أو لا يجوز؟ لا يجوز؛ لأنهم استثنوا بالنوافل وليس من هذه، استثنوا.. يعني صلاة الجنازة الفريضة في الوقتين الطويلين، لكن صلاة الجنازة المستحبة لم يستثنوها، لكن على القول بأن فرض الكفاية يبقى فرضاً حتى إن قام به من يكفي، فعلى هذا القول فانه للجماعة الثانية أو للشخص الآخر أن يصلي في وقت النهي لأنها صلاة جنازة فرض عليه.
طيب، قال: وهو أفضل متطوع به ثم النفقه فيه، وأفضل التطوعات مرت معنا في وين؟ في أول باب صلاة التطوع، وذكر المؤلف رحمه الله هناك أنه أفضل التطوعات الجهاد ونفقته فيه، ثم ذكروا بعض الأعمال بترتيبها وتكلمنا عليها هناك في وقتها، وذكرنا كلام شيخ الإسلام رحمه الله في أنه يعني هذا التفضيل العام، لكن شيخ الإسلام يقول: هناك تفضيل خاص لكل شخص ما الأفضل له؛ قد نقول: أفضل الأعمال الجهاد، صحيح، هذا للجملة، لكن لافراد، هذا شخص ليس بقوي وليس عنده.. ليس بشجاعته حافظة قوية، فنقول: طلب العلم أفضل لك؛ شخص لا هذا ولا هذا، لكن عنده جلد للصيام، نقول: تطوع بالصيام أفضل لك، وهكذا. نعم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان