بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم ويا إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، حياكم الله أيها الأحبة في هذا اللقاء الأول من لقاءات التعليق على الروض المربع للشيخ منصور البهوتي رحمه الله تعالى، وهذا هو اللقاء الأول المنعقد ليلة الثلاثاء الثالث عشر من شهر الله المحرم عام اثنين وأربعين وأربعمائة وألف.
قبل أن نبدأ الشرح والتعليق على الكتاب، هناك مقدمات ووصايا لطالب العلم ينبغي استحضارها قبل البدء. فمن أول هذه الوصايا التي يوصى بها طالب العلم: الإخلاص لله تعالى في طلب العلم، ومن المعلوم أنه لا يقبل عمل إلا بإخلاص ونية صالحة. فمن أخلص فبها، ومن لم يخلص فلا يتعب ولا يعن نفسه؛ لأن تعبه سيكون وبالاً عليه، فالله عز وجل يقول في كتابه العزيز: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18].
وحسن النية وإخلاصها من الأشياء التي تعين الإنسان في طلب العلم وتثبته عليه. ولذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وحسن القصد من أعون الأشياء على نيل العلم ودركه". ولذلك الإنسان إذا أخلص قصده لله عز وجل، فإن الله عز وجل يعينه ويثبته في أعماله الصالحة، ومن أعماله الصالحة طلبه للعلم. ومما يذكر في هذا الباب أن الإمام مالكاً رحمه الله تعالى لما ألف كتابه الموطأ، أُلِّف في عصره غيره، فقيل له: إن الناس قد ألفوا موطآت، فقال: "واطأوا ووطأنا، وما كان لله يبقى".
ومن الوصايا أيضاً العمل بالعلم، فالإنسان إذا تعلم شيئاً فإن عليه أن يعمل به؛ لأن هذا من أسباب رسوخ العلم في الصدر وعدم نسيانه. ومن عمل بعلمه بورك له فيما علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66-68].
ذكر الله عز وجل في هذه الآية أربع ثمرات للعمل بالعلم: أنه يتحقق له الخيرية، وأنه أشد تثبيتاً له فيتحقق له الثبات على الحق وثبات العلم في قلبه، والأمر الثالث أن الله يؤتيه أجراً عظيماً، والأمر الرابع أن الله عز وجل يهديه صراطاً مستقيماً ويثبته عليه.
ومن الوصايا التي يوصى بها طلاب العلم: الصبر، الصبر يا طالب العلم. فالعلم لا يؤخذ ولا ينال بالاستعجال وعدم التأني، بل لا بد من الصبر والمصابرة. العلم يؤخذ بالتأني والتؤدة، ولا يؤخذ جملة واحدة. ومما يؤثر عن الإمام المحدث الحافظ ابن شهاب الزهري رحمه الله أنه قال: "من رام العلم جملة فاته جملة، وإنما يؤخذ العلم على مر الأيام والليالي".
وأيضاً من الوصايا: الثبات وعدم التنقل. فبعض الناس مثلاً يسمع أن زاد المستقنع نفيس وجيد ومعتمد في المذهب، فيبدأ حفظه أو دراسته على شيخ، ثم إذا قطع منه شوطاً سمع بآخر من أحسن المختصرات عند الشيخ الفلاني فينتقل إليه وهكذا، فلا يثبت على طريقة أو على متن واحد؛ فهو يتنقل بين متن إلى آخر من غير إتقان لمن نُقل عنه ولا لمن ترك، فهذا مما يعيق التحصيل. بعض الطلاب يغرق في الشكليات ويدع الأساسيات؛ فتجده يسأل: "بماذا أبدأ؟" فتقول له الأفضل المتن الفلاني، فيأتي بعد سنة ويسأل نفس السؤال لشيخ آخر، فهو يظل مهتماً بالشكليات في أي متن يكون معتمداً في الفن الذي تدرسه، ولا يلزم أن يكون هو أفضل المجموع. لأن الإنسان إذا بدأ يسأل ويتنقل من كتاب إلى كتاب، فإنه لن يثبت وبالتالي لن يحصل شيئاً، والمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
ومما يوصى به طالب العلم أن يحرص على تحضير درسه قبل الحضور، وأن ينتبه أثناء الدرس، وبعد انتهاء الدرس يراجع ويستذكر ما أخذه في الدرس، فلا يكتفي بما سمعه أثناء الدرس. لا نقول انتهى الدرس، بل احضر قبل الدرس، واحرص على الحضور والانتباه والمناقشة، ثم بعد الدرس إن حصل لك قرين تذاكر معه، فهو زيادة ونور على نور.
