بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد، فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع عند كتاب الوقف، وهو بداية قسم التبرعات من المعاملات المالية، حيث إن الأبواب السابقة له كانت بعضها في المعاوضات، وبعضها في التوثيقات، وبعضها في المشاركات، وبعضها في تملك المباحات. ونبدأ الآن في قسم التبرعات في كتاب الوقف.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله: «كتاب الوقف، يقال وقف الشيء وحبسه، وأحبسه وسبله بمعنى واحد، وأوقفه لغة شاذة، وهو مما اختص به المسلمون، ومن القرب المندوب إليها، وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على بر أو قربة. والمراد بالأصل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، وشرطه أن يكون الواقف جائز التصرف».
أقول: المؤلف رحمه الله تعالى قال: «كتاب الوقف»، قال: «يقال وقف الشيء»، والقاف مشددة، والظاهر أن صوابه التخفيف بدون تشديد: «وقف الشيء وحبسه وأحبسه وسبله بمعنى واحد». و«أوقفه» لغة شاذة، «أوقف فلان عمارته»، هذا صحيح لغة لكنه قليل، وقيل إنها لغة بني تميم، والأفصح: «وقف كذا».
قال: «وهو مما اختص به المسلمون»، وهذا ذكره البهوتي رحمه الله في المطلع، ونقل كلام الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: «لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته، إنما حبس أهل الإسلام». لم يحبس، يعني لم يوقف، ولذلك تجدون في بعض كتب الفقه يسمون كتاب الوقف كتاب الأحباس، يعني الوقف. وكلام الإمام الشافعي رحمه الله أنه مختص بالمسلمين، وذكر بعض أهل العلم أنه يوجد أوقاف في الجاهلية قبل الإسلام، والله أعلم.
قال: «وهو من القرب المندوب إليها»، المأمور بفعلها، والأصل فيه السنة والإجماع في الجملة. فمن السنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين، أن عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يهب ولا يورث». فتصدق بها عمر رضي الله عنه في الفقراء والقربى وفي سبيل الله وابن السبيل.
وأيضًا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن طلب العلم وتعليمه يجتمع فيه هذه الصفات الثلاث؛ فهو صدقة جارية يجري على الإنسان أجرها، ومنفعة بها بعده، ولا زلنا ننتفع من علم علمائنا، ولا زلنا ننتفع من الأحاديث التي رواها أبو هريرة وأنس وعائشة وابن عباس، ولا زلنا ننتفع من علم مجاهد وسعيد بن المسيب، وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والعلماء من بعدهم، وقد مضى على وفاتهم مئات السنين ولا زال الأجر يأتيهم بعد وفاتهم، فهذا وقف علمي؛ فالعلم هو صدقة جارية وهو علم ينتفع به.
أيضًا «ولد صالح يدعو له» هو سبب لأن يدعى للإنسان بعد موته، ولذلك دائمًا نقول ما قاله المؤلف رحمه الله تعالى أو ما قاله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أو ما قاله الإمام أحمد رحمه الله. وهذا من الوفاء الذي ينبغي على طالب العلم أن يفي به للعلماء السابقين، ينبغي أن يكون وفيًا لهم يدعو لهم ويترحم عليهم، ولا ينبغي أن يذكرهم بسوء، وإذا ذكروا بسوء فيدافع عنهم، وإذا اقتضى الأمر أن يذكر عن أحدهم قولًا ضعيفًا فلا يذكره على سبيل التهكم، لكن يذكره ببيان أنه قول قيل به ويعتذر لقائله، فهذا من الأدب الذي ينبغي أن يحمله طالب العلم للعلماء السابقين.
قال: «ومما يدل على أهمية الوقف ما ذكر أنه لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا مقدرة إلا وقف»، وما زال المسلمون يقفون أوقافهم من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهدنا هذا. وقد تيسر في زماننا هذا الوقف؛ تستطيع أن تقف، فبعض الناس إذا سمع الكلام عن الوقف يظن أن الكلام موجه لكبار الأثرياء، لا، أنت تستطيع أن تقف بعشرة ريالات أو بخمسين ريالًا، أن توقفها تستمر لك أجرًا بعد وفاتك، تشتري بها مصحفًا أو تساهم في بناء مسجد أو في حفر بئر ونحو ذلك، كلها مما يبقى للإنسان ويستمر أجره.
قال: «وهو تعريفه في الاصطلاح: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على بر أو قربة». تحبيس الأصل يعني أن يكون الأصل باقيًا، المراد بالأصل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، فهذا الأصل مثل الأرض أو السيارة أو المصحف أو نحوها، هذا يحبس بمعنى أنه لا يباع ولا تنتقل ملكيته، لكن تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة يعني أن تستغل المنفعة.
وأركان الوقف أربعة: واقف، وموقوف، وموقوف عليه، وصيغة. الواقف هو الفاعل، أما "موقف" فهي لغة شاذة، فالأفصح "واقف". وأركانه أربعة: واقف، وموقوف أي العين الموقوفة أو المال الموقوف، والثالث الموقوف عليه وهو الشخص الذي سيستفيد من الوقف سواء كان إنسانًا أو جهة ونحوه، والرابع الصيغة، وهي إما قولية أو فعلية وستأتي.
قال: «المراد بالأصل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه»، سياتينا الكلام عليه في الشروط. قال: «وشرطه»، سيذكر للوقف شروط أربعة، وهذا حقيقة شرط خامس، ولذلك في الإقناع ذكر شروطه خمسة. يقول: «أن يكون الواقف جائز التصرف»، جائز التصرف الذي هو الحر الرشيد البالغ، أي المكلف؛ يذكرون الرشيد المكلف ولا يذكرون الحر؛ لأن العبد لا يملك، فبعضهم لا يذكر الحر، لو ذكرنا الرشيد المكلف فلا يصح إذا كان صغيرًا أو سفيهاً كساهل التصرفات المالية.
قال رحمه الله: «ويصح الوقف بالقول وبالفعل الدال عليه عرفًا، كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة».
أذن فيه، أو أقام، أو جعل أرضه مقبرة، وأذن للناس في الدفن فيها أو سقاية وشرعها لهم؛ لأن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الوقف يصح بالصيغة، صيغة قولية أو فعلية. يقول: يصح بالقول، وسياتي تفصيل الكلام في القول؛ لأن فيه صيغًا صريحة وصيغًا كنائية. ويقول: يصح أيضًا بالفعل، لكن الفعل لابد أن يكون دالًا على الوقف عرفًا.
وذكر كأمثلة: قال كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه. عنده أرض فاضية وبنى فيها مسجدًا وفتح للناس يصلون فيها، وأذن للناس في الصلاة فيه، أي إذنًا عامًا؛ بأن الإذن الخاص يقع على غير الموقوف فلا يفيد دلالة الوقف، قاله الحارثي. يعني لو بنى مثلاً استراحة، ومرة أراد أن يصلي المغرب فدعا أصدقاءه صلوا معه، هذا إذن خاص، هنا هل نقول هذه الاستراحة تنقلب مسجدًا؟ لا، لا تنقلب مسجدًا. لكن لو بنى وفتح للناس يأتونها في كل وقت، من مر بها وقف وصلى، فهنا تكون وقفًا بالفعل.
قال: أو أذن فيه وأقام. جعل أرضه مسجدًا وأذن فيه وأقام، هنا دليل على أنه يريده مسجدًا. أو جعل أرضه مقبرة وأذن للناس في الدفن فيها، وهذا وما قبله نص عليه الإمام أحمد رحمه الله؛ يعني من جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه، أو جعل أرضه مقبرة وأذن للناس في الدفن فيها، نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على أنه يكون وقفًا.
ونقل أبو طالب رحمه الله في المسألة الأولى أنه إذا جعل أرضه وأذن للناس في الصلاة فيه فإنه يكون وقفًا، ولو نوى خلافه. هذه ذكرها في الفروع، وحقيقة أن في حاشية ابن قاسم وكذلك في الكشاف، نسبوا عبارة «ولو نوى خلافه» لشيخ الإسلام رحمه الله. والأقرب أنها من نقل أبي طالب عن الإمام أحمد رحمه الله، وليست لشيخ الإسلام؛ فهو صاحب الفروع نقل كلامًا للشيخ ثم لشيخ الإسلام، ثم قال «ولو نوى خلافه» أو قاله أبو طالب أو نحو ذلك، فهي ليست من كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
قال: أو سقاية وشرعها لهم. أي فتح بابها إلى الطريق، والمراد بالسقاية هنا البيت المبني لقضاء حاجة الإنسان، دورة المياه؛ هذا مرادهم بها. قال في المطلع لما ذكر أن مراد الفقهاء بالسقاية بيت الخلاء. قال: ولم أره منصوصًا عليه في شيء من كتب اللغة والغريب إلا بمعنى موضع الشراب وبمعنى السور. يعني الأصل في السقاية أن الموضع الذي يجتمعون ليشربوا فيه في المواسم، هذا هو أصلها في اللغة، لكن هنا يستعملها الفقهاء في بيت الخلاء.
قال أيضًا: لو بنى بيت خلاء وفتحه للناس فإنه يكون وقفًا؛ هنا لماذا جعلناه وقفًا؟ لدلالة العرف، قال: لأن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف.
هذه الصيغة الفعلية، الآن سيتكلم عن الصيغة القولية. أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: وصريحة، أي صريح القول: «وقفت»، «وحبست»، «وسبلت». فمتى أتى بصيغة منها صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد. وكناية: «تصدقت»، «وحرمت»، «وأبدت»؛ لأنه لم يثبت لها فيه عرف لغوي ولا شرعي، فتشترط النية مع الكناية، أو اقتران الكناية بأحد الألفاظ الخمسة الباقية من الصريح. والكناية: «تصدقت بكذا»، «صدقة موقوفة»، أو «محبسة»، أو «مسبلة»، أو «محرمة»، أو «مؤبدة»؛ لأن اللفظ يترجح بذلك لإرادة الوقف، أو اقترانها بحكم الوقف كقوله: «تصدقت بكذا صدقة لا تباع ولا تورث».
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن صيغ الوقف نوعان: صيغ صريحة وصيغ كنائية. وخذها قاعدة في جميع الأبواب التي تمر عليك هنا؛ في الظهار، في الأيمان، في القذف، في الطلاق، في صيغ صريحة وصيغ كنائية. حقيقة أن الصيغ الصريحة والكنائية تختلف باختلاف الأعراف والأماكن. يعني مثلاً «وقفت»، هذا واضح أنه صريح في الوقت، لكن مثلاً «تصدقت» يقول كناية، لو أنه في بلد من البلدان إذا قالوا «تصدقت» فإنهم لا يقصدون بها إلا الوقف، فهنا تصير صريحة. لكن كلام المؤلف رحمه الله تعالى هذا في زمنهم، وهذا كما قلنا يختلف باختلاف الأماكن والأزمان.
فيذكر أن صيغ الوقف الصريحة ثلاثة: «وقفت»، و«حبست»، و«سبلت». هذه الصيغ الثلاثة إذا أتى بواحد منها صارت وقفًا، ولا حاجة إلى انضمام أمر آخر. فإذا قال: «وقفت عمارتي على جمعية البر»، ثم بعد ذلك قال: «أنا قصدت الصدقة لمدة سنة، ما قصدت الوقف المستمر، أنا سأعطيهم العمارة يستفيدون منها لمدة سنة»، هنا نقول: لا يقبل منك؛ لماذا؟ لأن هذه الألفاظ تعتبر وقفًا بمجرد التلفظ بها، لا يحتاج أن ننظر إلى هل نويت الوقف أو لم تنوِ الوقف، لأن هذه الألفاظ صريحة تكون وقفًا بمجردها. هذه الألفاظ الثلاثة: «وقفت»، و«حبست»، و«سبلت»، فمتى أتى بصيغة منها صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد؛ لأن هذه الألفاظ ثبت لها عرف الاستعمال بين الناس، وانضم إلى ذلك عرف الشارع، يقول النبي ﷺ: «إن شئت حبست أصلها، وإن شئت سبلت ثمرتها».
الألفاظ الكنائية ذكر لك ثلاثة ألفاظ: «تصدقت»، و«حرمت»، و«أبدت». إذا قال: «تصدقت بعمارتي على جمعية البر»، هنا محتمل أن يقصد صدقة تطوع، وصدقة التطوع له أن يتصرف فيها، يعني له أن يقيدها، ويحتمل الوقف المؤبد. فهنا نقول: لفظه هذا كناية، لا يصير وقفًا بمجرده؛ لماذا؟ قال: لأنه لم يثبت لها فيه عرف لغوي ولا شرعي، يعني أنها لا تدل على الوقف المؤبد لا لغة ولا شرعًا، لأنها محتملة للصدقة، محتملة لصدقة التطوع أو الزكاة، ومحتملة للوقت. والتحريم محتمل في اللغة، مثل تحريم الزوجة، وتحريم الحلال، ويحتمل التحريم بالوقف التأبيد. فلما كانت مشتركة بين معنى الوقف ومعنى آخر، فإنها لا تصير وقفًا بمجردها، لا بد لها من شيء يقويها.
وذكر المؤلف رحمه الله أنها تتقوى بأحد ثلاثة أشياء؛ الأول: النية. قال: «فتشترط النية مع الكناية». فإذا قال: «تصدقت بهذه العمارة على جمعية تحفيظ القرآن»، ونوى بلفظه «تصدقت» الوقف، فهنا نقول: تصير وقفًا بمجرد كلامه، ما دام أنه نوى بذلك، وإنما الأعمال بالنيات. لكن قالوا: النية تجعله وقفًا في الباطن لا في الظاهر.
تجعله وقفًا في الباطن لا في الظاهر؛ لعدم الاطلاع على ما في الضمان. يترتب على ذلك أنه إذا اعترف بما نوى لزم الوقف، وإن قال ما أردت الوقف فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته. وإن قال ما أردت الوقف، نقول قول كل قول؛ إن عالميته لو كان من يعني هو ناول الوقف، لكن قال أنا لم أريد الوقف، فنقول قول قوله، وله أن يتصرف فيها في الظاهر، لكن في الباطن تراها وقفًا، ففي الباطن وقف ما دام أنها اقترنت بها النية، والأحكام في القضاء تنصرف إلى الظاهر لا إلى الباطن؛ باطن يدين فيما بينه وبين الله تعالى.
الأمر الثاني الذي ينضم إليه، أن ينضم إليه أحد الألفاظ الخمسة. فيقول مثلًا عندنا ستة ألفاظ؛ هي ثلاث صريح وثلاث كناية، فإذا أتى بلفظ كناية وقارنه بأحد الألفاظ الخمسة، يعني بأحد اللفظين الكنائيين الأخيرين أو أحد الألفاظ الثلاثة الصريحة، فإنه يكون وقفًا. فإذا قال: حرمت عمارتي تحريمًا موقوفًا، أو تحريمًا مسبلًا، أو تحريمًا محبساً، أو تحريمًا مؤبدًا، أو تحريمًا صدقة؛ هنا اجتمع لفظ الكناية مع أحد الألفاظ الخمسة التي بعضها صريح وبعضها كناية، فتقوى هذا اللفظ الضعيف الكنائي وأصبح بمثابة الصريح؛ لأن انضمام اللفظ الآخر رجح لدينا أنه يريد الوقف.
الأمر الثالث الذي ينقل اللفظ الكنائي إلى الصريح، أن يقترن به حكم الوقف؛ كأن يقول: تصدقت بهذه العمارة صدقة لا تباع ولا تورث ولا توهب. فإذا قال ذلك علمنا أنه أراد الوقف، فهذه القرينة تزيل الاشتراك؛ لأنها لما كانت الصدقة مشتركة بين الوقف وبين غيره، فأتى بهذه القرينة التي هي ذكر حكم الوقف، فنقول هذه القرينة قوت إرادة الوقف وأزالت أثر الاشتراك.
قال رحمه الله: ويشترط فيه أربعة شروط؛ الأول: المنفعة، أي أن تكون العين ينتفع بها دائمًا من معين، فلا يصح وقف شيء في الذمة كعبد ودار ولو وصفه كالهبة، وينتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان ونحوهما من أثاث وسلاح، ولا يصح وقف المنفعة كخدمة عبد موصى له بها، ولا عين لا يصح بيعها كحرٍّ وأم ولد، ولا ما لا ينتفع به مع بقائه كطعام لأكل، ويصح وقف المصحف والماء والمشعة والشان.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يشترط لصحة الوقف أربعة شروط، وذكرنا شرطًا سابقًا وهو أن يكون الواقف جائز التصرف. هذه الشروط الأربعة تعود إلى العين الموقوفة، والصيغة، والموقوف عليه؛ أما الواقف فتقدم الشرط فيه.
الشرط الأول: المنفعة، أي أن تكون العين ينتفع بها دائمًا من معين، ينتفع به مع بقاء عينه. هنا ذكر المؤلف رحمه الله ضابط ما يجوز وقفه؛ فكل ما جاز بيعه يصح وقفه، هذا الضابط الأول؛ أن يكون يجوز بيعه، ويصح الانتفاع به مع بقاء عينه، ويكون أصلًا يبقى بقاءً متصلًا. فهنا يصح وقفه إذا اكتملت هذه القيود الثلاثة: أن يصح بيعه، ويصح الانتفاع به مع بقاء عينه، ويبقى بقاء متصلًا.
يقول: لابد أن تكون العين الموقوفة ينتفع بها دائمًا من معين، يعني أول شيء يكون الموقوف عينًا، والعين ينتفع بها دائمًا ومع بقاء عينها. قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثرم: «إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ». فلا يصح وقف شيء في الذمة.
الآن يتكلم لك عن المحترزات؛ فلا يصح وقف شيء في الذمة كعبد ودار ولو وصفه كالهبة، هذا محترز من أن يكون معينًا؛ لابد أن يكون الموقوف معينًا. والمنفعة أن تكون دائمة، ويكون الموقوف معينًا. قال: كعبد ودار ولو وصفه كالهبة؛ قالوا لأن الوقف إبطال لمعنى الملك فيه، فلم يصح في عبد مطلق كالعتق. يعني الآن لو قال اعتقت عبدًا ولم يبين، قالوا لا يصح، مثله: أوقفت عبدًا ولم يبين، قالوا لا يصح.
قال في المحرر: لا يصح وقف المجهول. قال شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات: المجهول نوعان؛ مبهم وهذا قريب، والنوع الثاني من المجهول معين مثل دار لم يره؛ قال: أوقفت دارًا في الرياض لم يرها، فهنا هي مجهولة له لكنها معينة، فهل يصح وقفها أو لا؟ يقول الشيخ رحمه الله: فمنع هذا بعيد، وكذلك هبته.
قال: ينتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان ونحوهما من أثاث وسلاح. هنا مثل المؤلف رحمه الله تعالى على أعيان غير منقولة وأعيان منقولة؛ الأعيان غير المنقولة يعني الثابتة وهو العقار، فهو ثابت، ووقف غير المنقول يصح بلا نزاع كما ذكره المرداوي في الإنصاف. أما وقف المنقول، كالحيوان والأثاث والسلاح، فهذا فيه خلاف في المذهب، والصحيح أن المذهب صحة وقفه، ويستدل على صحة وقف المنقول بأحاديث، منها قوله ﷺ: «أما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أذرعه واعتاده في سبيل الله»، ولحديث أم معقل في وقف أبي معقل للجمل الناضح، قالت: يا رسول الله إني أريد الحج على ناضح لنا، وإن أبا معقل أوقف هذا الناضح في سبيل الله، فالنبي ﷺ قال لها: «حجي عليه، فإن الحج والعمرة في سبيل الله». فهذا على صحة وقف المنقول.
قال: ولا يصح وقف المنفعة؛ أنه قال لابد أن تكون عينًا، فلا يصح وقف المنفعة كخدمة عبد موصى له بها. من الذي يوقف المنفعة الآن في هذا المثال؟ أي من الواقف؟ السيد الموصى لهم. نعم، عندنا مثلًا السيد اسمه محمد، والعبد اسمه إبراهيم، أوصى محمد لإبراهيم بالعبد ليخدمه لمدة سنة، أوصله بمنفعته، هذا الموصى له، قال: سأوقف منفعة العبد للفقراء لمدة سنة، أو أوقف منفعة العبد للفقراء وأطلق؛ لأنه هو مثلًا وصله مدة حياته فقال: سأوقف منفعة هذا العبد للفقراء. قالوا: لا يصح؛ لماذا؟ لأنها ليست عينًا باقية، وهو يملك المنفعة لكنه لا يملك العين، العبد ليس ملكًا له، إنما انتقل الملك للورثة، فلا يصح للموصى له بعبد أن يوقف منفعته؛ لأن الوقف للعين وهو لا يملك العين، إنما يملك المنفعة.
ولا عين لا يصح بيعها؛ قلنا لكم إن من قيود ما لا يصح وقفه أن يكون مما يصح بيعه، فإذا لم يصح بيعه لم يصح وقفه.
قال: «ولا ما لا يصح بيعه كالحر وأم الولد». لماذا لا يصح؟ لا يصح وقف الحر وأم الولد؛ لأنهم نقلوا للملك فيهم حال، فلا يصح، أشبه بالبيع. ولأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وما لا منفعة فيه لا يحصل فيه تسبيل المنفعة.
قال: «ولا ما لا ينتفع به مع بقائه كطعام للأكل»؛ يعني يشترط أن تكون العين ينتفع بها مع بقائها، فإذا كان لا ينتفع بها إلا بالتلف فإنه لا يصح وقفها، كما لو أوقف طعامًا للأكل؛ هنا إذا أُكل انتهى، فما صار وقفًا، بل يصير صدقة تطوع.
قال: «ولا ما لا ينتفع به مع بقائه كطعام للأكل»، لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح له ذلك. شيخ الإسلام رحمه الله يرى جواز ذلك، يعني جواز وقف ما لا ينتفع به إلا بإتلافه؛ يقول: «ولو كان إنسان تصدق بهذا الدهن على المسجد ليوقد فيه جاز، وهو من باب الوقف».
قال: «وتسميته وقفًا»؛ بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها، لا تأباه اللغة وهو جائز في الشرع. يعني يقول الشيخ رحمه الله: سواء سميته وقفًا أو سميته صدقة، فنقول جائز، سميته وقفًا تراه سليمًا في اللغة؛ لأنه أوقفته على تلك الجانب، مثلًا على المسجد، لا ينتفع به في غير كونه تلف أو لم يتلف، يقول إنه لا يؤثر، المهم أنه صحيح.
قال: «ويصح وقف المصحف». المصحف على المذهب ذهب في البيع، إيش قالوا؟ لا يجوز بيعه، ومع ذلك جوزوا وقفه، هذا استثناء من قيد وقف ما لا يجوز بيعه، وهذا نقله في الفروع عن صاحب الوسيلة، وذكر أنه رواية واحدة في المذهب.
قال: «والماء يصح وقف الماء». والماء مستثنى من قيد أنه مع بقائه؛ لأنهم قالوا لا بد أن يكون هذا ينتفع به مع بقاء عينه، فقالوا الماء: أجازوا وقف الماء. قال: «سألت الإمام أحمد رحمه الله عن وقف الماء، فقال: إن كان شيئًا استجازوه، وإن لم يستجازوه جاز». وهذا اللفظ اختلف الأصحاب رحمه الله في تأويله عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ حمله القاضي وغيره على وقف مكانه، يعني وقف البئر التي فيها الماء، يقول هذا يعني وقف للبئر. لكن يُنتقد ذلك بأن الوقف وقف البئر سواء استجازوه أو لم يستجزوه، وأيضًا ما معنى استجازوه؟ كلام طويل للأصحاب رحمهم الله تعالى، يُراجع الآن في الإنصاف وحاشية ابن قندس على الفروع، ذكروا كلامًا في وقف الماء وكذلك في الكشاف.
قال: «والمشاع يصح وقف المشاع»؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه أصاب مائة سهم في خيبر فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فأمره بوقفها؛ ولأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة وهو يحصل في المشاع.
أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «والشرط الثاني أن يكون على بر»؛ إذا كان على جهة عامة، لأن المقصود منه التقرب إلى الله تعالى، وإذا لم يكن على بر لم يحصل المقصود، كالمساجد، والقناطر، والمساكين، والسقايات، وكتب العلم، والأقارب من مسلم وذمي؛ لأن القريب الذمي موضع القربة بدليل جواز الصدقة عليه، ووقفت صفية رضي الله عنها على أخٍ يهودي فيصح الوقف على كافر معين غير حربي ومرتد؛ لانتفاء الدوام لأنهما مقتولان.
وعن كنيسة، أو بيعة، أو بيت نار، أو صومعة، فلا يصح الوقف عليها لأنها بنيت للكفر، والمسلم والذمي في ذلك سواء. وغير نسخ التوراة والإنجيل وكتب الزندقة والبدع المضللة، فلا يصح الوقف على ذلك؛ لأنه إعانة على معصية. وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى من عمر شيئًا استكتبه من التوراة، وقال: «أفي شك؟ أفي شك؟ أنت أفي شك أن تُحكم عليكم؟ أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آتِ بها بيضاء نقية؟ ولو كان أخي موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي».
ولا يصح على الطريق، أو المغاني، أو فقراء أهل الذمة، أو التنوير على قبر أو تبخيره، أو على من يقيم عنده ويخدمه، ولا وقف ستور لغير الكعبة، وكذا الوصية فلا تصح على من لا يصح الوقف عليه.
قال: «الشرط الثاني أن يكون على بر»؛ إذا كان على جهة عامة الوقف لا يخلو من أمرين: إما أن يكون على جهة، أو يكون على أشخاص يعني شخص أو أشخاص معينين. فإذا كان على جهة عامة فيشترط أن تكون جهة بر، لأن الوقف موضوع لذلك. أما إذا كان على جهة خاصة يعني على شخص أو أشخاص، فلا يشترط أن يكون على بر، وإنما يشترط أن لا يتضمن محذورًا شرعيًا.
قال: «أن يكون على بر إذا كان على جهة عامة»، لأن المقصود منه التقرب إلى الله تعالى، وإذا لم يكن على بر لم يحصل المقصود. ما معنى قولهم على بر؟ قُربة، لكن في معنى دقيق؛ هل المراد أن يتحقق فيه القربة، أو المراد ألا يكون معصية؟ قولان للأصحاب، ينبني عليهما لو وقف على جهة مباحة، وقف على الأغنياء؛ قال: هذه عمارة وقف على الأغنياء فقط، لو قال على الفقراء فهذه قُربة ما في إشكال، لكن الأغنياء، هذه هي فعل مباح، لكن لو جعله وقفًا فهل يصح أو لا؟ هذا ينبني على الخلاف في مقصودهم في قولهم "أن يكون على بر"؛ هل المراد تحقق وصف القربة، أو المراد ألا يكون إثمًا؟
فإذا قلنا المراد تحقق وصف القربة، قلنا لا يصح الوقف على الأغنياء، وإذا قلنا المراد ألا يكون إثمًا، قلنا يصح الوقف على الأغنياء، وهما قولان في المذهب. والمشهور الأول، والمشهور الأول أن المراد بقوله من يكون على جهة بر أن تتحقق وصف القربة، فلا يصح الوقف على جهة مباحة أو جهة مكروهة، أما المحرمة فمن باب أولى. لكن تكون على الجهة قُربة، مثل ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من جهات القربة، كالمساجد، والقناطر، والمساكين، والسقايات، وكتب العلم، والأقارب من مسلم وذمي؛ فهذه كلها جهات قربة.
قال: «الأقارب من مسلم»، هذا لا إشكال فيه، «من ذمي»، علل لذلك؛ قال لأن القريب الذمي موضع القربة بدليل جواز الصدقة عليه. طيب، لماذا علل الذمي؟ لماذا لم يعلل للمسلم؟ ماذا لم يعلل لصحة الوقف على القريب بالمسلم؟ وضوح الحكم، ووضوح الحكم ما يحتاج تعليلًا، لكن الذمي هو الذي يخفى فيه الحكم، فلذلك علل له، ولذلك تجدون في...
كتب العلم عموما تجدونهم يغفلون بعض الأشياء لوضوحها، يغفلون ذكر بعض الأشياء بوضوحها أحيانا، بعض الشروط يغفلونها، بعض القيود يغفلونها لوضوحها. ولا يلزم من هذا إذا أغفلوها أننا نحاكمهم على إغفالهم لها، وأنه يلزم على كلامكم كذا وكذا؛ لا، لأن هذا دارج في كلام أهل العلم رحمه الله تعالى.
قال: لأن القريب الذمي هو موضع القربة، بدليل جواز الصدقة عليه: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. قال: ووقفت صفية رضي الله تعالى عنها على أخ يهودي كما رواه عبد الرزاق والبيهقي؛ لأنهم يملكون ملكا محترما، ويجوز التصدق عليهم، فجاز الوقف عليهم، أقصد أهل الذمة من أهل الذمة، يعني الذمي سواء كان قريبا أو غير قريب.
قال: فيصح الوقف على كافر معين، ولو كان الذمي الموقوف عليه أجنبيا من الواقف. لكن لا يصح على طائفة أهل الذمة بأن قال: هذا وقف على أهل الذمة، لكن لو أوقفه بمعنى أنه قال: هذا وقف على ذمي كل من كان ذميا، نقول: لا، هذا لا يصح؛ لأن هذا إعانة على معصية. لكن لو وقف على قريب له أو صديق له ذمي فلا بأس به.
قال: غير حربي ومرتد؛ لانتفاء الدوام، لأنهما مقتلان، فالحربي والمرتد أموالهما مباحة غير معصومة، ويجوز أخذها منهم بالقهر، فما يتجدد لهما، لأن الوقف الأصل فيه الاستمرار، وهؤلاء يجوز أخذ أموالهم منهم، فلذلك لا يصح أن يوقف عليه.
قال: وغير كنيسة وبيعة لمتعبد اليهود ومتعبد النصارى، وبيت نار وصومعة؛ فهذه لا يصح الوقف عليها، لماذا؟ قال: لأنها بنيت للكفر فيها إعانة على المعصية. قال: والمسلم والذمي في ذلك سواء؛ المسلم واضح أنه لا يوقف على متعبدات الكفار، لكن الكافر حتى الكافر لا يصح وقفه على متعبدات الكفار، يعني أننا لو تحاكم إلينا لا نجيز هذا التعامل.
قال الإمام أحمد رحمه الله: «في نصارى وقفوا على البيعة ضياعا كثيرة وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى، قال: فلهم أخذها لأنهم وقفوها على متعبداتهم». قال: فلهم أخذها، يعني الإمام أحمد رحمه الله يرى إبطال وقف النصارى على متعبداتهم، قال: فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم. قال الموفق رحمه الله: ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي، كالوقف على غير المعين.
قال أيضا: وغير نسخ التوراة والإنجيل وكتب الزندقة والبدع المضللة؛ فلا يصح الوقف على ذلك، لماذا؟ لأنه إعانة على معصية. فالوقف مقصوده الإعانة على البر، ومن مقاصده الاستمرار، فلذلك إذا لم تتحقق الإعانة على البر أو لم يتحقق الاستمرار تجدهم لا يصححون الوقف، قال: لأنه إعانة على معصية.
وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى عمر رضي الله تعالى عنه شيئا استكتبه من التوراة، وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب! ألم آت بها بيضاء نقية؟ ولو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» عليه الصلاة والسلام. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم غضب على عمر رضي الله تعالى عنه وفي يده أوراق من التوراة، فكيف بمن يتتبع كتب الإلحاد والزندقة وكتب أهل الضلال ويقتنيها ويقرأ ما فيها؟ فإن هذا قد جنى جناية عظيمة على نفسه، إلا إن كان من أهل العلم الذين تسلحوا بالعلم واقتناها ليبين زيفها وضلالها فلا بأس، لكن أما عامة الناس والذين لم يتسلحوا بالعلم فإنه لا يجوز لهم اقتناء الكتب الرديئة التي تدعو إلى الفجور أو تشكك في الاعتقاد. وأعظم ما ينبغي للمسلم أن يحافظ عليه، وهو رأس ماله، هو دينه، فإذا قرأ شيئا أو طالع شيئا يشككه في دينه أو يبعده عنه فقد فقد الدنيا والآخرة، والله المستعان.
قال أيضا: ولا يصح أيضا على قطاع الطريق؛ لماذا؟ لأن الوقف عليهم إعانة لهم على المعصية. أو المغني من يستعمل الغناء، هذا إعانة لهم على المعصية. أو فقراء أهل الذمة، لأن هذه جهة ليست جهة بر؛ كالتنوير على قبر أو تبخيره، فهذا كله من المنهي عنه لأنه وسيلة إلى الشرك، فالوقف عليه وقف على ما هو وسيلة إلى الشرك، أو على من يقيم عنده أو يخدمه، لأن هذا كله وسيلة إلى الشرك. ولا وقف لستور لغير الكعبة، يعني أن يستر الجدران، فهذا لا يصح الوقف على ستر الجدران إلا على ستر الكعبة لأنها مستثناة من ذلك، وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على جواز وضع الستور عليها وصحة الوقف على ذلك.
قال: وكذا الوصية، فلا تصح على من لا يصح الوقف عليه، كل من قلنا لا يصح الوقف عليه فلا يصح الإيصاء إليه، ويأتي إن شاء الله في باب الوصايا.
قال رحمه الله: وكذا الوقف على نفسه. قال الإمام: لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى أو في سبيله، فإن وقفه عليه حتى يموت فلا أعرفه؛ لأن الوقف إما تمليك للرقبة أو المنفعة، ولا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه ويصرف في الحال لمن بعده. وإن وقف على غيره واستثنى كل الغلة أو بعضها أو الأكل منه مدة حياته أو مدة معلومة صح الوقف والشرط، كشرط عمر رضي الله عنه أكل الوالي منها وكان هو الوالي عليها، وفعله جماعة من الصحابة.
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى على الوقف على النفس؛ هل يصح للإنسان أن يقول عنده مثلا سيارة أو بيت فيقول: أوقفته على نفسي، سواء قال: أوقفت على نفسي ثم على فلان، أو قال: وقفت على نفسي فقط، هل يصح هذا أو لا؟ يقول: وكذا الوقف على نفسه، يعني لا يصح. قال الإمام أحمد رحمه الله: «لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى أو في سبيله، فإن وقفه عليه حتى يموت فلا أعرفه».
هذا نصر الإمام أحمد رحمه الله، وهو من رواية أبي طالب، وهذا إحدى الروايتين في المذهب وهو المشهور من المذهب؛ أنه لا يصح أن يقف الإنسان على نفسه.
علل لك المؤلف رحمه الله هنا قال لك: لأن الوقف إما تمليك للرقبة أو المنفعة. ولماذا قال للرقبة والمنفعة؟ هل هو أحيانا يملك الرقبة وأحيانا يملك المنفعة؟ يشير إلى الخلاف؛ فالموقوف عليه المنفعة ما فيه إشكال، لكن الرقبة التي هي الأصل، هل هي ملك الموقوف عليه أو ملك للواقف أو ملك لله تعالى؟ هناك ثلاثة أقوال في المذهب، فهو أشار للخلاف هنا، فيقول لك الوقف إما تمليك للرقبة على أحد الأقوال أو المنفعة.
المنفعة ما فيه إشكال أنه يملك المنفعة، وقال لا يجوز للواقف أن يملك نفسه من نفسه؛ لأنه هو المالك، كيف يملك نفسه وهو مالك من الأصل؟ هذا تعليله. والتعليل الآخر هو الذي أشار به إلى الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: «لا أعرف الوقف»؛ يعني أن هذا لا أعرف الوقف إلا ما خرج الله، لا أعرفه إذا وقف على نفسه. يعني أن هذا ليس عليه العمل، فهو غير مشروع.
والرواية الثانية صحة الوقف إذا وقف الإنسان على نفسه، اختارها بعض الأصحاب وعزاها الموفق والشارح ومن تبعهم إلى ابن أبي موسى وابن عقيل. وذكر المرداوي رحمه الله أن ابن أبي موسى وابن عقيل رحمهم الله تعالى لا يصح، أو أنه قال: لم أقف على قولهما بذلك، إنما وقفت على قولهما بالقول المشهور أنه لا يصح.
واستدل أصحاب القول الثاني، وممن قال بالقول الثاني شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، والمرداوي استظهره في التنقيح وصوبه في الإنصاف، وقال: هذه الرواية الثانية عليها العمل في زماننا، وقبله عند حكامنا من أزمنة متطاولة، وهو الصواب وفيه مصلحة عظيمة وترغيب في فعل الخير، وهو من محاسن المذهب.
لماذا؟ لأن الإنسان أحيانا يريد أن يوقف، لكن يقول: أنا أريد أن أوقف ولكن أريد أن أنفع نفسي في هذا الوقت. إذا أوقفت مثلاً وأنا أحتاج إلى هذا المال، قالوا يخرج من هذا بأن يوقف على نفسه مدة حياته ثم بعد وفاته يكون وقفاً على من يريد. واستدلوا على صحته بما سيذكره المؤلف بالقياس على أنه لو استثنى الغلة مدة معلومة أو مدة حياته، قالوا فكذلك أوقفها على نفسه.
وعلى القول الأول المشهور الذين قالوا إنه لا يصح الوقف على نفسه، قالوا إذا حصل هذا فإنه يصرف في الحال لمن بعده؛ إذا قال: هذا وقف على نفسي مدة حياتي ثم على أولادي من بعدي، قالوا: خلاص يبطل وقفه على نفسه ثم يصرف إلى أولاده من بعده مباشرة. هذا على القول المشهور، لذلك قال المؤلف: «ويصرف في الحال لمن بعده كمنقطع الابتداء».
قوله «كمنقطع الابتداء» هذا أحد أوصاف الوقف. وذكر المرداوي وغيره أن للوقف ست صفات؛ عندنا ابتداء ووسط وانتهاء، ويمثلون للصحيح المتصل للصحيح الساري بأنه متصل، وللمنتهي أو الباطل بأنه منقطع.
الوقف له ست صفات: أما أن يكون متصل الابتداء والوسط والانتهاء؛ مثل لو قال: هذا وقف على ولدي ثم زيد ثم المساكين، يعني وقفه على ولده صحيح، بعد ولده إذا انتهوا سينتقلون إلى زيد، إذا انتهى زيد سينتقلون إلى المساكين، والمساكين جهة مستمرة لا تنقطع، فهو متصل الابتداء والوسط والانتهاء، وهذا لا إشكال في صحته.
الثاني: منقطع الابتداء متصل الوسط والانتهاء؛ يعني أوقف على جهة لا تصح ثم جهة تصح ثم جهة تصح، مثل لو قال: هذا وقف على عبدي ثم زيد ثم المساكين، الوقف على عبده لا يصح لأن العبد لا يملك، فينتقل مباشرة إلى زيد، ثم بعد زيد توفي زيد إلى المساكين.
الثالث: متصل الابتداء منقطع الوسط والانتهاء، عكس السابقة؛ مثل لو قال: على أولادي ثم الكنيسة ثم القبر، على أولادي صحيح متصل، ثم الكنيسة باطل منقطع، ثم القبر باطل منقطع، وهو متصل الابتداء منقطع الوسط والانتهاء.
الرابع: متصل الابتداء والانتهاء منقطع الوسط؛ مثل لو قال: على أولادي ثم الكنيسة ثم المساكين، أولاده صحيح، الوسط الكنيسة باطل، ثم المساكين صحيح.
الخامس: عكسها، منقطع الطرفين صحيح الوسط، منقطع الابتداء والانتهاء وصحيح الوسط؛ مثل إذا قال: على عبدي ثم المساكين ثم الكنيسة.
السادس: طبعاً الوقف صحيح في هذه الخمسة كلها، أما السادس فهو منقطع الابتداء والوسط والانتهاء؛ مثل أن يقف على ما لا يصح الوقف عليه ويسكت، أو يقف على عدة جهات كلها لا يصح الوقف عليها، مثل لو قال: هذا وقف على نفسي وسكت ولم يقل بعدها على فلان، فهنا لا يصح الوقف يبطل، وكذا لو قال: على نفسي ثم عبدي ثم على قبر، هنا كلها أوقاف باطلة فيبطل الوقف.
إذا هذه الصفات الست للوقف يصح في خمس ويبطل في واحد، ولذلك قال: «ويصرف في الحال لمن بعده كمنقطع الابتداء».
الحالة الثانية: فإن وقف على غيره واستثنى كل الغلة أو بعضها، وقف مثلاً قال: هذه العمارة وقف على جمعية تحفيظ القرآن، لكن هذه العمارة فيها شقق مؤجرة، قال: لكن أجرة العمارة للسنة الأولى استثنيتها لي، ومن السنة الثانية وما بعدها لتحفيظ القرآن، هنا يصح. أو قال: أجرت العمارة مدة حياتي وبعد وفاتي لتحفظ القرآن، فهنا يصح، أو أكل منها مدة حياتي، استثنى مثلاً أوقف مزرعة وقال لي أن آكل منها مدة حياتي فيصح.
وذلك لشرط عمر رضي الله عنه أكل الوالي منها وكان هو الوالي عليها، أو مدة معلومة، سواء قال مدة حياته أو مدة معلومة سنة أو سنتين أو شهر أو شهرين، فهذا كله يصح الوقف، والشرط لفعل عمر وفعله جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثرم، واحتج بأن في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر، ولأثر عمر المذكور، وقياساً على انتفاعه بالوقف العام كالمساجد والمغاب؛ يعني لو أنه بنى مسجداً هل له أن ينتفع به يصلي فيه معه وإن كان هو الذي وقف والواقف؟ لكن له أن يصلي فيه لأن هذا وقف على جهة عامة، قالوا مثله لو وقف على جهة خاصة واستثنى الأكل فله ذلك. فعله جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ونقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
الأسئلة: ماذا لو وقف على نفسه فقط، هل يكون تركه لمن بعده أم يكون وقفاً؟ أجبنا عليه قلنا...
إذا وقف على نفسه فقط فإنه لا يصح، يبطل على المذهب. قال: كيف يوقف المال المشاع؟ يوقف المال المشاع، يقول هذا وقف ثم بعد ذلك يقسم. لو مثلاً يملك نصف العمارة أو نصف المزرعة، يكون وقفا؛ نصفه وقف ونصفه أطلق، يعني ملكاً لغيره، أطلق يعني غير موقوف، فيصح الوقف. كيف يستفاد منه؟ إما أن يقسم، أو فقط الغلة، إذا خرجت نصفها للوقف ونصفها لمالكها. يقول: إذا أطلق الوقف على من ينصرف؟ هذه تأتينا في الدرس القادم إن شاء الله.
وما حكم ضحية الدوام؟ هل تعد وقفاً؟ نعم، ضحية الدوام، يعني قال ضحوا لي كل سنة، هذه وصية، هذه وصية.
قال: هل من شروط المسجد في المذهب كونه وقفاً؟ فلو استؤجر مكان للصلاة بصفة دائمة هل يكون مسجداً؟ تحتاج إلى تأمل.
يقول: هل ينعقد الوقف ممن صرح به هازلاً؟ هل ينعقد الوقف ممن صرح به هازلاً أو لا؟ بيع الهازل هل يصح أو لا؟ يصح. لماذا؟ عندنا إذا اختلفوا، الموازي الأولى هذه مسألة، لكن إذا كان الطرفان يعلمان أن البائع هازل فهل يصح؟ اختل شرط الرضا، فلا يصح بين الهازل والوقف.
هذا إذا علم النفس، لكنه لو أنه لما أوقف وجاء الموقوف عليه يستفيد منه، قال له: أنا كنت هازلاً، فهل ناخذ بكلامه أو ناخذ بالظاهر؟ الأصل عدمه، والظاهر أننا نأخذ بالظاهر، وهم نصوا على ما لو قال: «تصدقت بكذا»، قلنا ظاهرها أنها صدقة تطوع، لا تنقلب إلى الوقف إلا بالنية. فلو قال: «تصدقت»، واستأذن الموقوف عليه، فقال الموقوف عليه: لا، أنا نويت الوقف، قال الموقف عليه: قلت تصدقت، يعني أنك تريد صدقة تطوع، فلذلك ليس لك حق البيع. من يقدم قوله هنا؟ المتصدق أم المتصدق عليه؟ يقولون هنا يقدم قول المتصدق عليه، وهي خلاف الأصل؛ أصلاً يقدم قول بائع المال لأنه أعلم بنيته، لكن هنا قدموا هذا لأن معه الظاهر. لا إله إلا الله، استغفر الله.
يقول: هل مساجد المزارع التي لا جماعة ثابتة فيها ولا إمام راتب يلزم أن تكون وقفاً بناءً على المذهب؟ إذا فتحوا المسجد للغادي والرائح، فعلى المذهب نعم تكون وقفاً. لكن عندنا لو بيعت هذه المزرعة، هل تدخل معها بقعة المسجد في البيع أو لا؟
عندنا مسألة ثانية: المساجد في المحطات، أو المصليات في الشركات أو المقرات الإدارية الحكومية، يعني يمكن ليست مفتوحة لكل واحد، لكن في المحطات، هل هي وقف؟ يعني إذا جئت تطبق عليها قواعد المذهب ممكن. لو كان اشتراها أو كان مالك المحطة هو المالك، هذه حقيقة المساجد والمصليات فيها احتمالات أو فيها مسائل تحتاج إلى تمحيص.
يعني هي لو بيع المسجد، لو قلنا إنه وقف ويصح، تأبى الوقف نجعله مؤقتاً، هذا يصح، لكن إذا قلنا لا، الوقف لا يصح إلا مؤبداً، إذن كيف يهدم المسجد؟ حقيقة تحتاج إلى مزيد تأمل.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان