دخولتسجيل الدخول

كتاب الصيام 01 | معنى الصيام وسبب وجوبه وأحكام رؤية الهلال

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال ابن حجر في شرح الأربعين في شعبان، انتهى، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات إجماعاً.

يجب، أحسنت. هنا المؤلف رحمه الله تعالى ابتدأ كتاب الصيام بتعرّفه، قال لغةً: مجرد الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أي إمساكاً عن الكلام. وتعريفه في الاصطلاح: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة وهي المفطرات في زمن معين وهو زمن الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس من شخص مخصوص وهو من توفرت فيه شروط الصحة، وهما الإسلام والخلو من الموانع وهي الحيض والنفاس.

قالوا: فرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وهذا بإجماع العلماء كما قاله ابن مفلح في الفروع. قال ابن حجر -يقصد ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين- في شعبان، لأنه فرض في السنة الثانية في شعبان منها، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات إجماعاً، نقل الإجماع على ذلك ابن مفلح في الفروع وغيره. قال ابن فيروز رحمه الله تعليقاً على قوله تسع رمضانات: قال منها رمضنان ٣٠ يوماً والبقية ٢٩، قاله الترمذي في شرح المنهاج. كذا في حاشية ابن فيروز قاله الترمذي، وفي كلتا الطبعتين في تحقيق الشيخ ناصر السلامة في تحقيق البداح، والظاهر والله أعلم أنها الدميري في شرح المنهاج اللي هو النجم الوهاج، فهي فيه في الجزء الثالث صفحة ٢٧٩.

قال ابن فيروز في تتمة كلامه: وظاهر كلام غيره أنه لم يتم كاملاً إلا سنة، يعني بعض الفقهاء ذكروا أنه لم يتم شهر رمضان كاملاً ٣٠ يوماً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة والبقية ٢٩ يوماً. قال: والحكمة في ذلك أن تطمئن النفوس أن الناقص كغيره، يعني أنه لو كان ٢٩ يوماً فالأجر تام، وهذا أحد المعاني التي قالها العلماء في شرح حديث أبي هريرة في الصحيحين: «شهر عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجه»، قيل في معناه: إنه وإن نقصت أيامهما فإن أجرهما تام.

نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: يجب صوم رمضان برؤية هلاله لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». والمستحب قول شهر رمضان كما قال تعالى، ولا يكره قول رمضان. فإن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين وكره الصوم لأنه يوم الشك المنهي عنه. وإن حال دونه، أي دون هلال رمضان، بأن كان في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر بالتحريك أي غبرة وكذا دخان، فظاهر المذهب يجب صومه، أي صوم يوم تلك الليلة حكماً ظنياً احتياطياً بنية رمضان.

قال في الإنصاف: وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف وردوا حجج المخالف وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، انتهى. وهذا قول عمر وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له».

قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من الشهر تسع وعشرون يوماً يبعث من ينظر له الهلال، فإن رئي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً. ومعنى اقدر له: أي ضيق، بأن يجعل شعبان تسعاً وعشرين، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى تفسيره. ويجزئ صوم ذلك اليوم إن ظهر منه، وتصلى التراويح تلك الليله، ويجب إمساكه على من لم يبيت نيته، لا عتق أو طلاق معلق برمضان.

وإن رئي الهلال نهاراً أحسنت بارك الله فيك. طيب، هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر مسألة ما يثبت به دخول شهر رمضان، ذكر أنه يثبت باحد ثلاثة أمور: أمران متفق عليهما، والثالث فيه الخلاف.

الأمر الأول، قال: يجب صوم رمضان برؤية هلاله. هذا الأمر الأول، رؤية هلال رمضان، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، متفق عليه.

ثم سأل المؤلف، قال: المستحب قول شهر رمضان، يعني إذا أردت أن تتكلم عن رمضان فلا تقل رمضان وإنما قل شهر رمضان، كما في الآية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]. قال: ولا يكره قول رمضان مفرد عن الشهر، وهذا على الصحيح في المذهب كما قاله في الإنصاف، لوروده في بعض الأحاديث الصحيحة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمان واحتساباً» وغيره. وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند البيهقي وغيره: «لا تقولوا رمضان، فانه اسم من أسماء الله»، فهو حديث ضعيف جداً لا يثبت، وقال ابن الجوزي إنه موضوع، وليس رمضان من اسماء الله إجماعاً كما قاله مفلح في الفروع. وقد اشار البخاري رحمه الله في صحيحه إلى ضعف الحديث فقال: باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعاً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان»، وقال: «لا تقدم رمضان»، هذا كله من كلام البخاري. قال الحافظ ابن حجر: وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. فذكر الموفق بن قدامة في المغني جمعاً بين الأحاديث التي فيها ذكر رمضان بدون شهر، وأحاديث النهي الوارد ذكره آنفاً، بأنه لا يقال رمضان غير مقترن بما يدل على إرادة الشهر، يعني يكره أن يقال رمضان على كلام الموفق من غير لفظ الشهر إذا لم تدل القرينة على إرادة الشهر، لئلا يخالف الأحاديث الصحيحة.

طيب، إذاً هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: إتمام شعبان ٣٠ يوماً، لذلك قال: هذا إذا كانت السماء صحواً ليلة الثلاثين من شعبان، قال: فان لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم لأنه يوم الشك المنهي عنه. ياتينا في باب صوم التطوع وما يكره وما يستحب صومه، أن مما يكره صوم يوم الشك، وكانوا يفسرون يوم الشك بأنه يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت ليلته صحواً، أما إذا كانت ليلته غيماً فإنه يسمى يوم الغيم، سياتينا بعد قليل إن شاء الله.

والأمر هذان يثبت بهما دخول الشهر إجماعاً كما ذكره ابن أبي عمر في الشرح الكبير، ويكره صوم يوم الثلاثين من شعبان، قالوا: لأن هذا يوم الشك الذي ورد النهي عن صومه الذي عناه عمار بن ياسر بقوله: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. وحمله الأصحاب رحمهم الله تعالى يوم الشك على يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت ليلته صحواً، جمعاً بين هذا الحديث والآثار جمعاً بين هذا الحديث وبين الآثار الواردة عن بعض الصحابه في صومه إذا كانت ليلته غيماً كما ذكره الفتوحي في شرحه.

قال هنا، ذكر الأمر الثالث مما يثبت به دخول الشهر على المذهب: قال وإن حال دونه، أي دون هلال رمضان، بأن كان في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر بالتحريك، أي بتحريك القاف والتاء أي غبرة وكذا دخان، يعني شيئاً يمنع رؤية الهلال، قال: فظاهر المذهب يجب صومه، فظاهر المذهب يجب صومه. وتعبير الحجاوي رحمه الله في الزاد لظاهر المذهب، اتبع فيه نص الموفق في المقنع وليس هذه عادته في هذا الكتاب، يعني بالعادة الموفق في المقنع يعبر بها أحياناً ويعبر أحياناً بإطلاق الوجهين أو الروايتين، والحجاوي في الزاد يختار رواية واحدة، لكن هنا اتبع عبارة الموفق في المقنع فذكر ظاهر المذهب، ولعل هذا والله تعالى أعلم إشارة منه إلى تضعيفه لهذا القول وعدم ارتضائه له، ولذلك الحجاوي في الإقناع اختار القول الثاني في المذهب وهو أنه لا يجب صومه كما هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وغيره.

قال: فظاهر المذهب يجب صومه، أي صوم يوم تلك الليله حكماً ظنياً احتياطياً بنية رمضان. قال في الإنصاف: وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف. والقول بوجوب صومه من مفردات الحنابلة، بوجوب صوم يوم الغيم هذا من مفردات الحنابلة، وقال الموفق: اختاره أكثر شيوخ أصحابنا، وهذه المسألة أفردت بالتأليف عند الحنابلة نذكرها بعد قليل إن شاء الله. ولكون هذه المسألة طال فيها الخلاف بين الأصحاب وبين الجمهور، فسنذكر بعض الاستدلال للحنابلة والجواب عليها.

ومن أدلتهم ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا في قول ابن عمر في تفسيره، قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الشهر تسع وعشرون يوماً فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له». قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من الشهر تسع وعشرون يوماً يبعث من ينظر له الهلال، فإن رئي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، لأنه هنا لم يوجد ما يمنع رؤية الهلال، قال: وإن حال دون منظره هذا يوم الغيم سحاب أو قتر أصبح صائماً، أصبح صائماً.

طيب وهذا الحديث عند أحمد وأبي داود، وأصله في الصحيحين من غير فعل ابن عمر. قالوا في تقدير استدلالهم على الوجوب بهذا الدليل: قالوا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: اقدر له، ضيقوا عليه، والقدر بمعنى التضييق كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7]. قالوا: والتضييق عليه بأن يجعل شعبان تسعاً وعشرين، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إليه في تفسيره، هذا دليلهم الأول.

ودليلهم الثاني: أن هذا وارد عن ابن عمر عند ابن وأبنه كما عند أبي داود في الحديث السابق، وعمرو بن العاص كما رواه زياد في مسائله كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد، وأبي هريرة كما عند البيهقي، وأنس ومعاويه أورده عنهما الفضل بن زياد في مسائله، وعائشة عند أحمد، وأسماء عند البيهقي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

الجمهور يجيبون عن الدليل الأول قالوا: نعم القدر صحيح يحتمل التضييق لكن يحتمل غيره، ومن أولى ما يفسر به مقصود المتكلم، المتكلم نفسه لأنه أعلم بمراده، وقد جاء في بعض روايات الحديث كما في إحدى روايات البخاري: «الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وفي رواية مسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، فهذا مفسر لاقدر له، وأن المراد إكمال العدة.

وأجابوا عن الدليل الثاني اللي هو فعل الصحابه رضي الله تعالى عنهم، قالوا: الصحابة الذين نقل عنهم صوم يوم الغيم لم يكونوا يوجبون على مجموع الأمة بل كانوا يصومونه احتياطاً بخاصة أنفسهم، وما كان سبيله الاحتياط فلا يحمل على الإيجاب، لا سيما فيما كان الأصل عدمه كما في صوم يوم الغيم، فإن الأصل عدم دخول رمضان، والأصل بقاء شعبان، وقد أطال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة وابن القيم رحمه الله في هذه المسألة في كتابه القيم زاد المعاد وأجاب عن الآثار الوارده عن الصحابة بما ذكر.

قال هنا، قال: وقالوا نصوص أحمد تدل عليه، يعني قال الأصحاب: نصوص أحمد تدل عليه يعني على الوجوب. قال صاحب الفروع بعد نقل لذلك: كذا قالوا، يعني أنه لم يرتضي ذلك لذلك عقب عليه، قال: ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب ولا أمر به فلا توجه إضافته إليه، ولهذا قال شيخنا يعني شيخ الإسلام تيمية رحمه الله: لا أصل للوجوب في كلام أحمد ولا في كلام أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وممن أفرد المسألة بالتصنيف -المرداوي في الإنصاف قال: وصنفوا فيه التصانيف- ممن أفرد المسألة بالتصنيف، هناك من علماء الحنابلة من انتصر للقول بالوجوب وهناك من انتصر للقول الثاني بعدم الوجوب. فممن انتصر للوجوب: القاضي أبو يعلى في كتابه إيجاب الصوم ليلة الغمام، وهذا كتاب مفقود لكن النووي رحمه الله في المجموع نقل منه نبذاً كثيرة، نقل منه نبذاً كثيرة في الجزء السادس من صفحة 408 إلى 420، والنبذ الكثيرة جمعت في رسالة، وجمعت وطبعت رسائل بعض رسائل القاضي أبي يعلى ومنها هذه الرسالة، وأخذت هذه الرسالة مما نقله النووي رحمه الله في المجموع وطبعت رسائل أبي يعلى لتحقيق أبي جنة وفقه الله، وأيضاً فك الشيخ ناصر السلامة.

وأيضاً ابن الجوزي رحمه الله في كتابه در اللوم في صوم يوم الغيم، طبعا أبو يعلى لما صنف هذه الرسالة رد عليه الخطيب البغدادي، رد على الخطيب البغدادي، وابن جوزي نقل أيضاً رد البغدادي نبذاً منه. فجاء ابن الجوزي رحمه الله فصنف در اللوم في صوم يوم الغيم ورد على رسالة البغدادي وكتاب مطبوع.