ابن بدران رحمه الله في "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" وهو كتاب نفيس وفيه معلومات مفيدة في المذهب، أخذ عنه من بعده ممن كتب عن المذهب الحنبلي، يقول رحمه الله في خاتمة كتابه: "اعلم أن كثيراً من الناس يقضون السنين الطوال في تعلم العلم، بل في علم واحد ولا يحصلون منه على طائل، وربما قضوا أعمارهم فيه ولم يرتقوا عن درجة المبتدئين". ثم بين الأسباب يقول: وإنما يكون ذلك لأحد أمرين: أحدهما عدم الذكاء الفطري وانتفاء الإدراك والتصور، وهذا لا كلام لنا فيه ولا في علاجه.
الأمر الثاني وهو الخلل في التعلم، يقول: "الجهل بطرق التعليم"، وهذا وقع فيه غالب المعلمين. يقول: مثلاً يأتي إليه الطالب سيدرس عليه "زاد المستقنع" أو "الروض المربع" إلى آخره، فيبدأ يفصل له في البسملة ويعربها له، وما هو الاسم وهل هو المسمى أو غير المسمى، ويتكلم على الرحمن الرحيم، ويمكن ينهي الدرس الأول في شرح البسملة. فإذا نظر الطالب إلى هذا الشيخ وما عنده من العلم والتفصيل، سيقع في نفسه إحباط: متى سأنهي هذا المتن؟ وكيف سأصل إلى درجة هذا الشيخ الذي يفصل ويدلل ويعلل في كل لفظة؟ وينقطع بسبب تفصيل الشيخ الذي إنما أراد به الخير، لكن كم من مريد للخير لم يصب.
يقول ابن بدران رحمه الله بعد نقله عن شيخه محمد بن عثمان الحنبلي خطيب دوما: "لا ينبغي لمن قرأ كتاباً أن يتصور أنه يريد قراءته مرة ثانية. قرأت كتاب زاد المستقنع، اقرأه بتمعن وتأمل وتصور وتكرار، حتى كأنك لن ترجع إليه مرة ثانية". يقول لأن هذا التصور يمنعه عن فهم جميع الكتاب، فليتصور أنه لا يعود إليه مرة ثانية؛ لأنك إذا تصورته سترجع للزاد مرة ثانية وثالثة ورابعة، خلاص المهم أهم شيء أني أنهي وبعدين أفهمه. يقول: "لا، اقرأه وحاول تفهمه كله كشخص لن يرجع إلى هذا الكتاب مرة أخرى".
ويقول: "كل كتاب يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة، فحقق مسائل ما دونه لتوفر جهدك على فهم الزيادة". مثل الآن في مسائل أوسع من ما قبله "منهج السالكين" أو "العمدة"، الروض في مجال أوسع من الزاد. فيقول إذا فهمت المتن الأول دراسة وافية، فأنت تقريباً انتهيت من ثلثي الثاني، فإذا انتقلت للثالث فقد أتقنت تقريباً نصفه أو أكثر بقليل. ولما أخذت نصيحته مأخذ القبول، لم أحتج في قراءتي على الأساتذة في العلوم والفنون إلى أكثر من ست سنين، فجزاه الله خيراً وأسكنه فسيح جناته.
إلى أن قال: إذا تمهد هذا، فاعلم أننا اهتدينا بفضله تعالى أثناء الطلب إلى قاعدة، وهي أننا كنا نأتي إلى المتن أولاً، فنأخذ منه جملة كافية للدرس، ثم نشتغل بحل تلك الجملة من غير نظر إلى شرحها ونزاولها حتى نظن أننا فهمناها، ثم ننظر على الشرح ونطالع المطالعات الأولى إلى آخر الكلام. يعني يقصد أنه يفهم المقدمة، وكل جملة يحاول أن يفهمها، فإذا حاول فهم جميع جمل هذا المقدار اليومي، ينتقل إلى الشروح والحواشي، هل وافقهم في فهمه أو لا؟ فإن لم يوفقهم يصحح ما فهم، وستثور لديه إشكالات، الآن ينتقل إلى حضور الدرس عند الشيخ، الشيخ سيلقي عليه الدرس، فإذا ألقى عليه الدرس خلاص سترسخ هذه المعلومات التي حاول فهمها، والشيخ قد يحل الإشكالات التي كانت موجودة عنده، وما لم تحل يسأل الشيخ عن هذه الإشكالات.
وهكذا ثم إذا رجع إلى البيت يراجع أيضاً هذا الدرس، فيكون مر عليه ثلاث مرات: مرة قبل الدرس، ومرة أثناءه، ومرة بعده. فإذا أتقن الكتاب كاملاً على هذه الطريقة، فإنه سيترقى ويكون سهل عليه كل الفنون وكل الكتب التي في هذا الفن.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان