دخولتسجيل الدخول

كتاب المناسك 01 | المجلس الأول

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

كتاب المناسك. منسك بفتح السين وكسرها، وهو التعبد، يقال تنسك تعبد وغلب إطلاقه على متعبدات الحج. المنسك في الأصل من النسيكة وهي الذبيحة. الحج بفتح الحاء في الأشهر، وعكسه شهر ذي الحجة. الأشهر عكس شهر ذي الحجة، فرض سنة تسع من الهجرة، وهو لغة القصد، وشرعا قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص. والعمرة لغة الزيارة، وشرعا زيارة البيت على وجه مخصوص. وهنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في بداية هذا الكتاب كتاب المناسك عن لفظة المناسك قال هي جمع، والنسك في الأصل هو التعبد، ثم قال إنه غلب إطلاقها على متعبدات الحج، فالاصطلاح الشرعي أخص من الاصطلاح اللغوي، والمنسك بالأصل أيضا من النسيكة وهي الذبيحة. ثم ذكر الحج في الأشهر ويجوز كسرها، والحج قال وعكسها شهر ذي الحجة، وعشر ذو الحجة الأفصح بكسر الحاء ويجوز فتحها، فرض الحج سنة تسع من الهجرة، وهذا نقول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى وقيل غير ذلك. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تعريف الحج لغة واصطلاحا وتعرض العمرة لغة واصطلاحا، ذكر أنه لغة القصد أو كثرة القصد إلى الشيء، وشرعا قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص، والعمرة لغة الزيارة وشرعا زيارة البيت على وجه مخصوص، وهذه تعريفات الأصل أن المقصود في تعريفه لتوضيح المعرف والحج والعمرة معروفان، المقصود بهذا التعريف نعم.

وهما واجبان لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. ولحديث عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح. وإذا ثبت ذلك في النساء الرجال أولى. أحسنت، هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن حكم الحج والعمرة، فقال وهما واجبان. أما وجوب الحج على المستطيع فهذا دل عليه القرآن والسنة والإجماع، من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. ومن السنة أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس» وذكر منها حج بيت الله الحرام. وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى على وجوب الحج على المستطيع مرة في العمر كما نقله الموفق ابن قدامة رحمه الله في المغني.

وأما العمرة فيها خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكمها، أما الحج فلا خلاف في وجوبه، العمرة هي التي فيها خلاف، والمؤلف رحمه الله تعالى قال وهما واجبان عن الحج والعمرة، فالعمرة واجبة على الصحيح من مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى فيرون أنها تجب في العمرة مرة كالحج، واستدلوا بما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من الدليلين: أول الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] فإن قالوا قرنت العمرة بالحج، ولما كان الحج واجبا كانت العمرة واجبة مثله كما ذكره بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى، وقالوا أيضا مقتضى الأمر الوجوب. لكن الاستدلال بهذا الدليل على وجوب العمرة فيه نظر؛ لأن المأمور به في الآية الإتمام إذا شرع فيها لا الابتداء، وهذا لا إشكال فيه، وإنما خلاف العلماء رحمهم الله تعالى في الابتداء، يعني إذا شرع في العمرة طاف مثلا أحرم وطاف، وهنا نقول يجب عليه إتمام العمرة وهذا بنص الآية، لكن إذا كان من أول الامر لم يعتمر قط فهل نقول يجب علينا الأمر في دلالة هذه الآية؟ أقول هذه الآية الاستدلال بها فيه نظر.

واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: هل على النساء من جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». وعليهم هذه على تدل على الوجوب، قالوا فدل على وجوب الحج والعمرة، قالوا وإذا ثبت هذا في النساء فالرجال من باب أولى. وهذا الحديث جاء أصله في البخاري لكنه بلفظ مختلف، جاء فيه: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» ولم تذكر فيه العمرة. والإمام أحمد رحمه الله تعالى استدل أو احتج على وجوب العمرة بحديث أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، فقال: «حج عن أبيك واعتمر» وهذا عند أهل السنن، وقال الترمذي حسن صحيح. واحتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى أيضا بأنه ثبت القول بوجوبه عن عدد من الصحابة ابن عباس وابن عمر، وعلق البخاري رحمه الله تعالى الأثر عنهما في صحيحه بالجزم، وابن أبي شيبة وغيره، وذكر الموفق أنه مروي كذلك عن عمر وزيد بن ثابت، ثم قال بعد ذلك وهو مروي عن الوجوب والعمرة مروي عمن سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم نعلمه إلا ابن مسعود على خلاف عنه.

إذا فهذا قول الحنابلة رحمهم الله تعالى في وجوب العمرة ودليلهم ومناقشة بعض الأدلة، المسألة فيها خلاف العمرة، طيب إذا قلنا أنها واجبة هل هي واجبة على المكي وغيره أو واجبة على غير المكي؟ المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن العمرة واجبة على المكي وغيره لعموم الأدلة السابقة، وفي المذهب الخلاف، وهناك من الأصحاب من قال إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى نقل عنه ما نقل عنه من أن العمرة مستحبة أن هذا محمول على المكي، فقال الإمام أحمد لا يوجب عليهم عمرة رواية واحدة، هذا قاله بعض الأصحاب كالموفق وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، طبعا على كما قلنا أن العمرة تجب كالحج يعني أقصد تجب كالحج وعلى المكي وغيره، وعلى القول بوجوبها فإنها تجب في العمر مرة ولا تجب أكثر من مرة، طبعا هذه كانت واجبة بنفس الشرع، لكنها قد تجب بسبب من المكلف كما إذا أفسد نسكه فيجب عليه القضاء أو إذا نذر أن يعتمر فيجب عليه وفاء بالنذر فهذا أمر خارج. والدليل على وجوب الحج والعمرة مرة واحدة سيأتي بعد قليل.

قال رحمه الله: إذا تقرر ذلك فيجبان على المسلم الحر المكلف القادر أي المستطيع في عمره مرة واحدة لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج مرة فمن زاد فهو تطوع». رواه أحمد وغيره. الإسلام والعقل شرطان للوجوب والصحة، والبلوغ وكمال الحرية شرطان للوجوب والأجزاء دون الصحة، والاستطاعة شرط للوجوب دون الأجزاء. تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المقطع عن شروط وجوب الحج، ليكون يعني على من يجب الحج؟ على من توفرت فيه خمسة أوصاف: الإسلام، والحرية، والتكليف طبعا التكليف هي البلوغ والعقل فهما شرطان، والعقل والاستطاعة، هي خمسة شروط: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والاستطاعة، وكون الحج لا يجب إلا إذا توفرت هذه الشروط الخمسة، الموفق رحمه الله أنه لا يعلم في اشتراطها خلافا، وجمعها ابن قائد رحمه الله في حاشيته على المنتهى بقوله: الحج والعمرة واجبان في العمر مرة بلا ثواني بشرط إسلام الأول كذا حرية الثاني عقل بلوغ قدرة جلية هذه خمسة شروط.

هنا قال في عمره مرة واحدة، واستدل بالحديث: «الحج مرة» كما زاد فمن زاد فهو مطوع، أو في بعض النسخ فهو تطوع. وجاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس، قد كتب الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلت لوجب ولما استطعتم». ثم جاء في حديث صحيح: «الحج مرة فما زاد فهو متطوع». ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه الشروط على ثلاثة أقسام، وهذا التقسيم ذكره الموفق رحمه الله في المغني. القسم الأول ما هو شرط للوجوب والصحة والأجزاء: الإسلام والعقل. فمن لم يتحقق فيه شرط الإسلام يعني الكافر نقول لا يجب عليه الحج، لا يجب عليه أن يتوجه الوجوب عليه، بل يتوجه الوجوب عليه أولا بالإسلام ولا يصح منه ولا يجزئه لو حج في كفره، لا يجزئ عن حجة الاسلام، وكذا المجنون لا يجب عليه الحج ولا يصح منه لو حج، ولو حج يعني صورة الحج فانه لا يجزئه ذلك عن حجة الاسلام؛ لأن الكافر ليس من أهْل العبادات وكذا المجنون لا تصح منه النية.

القسم الثاني: شروط وجوب وأجزاء دون الصحة، وهما شرطان: البلوغ والحرية. فمن لم يبلغ ولم تكمن حريته فإنه لا يجب عليه الحج، بمعنى أنه لا يأثم إذا لم يحج ولا يجزئه لو حج عن حجة الاسلام، لكن وش فرقه عن القسم الأول؟ أنه يصح منه الحج، لو حج فإنه يصح منه الحج ويثاب عليه. وعدم وجوب الحج على الصبي بحديث: «رفع القلم عن ثلاث» وذكر منه الصبي حتى يبلغ. وأما صحته منه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في حجته رفعت إليه امرأة صبيا وقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». رواه مسلم. وأما العبد فلا يجب عليه الحج لأنه مشغول بخدمة سيد، ويصح منه لوجود الأهلية.

طيب، الآن قلنا لا يجب ويصح، طيب بقي الأجزاء لا يجزئ لو حج الصبي والعبد، الصبي في صغره والعبد في رقه، ثم بلغ الصبي بعد كمال الحج أو أعتق العبد بعد كمال الحج، فإن حجهما هذا لا يجزئهما عن حجة الاسلام لوجود النص في ذلك، وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى». وهذا الحديث عند ابن أبي شيبة والبيهقي، واختلف في رفعه ووقفه، ابن حجر رحمه الله في البلوغ رجح أنه موقوف، لكن جاء في رواية عند ابن أبي شيبة أن ابن عباس قال: احفظوا عني ولا تقولوا. قال ابن عباس فذكر قال ابن حجر في التلخيص وهذا ظاهر أنه أراد أنه مرفوع ولهذا نهاهم عن نسبته. وكذلك نقل الإجماع على عدم أجزاء حج الصبي والعبد ابن المنذر والترمذي رحمهم الله تعالى.

طيب هنا فقط مسألة وهي: الآن الصبي إذا صلى أو صام، هل يجزئه لو صلى في الوقت ثم بلغ في أنائه أو صام في أول النهار ثم بلغ في آخره، فليجزه هذان الواقع؟ أو نلزم بالقضاء؟ وجهان في المذهب، والمشهور للمذهب كما تقدم لنا في المسألتين أنه يلزمه القضاء. يعني إذا بلغ في أناء النهار، بلغ يعني في الوقت بعد إتمام الصلاة. طيب في الحج، قلنا في الحج، طيب إذا بلغ بعد الحج يقولون لا يجوز أن حجة الإسلام قولا واحدا، لماذا فرق بينهما؟ ما جعل في هذا قولين الحج قولين، أشار ابن رجب رحمه الله في القواعد إلى الفرق بين بلوغ الصبي بعد أداء الصلاة في الوقت، وبين بلوغه بعد أداء النسك، قال في القاعدة الخامسة: من عجل عبادة قبل وقت الوجوب ثم جاء وقت الوجوب وقد تغير الحال بحيث لو فعل المعجل في وقت الوجوب لم يجزه، فهل تجزئه أو لا؟ قال هذا على قسمين، في القسم الأول أحدهما أن يتبين الخلل في نفس العبادة بأن يظهر وقت الوجوب أن الواجب غير المعجل، وذكر له صور منها إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ، وفي وجوب الإعادة وجهان، وذكر أن المنصوص الوجوب وذكر أن القاضي أبا يعلى أختار عدم الوجوب، ثم ذهب ابن رجب رحمه الله الفرق بين الصلاة والحج، حكي في وجوب الأجزاء نعم حكي فيها الأجزاء بخلاف الحج.

وهذا بخلاف ما إذا حج ثم بلغ؛ أن حجه ليس بمأمور به، حج الصبي ليس بمأمور به، يعني أمر إيجاب ولا إرشاد، وليس بمعاقب للترك بخلاف الصبي؛ لأن الصبي مأمور بالصلاة معاقب على تركها أي بالضرب من وليه، في الحج فليس مأمورا به ولا معاقب على تركه، ولذلك فرق الأصحاب بينهما فأجازوا في الصلاة والصيام وجهين، في الحج فهم من قول واحد، طبعا إضافة إلى وجود النص. القسم الثالث: شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة، غير المستطيع لا يلزمه الحج، لا يلزمه الحج لكن يصح منه لو تكلف وحج فيصح منه وأيضا يجزئه عن حجة الاسلام.

أحسن الله إليكم قال رحمه الله: فمن كملت له الشروط ووجب عليه السعي على الفور.

ويأثم إن أخره بلا عذر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا إلى الحج» يعني الفريضة، «فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». رواه أحمد.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا اكتملت الشروط، اكتملت الشروط الخمسة الشخص فإن كان مسلما مكلفا يعني بالغا عاقلا حرا ومستطيعا -سيأتينا تفصيل الاستطاعة- فإنه يجب عليه السعي إلى الحج على الفور ويأثم إن أخره بلا عذر، وذكر الدليل على ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «تعجل إلى الحج» يعني الفريضة، «فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». وجاء في حديث آخر: «من أراد الحج فليتعجل». وهذا لأن الأصل هذه مبنية على مسألة أصولية، وهي: الأصل في الأمر الفوري، الأصل في الأمر الفورية. قالوا أيضا الحج والعمرة هما فرض العمر، العمرة يعني هما يفترضان مرة في العمر، فيلزم الإتيان بهما على الفورية أشبه الإيمان، الإيمان يجب أن يأتي بها على الفور لو قال شخص أنا لأن هو مين اللي إذا بلغ ثلاثين سنة الإيمان فرض العمر فيلزمك أن تقوم طيلة عمرك تأتي به على الفور وهذا مثله.

طيب إذا قال أحد النبي صلى الله عليه وسلم طيب لم يحج إلا السنة العاشرة، الحجة فرض في السنة التاسعة وكان في السنة السادسة في السنة التاسعة، طيب لماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في السنة العاشرة، هنا العلماء رحمهم الله تعالى استنبطوا لذلك أسباباً ثقيلة يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخره لعذر، فما العذر؟ قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر الحجة لكون العام التاسع هو عام الوفود، العام التاسع عام الوفود والوفود مقبلون على المدينة للإسلام والسماع من النبي صلى الله عليه وسلم فلم يناسب أن يحج ويتركهم، وقيل إن هذه السنة كان المشركون يحجون عراة يطوفون بالبيت وهم عراة لذلك لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السنة وطلب أن يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وقيل إنه يخاف على المدينة من ذلك من الأسباب. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخر الحج من السنة التاسعة إلى السنة العاشرة لعذر.

وزال الجنون بأن أفاق المجنون وأحرم إن لم يكن محرماً، وزال الصبا بأن بلغ الصغير وهو محرم في الحج وهو بعرفة قبل الدفع منها أو بعده إن عاد فوقف في وقته ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، أو وجد ذلك في إحرام العمرة قبل طوافها، صح الحج أو العمرة فيما ذكر فرضا فتجزئه عن حجة الإسلام وعمرته، ويعتد بإحرام ووقوف موجودين وما قبله تطوع لم ينقلب فرضا. فإن كان الصغير أو القل سعى بعد طواف القدوم قبل الوقوف لم تجزئه الحج ولو أعاد السعي، لأنه لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره بخلاف الوقوف فإنه لا قدر له محدود وتشرع استدامته، وكان إذا بلغ أو عتق في أثناء طواف العمرة لم تجزئه ولو أعاده.

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى أن سنة ما إذا ذهب الشخص إلى مكة وكان فيه يعني لم يتحقق فيه شرط مجروط الوجوب أما الرق أو الجنون أو الصبا، اه نعم لم يتحقق في شرط من شروط الوجوب أما الحرية أو العقل أو البلوغ، يعني وجد في مانع من موانع الوجوب من الرق أو الجنون أو الصبا ثم زال هذا المانع وتحقق شرط الوجوب وهو بمكة وأكمل النسك، فهل يجزئه حج أو عمرته فرضا أو لا يجزئه؟

هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى أنه -أه طبعا قسمها في الحج وفي العمرة- ذكر متى يجزئه عن الفرض حال الحج ومتى يجزئه عن الفرض حال العمرة، نذكر ضابطا ثم نأتي إلى كلام المؤلف رحمه الله، الضابط أنه إذا زال مانع الوجوب قبل فعل أحد الأركان الفعلية فانه يجزئه عن الفرض، أما إذا فعل أحد الأركان الفعلية من الحج في الحج أو العمرة ثم زال المانع بعده أو ما يمكن استدراكه فإنه لا تجزئه عن الفرض.

الأركان سيأتينا مع سيأتي معنا إن شاء الله في نهاية كتاب المناسك أركان الحج أربعة، واحد منها قلبي وهو الإحرام، اللي هو عقد الإحرام هذا ليس معنا، الأركان الفعلية ثلاثة اللي هي الوقوف بعرفة، طواف الإفاضة والسعي، الوقوف في عرفة وطواف الإفاضة والسعي، العمرة لها ثلاثة أركان: الإحرام وهذا قلبي، والطواف والسعي وهذه الثانية.

طبعا الحج يتصور أن يكون احتمال أن يكون أول ما يأتي به من الأركان الفعلية الوقوف بعرفة، ويحتمل أن يكون أول ما يأتي من الأركان الفعلية الحج، يتقدم للوقوف بعرفة في حال القارن والمفرد إذا قدم لمكة قبل عرفة وطاف للقدوم ثم سعى، سعي الحج فإنه يكون هذا أول الأركان الفعلية. أما في العمرة فالأركان الفعلية هو الطواف، فإذا نتكلم مثلا عن الصبي، صبي ذهب للحج لو قلنا أنه متمتع، ذهب للحج وكان متمتعا سعى وحلق مقصرا ثم أحرم بالحج وهو بمنى يوم التروية بلى تم له خمسة وعشرين سنة مثلا، فهنا يصح حجه فرضا، لماذا؟ لأنه إلى الآن لم يفعل أحدا من الأركان الفعلية.

طيب لو أنه بلغ وهو بعرفة، وهو بعرفة نقول: أيضا يجزئ بأنه نعم فعل أحدا ولكنه لم ينته منه حتى الآن فصدق عليه أنه فعل ركنا فعليا بعد البلوغ. طيب لو أنه بعد ما دفع من عرفة إلى مزدلفة الآن انتهى الركن ذهب إلى مزدلفة، نقول إذا أمكنه أن يعود إلى عرفة فيقف بها فإنه يلزمه ذلك يكون حجه فرضا، أما إذا لم يمكنه ذلك فلا يلزمه ويستمر على حجه ويكون نفلا. طبعا إذا جاء بعد طلوع الفجر يوم النحر خلاص هنا لا يمكن أن يكون الحج فرضا.

إذن نقول إذا زال مانع التكليف من الصبا أو الجنون أو الرق للحج قبل الوقوف بعرفة، قبل الوقوف بعرفة أو بعده إن عاد فوقف في وقته، فإنه يجزئه ذلك عن حجة الإسلام. طيب لو كان سعى طيب كان قارنا أو مفردا فسعى مع طواف القدوم قبل الوقوف بعرفة، هنا نقول خلاص ما دام سعى خلاص فعل ركنا فعليا تاما، تعالى ركنا فعليا تاما وهو لم يتحقق في شرط الوجوب، يستمر على نسك النفل ويستمر على نسكه النفل ولا ينقلب حجه فرضا، طيب لو أعاد؟ لا، حتى لو بعد السعي، لماذا؟ قالوا السعي لا يشرع تكراره، الوقوف خلافا للوقوف فإنه لا قدر له محدود، يعني أنه لو أنه دفع إلى مزدلفة ثم عاد فوقف في عرفة يعني قبل طلوع الفجر يوم النحر فيجزئه ذلك. أما في العمرة يقولون إذا تحقق فيه شرط الوجوب قبل الطواف يجزئ ذلك عن عمرة الإسلام، أما إذا شرع في الطواف فلا يجزئه عن عمرة الإسلام.

طيب نقرأ كلام المعين، يقول: فانزال الرق هذا المانع الأول، فان عتق العبد محرما، وزال الجنون بان أفاق المجنون وأحرم إن لم يكن محرماً. هذه فيها إشكال بقوله: أحرم إن لم يكن محرما. قلنا قبل قليل إن الجنون يعني أن العقل شرط للوجوب ولإجزاء الصحة، فلا يصح من الأصل إحرام المجنون فكيف يقول: أحرم إن لم يكن محرما؟ نقول: هذه متصورة فيما إذا طرأ الجنون، يعني أحرم عاقلا ثم طرأ الجنون بعد، ثم أفاق في عرفة أو قبله، يصح حجه عن حجة الإسلام.

وزال الصبا هذا المانع الثالث بأن بلغ الصغير ومحرم، طيب في الحج وهو بعرفة، هذا أول الأركان الفعلية، قبل الدفع منها أو بعده بعد أن عاد فوقف في وقته على مزدلفة ثم عاد إلى عرفة بوقتها يعني قبل طلوع الفجر يوم النحر ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، لأنه إذا سعى فقد انتهى ركن الأركان الفعلية، طبعا هذا في القارن والمفرد. وفي أو وجد ذلك في إحرام العمرة قبل طوافها، يتكلم في الحج الحج قبل وقوف عرفة أو قبل إذا كان إذا كان قد قدم السعي، في العمرة قبل طوافها. يقول: صح الحج والعمرة فيما ذكر فرضا فتجزئ عن حجة الإسلام وعمرته، ويعتد بإحرام ووقوف موجودين إذا كونا إحراما ووقوفا صحيحين، وما قبله -يعني ما قبل الكمال من العتق والبلوغ والإفاقة يعني الأفعال التي فعلها قبل أن يزول مانع التكليف- تطوع لم ينقلب فرضا تطوعا لم ينقلب فرضا يعني أنه كان أول نسك نفلا ثم صار آخر نسك فرضا.

وهذا أحد القولين في المذهب وهو قاله الموفق ابن قدامة رحمه الله وتبعه المنقح وبعض الحنابلة رحمهم الله تعالى يقولون ينعقد موقوفا، ينعقد إحرامه موقوفا فإذا تغير حاله تبين أنه كان فرضا. طيب هل في فائدة في هذا الخلاف؟ يعني إذا يعني كلا القولين يقولون يصح حجه فرضا من حجة الإسلام، لكن الكلام في أول الحج هل نقول إنه يوصف بأنه نفل أو يوصف بأنه فرض؟ هل فيه فائده في الخلاف؟ يقول ابن جاسر رحمه الله في مفيد الأنام لابن جاسر رحمه الله، كتاب مفيد من مناسك الحنابلة المتأخرين رحمهم الله تعالى، أبدع فيه ابن جاسر رحمه الله على تأخره ليس خاصا بمادة الحنابلة بل ذكر فيه يذكر فيه الخلاف العالي، لكنه تعمق في تحرير نصوص الأصحاب رحمهم الله تعالى، نقل المقولات من كتب بعضها لم تطبع، بعضها لم تطبع إلا أخيرا، وتميز هذا الكتاب بكون مؤلفه رحمه الله تعالى عمل في قضاء الحرمين وشارك في تحديد بعض المواقع في مكة وفي المدينة على وقت شيخنا إبراهيم رحمه الله تعالى، فزودنا هذا الكتاب بهذه الخبرة التي نثرها المؤلف رحمه الله في كتابه.

يقول رحمه الله: لعل من فائدة الخلاف زيادة أجر الفرض على النفل، والله أعلم. يعني أن هذا يعني أن هذا الخلاف فائدته أخروية وليس له فائدة دنيوية. ابن رجب رحمه الله أشار إلى هذه المسألة في القاعدة السادسة عشرة بعد المئة من قواعده ويرجع إليها من طلب الاستزادة.

قال رحمه الله: إحنا ذكرنا وكذا أن بلغ أو عتق في أثناء طواف العمرة لم تجزئه ولو أعاده، خارجين عيدها ونكمل ما بعدها. هي الكلام طبعا هو هو يتكلم يعني فصل في الحج ثم قال في العمرة أيضا إن بلغ أو عتق في أثناء الطواف في أثناء طواف العمرة فلا تجزئه عن عمرة الإسلام ولو أعاده، ولو أعاده لماذا؟ قالوا لأن بعد الركن -يعني أولا الركن اللي هو أول الأشواط طافها ولم يتحقق فيه إيمانه ولم يتحقق في شرط الوجوب- والطواف طواف الفرض لا يشرع مجاوزة عدد ولا تكراره.

قال رحمه الله: ويصح فعلهما أي الحج والعمرة من الصبي نفلا، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». رواه مسلم. ويحرم الولي في مال عمن لم يميز، ولو محرما أو لم يحج، يحرم مميز باذنه، ويفعل ولي ما يعجزهما، لكن يبدأ الولي في رمي في رمي بنفسه، ولا يعتد برمي حلال، ويطاف به راكبا أو محمولا.

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن نسك الصبي، ذكر أنه يصح من الصبي الحج والعمرة ويكونان نفلا، وهذا كما تقدم معنا في تقسيم الشروط أن البلوغ شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة، فلا يجب عليه ولا يجوز أن يحج الإسلام لكن يصح منه، يصح منه أن يكون نفلا لحديث ابن عباس الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.

طيب كيف يحرم الصبي؟ ذكر أن الصبي إما أن يكون مميزا أو غير مميز، والمميز حاضر يا أصحابي حده بسبع سنين وبعضهم قال من يفهم الخطاب ويرد الجواب على الصواب، وهما متقاربان تقريبا. طيب إذا كان هنا بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بغير مميز، فغير المميز يعقد الإحرام له وليه، يعقد الإحرام له وليه فلا يصح الإحرام بنفسه لأن الإحرام نية ولا يصح القصد من غير المميز، والدليل على أن الولي هو الذي يحرم قوله جابر رضي الله تعالى عنه: لبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، وهذا عند أحمد الليدي وفيه ضعف، وإنما صححنا إحرام الولي عن الصبي لتعذر النية، تعذر النية من الصبي.

طيب الولي الذي يحرم عن المميز هو الولي في المال، ولذلك قال المؤلف: يحرم الولي في مال. قوله في ماله متعلقة بالولي، أليست متعلقة بيحرم؟ طيب من هو الولي في المال؟ هذا يذكر الأصحاب رحمهم الله تعالى في كتاب الحجر أن الولي في المال هو الأب أو وصيه، فإن لم يكن أب ولا وصي فهو الحاكم، وعلى هذا فلا يصح أن يتولى عن الصبي غير هؤلاء الثلاثة إلا بإذنهم المشهور من المذهب، فلو ذهب الصبي مع أمه ولم يأذن أبوه أن تحرم الأم عنه فلا تحرم عنه. العباس رضي الله تعالى عنه أن السائل هي الأم، الظاهر أنها هي التي أحرمت عنه، وإن كان هذا ليس منصوصا في الحديث لكن هذا الذي يظهر منه، ولذلك الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله.

جواز إحرام الأم عن الطفل وإن كانت ليست ولية في المال، لظاهر حديث ابن عباس، وهذا خالفه بعض الأصحاب ويميل إليه الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى.

يقول الإمام أحمد رحمه الله في رواية حنبل: يحرم عنه أبواه أو وليه. يحرم عنه أبواه أو وليه. والذي في المطبوع من المغني المجلد الخامس صفحة ثلاثة وخمسين: أبوه يلهم عنه أبوه أو وليه. ولعل الصواب والله أعلم يناسب السياق الذي أورده الموفق من أجله، وهو كذلك موافق لبعض النسخ الخطية من الموالي وكذا عزل مردوي بالإنصاف لرواية حنبل أنه يصح من الأم.

قوله: ولو محرماً. يعني أن الولي الذي يحرم من الصبي لا يشترط أن يكون حلالاً، ويحرم عنه ولو كان محرماً. طيب، إيش الإشكال فيها؟ إيش كان فيها؟ يعني قد يتوهم أنه إذا كان محرماً وأحرم، سيكون الإحرام له أي للولي ليس للصبي. قالوا: لا. يحرم ويكون الإحرام للصبي. قالوا: كعقد النكاح، الولي يعقد النكاح لابنه الصغير. الولي يعقد النكاح لابنه الصغير، لو كان هذا الأب متزوجاً أربعةً مثلاً، فكونه يعقد له النكاح يعقد النكاح لابنه الصغير، لا نقول ما دمت أنت زوجت إلى أربع فلا تعقد النكاح، أنك متزوج أربعةً فلا يجوز أن تعاقد الخامسة، لا نقول أصلاً هو يعقد النكاح لابنه الصغير ومثله هنا الإحرام يقولون: يحرم الولي عن الصبي وإن كان ولي محرماً، فلا نقول أنت محرم فلا تحرم عن غيرك.

عنه ولو كان محرماً قال: أو لم يحج. يعني حتى لو كان الولي لم يحج فيجوز أن يعقد له الإحرام. الحالة الثانية إذا كان الصبي مميزاً قال: ويحرم مميز بإذنه. المميز يحرم عن نفسه بإذن وليه. لماذا يحرم عن نفسه ما نقول لماذا صححنا أحرمه عن نفسه وهو لم يبلغ؟ قالوا: لأنه لما قالوا هو يصح منها النية بدليل أنه يصح وضوءه، فلما صح وضوءه صح أحرمه، لكأن كل منهما يفتكر إلى النية.

طيب، هل يحرم عنه وليه ولا لا؟ لا يحرم عنه ولي بعدم الدليل، الدليل جاء بالإحرام عمن لم يميز، ولا يحرم الصبي إلا بإذن الولي. قالوا: لأن إحرامه يعني دخول الصبي في الإحرام يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم، أن يؤدي إلى لزوم أشياء هي غير لازمة بالأصل فلم ينعقد مثل البيع، يعني لزوم أشياء ليست لازمة مثل الفدية لو فعل محظوراً، احنا الأصل لو لم يحرم ما نقول يلزمه شيء، ما نقول يلزمه شيء أو حلق شعره لا نقول يلزمه شيء، فكلما أحرم أحلق شعره نقول الزموا الفدية، فلما كانت يلزم أمور مالية قالوا: لابد أن يكون ذلك بإذن الولي في المال. قالوا: مثل البيع، البيع لا ينعقد بيع الصبي إلا بعد استئذان ولي بعد استئذانه وليه كعقد البيع وهذا في غير المحقرات كما يذكره الأصحاب في كتاب البيع.

قال: ويفعل ولي ما يعجزهما. يعني الولي عن المميز وغير المميز يفعل عنهما ما يعجزون عنه، كالرمي، الرمي مثلاً في حديث جابر: «لبينا عن الصبيان ورمينا عنهم». وكانت عائشة تجرب الصبيان الإحرام. ننبه هنا إلى أن جمعاً من الحنابلة منهم الموفق بن قدامة في المغني رحمه الله تعالى يستدلون على أن الولي يفعل ما يعجز عنه الصبي ويطوف به، لأن أباک رضي الله عنه طاف بابن الزبير في خرقة، وهذا الأثر رواه عبد الرزاق وغيره.

تجد فيه نظراً، فأبو بكر رضي الله تعالى عنه جد ابن الزبير ولد عام الهجرة السنة الأولى من الهجرة، أبو بكر أول مرة يذهب للنسك متى؟ عام عمرة القضاء في السنة السابعة، الزبير في السنة السابعة له ست سنوات، لأ.

طيب إذا قلنا إن ذلك كان في حجة الوداع، ابن الزبير وقتها عمره تسع سنوات، ولذلك ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية يقول: ومن قال إن الصديق طاف به حول الكعبة وهو في خرقة فهو واهم والله أعلم، وإنما طاف الصديق به في المدينة ليشتهر أمر الميلاد على خلاف زعمت اليوم انتهى الكلام، لأن اليهود لما هاجر المهاجرون إلى المدينة زعموا أنهم سحروهم فلن يولد لهم ولن يعيش ولد، فلما ولد ابن الزبير وعاش فرح المسلمون بذلك لأن هذا فيه إثقالاً لقول اليهود. وانتقد الحافظ ابن حجر رحمه الله في الإصابة في هذه الرواية، إذاً الولي يفعل ما يعجز عنه الصبي، أما ما لا يعجز عنه مثل الوقوف بعرفة نبيت في منى بمزدلفة فهذا لابد أن يأتي به الصبي.

طبعا لا فرق بين أن يحضره الولي أو غيره، يعني إذا أحضر الولي الصبي إلى عرفة أو أحضره واحد آخر ليس هو الولي فلا فرق في ذلك، لكن المهم أن الذي يعجز عنه الصبي يفعله عنه الولي. قال: لكن يبدأ الولي في رمي بنفسه، الولي إذا أراد أن يرمي عن نفسه وعن الصبي فإنه يبدأ بالرمي عن نفسه أولاً ثم عن الصبي، قياساً على النيابة في الحج، نيابة الحج يحج الإنسان عن نفسه ثم عن غيره، فإن غاب عن الصبي أولاً فإنه يقع عن نفسه، قالوا: كالحج إذا حج عن غيره أولاً ثم حج لنفسه فنقول الحجة الأولى هي التي تكون عن نفسه.

في بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى يقيدون ذلك، يقيدون ذلك بما إذا كان حجه فرضا، فيما إذا كان حجه فرضا، مفهومه أنه إذا كان الولي محرماً بالنفل فله أن يرمي عن الصبي قبل أن يرمي عن نفسه أولاً، وهذا المفهوم صرح به ابن جاسر رحمه الله تعالى في مفيد الأنام، والحقيقة هذا وجه في المذهب، لكن هذا الوجه نشأ من اختصار ابن مفلح رحمه الله تعالى في الفروع لتعليل الموفق في المغني.

وعبارة الموفق في المغني يقول: ولا يجوز أن يرمي عنه، يعني يرمي الولي عن الصبي، إلا من قد رمى عن نفسه، بأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه، ومقصوده أنه يوجد عليه واجبان: الرمي عن نفسه والرمي عن موليه، وكلاهما واجبان حتى لو كان الحج نفلاً، فاذا اجتمع عليه واجبان فإنه يقدم ما يخصه على ما يخص غيره، كالنيابة في أصل الحج، فهو يعني ابن قدامة لم يتعرض أصلاً لحج النفل ولم يتعرض لحج الفرض، وإنما تعرض لكون الرمي واجباً عليه، قال: لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسي، يعني عليه رمي واجب عليه بنفسه.

موقع في الفروع جاء واختصر تعليل الموفق فقال: ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه كالنيابة في الحج. سينقلنا بالأجزاء هناك فكذا هنا تشير إلى أنه في قول عند أنه يجزئ أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه قال: فإذا قلنا هنا فنقول أيضاً هنا إذ درى معنا الصبي أولاً فيجزئ، قال: والا يعني وإن لم نقل بالإجزاء وقع الرمي عن نفسه إن كان محرماً بفرض وإن كان حلالاً لم يعتد به.

الان اختصارت دفعت علينا الموفق أوهم أن هذا الوصف قيد في الحكم، الموفق إنما أراد التعليل به ولم يرد التقييد به، على أنه يمكن أن يكون قصد مفلح رحمه الله بقوله محرم بفرض أي بنسك يلزمه إتمامه، والحج يلزم إتمامه بالشروع فيه وإن كان نفلاً، ومما يدل على ذلك أنه قد يكون يقصد محرماً بنسك يلزمه إتمامه، أنه ذكر مقابلها لو كان حلالاً، لأنه قال إن كان وإن كان حلالاً لم يعتد به، ولم يقل وإن كان محرماً بنفيه، فلابد أنه يغسل بقول محرم بفرض أي محرم بنسك يلزمه الإتمام.

وكل من نقل هذه العبارة بعد المفلح لم يصرح بمفهومها، وأنه في حج النفل يجوز أن يرمي الولي عن الصبي قبل أن يرمي عن النفس، لم يصرح بمفهومها إلا ابن جاسر رحمه الله تعالى، سوى ما نقله ابن حميد رحمه الله في حاجة المنتهى عن السفاريني باستشكال ذلك، رحمه الله مفهومه أنه إذا كان محرماً بنفل له الرمي عن الصغير قبل أن يرمي عن نفسه، مع علمنا بأنه باحرامه وجب عليه إتمامه في الجملة وقضاءه إن أفسده تأمل، يقول: إن هذا المفهوم فيه إشكال.

ما الذي يبدو والله أعلم أن تحرير المذهب في هذه المسألة أنه لا يبدأ بالرمي عن غيره، سواء كان محرماً في فرض أو بنفل، وإنما نشأ الوجه الثاني بالمذهب من اختصار المفلح لتعليل عبارة الموفق، وقد كتبت في هذه المسألة بحثاً مختصراً.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يعتد برمي حلال، يعني من لم يحرم عن نفسه. نعم، من لم يعني من لم يحج هذه السنة فإنه لا يعتد برميه عن موليه.

طيب، كيف قالوا قبل قليل: يجوز أن يعقد الإحرام له ولو كان لم يحج، وفي الرمي قالوا لا، لابد أن يكون ممن يحرم؟ يقولون: الإحرام والطواف ليس في أن يكون محرماً، لأن الإحرام يجوز من الحلال وهذا هو الأصل، والطواف يجوز أيضاً من الشخص الحلال، أما الرمي فلا يشرع إلا في النسك، يرمي شخص في الجمرات في وقت غير متعلق بالحج، نقول هنا بأنه لا يصنع الرمي في غير النسك فلا يشرع أن يرمي عن الحاج شخص لم يحج، أما الطواف والإحرام فيجوز ذلك فإنه لا يشترط بمشروعيتهما سبق الإحرام.

قال رحمه الله: يطاف به في عجز راكباً أو محمولاً، يعني الصبي كان يشق عليه المشي في الطواف فيحمله وليه أو يركبه كالكبير العاجز. ويشترط لصحة الطواف الصبي المحمول شرطان: الشرط الأول وجود النية من الطائف به، النية من الطائف به لتعذر النية منه، وقيده البهوتي رحمه الله بما إذا لم يكن مميزاً، لأن المميز أصلاً تصح النية منه. الشرط الثاني: أن يكون الطائف ممن يصح أن يعقد له الإقامة وهو وليه أو نائبه، فتصح النية منه.

أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: من العبد نفلاً ويلزمانه بنذره ولا يجوز ولا يحرم به ولا زوجة إلا بإذن سيد وزوج، فإن عقداه فلهما تحليلهما فلهما تحليلهما، ولا يمنعها من حج فرض كانت شروطه، ولكل من أبوي حر بالغ منعه من إحرام بنفل كنفل جهاد ولا يحللانه إن أحرم.

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن نسك العبد، يقول: ويصح الحج والعمرة من العبد نفلاً بعدد كما قلنا في الصبي تماماً، وكحديث ابن عباس الذي تقدم حج العبد ثم عتق فعليه حجة فعليه حجة، ويلزمه بنذر لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه».

قال: ولا يحرم به ولا زوجة إلا بإذن سيد وزوج، فإن عقداه فلهما تحليلهما. الآن يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن حكم حج النفل والنذر للعبد والزوجة نفلاً ونذراً.

إذا عقد الحج نافلاً سنتكلم عما نتكلم عن أنواع، إذا عقدنا الحج نبدأ فيقولون: يصح، يصح هذا هو الأصل. طيب، ولا يجوز، لا يجوز أنا عندنا حكم وضعيه صح، لكن تكليفي لا يجوز للزوج ولا للزوجة ولا للقن الإحرام الزوج أو السيد، لأن في إحرامهما بدون إذن توقيتاً لحق الزوج والسيد في الإحرام مع أن حقهم سابق، وهذا نقل منذر رحمه الله الإجماع عليه.

طيب، إذا عطل الحج فهل للزوج والسيد تحليلهما؟ نقول: لا يخلو، إما أن يكون عقداه بدون إذن أو عقداه بإذن، إن عقداه بدون إذن، الإحرام صحيح، لكن هل لهما تحليلهما؟ يقول: نعم، لهما تحليلهما، لأن الإحرام تضمن تفويت حقهم السابق للإحرام، فإذا حللاهما فيكونان كالمحصرين.

أما إذا كان إحرامهما بإذن، ما حد يملك السيد أو الزوج تحليلهما؟ نقول: لا يخلو، إما أن يكون هذا الرجوع عن الإذن قبل الشروع في النسك أو بعده، فإن كان قبل الشروع في النسك بل لا الرجوع مثلاً إذن الزوجة زوجتي أن تحج، ثم هي في طريق الميقات اتصل عليها وقال: آه لا اسمح لك بأن تحجي، فهنا لا الرجوع عن الإذن قبل الشروع في النسك، قياساً على الواهب إذا رجع في هبته قبل القبض.

أما إذا أرادت تحليلهما بعد الشروع في النسك الزوج أو السيد، فلا يملك الرجوع، لو أن زوجاً أذن لزوجته أن تحج، يا حجة متمتعة طافت وسعت واستحلت، ثم تنتظر يوم التروية لتحرم للحج، وقال: لا أسمح لك أن تحجي، فهنا نقول لا يملك الرجوع قولاً واحداً في المذهب، الزوجة والسيد لا يملك رجوعه على الصحيح من المذهب، بكون النسك يلزم بالشروع، وقد دخل في الزوج الزوجة والعبد دخولاً صحيحاً شرعاً.

طيب، قال: ولا يمنعها، يعني لا يمنع الزوج زوجته من حج فرض كملت شروطه، هذا الصحيح أن المذهب عليه الأصحاب، ويستحب لها استئذانه، يستحب لها استئذانه خروجاً من الخلاف، رجع رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة في القاعدة الثالثة والعشرين من قواعده، طبعا هذا إذا كملت شروطه، وأما إذا لم تكن شروطه في أن مثلاً سنة الحج ولن تجد محرماً مثلاً محرماً، فهذا لا يلزمه أن يأذن لها فيلزم وإن يأذن لها.

ثم تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن مسألة حج الابن، فيقول: ولكل من أبوي حر بالغ منعه من إحرام بنفل ولا يحللانه إن أحرم. يقول: إحرام الولد أما أن يكون بفرض، وهذا لم يذكر ولكن نأخذه من مفهوم المخالفة من كل بناء.

فأما أن يكون الفرض فلا يجوز للابوين أن يمنعاه من ذلك ولا يحللانِهِ، أما إذا كان النسك نفلاً فلهما منعه من ذلك؛ قياساً على منعهما له من الجهاد؛ فإن حقَّهما مقدم على الجهاد التطوع لقوله صلى الله عليه وسلم: «ففيهما فجاهد». فكذلك يقدم حقُّهما على الحج والعمرة في التطوع لوجوب طاعة الوالدين في غير معصية، والنسك النفل ليس بمعصية. لكن إذا أحرم فلا يحللانِهِ لوجوب النسك بالشروع فيه.

شيخنا، في قوله: «والاستئذان من العبد نفلاً بعدم المانع، ويلزمانه بنذره»، هنا الإلزام بالنذر فقط للعبد ولا يلحق به الزوجة والولد؟ الزوجة تلحق به، أما الابن أن تقصد الابن البالغ ولا الصغير؟ مثلها الزوجة والولد مثلها، أما الصغير فلا يجب نذره لأنه لم يبلغ.

قال رحمه الله: والقادر المراد فيما سبق من أمكنه الركوب، ووجد زاداً وراحلةً آلتيهما صالحين بمثله. روى الدارقطني بإسناده عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] قال: قيل يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة. وكذا لو وجد ما يحصل به ذلك.

بعد قضاء الواجبات من الديون حالةً أو مؤجلةً، والزكوات والكفارات والنذور، وبعد النفقات الشرعية له ولعياله على الدوام من عقار أو بضاعة أو صناعة، أو بعد الحوائج الأصلية من كتب ومسكن وخادم ولباس مثله وغطاء ونحوها، ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره له.

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن تفصيل الاستطاعة. تفسير الاستطاعة القادم: من أمكنه الركوب، ووجد زاداً وراحلةً آلتيهما صالحين لمثله، أخَّره عن شروط لوجود التفصيل فيه، والاستطاعة منها ما هو شرط وجوب ومنها ما هو شرط لزوم الأداء كما سيأتي. الاستطاعة تحقق، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى خمساً منها، وطبعاً ذاكر اثنين منها وثلاثة سيذكرها بعد قليل: الأول الزاد، والثاني الراحلة، والثالث سعة الوقت، أمن الطريق، الخامس المحرم للمرأة. وبعض الأصحاب يزيد سادساً: دليل الجاهل وقائد الأعمى، هذه كلها مما يتحقق بها شرط الاستطاعة.

طيب، هل هذه شروط وجوب أو لزوم؟ وما الفرق بينهما؟ مثلاً يتبين به الفرق: الآن المحرم المرأة، امرأة بلغت لديها استطاعة مالية وتوفرت لها الشروط الخمسة لكن لم تجد محرماً، وعندها قدرة مالية، وإلى أن بلغت الستين ثم ماتت ولم تحج يعني كل سنة ما وجدت محرماً، فهنا إذا ماتت هل نحج عنها؟ هل يلزم أن يحجوا عنها؟ إذا قلنا إن المحرم شرط للوجوب لأنه لم يتحقق فيها شرط الوجوب؛ أما إذا قلنا إن المحرم شرط لزوم الأداء نفسها فإنها أنه يحج عنها من تركتها؛ لأنها واجب عليه الأداء، وجب عليها حج لكن لم يتحقق فيها المحرم الذي يشترط، يعني هو شرط للزوم الأداء بالنفس، وإذا كانت لا يلزم من هذا أنه لا يحج عنها إذا ماتت، فهذا هو الفرق بين قولين: شرط الوجوب أو شرط اللزوم.

طيب، هل هذه الخمسة: الراحلة، سعة الوقت، أمن الطريق، المحرم للمرأة هل هي شروط وجوب أو للزوم؟ أما الأمران الأولان وهما ملك الزاد والراحلة فهما شرطان للوجوب، بخلاف المذهب أنهما شرط للوجوب على خلاف بينهم في مسألة جزئية، وهي: هل تشترط لكل أحد أو لمن يحتاجه؟ أما الشروط الثلاثة الأخيرة وهي سعة الوقت، أمن الطريق، المحرم، فاختلف فيها هي شرط للوجوب أو للزوم الأداء، والمعتمد في المذهب أنها شروط للوجوب، والكلام عليها لاحقاً.

قال هنا: «قدر ما أمكنه الركوب ووجد». إن أمكنه الركوب معناه أنه يستطيع أن يركب على الراحلة ولا يشق عليه ذلك. طيب، وجد زاداً: الزاد ذكر الموفق رحمه الله في المغني قال: الزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة أو قيمته، ويملك الراحلة بآلتها، ملك عينها أو ملك الانتفاع بها بالاستئجار أو ملك قيمتها.

في حديث أنس وابن عمر وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الاستطاعة بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] فسر السبيل بالزاد والراحلة. جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» رواه الترمذي وغيره. وجاء من حديث غيرهما، قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. والحقيقة أن الرواية التي ورد فيها لا تخلو من مقال، لكن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى حسنها بمجموعها.

ويشترط أن يملك الزاد، فإن لم يكن في المنازل يعني إذا كان هو طبعاً هذا قديماً كانوا بين كل مرحلة ينزلون يستريحون، فإذا لم يكن هناك زاد في المنازل فانه يلزمه حمله، وإن وجده في المنازل فلا يلزم حمله إذا كان بثمن المثل.

«راحلة وآلتها صالحين لمثله»؛ لأننا اعتبرنا الراحلة في حق القادر على المشي بدفع المشقة، يعني لابد أن تكون الراحلة صالحةً فلا تكون مثلاً راحلةً قاسيةً لا يتحملها في الركوب، مثلاً قديماً كانوا يركبون على الجمال أو الخيول أو الحمير، وحديثاَ عن السيارات لو كان الشخص ما عنده سيارة يستطيع أن يصبر بها على طول الطريق، وهنا يقولون لا يلزمه الحج بها، طبعا هذا إذا لا يلزم الحج بها، وإذا كان لم يكن عنده سيارة أخرى، ليس عنده ما يستأجر به سيارة ويلتحق بحملة ونحو ذلك.

وقوله هنا: «صالحين لمثله»، هنا لو رجعت للزاد والراحلة صالحين، يعودان إلى الزاد والراحلة؟ لابد أن يكون الزاد صالحاً لمثله أو الراحلة صالحة لمثله، لكن إذا عبارة الروب «زاد وراحلة صالحين» تحتمل هذا أن تعود للزاد والراحلة، تحتمل أن تعود للراحلة والآلة. ولذلك المشهور عند الحنابلة رحمه الله تعالى التفريق بين الزاد والراحلة، ويشترطون في الراحلة أن تصلح لمثله، ولا يشترطون ذلك بالزاد. وهذا ظاهر كلام الموفق في المغني وفي المقنع، وصححه المرداوي في الإنصاف، وهو ظاهر كلام الفتوح في المنتهى والحجاوي في الإقناع.

وما بث عليه المؤلف -لا أقصد الحجاوي بالذات- من أن «صالحين لمثله» يعودان إلى الزاد والراحلة، فهذا قول في المذهب ذكره احتمالاً وقطع به صاحب الوجيز، وغالباً الحجاوي رحمه الله إذا خالف غالباً يوافق صاحب الوجيز، الوجيز للدجيلي رحمه الله تعالى، لذلك نجد البهوتي رحمه الله يعني زاد كلمة في آلتهما ولعله يتوافق قد لا ينتبه لها، لذلك البهوتي رحمه الله مع قد ينبه يقول: والمذهب كذا، الثانية كذا وهي المذى، وقد يحذف العبارة كما هنا.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله أن هذا الزاد والراحلة لابد أن تكون بعد أمور أربعة: الأول: قضاء الواجبات من الديون سواء كانت حالةً أو مؤجلةً، سواء كان الديون لله عز وجل كفارات النذور، أو كان الدين لآدمي، من كان عليه دين تنقص به نفقة الحج أو سدده فلا يلزمه تقديم الحج لضرر البقاء في ذمته.

الأمر الثاني: أن يكون ذلك بعد النفقات الشرعية له ولاولاده ولذلك لابد أن يكون هذا الزاد والراحلة فاضلةً عن مؤونته ومؤونة أولاده لحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول». فلو كانت نفقة الحج مثلاً خمسة آلاف وهو الآن عنده سيولة خمسة آلاف، إذا ذهب للحج فليس عنده شيء ينفق منه على أهله، فمن لا يلزم الحج أنه هنا سيضيع أولاده، فلا بد أن يكون عنده شيء يمول الأولاد على الدوام من عقار وبضاعة وصناعة ونحوها. وكونه على الدوام يعني وقت ذهابه ورجوعه، حتى بعد رجوعه يكون له شيء يدر على أولاده.

الثالث: من الأمور التي تزيد عما عنده أن تكون فائضةً على حوائجه الأصلية من الكتب، كتب العلم، فلو كان عنده مثلاً نسختان من كتاب أمكن يستغنى عن أحدهما فانه يبيع الأخرى ليتحقق على شرط الاستطاعة.

الرابع: الحوائج الأصلية من المسكن والخادم ونحوها، فلو كان شيئاً من المذكورات زاداً لحاجته وأمكانه بيعها وشراء ما يكفيك وينصر ما يستطيع به الحج لزمه ذلك؛ لأنه يعتبر مستطيعاً. لو أن شخصاً مثلاً عنده بيتان ليس عنده سيولة، يلزمك أن تبيع البيت الثاني لأجل تتوفر عندك السيولة وتحج، إذا لم يكن هذا البيت الثاني يدر منه نفقة على أولاده.

ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره له، يعني أن هذه الاستطاعة تكون بتمكن الانسان بنفسه، مزيد من الحج، فلو لم يتمكن بنفسه لكن تبرع له شخص في نفقة الحج فلا يستطيع، فلا يصير مستطيعاً. كمثل شخص طالب في الثانوي مثلاً عمره ستة عشر عاماً، قال له أستاذه أو قريب أو حتى والده: خذ هذا المال لحجك، يقول لا يلزم الحج حتى لو قال والدي؛ لوجود المنة في ذلك، والإسلام يريد من المسلم أن يكون معتزاً مشتركاً. طبعاً بعضهم قد ينازعك الآن في قول في المذهب وخارج المذهب: إن من لا تلحق المنة في جفره فانه لا يؤثر على الاستطاعة، لكن المذهب المشهور مذهب. الأب لا ينطبق عليه بهذا الوصف يقولون: هذه العلة تعتبر في الغالب.

اخواننا بالله، حكم له، هذا حقيقة يرجع أيضاً إلى مسألة أصولية وهي: ما لا يتم الإيجاب إلا به فليس بواجب. عندنا قاعدتان أصوليتان: الأولى، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. يريد أن يصلي، يتوضأ، عنده ماء، عنده مال يستطيع يشتري به ماءً ليتوضأ، فنقول يلزمك أن تستمر المال يتحقق به الواجب؛ لأن هنا سيؤدي الواجب، فهنا لا يتم هذا الواجب إلا بالشراء، لا يتم الوضوء إلا بالشراء، فنقول يلزم هذا الشراء. طيب، القاعدة الثانية: ما لا يتم الإيجاب إلا به فليس بواجب. هنا ندخل مثالاً ثاني غير مثال الحج: شخص مثلاً يستطيع أن يكتسب، نقول يلزمك أن تكتسب مالاً لكي يكون عندك مال زكوي تؤدي منه الزكاة؟ هنا توقف الإيجاب عليك، توقف الإيجاب على السعي في العمل في كسب المال فلا يكون واجباً، لكن الأولى لا توقف الوجوب، توقف الواجب، فعل الواجب توقف على هذا الشراء، فعل الواجب عن هذا الشراء.

قال رحمه الله: «ويعتبر أمن طريق بلا خفارة، ويوجد فيه الماء والعلف على المعتاد، وسعة وقت يمكن السير فيه على العادة». أحسنت، المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أمرين، قال: نعم، أمرين مما يتحقق به الاستطاعة. الأول: أمن الطريق. قال: يعتبر أمن الطريق بلا خفارة، ويوجد فيه الماء والعلف على المعتاد.

إن الطريق يتحقق بثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يمكن سلوكه؛ بألا يكون هناك قطاع طرق ونحوها، بأن إيجاب الحج ما عدا إمكان سلوكه ضرر، والضرر منفي شرعاً.

الأمر الثاني: مما يعتبر به الطريق أن لا يوجد فيه خفارة، اللي يترتب على السلوك ذا المقصود من الخفارة المال الذي يدفع بمن يؤمنه في الطريق. لو كان في الطريق فيه لصوص، هناك أناس قالوا: أعطنا مالاً نحن نؤمنك في الطريق ونحميكم من اللصوص، فهل نقول ما دام أنه سيدفع المال لا يجب عليه سلوكه أو يجب عليه سلوكه؟ المؤلف رحمه الله يقول: لا يجب عليه سلوكه؛ لأن هذه رشوة ولا يتحقق الأمن ببذلها، (يمكن أن يدفع لهم مالاً ولا يحمونك).

ومن نعمة الله عز وجل علينا في هذه البلاد كانت طرقنا ولله الحمد والمنة آمنة، يسير الإنسان من شمال هذه البلاد إلى جنوبها أو من شرقها إلى غربها وحيداً آمناً ولله الحمد والمنة، هذه نعمة عظيمة كان الأوائل يحلمون بها تحققت بفضل الله تعالى لجهود هذه الدولة المباركة من الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى وأولاده الكرام البررة رجال أمننا، جزاهم الله خيراً على ما يبذلونه من خدمة لتأمين المواطنين، فلهم منا الدعاء في ظهر الغيب أن يوفقهم الله وأن يسددهم وأن يخزي من يتربص بهم.

المصنف رحمه الله تعالى يرى أنه لا يلزمه الحج حتى لو كانت الخفارة يسيرة مقابل مبلغ رمزي كمئة ريال مثلاً، أنه لا يلزمه ولو كانت يسيرة لا تجحف بماله؛ لأن الرشوة لا تجوز ولو يسيرة. أن هذا على أحد القولين في المذهب، وهو قول أكثر الأصحاب.

والقول الثاني مذهب: أن له خفارةً إذا كانت يسيرةً لا تجحف بماله أنها لا تمنع وجوب السير للحج، وهذا قول لبعض الأصحاب، جزم به المجد ابن تيمية رحمه الله تعالى واختاره صاحب الإقناع، قالوا: بأنها غرامة يقف إن كان الحج على بذلها فلم يمنع، فلم يمنع الوجوب، مع أن كان بذلها كالثمن الماء على الباء، يقولون: يعني الآن يتوقف الحج على بذل هذا المبلغ اليسير، لا تمنع الوجوب قياساً على إذا ما أراد أن يحج وسيشتري ماءً سيشتري علفاً لبهائمه، قالوا: هذا يتحقق به السير وأمنه، وهذا يتحقق به السير واستمراره على وتيرة واحدة.

الأمر الثالث: مما يعتبر في الطريق أن يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد، يعني إذا انتهى الماء فهناك ماء تشتريه، إذا انتهى على البهائم هناك علف تشتريه؛ قالوا: لأننا لو كلفناه حملة مائية وعلف بهائم فوق المعتاد أدى ذلك إلى مشقة عظيمة، فإذا وجد المعتاد بين منزله ومنزله ماء وعلف فهنا يلزمه الحج لعدم المشقة.

الأمر الثاني مما ذكره المؤلف مما يتحقق به، وهو الرابع يعني بعد الزاد والراحلة.

سعة الوقت؛ هل يمكن في السير على العادة؟ بعض الفقهاء يعبر بسعة الوقت، وبعضهم يعبر بإمكان المسيرة، يعني أن المقصود بإمكان المسيرة أن تكمن الشرائط، شروط الحج، شروط وجوب الحج، تكمن في الشخص وفي الوقت سعة يتمكن من السير في أدائه.

فمثلاً لو كان شخص من أهل فلسطين غير مقتدر مالياً على الحج، وفي يوم السادس من ذي الحجة توفي والده وكان غنياً، فورث عن والده مالاً استطاع به أن يحج، تملّك هذا المال في اليوم الثامن من ذي الحجة، لا يستطيع أن يذهب ويدرك الحج في تلك السنة؛ خاصة الإجراءات الرسمية، سنوات من العام القادم في شهر رجب، كان نقول إنه تحقق فيه شرط الوجوب من الزاد والراحلة، ولا ننظر إلى الإمكان أن يسير، أو نقول لا؛ لم يتحقق فيه شرط الوجوب.

هذا على خلاف إمكان المسيرة، هل هو شرط الوجوب أو لزوم الأداء؟ وعلى المذهب أنه شرط الوجوب فلا يلزم أن يحج عنه.

قال رحمه الله: ولتعجزه عن السعي؛ كبر أو مرض لا يرجى برؤه، أو ثقل لا يقدر معه على ركوب إلا بمشقة شديدة، أو كان نضو الخلقة لا يقدر بيوتاً على راحلة إلا بمشقة غير محتملة، لزمه أن يقيم من يحج ومن يحج ويعتمر عنه فوراً من حيث وجب، أي من بلده؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على راحلته، أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه» متفق عليه.

ويجزئ الحج والعمرة عنه؛ أي عن المنوب عنه إذا وإن عوفي بعد الإحرام قبل فراغ نائبه من النسك أو بعده، لأنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة.

ويسقطان عمن لم يجد نائباً، ومن لم يحج عن نفسه لم يحج عن غيره، ويصح أن يستنيب القادر وغيره في نفل حج وبعضه، النائب أمين فيما يعطاه ليحج منه، ويحسب له نفقة رجوعه وخادمه إن لم يخدم مثله نفسه.

أحسنت. هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن حج المعضوب؛ ما هو؟ الكبير الذي لا يستطيع الحج، الذي لا يستطيع الحج عن السعي؛ كبر أو مرض لا يرجى برؤه، أو ثقل لا يقدر معه ركوباً بشكل شديد، أو كان نضو الخلقة لا يقدر أن يثبت على الراحلة إلا بمشقة غير معتمدة، لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه متوفرة في شرط الوجوب في ماله، اللي عنده قدرة مالية لكن ليس عنده قدرة بدنية، وهذا العجز عجز مستمر وليس طارئاً.

فهنا يلزمه أن ينيب من يحج عنه فوراً من بلده، لحديث الخثعمي الذي السلام عليه رحمه الله تعالى، وفي أُحاديث مشروعية النيابة في الحج وفي قولها: فريضة الله على عباده، هنا ذكرت أن الحج فرض على والدها مع أنها أثبتت أنه لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أقرّه على تسميته فرضاً، وفي الحديث أيضاً جواز نيابة المرأة عن الرجل وعكسه لقول أكثر أهل العلم.

طبعا متى يستنيب؟ نقول يستنيب إذا كان يائساً من زوال العذر، الشيخ الكبير لا يمكن أن يرجع شاباً، لكن المريض إذا أقر الأطباء أن هذا مرض مرجو البرء، فهنا نقول لا؛ لا يجوز له أن ينيب من يحج عنه، المرض غير مرجو له أن ينيب من هو، فنقول يلزمه أن ينيب من يحج عنه فوراً.

قال: من بلده. قال: لزم أن يقيم أن يحج ويعتمر عنه فوراً من حيث وجد، أي من بلده، من بلد المنيب، لو كان شخص مثلاً من مصر فينيب عنه من مصر، لو كان شخص من مكة ينيب عنه من مكة، من الرياض ينيب عنه من الرياض، لا ينيب عنه من؟ أهل مكة، قالوا لأن الحج وجب على المستنيب كذلك، نعم الحج وجب على المنيب فيكون المستنيب مثله، يكون المستنيب مثله؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل.

قال: ويجزئ الحج والعمرة عنه، أي عن المنوب عنه إذا وإن عوفي بعد الإحرام قبل فراغ نائبه من النسك أو بعده. يعني لو أن شخصاً أناب أخاً آخر بأن يحج عنه، هذا الشخص قال الأطباء إن مرضه غير مرجو، وحج عنه وانتهى، يوم رجع من بلده جلس بشهر، شهرين، ثم قدر الله عز وجل لهذا؛ أي المريض أن يشفى، خلاف ظن الأطباء، فهل نقول يجزئ هذا الحج الذي حج به النائب عنه أو لا؟ نقول لا يخلو وقت برء هذا المريض من ثلاثة أحوال.

الحالة الأولى: أن يكون برئ قبل إحرام نائبه، والنائب في الطريق، لم يصل إلى الميقات، ذو الحليفة، شفاه الله شفاء تاماً، فهنا لا تجزئ هذه الحجة عن المنيب قولاً واحداً، قولاً واحداً في المذهب، لأنه قادر على المبدل قبل الشروع في البدل فصار مرجو البرء، ومرجو البرء لا يجوز له.

الحالة الثانية: أن يكون إحرام أو نعم برؤه بعد إحرام نائبه، لكن قبل الفراغ من النسك، يعني مثلاً كان نائبه في عرفة أحرم من ثم راح لعرفة، لما راح لعرفة قدر الله أن يشفى هذا الشخص شفاء تاماً، فهل يجزئه؟ نقول يجزئ على المشهور من المذهب، المشهور من المذهب.

الحالة الثالثة: أن يبرأ بعد بعد فراغ نائبه من النسك. وين المسألة؟ وهي المثال الذي قلناه، لما رجع وانتهى جلس شهر، شهرين، برئ، فهل يجزئه أو لا يجزئ؟ نقول نعم يجزئه على قول جماهير الأصحاب ويسقط عنه الفرض، وهذا من مفردات الحنابلة، كما قاله في الإنصاف، قال: إذا استناب العاجز المعضوب ولو تعافى سقط الوجوب.

قالوا: لأنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة، مخرج من العهدة، يعني هو حج على وجه مطروب، طلب منه أن ينيب فأناب، فأتى بالعبادة على الوجه المأمور به، ومن أتى بالعبادة على الوجه المأمور به فإنه لا يلزم بإعادتها.

وذكر ابن رجب رحمه الله في قواعده مسألة المعضوب بعد فراغ النائب في القاعدة السادسة، ونصها: إذا فعل عبادة في وقت وجوبها يظن أن الواجب عليه ثم تبين بآخره؛ أي نهاية الأمر، أن الواجب كان غيرها، فانه إن الواجب كان غيرها فإنه يجزئه. ثم ذكر أن صوراً منها: إذا حج المعضوب عن نفسه ثم برئ فإنه يجزئ عن المذهب، فإنه فعل الواجب عليه في وقته، لاسيما إن قيل إن ذلك عليه؛ علق أن الحج على الفور.

إلى أن نقل في حاشية ابن قاسم عند قوله: كما لو لم يبرأ، وكالمتمتع إذا شرع في الصوم فما قدر على الهدي. قال الشيخ رحمه الله: إذا حج عن نفسه ثم برئ لا يلزمه إعادة الحج من غير خلاف أعلمه. هنا هذا النقل يفيد المسألة أولاً، واحد، قول واحد، الإجماع، مع أن قلنا قبل قليل أن هذه المسألة من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى.

الحقيقة أن هذا النقل سقط منه شيء، لو ذكر لازال الاشكال، النقل هذا اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، طبعت سابقاً ضمن الفتاوى الكبرى مجلدات، منها يعني طبع في المجلد الخامس الاختيارات، جاء فيها، وهي الإشكالية أيضاً في هذا السياق الذي في الفتاوى الكبرى والاختيارات المطبوعة وحدة، جاء فيها كان يتكلم عن في باب الصلاة ليس في باب الحج، نتكلم عن الصلاة إذا فعلها بعد الوقت هل أن تكون أداء وقضاء؟ فرطنا، فرط إلى آخره.

قال قول الباقلاني، ثم قال قياس المذاهب كذا المذاهب، إذ الاعتبار بحالة غلبة الظن لا بما يخالفها، وذلك كما قلنا من غير خلاف أعلمه في المذاهب، المعضوب الذي لا يرجى برؤه إذا حج عن نفسه ثم برئ أنه لا يلزم إعادة الحج، وهناك من غير خلاف أعلمه في المذاهب في المعذور الذي لا يعجبه إلى آخره.

الحقيقة أن كلمة المذاهب من هذا في المجلد الخامس من الفتاوى الكبرى صفحة ثلاثمئة وواحد وعشرين، كلمة المذاهب في الموضعين مصحفة عن المذهب، يعني صوابها قول قياس المذهب، المقال دي غلاء خلاف من غير خلاف نعلمه في المذهب.

وردت على الصواب في مطبوعة الاختيارات المفردة التي حققها الشيخ أحمد الخليل وفقه الله صفحة خمسة وخمسين، فتبين بهذا أن شيخ الإسلام رحمه الله ينقل الاتفاق المذهبي لا الاتفاق بين المذاهب، وهذه المسألة كما قلنا مفردة الحنابلة، فزال الإشكال، فلو ذكر ابن قاسم ثلاث نعلمه في المذهب مازال الإشكال.

طبعاً قد يكون ابن قاسم رحمه الله الذي عنده النسخة التي في الفتاوى الكبرى الخطية التي استبعد عنها الكتاب الكبرى وفيها الإشكال، فلذلك يعني رأى حذفها إشكالاً ويخالف أيضاً في شرح العمدة، لما نقل كلام الإمام أحمد في رواية الكوسج وأبي طالب: إذا لم يقدر على الحج فحجوا عنه ثم أفاق ليلة القدر، فقد قضي عن الحج ولا قضاء عليه. قال الشيخ رحمه الله: وعلى هذا عامة أصحابنا، وهذا يوافق كلامه الذي في الاختيارات من غير خلاف نعلمه في المذهب.

ويسقطان؛ الحج والعمرة عن من لم يجد نائباً، إذا عجز بنفسه ولم يجد؛ يعني عنده مال، عجز بنفسه ولم يجد نائباً، فانه يسقط وجوب الحج عنه. طيب هل يبقى في ذمته؟ فنقول إذا مات فيحج عنه أو لا؟ الموفق في المغني، والمرداوي في الإنصاف، ذكروا أن هذا ينبني على الروايتين في إمكان المسيرة، هل هو شرط الوجوب أو شرط لزوم الأداء؟ فإذا قلنا شرط الوجوب فلا يلزم أن يحج عنه، وإذا قلنا شرط لزوم تلزمه أنه يحج.

قال: ومن لم يحج عن نفسه لم يحج عن غيره؛ في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. وفي رواية: هب عن نفسك ثم حج عن شبرمة. وكان الرواية فيها الضعف، وهذا هو الذي عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى.

ثم قال المؤلف رحمه الله: ويصح أن يستنيب القادر وغيره في نفل حج أو بعضه. يعني أن حج النفل يجوز فيه الإنابة، يجوز فيه الإنابة مطلقة، أما حج الفرض فلا يجوز فيه الإنابة للقادر إجماعاً؛ القادر يحج الفرض لا يجوز له أن ينيب إجماعا كما نقل ابن المنذر والموافق، أما في حج النفل فيجوز الإنابة فيه مطلقاً على المذهب، سواء كان الشخص قادراً أم غير قادر.

الفريضة الآن الحج كل خمس سنوات، لو قال أنا حججت سابقاً، أنا حججت العام الماضي، سأحج أربع سنوات هذه، كل سنة ساوكل من يحج عني نفساً، فيجوز، يجوز ذلك على المذهب، سواء كان في تمام الحج أو بعضه.

يعني لو أنه أراد أن ينيب في الجمار فقط، في رمي الجمار في حج نفل وهو قادر، على المذهب يجوز ذلك، ماذا يجوز ذلك؟ ما جاز في كل الحج النافل جاز في أبعاده.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن النائب أمين فيما يعطاه ليحج منه، يقبل قوله في قيمة المركوب وقيمة ما أنفقه إذا كان من معروف، وإذا أنفق الزيادة من المعروف فإنه يضمن ما زاد.

قال: ويحتسب له نفقة رجوعه، ويحتسب له أيضاً نفقة الخادم إن لم يخدم مثله نفسه، فيحتاج إلى نفقة الذهاب والبقاء في المشاعر ونفقة بقي في مكة، إذا بقي في مكة واتخذها داراً فإنه لا يحسب له نفقة الإقامة؛ إخواننا نفقة الرجوع، لأن الوجوب سقط بمكثه، فلم يعد القاعدة المشهورة: الساقط لا يعود. لكن لو قام بمكة لا للسكنة، قال: أنا سأقيم في مكة ثلاثة أيام، أربعة أيام، أرتاح، فيقول: إذا قام أقل من مدة القصر النفقة من مال النائب، أما إذا قام أكثر وأمكنه الرجوع فإنه ينفق مما لنفسه لأنه غير مأجور له في المكث.

قال: وخادمي إن لم يخدم نزر نفسه، يعني يحتسب له نفقات خادمه إن لم يخدم نفسه، لأن هذا من المعروف، المعروف.

هذا، نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب، اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.