قال رحمه الله: فصل فيما ينقض العهد، فإن أبى الذمي بذل الجزية، أو أصغار، أو التزم أو التزام حكم الإسلام، أو قاتل، أو تعدى على مسلم بقتل، أو زنا بمسلمة وقياسه اللواط، أو تعدى بقطع طريق، أو تجسس، أو إيواء جاسوس، أو ذكر الله أو رسوله أو كتابه أو دينه بسوء، انتقض عهده؛ لأن هذا ضرر يعم المسلمين. وكذا لو لحق بدار حرب، إلا أن أظهر منكرا، أو قذف مسلما. وينتقض بما تقدم عهده دون عهد نسائه وأولاده، فلا ينتقض عهدهم تبعا له؛ لأن النقض وجد منه فاختص به، وحل دمه.
ولو قال تبت، وحل دمه؛ لأنه قد يقولها تقية، فيخير فيه الإمام كأثير حربي بين قتل، أو رق، أو من وفداء بمال، أو أسير مسلم. وحل ماله؛ لأنه لا حرمة له في نفسه، بل هو تابع لمالكه فيكون فيئا، وإن أسلم حرم قتله.
احت هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يترتب على عدم التزام العهد، فإن أبى الذمي بذل الجزية، قلنا إن الذمة قائمة على بذل الجزية، فإن أبى بذل الجزية فإنه ينقض عهده؛ لأن الله جعلها حدا دون القتال، يعط الجزية عن يد وهم صاغرون. فإذا قال أنا لن أكون صاغرا، فأبى أن يبذل الجزية، فهنا قالوا ينتقض عهده بذلك.
أو أبى أيضا التزام أحكام الإسلام؛ فمثلا لو طلب منه التزام أحكام الإسلام، هل عندنا مثلا ركوب الخيل؟ لو ركب خيلا، فهل نقول أبى التزام أحكام الإسلام؟ نقول لا، هذا حقه، إلا إذا شرط عليه؛ فإذا شرط عليه فهنا من الأصحاب من قال إن شرط عليه فإنه ينتقض عهده، ومن الأصحاب من قال لا، هذه ليس فيها ضرر على عامة المسلمين. لكن مثل أبى التزام أحكام الإسلام بأن غصب مالا من أحد؛ هنا مطلوب منه أن يحافظ على أموالنا، فإذا لم يلتزم أحكام الإسلام فإنه ينقض عهده.
أو قاتل، سواء كان قاتل منفردا أو مع أهل الحرب، فينتقض عهده بذلك وإن لم يشترط عليه ذلك؛ لأن إطلاق الأمان يقتضي ذلك. أو تعدى على مسلم بقتل، وفي عهد عمر لهم: «من ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده». أو زنى بمسلمة؛ روي عن عمر رضي الله عنه أنه رفع إليه رجل أراد استكراه امرأة مسلمة، فقال: «ما على هذا صالحناهم»، وأمر به فصُلب في بيت المقدس. ومثله أيضا لو أصابها بنكاح؛ أي عقد عليها بكونه تزوج مسلمة، فرجل كافر ذمي تزوج مسلمة، فأصلًا لا يجوز زواجه، فيقاس على الزنا.
وقال: وقياسه اللواط، لو لواط بمسلم فإنه يكون قد انتقض عهده، وهذا أخذه الأصحاب من الشافعية، قاله البلقيني الشافعي كما ذكره في الكشاف. وقال: أو تعدى بقطع طريق، أو تجسس للكفار، أو إيواء جاسوس للكفار، فهذا كله يعتبر نقضا للعهد. أو ذكر الله بسوء، أو ذكر رسوله ﷺ بسوء، أو ذكر كتابه القرآن بسوء، أو ذكر دينه الإسلام بسوء، فإنه ينتقض؛ لأن هذا ضرر يعم المسلمين. قيل عن ابن عمر إن راهبا يشتم الرسول ﷺ فقال: «لو سمعته لقتلته، إنا لم نعط الأمانة على هذا».
وكذا لو لحق بدار حرب؛ فإنه يعتبر ناقضا للعهد، لأنه يعتبر مظاهرة للكفار على المسلمين. قال: إلا أن أظهر منكرا؛ إذا أظهر المنكر فهنا لا يعتبر نقضا للعهد، يحل دمه وماله، مثل لو شرب الخمر مجاهرة أو أكل الخنزير مجاهرة؛ فإنه لا يعتبر بذلك ناقضا للعهد، لأن ضرره لا يعم المسلمين كلهم. وكذا لو قذف مسلما؛ فإن ضرره يعم المسلمين كلهم، فلذلك قالوا هنا يقام عليه الحد ولا ينتقض عهده. ولو دعا إلى دينه؛ هنا ضرر عام على المسلمين، فيظهر -والله أعلم- أنه يعتبر نقضا للعهد.
قال: وينتقض بما تقدم، يعني من فعل شيئا مما تقدم، لو كان الأب هو الذي فعل شيئا؛ هل ينتقض عهد زوجته وأولاده أو عهده فقط؟ قال: ينتقض بما تقدم عهده فقط دون عهد نسائه وأولاده، فلا ينتقض عهدهم تبعا له؛ لأن النقض وجد من الفعل الذي انتقض به عهده فقط، فاختص به، والعهد لم يشملهم جميعا، بل النقض إنما وجد من الرجل فاختص بإباحة الدم به. وذكر الموفق رحمه الله في العمدة أنه ينتقض عهدهم، أي الذرية، إذا ذهب بهم إلى دار الحرب، فإنه ينتقض عهدهم بذلك، وصوبه المرداوي في الإنصاف.
وقال: وحل دمه، ولو قال تبت؛ لأنه قد يكون قال تبت يعني تبت من هذا المنكر، لا يقصد أني أسلمت، فلا يرتفع حل الدم بذلك لأنه قد يقوله تقية. قال: فيخير فيه الإمام إذا فعل شيئا من ذلك كأصير حربي؛ يخير بين أربعة أشياء: بين قتل، أو رق، أو فداء بمال، أو أسير مسلم؛ لأنه كافر قدرنا عليه في دارنا في غير عهد ولا عقد ولا شبهة، فأشبه اللص الحربي. وقيل يتعين قتله من سب الرسول ﷺ، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله، أنه يقتل ولو تاب، ولا يخير الإمام فيه بين هذه الأمور.
وقال: وحل ماله؛ لأنه لا حرمة له في نفسه، يعني إذا انتقض عهده فإنه يحل دمه وماله، بل هو تابع لمالكه فيكون فيئا، لأنه إنما عصم بعقد الذمة فزال بزواله. وقال: وإن أسلم حرم قتله، وكذا رقه، ما عدا ساب الرسول ﷺ على قول فإنه يقتل ولو أسلم، هذا على قول عند الأصحاب رحمهم الله تعالى.
وبهذا ننتهي ولله الحمد من كتاب الجهاد، وبذا ينتهي أبواب كتاب العبادات وما لحق به، ونتوقف إن شاء الله في الأسبوعين القادمين، ونرجع مع بداية الفصل الثاني إن شاء الله تعالى، أسأل الله الجميع التوفيق والسداد.
نعم، في سؤال؟ نعم، أي بس الإسلام دين...
صحيح، باطل. لكن هو قد أقر البطراني وهو باطل خلاف الإسلام، كان يقر البطراني وهو صحيح، في فرق بينهم. نعم، الحرب من كان بينه وبين المسلمين حرب.
هذا يقول: ما المراد؟ ثم يرد إلى ما منه في مسألة من أراد سماع القرآن، يبدو أنه المراد رده إلى بلده، فهو دخل بلد الإسلام لسماع القرآن فيسمعه ثم يرد إلى ما منه بلده، أنه عندنا يكون حربياً.
قالوا: يأخذون من جناية على مسلم مالاً وقوداً، هل هذا لأهل الهدنة فقط أو حتى المستأمن؟ وهنا ذكروا لأهل الهدنة والمستأمن، هل يؤخذ بالحد؟ هل يعتبر ملتزماً بأحكام الإسلام بالحد؟ في خلاف في المذهب في ذلك.
قال: هل يمكنكم إعادة مسألة وقت الحول في الجزية؟ هو باعتبار ذي الحجة أو الحول منذ عقدوا الذمة؟ الحقيقة أنا شككت فيها، هل هي من عقد أو أنه الحول القمري؟ في الإقناع ذكر أنه القمري، لكن لست متأكداً.
قال: هل يجوز استيراد الخمر للذمي؟ لا يجوز استيراد الخمر، يعني لا يجوز للمسلم أن يستورد الخمر للذمي، ولا يجوز أن يبيعه عليه؛ لأن الله إذا حرم شيئاً حرم.
الشيخ يسمح لهم؟ لا يسمح لهم بالمجاهر به، استيراده تقصد؟ إذا استوردوه، لكن المقصود لو عملوه لو صنعوه في داخل منزلهم، فلا يمنعون من ذلك، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على محمد وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان