أحسن الله إليك.
قال رحمه الله: فصل في أحكام الذمة. ويلزم الإمام أخذهم -أي أخذ أهل الذمة- بحكم الإسلام في ضمان النفس والمال والعرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه كالزنا، دون ما يعتقدون حله كالخمر؛ لأن عقد الذمة لا يصح إلا بالتزام أحكام الإسلام كما تقدم.
وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ أتي بهودي فقد فجر بعد إحصانه فرجمه. ويلزمهم التميز، ويلزمهم التميز عن المسلمين في القبور بأن لا يدفنوا في مقابرنا. والحلى بحذف مقدم رؤوسهم، لا كعادة الأشراف، ونحو شد زنار للنصراني يشد فوق ثوبه ليتميز عن المسلمين، ولدخول حمامنا جلجل -وهو جرس صغير- أو نحو خاتم رصاص برقابهم.
ولهم ركوب غير الخيل كالحمير بغير سرج، فيركبون الأكف، وهي البردعة؛ لما روى الخلال أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض. ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا القيام لهم، ولا تبدأهم بالسلام، أو بـ «كيف أصبحت» أو «كيف أمسيت» أو «كيف حالك»، ولا تهنئتهم، ولا تعزيتهم، ولا عيادتهم، ولا شهادة أعيادهم. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطرق». قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض أحكام أهل الذمة. وأحكام أهل الذمة كثيرة، ابن القيم رحمه الله تعالى له كتاب في أحكام أهل الذمة فصل فيه وأطال، والجد كعادته رحمه الله تعالى.
هنا ذكر أحكامًا كثيرة، والموفق رحمه الله والشارح صنفوا هذه الأحكام إلى خمسة أصناف؛ ذكروا أن المأخوذ من أحكام أهل الذمة خمسة أقسام:
القسم الأول: ما لا يتم العقد إلا بذكره، وسنذكر بعضها وسيمر علينا أكثرها في كلام المؤلف، وإن لم تكن كلها، وهي ثلاثة: أحكام التزام الجزية، والتزام أحكام الإسلام، وترك قتال المسلمين؛ فهذه لا يتم العقد إلا بها. ويترتب على ذلك أنه لو عقدوا بينهم وبين المسلمين عقدًا وقالوا بشرط أن لا ندفع الجزية، العقد باطل.
القسم الثاني: ما فيه ضرر على المسلمين في أنفسهم، وذكروا ثمانية أعمال: الأول قتل المسلم، الثاني الزنا بمسلمة، الثالث إصابة المسلمة بسوء النكاح، الرابع فتنة المسلم عن دينه، الخامس قطع الطريق، السادس جاسوس المشركين، السابع معاونة المشركين بدلالته على عورات المسلمين، الثامن مكاتبته.
القسم الثالث: ما فيه غضبة على المسلمين، وهي إذا ذكروا الله أو رسوله أو دينه أو كتابه بسوء، فهذا فيه غضبة على المسلمين.
القسم الرابع: ما فيه مظاهر منكر، كاحتقار الكنائس والبيع، ورفع أصواتهم بكتابهم، وإظهار الخمر والخنزير، والضرب بالنواقيس، وتعلية البنيان على بنيان المسلمين، والإقامة بالحجاز، ودخول الحرم.
القسم الخامس: التميز عن المسلمين في لباسهم، وشعورهم، وركوبهم، وكناهم. هذا ملخص هذه الأحكام وأصنافها.
نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله، يقول: يلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام في ضمان النفس؛ يعني إذا قتلوا نفسًا، يضمنونها، وفي المال؛ فلو أتلفوا مالًا للمسلم فإنهم يضمنون، وفي العرض؛ فيما إذا زنى مثلاً، فإنه يحد حد الزنا. لا، إذا زنى بمسلمة فإنه يقتل؛ لأن هذا نقض.
وقال: وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه كالزنا، كما فعل النبي ﷺ برجم اليهودي، والسرقة والقتل والقذف، سواء كان الحد واجبًا في دينهم أو لا؛ دون ما يعتقدون حله كالخمر، فيقرون عليه ولا حد عليهم فيه؛ لأنهم يعتقدون حله، ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أعظم إثم من ذلك، لكن لا يظهرون الخمر كما سيأتي.
قال: لأن عقد الذمة لا يصح إلا بالتزام أحكام الإسلام كما تقدم. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ أتي بهودي فقد فجر -أي زنى بعد إحصانه- فرجمه.
ثم قال: ويلزمهم التميز عن المسلمين. ويلزمهم التميز بالقبور؛ فيتميزون بالقبور بلا يدفنوا في مقابرنا، لأنهم يتميزون عنا بالحياة في أمور، فتميز بالقبور من باب أولى. والحلى بحذف مقدم رؤوسهم، لا كعادة الأشراف، فلا يفرق شعورهم، وإنما يحذفون؛ يجزون مقدمه. ونحو شد زنار للنصراني، يشد فوق ثوبه ليتميز عن المسلمين. ولدخول حمامنا جلجل، وهو جرس صغير يضعونه على رقبته ليتميز عن المسلمين، أو نحو خاتم رصاص برقابهم.
أيضًا في الركوب، يقول: لهم ركوب غير الخيل؛ لأن الخيل إنما تركب للعز، فلا يركبونها، يركبون الحمير بغير سرج، أي بغير ما يجعل على ظهر الحمار. وأيضًا قال: يركبون الأكف، وهي البردعة؛ لما روى الخلال: أمر عمر بجز نواصي أهل الذمة، وحذف مقدم رؤوسهم، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض. بالعرض يعني يجعل رجليه على جانب، لا يجعل رجليه على جانب وظهره للجانب الآخر.
وقال: ولا يجوز تصديرهم في المجالس؛ ذا يعني من كل، لا يجوز تعظيمهم، وذكر أشياء من تعظيمهم. وطبعًا فيه الشروط التي شرطها عمر رضي الله تعالى عنه على أهل الذمة، وهي شروط تبين لك عز المسلمين في ذلك الوقت، شروط قوية، منها هذا، ومنها أيضًا ما ذكر عمر بجز النواصي، والأكف بالعرض، وغيره. ولذلك إذا حصل عز للمسلمين وعقدوا مع أهل الذمة، فينبغي لهم أن يشترطوا عليهم الشروط التي فيها إذلالهم.
قال: لا يجوز تصديرهم في المجالس؛ لأن في كتاب عبد الرحمن بن غن الذي كتبه عمر: «وأن يوقروا المسلمين في مجالسهم»، يعني أهل الذمة يوقرون المسلمين في مجالسهم، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا، ولأن في تصديرهم تعظيمًا لهم.
وقال: ولا القيام لهم، أيضًا هذا في معناه. ولا تبدأهم بالسلام؛ الحديث الذي ذكره المؤلف: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام»، أو بـ «كيف أصبحت» أو «كيف أمسيت» أو «كيف حالك»، فهذه لا يبدأون بها. قال أبو داود: سألت الإمام أحمد رحمه الله: أتكر أن يقول الرجل للذمي: كيف أصبحت؟ أو كيف أنت؟ أو كيف حالك؟ قال: نعم. وهذا عندي أكثر من السلام، شيخ الإسلام رحمه الله يجيزه للحاجة إذا راجع إسلامه ونحو ذلك.
وقال: ولا تعزيتهم في الأمور المكروهة، نعم. وقال: ولا تهنئتهم -يعني بالأمور السارة- ولا تعزيتهم بالأمور المكروهة، ولا عيادتهم؛ عيادة مريضهم، فهذا لا يجوز في ذلك كله؛ لأن هذا من...
إكرامهم، لأن هذا من إكرامهم، وكلها فيها روايات عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والمذهب على التحريم. قالوا: لأن النبي ﷺ نهى عن بدأتهم بالسلام، وهذا في معناه. وقيل تجوز عيادتهم، ويترتب عليها ويقاس عليها تهنئتهم وتعزيتهم؛ لأن النبي ﷺ عاد الغلام اليهودي وعرض عليه الإسلام. والشيخ الإسلام رحمه الله أجازه لمصلحة راجحة كما إذا رجا إسلامه. صوبه المرداوي في الإنصاف.