وأيضاً ممن صنف: أحمد بن عبد الهادي، أحمد بن عبد الهادي في كتابه السحب في وجوب صوم يوم الغيم. وأنبّه إلى أنه الشيخ ابن قاسم رحمه الله في الحاشية ذكر في صفحة 351 الحاشية رقم اثنين، ذكر من ضمن الرسائل در اللوم ليوسف بن عبد الهادي، يوسف بن عبد الهادي هو ابن المبرد المعروف، لكن الحقيقة أنه يوسف بن عبد الهادي لم يؤلف هذه الرسالة ولم.

أجد في من نقلوا مؤلفاته ورسائله والرسائل المهتمة بهذه المسألة، من نسب له هذه الرسالة، وإنما نسبوا رسالة السحر في وجوب صوم قتر، هذه لأحمد بن عبد الهادي، وهو أخو يوسف.

وأيضا ممن صنف فيه مرعي الكرمي في كتابه تحقيق الرجحان بصوم يوم الشك من رمضان، وقابلهم آخر فصنف في كراهته وتحريمه؛ منهم محمد بن عبد الهادي اللي هو أحد تلامذة شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان. وقول المؤلف رحمه الله هنا: حكما ظنيا احتياطيا بنية رمضان، يعني أنهم يصومونه احتياطا لرمضان ليخرجوا من عهدة الواجب.

ويترتب على كونه احتياطيا أنهم لو صاموا ثلاثين يوما من رمضان أولها يوم الغيم ثم لم يروا هلال شوال، فإنهم يصومون اليوم الحادي والثلاثين لكون اليوم الأول صاموه احتياطا. قال المؤلف رحمه الله: ويجزئ صوم ذلك اليوم إن ظهر منه، يعني لو صام يوم الغيم احتياطا لرمضان ثم تبين لاحقا أنه من رمضان بأن ثبتت مثلا رؤيته في موضع رآه في موضع آخر، فيجزئ صوم يوم الغيم لأن صومه وقع بنية رمضان لمستند شرعي أشبه الصوم للرؤية.

قال: وتصلى التراويح تلك الليلة، ويجب إمساكه على من لم يبيت نيته. طبعا العمل الآن عندنا في المملكة على عدم العمل بهذه الرواية، وإنما يعمل بالقول الآخر، وأنه لا يثبت دخول الشهر إلا برؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين يوما، وإذا حال دونه غيم أو قتر فالمذهب، فالعمل عندنا على القول الثاني في المسألة وهو قول أكثر العلماء أنه لا يصام.

قوله: نعم وتصلى التراويح تلك الليلة، ويجب إمساكه على من لم يبيت نيته، لا عتق أو طلاق معلق برمضان، يعني إذا صيم يوم الغيم احتياطا فيترتب على ذلك هل تستوي جميع الأحكام؟ نقول: الأحكام المتعلقة بالصوم فإنها تثبت، والأحكام التي لا تتعلق بالصوم فلا تثبت. فمن الأحكام التي تثبت هو صلاة التراويح تلك الليلة فإنها يصلى على أصح الوجهين عند الحنابلة، قال الإمام أحمد رحمه الله: القيام قبل الصيام، قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم وعد من صامه وقامه بالغفران، ولا يتحقق قيامه كله إلا بذلك، يعني بقيام ليلة الغيم.

ومنها أيضا وجوب الإمساك على من أكل فيه جاهلا أو لم يبيت النية، ولا تثبت بقية الأحكام التي لا تتعلق بالصوم، كما لو علق طلاق زوجته مثلا على دخول رمضان، أو علق عتق عبده على دخول رمضان، فإنهم إذا صاموا يوم الغيم فانه لا يثبت الطلاق أو العتق في اليوم الأول لكونهم إنما صاموا احتياطا، ولكن الأصل ثبوت النكاح والملك فلا ننتقل إلى الأصل إلا بيقين، فيثبت الطلاق والعتق في اليوم اللاحق ليوم الغيم، فنعمل بالأصل فيما عدا الصوم وتوابعه اللي هو بقي شعبان، ونعمل بالاحتياط في الصوم وتوابعه لعمل الصحابة رضي الله تعالى عنه المتقدم في أصل المسلة.

قال رحمه الله: ورؤي الهلال نهارا ولو قبل الزوال فهو لليلة المقبلة، كما لو رئي آخر النهار. وروى البخاري في تاريخه مرفوعا: «من أشراط الساعة أن يروا الهلال فيقولون ابن لليلتين». وإذا را... المؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه إذا رئي الهلال في النهار، الأصل أن الهلال متى يرى؟ يرى يعني تتحقق رؤيته إذا رئي بعد غروب الشمس.

طيب يا رؤية النهار فهل نقول يمكنه غرب؟ يمكنه طلع من الأمس؟ يقولون: لا هذه مسألة نادرة نادرة جدا إن لم تكن مستحيلة، لكن الفقهاء يفرضونها لتمرين ذهن الطالب على مسائل العلم. فإذا رئي الهلال في النهار فلا يكون اليوم الذي رئي فيه الهلال هو اليوم الأول من الشهر، يعني لا يعتبر هذا الهلال لليلة الماضية، سواء كانت الرؤية له قبل الزوال أو بعده، وهذا هو المذهب وهو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله تعالى عنه: أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فاذا رايتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا أو يشهد رجلان مسلمان أنهما راياه بالأمس عشية، وهذا عند الدارقطني.

وقوله هنا: ولو قبل الزوال هذه إشارة خلاف، لأنه روي عن الإمام أحمد رحمه الله رواية بالتفريق بين ما قبل الزوال وبعده، وأنه إن رئي قبل الزوال فهو للماضي وإن رئي بعده فهو للمقبلة، لكن المشهور عنه هو أنه ليس لماضيه سواء رئي قبل الزوال أو بعده.

وقوله هنا: لليلة المقبلة لا يعني أن هذه الرؤية يعتد بها في ثبوت دخول الشهر، بل لابد أن يرى الهلال بعد تحقق الغروب، فقوله للمقبلة هنا المقصود به نفي أنها للماضي، وليس المقصود أنه يكتفى بها في إثبات أن الليلة المقبلة هي الليلة التي يدخل بها الشهر. فلو رئي مثلا في ظهر اليوم التاسع من شعبان، رئي في ظهر اليوم التاسع من شعبان، نقول يقينا أنه ليس لليله الماضية، طيب لا نقول إنه لليله المقبلة بمعنى أنه خلاص ما يحتاج يرون الهلال بعد غروب الشمس، خلاص بكره رمضان، لا نقول لابد أن يرى بعد الغروب.

ولذلك قال البهوتي في الكشاف تنبيه: قال شيخ الاسلام زكريا في شرح البهجة، يقصد زكريا الأنصاري في كتاب وهو الشافعي في كتاب الغرة البهية شرح البهجة الوردية يقول: والمراد بما ذكر أي من أنه للمستقبل دفع ما قيل إن رؤيته تكون لليلة الماضية انتهى.

قال البهوتي: فلا أثر لرؤية الهلال نهارا، وإنما يعتد بالرؤية بعد الغروب، قال قلت: ولعلها مراد أصحابنا لظاهر الخبر السابق أقصد به الذي قدمناه قبل قليل، ولما يأتي فيمن علق طلاق امراته برؤية الهلال حيث قالوا فرؤيا وقد غربت، يعني في الطلاق يذكر الاصحاب أنه إذا علق طلاق امراته برؤيته هلال لرمضان قالوا: فإذا رؤي الهلال وقد غربت، فقدوا الرؤية بالغروب، فعلم منه أن الرؤية قبل الغروب لا تأثير لها انتهى كلامه.

وهذه من المسائل التي فسرت في غير بابها، فسر كلام الاصحاب هنا فهو لليلة المقبلة فسر بكلامهم في الطلاق. قوله: وروى البخاري في تاريخه مرفوعا، هذا من حديث طلحة بن أبي حدرد: «من أشراط الساعة أن يروا الهلال فيقولون ابن لليلتين». ومراد الأصحاب لأن الأهلة قد تكبر فيعتقد أن هذا هو هلال اليوم الثاني وهو لليوم الأول، لأنه مربوط بالرؤية، ولذلك جاء في صحيح مسلم حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله مده للرؤية» يعني الهلال فهو لليلة رأيتموه.