قال: وشهادة أعيادهم أيضًا لا يجوز؛ لأن هذا من تعظيمهم. نعم، السلام عليكم. قال رحمه الله: الحديث تعلق قراه، لا قراه، الحديث مرفوعًا. الحديث: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام»، هذا في عدم البدء بالسلام، ويقاس عليه كل ما فيه إكرامه واحترامه. ﴿وَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَاضْطَرُّوا إِلَيْهِمْ فِي السَّوَاحِلِ﴾ يعني لا تفسحوا لهم في الطريق، ليس المعنى أن الإنسان مثلا هو في سيارة وجاء كافر فسيتجاوز فيحد سَهُ، ليس هذا المقصود، ليس هذا المقصود. هذا في ضرر على المسلم، وقد يكون في ضرر على غيرهم، لكن المقصود أنك لا تفسح له في الطريق، تفسح له في الطريق. وهذا حديث في صحيح مسلم، هذا الأصل.
نعم، السؤال: قال رحمه الله: ويمنعون من إحداث كنائس وبيع مجتمعة بدار الإسلام، ومن بناء ما انهدم منها ولو ظلمًا. لما روى كثير بن مرة قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا تبنَ الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها». ويمنعون أيضًا من تعلية بنيان على مسلم ولو رضي، لقوله ﷺ: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه». وسواء لاصقه أو لا؛ إذا كان يعد جارا له فإن عليه وجب نقضه، ولا يمنعون من مساواته للبنيان له أي لبناء المسلم؛ لأن ذلك لا يفضي إلى العلو. وما ملكوه عاليًا من مسلم لا ينقض ولا يعاد عاليًا، لو أنه انهدَم.
هنا يتكلم عن البناء، فقال: لا يجوز لهم أن يحدثوا كنائس وبيع في دار الإسلام. الكنائس معبد النصارى، والبيع قيل إنها للنصارى وقيل إنها لليهود؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «أيما مصر مصرة العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا، ولا يتخذ فيه خنزيرًا»، رواه أحمد واحتج به. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يجوز لهم إحداث الكنائس والبيع إجماعًا.
قال: ومن بناء منهدم منه لو ظلم، يعني لو أنها وجدت كنيسة وفتح المسلمون خلاص تبقى، إن هدمت فلا يجوز إعادة بنائها. لو أنها احتاجت لترميم، يعني أن سقط بعض أجزائها فاحتاجت لترميم، فهنا قالوا يجوز ترميم ما سقط منها، لكن إذا انهدمت فإنه لا يجوز بناؤها. قالوا: ولو ظلمًا، لأنه حتى لو أنه ظلم فإنه يكون هذا إحداث بناء جديد وهو لدين مكان العبادة لغير دين الإسلام في بلاد الإسلام، فلا يبنى.
قال أيضًا واستدل بحديث عمر مرفوعًا: «لا تبنَ الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها». قال: ويمنعون أيضًا من تعلية بنيان على مسلم، يعني إذا بنى مسلم بناءً فجاء ذمي أراد أن يبني بناءً ملاصقًا له أو جارًا له أعلى منه، فإنه لا يجوز لك ولو رضي المسلم. قالوا: لأن هذا الحق ليس له، الحق لله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. ويقول النبي ﷺ: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه».
وجاء في الشروط التي شرطها عمر: «ولا نطلع عليهم في منازلهم». قال: وسواء لاصقه أو لا؛ إذا كان يعد جارا له، يعني لا يلزم أن يكون ملاصقًا له، لكن حتى لو كان بينه وبين بيته بيتان، بل قال ابن فيروز رحمه الله: والظاهر أنه إذا كان بينه وبين بيته قدر دارًا كما يؤخذ من الوقف؛ لأنهم قالوا في الوقف: الجار ومن بينه وبينه أربعون دارًا. الحقيقة أن هذا مما يرجع إلى العرف، تحديد الجار يرجع إلى العرف.
قال: فإن عليه وجب نقضه، إن عليه وجب نقض بنيان الكتابي؛ لأنه خالف المطلوب. قال: ولا يمنعون من مساواته، يعني الممنوع هو بناء أعلى منه، لكن مساواته، يعني بناء دورين، فهذا يبني دورين، هذا لا بأس به؛ لأنه لا يقتضي العلو. قالوا: ما ملكوا عاليًا من مسلم لا ينقض، يعني إنه لو أن مسلمًا بجوار مسلم آخر أحدهما بيته أعلى من الآخر، فجاء ذمي واشترى بيت الأعلى، فصار الآن الذمي بيته أعلى من المسلم، فهل ينقض؟ قال: لا، لا ينقض؛ لأنه هو لم يبنِ عاليًا على مسلم، وتملكه بعد أن كان عاليًا. قال: ولا يعاد عاليًا لو انهدَم، لو أنه انهدَم هذا البيت العالي فإنه أراد بناءً جديدًا لا يبنيه عاليًا؛ لأنه إذا بناه عاليًا فإنه صار هو الذي على مسلم.
نعم، الله عليكم. قال رحمه الله: يمنعون أيضًا من إظهار خمر وخنزير، فإن فعلوا أتلفهما. ومن إظهار ناقوس وجهر بكتابهم ورفع صوت على ميت، ومن قراءة قرآن، ومن إظهار أكل وشرب بنهار رمضان، وإن صولحوا في بلادهم على جزية أو خراج لم يمنعوا شيئًا من ذلك أيضًا.
مما يمنعون منه إظهار الخمر والخنزير، قلنا: إنه يجوز لهم ذلك أنهم يعتقدون حله، يجوز لهم أكله وشربه؛ لأنهم لا يمنعون من أكله وشربه لأنهم يعتقدون حله، لكن لا يظهرونه، لا يظهرون أن المسلمين يتأذون بذلك، فإن فعلوا فإنه يتلف لما فيه أذى للمسلمين به.
قال: إظهار ناقوس، ومن إظهار ناقوس، وفي شروطهم ألا يضربوا نواقيسهم إلا ضربًا خفيًا في جوف كنائسهم، هذا من الشروط التي أخذها عليهم عمر رضي الله تعالى عنه. وجاهر بكتابهم، وجاء في الشروط التي أخذت عليهم: «ولا نرفع أصواتنا في صلاة ولا القراءة في كنائس فيما يحضره المسلمون». ورفع صوت على ميت، وجاء في الشروط التي أخذت عليهم: «ولا نرفع أصواتنا مع موتانا». ومن قراءة قرآن، يمنعون من قراءة القرآن؛ لأن فيه امتهانًا للقرآن، وقد نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
ومن إظهار أكل وشرب في نهار رمضان، لأن هذا منكر في دين الإسلام، والأصل في نهار رمضان لا يظهر بالأكل والشرب حتى للمعذور، إلا إذا كان عذره معروفًا، لمن رآه، لكن شخص مسافر مثلا في مدينة، ليس في مكة مثلاً.
مسافر، فهنا نقول حتى لو كنت مفاتراً فلا تجاهر بفطرتك، أو امرأة حائض مثلاً ونحو ذلك.
قال: «وإن صولحوا في بلادهم على جزية وخارج ممنوع»، يعني إذا كانوا في بلادهم سيبقون في بلادهم ويدفعون الجزية للمسلمين، فلا يمنعون من إحداث الكنيسة والبيع؛ لأن أصلاً بلادهم بلاد كفر ليست بلاد إسلام.
قال رحمه الله: «وليس لكافر دخول مسجد ولو أذن له مسلم، فإن تحاكموا إلينا فلنا الحكم والترك»، بقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 52].
وقال: «وإن اتجر إلينا حربي أخذ منه العشر، والذمي نصف العشر»، فيفعل عمر رضي الله عنه مرة في السنة فقط، ولا تعشر أموال المسلمين.
وقال: «وإن تهود نصراني أو تنصر يهودي»، فإنه لا يقر؛ لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه، فأشبه المرتد، ولم يقبل منه إلا الإسلام أو دينه الأول، فإن أباهما هُدد وحبس، وسُئل الإمام إن اقتله؟ قال: «لا».
أحسنت، هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن دخول الكافر المسجد، أما دخوله المسجد الحرام فهذا لا يجوز فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 28]. وهل المراد المسجد الحرام فقط أو الحرم؟ ونشر المذهب أنه الحرم كامل، فلا يجوز لهم دخوله.
أما غيره من مساجد الحرم، فهنا هل له دخول المسجد أو لا؟ خلاف بين العلماء، والذي ذهب إليه المؤلف وهو المذهب مشهور عند المتأخرين أنه ليس له دخول المسجد مطلقاً ولو أذن له مسلم. قوله: «ولو أذن له مسلم» هذا إشارة للخلاف، إذا لم يأذن له مسلم فهذا ليس له دخول المسجد.
عن علي رضي الله عنه، بصَّ مجوسي وهو على المنبر، فدخل المسجد فنزل من المنبر وضربه وأخرجه من باب كنده. أما إذا أذن لهم في الدخول فقلنا فيه خلاف بين الفقهاء رحمه الله تعالى حتى في المذهب، والمشهور من المذهب أنه لا يدخل بحال؛ لأن أبا موسى قدم على عمر بكتاب فيه حساب عمله، فقال: ادعُ الذي كتبه ليقرأ، قال أبو موسى إنه لا يدخل المسجد، قال ولما قال إنه نصراني سأل عمر أبا موسى عن استعمال النصراني كاتباً، لكنه أقره على أنه لا يدخل المسجد، فهذا دليل على شهرة ذلك بينهم وتقريره عنده.
ولأنه أدنى من حدث الجنابة هو الحيض والنفاس، فحدث الجنابة والحيض والنفاس يمنع دخول المسجد، فهذا من باب أولى. وهناك قول آخر في المذهب أنه يجوز لهم دخول المسجد خاصة إذا كان لحاجة، فالنبي ﷺ أنزل أهل الطائف في المسجد، وكذلك أبو سفيان كان يدخل مسجد المدينة قبل إسلامه، وثُمامة بن أثال رُبط في المسجد قبل إسلامه، وهذا يدل على جواز دخوله للحاجة، وهذا قول في المذهب وهو الذي اختاره الموفق والشارح رحمهم الله تعالى.
قال: «وإن تحاكموا إلينا»، الآن إذا تحاكم الذميون إلينا، إذا تحاكم ذمي مع مسلم فإنه يجب الحكم هنا؛ لأن علينا حفظ الذمي من ظلم المسلم، وحفظ المسلم من ظلم الذمي، ولا يكون هذا إلا بالحكم، حكم الإسلام. أما إذا تحاكم إلينا ذميون فنحن مخيرون بين الحكم بينهم وتركهم، بقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 52]. لكن إذا أردنا أن نحكم، فهل لنا أن نحكم بغير حكم الإسلام؟ هو يقول: إن تحاكموا إلينا ففينا حكم الترك، طيب، إن أردنا أن نحكم فهل لنا أن نحكم بحكم الإسلام؟ هل علينا أن نحكم عليهم بالأحكام التي في بلادهم؟ لا، بل ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 48].
قال: «وإن اتجر إلينا حربي أخذ منه العشر، والذمي يؤخذ منه نصف العشر»، طبعاً يؤخذ من مال التجارة الذي معه العشر إذا كان حربياً، ونصف العشر إذا كان ذمياً. وهذا ما فعله عمر رضي الله عنه، اشتهر عن عمر وصحت الرواية عنه، وسار بين الصحابة وعمل به الخلفاء والأئمة بعده من غير نكير، ويؤخذ في السنة مرة، نص عليه عمر، ونص عليه أحمد رحمه الله في رواية جماعة من أصحابه، وقال عمر لعاملة: «لا تعشر في السنة إلا مرة»، وقياساً على الجزية والزكاة.
وقال: «ولا تعشر أموال المسلمين»، فلا يجب على المسلم مال في ماله غير الزكاة، لا يجعل المسلم حقاً في ماله غير الزكاة، وجاء في الحديث: «ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى».
ثم ذاك المؤلف رحمه الله تعالى حكم الكتاب إذا غير دينه، يقول: «إذا غير دينه إلى دين كتاب آخر فتهود النصراني أو تنصر اليهودي فإنه لا يقر على ذلك»، لماذا؟ لأنه انتقل من دين إلى دين باطل قد أقر ببطلانه، هو لو كان نصرانياً كان يعتقد بطلان اليهودية، فانتقل إلى دين يقر ببطلانه، فيشبه المرتد، فلا يقبل منه إلا الإسلام، ولا يرجع إلى دينه الأول.
فإن أباهما، قال: «لا، أنا سأبقى على الدين الذي انتقلت إليه»، فإنه يهدد بالحبس والضرب ولا يقتل، قيل للإمام أحمد رحمه الله: أأقتله؟ قال: «لا»، هذا فيه شبهة؛ لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب فلم يقتل كالباقين، ولأنه مختلف فيه فلم يقتل لشبهة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان