دخولتسجيل الدخول

كتاب الوقف 02 | الدرس الثاني

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء كتاب الوقف. كنا قد بدأنا في اللقاء الماضي في كتاب الوقف، وتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن تعريف الوقف، وصيغه الوقف، وأنه يحصل بالقول وبالفعل، وتكلم عن الصيغة القولية والصيغة الفعلية، ثم ذكر شروط الوقف، وأنه اشترط لصحتة أربعة شروط.

ذكر شرطًا سابقًا في أول الكلام، ثم ذكر أربعة شروط. إذا ذكرنا لكم أنه في الإقناع ذكر خمسة شروط، فهذه جميعًا هي الشروط. الشرط الأول: أن يكون الواقف جائز التصرف. الشرط الثاني: أن يكون الوقف على جهة بر، فإذا كان الوقف على جهة، أما إذا كان على فرد أو أفراد فيشترط أن يكون في محذور شرعي. الشرط الثالث: أن تكون العين الموقوفة تشتمل على منفعة، وأن تكون هذه المنفعة دائمة لا تتلف بالانتفاع.

وقفنا على الشرط الثالث، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنه. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ويشترط في غير الوقف على المسجد ونحوه كالرباط والقنطرة، أن يكون على معين يملك ملكًا ثابتًا، لأن الوقف تمليك، فلا يصح على مجهول كرجل ومسجد، ولا على أحد هذين، ولا على عبد ومكاتب، ولا على ملك وجني وميت وحيوان وحمل أصالة، ولا على منبر، ولا على قبر أصالة، ولا على من سيولد، ويصح على ولده ومن يولد له، ويدخل الحمل والمعدوم تبعًا».

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشرط الثالث؛ أن يكون على معين يملك. قال: «يشترط في غير الوقف على المسجد ونحوه»، يعني إذا كان الوقف على جهة بر مما منفعته عامة للمسلمين، فلا يشترط أن يكون على معين يملك، مثل الوقف على المسجد، فالمسجد لا يملك. والرباط، مراد به إما أن يراد به رباط الجهاد، أو يراد به رباط بيوت العلم، مثل سكن طلاب العلم. والقنطرة وهي الجسر المعبر، يعني لو جعل طريقًا على نهر ونحو ذلك، فهذا لما كان فيه منفعة للمسلمين بعمومهم لم يشترط له أن يكون على معين يملك، فيكون وقفًا على المسلمين جميعًا.

لكن إذا كان وقفًا على أفراد، فإنه لا بد أن يكون هذا الفرد معينًا ويملك ملكًا ثابتًا. لماذا يشترطون ذلك؟ لأن الوقف تمليك. وذكرنا وأشرنا لكم في الدرس الماضي الخلاف في العين الموقوفة؛ هل هي ملك للموقوف عليه، أو ملك لله تعالى، أو ملك للواقف؟ والخلاف بين الأصحاب، والمشهور عند الأصحاب أنهم يفرقون بين الموقوف عليهم؛ فإذا كانوا جماعة محصورين أو فردًا فإنه يكون ملكًا لهم، وإذا كانوا جهة مثل المسجد، أو كان جماعة غير محصورة مثل الوقف على طلاب العلم أو على المساكين، فإنه يكون ملكًا لله تعالى، هذا المشهور من المذهب، المذهب التفريق.

ولا يعني كونه ملكًا لهم أن لهم بيعه، لكن يترتب عليهم مسائل مثل الزكاة؛ لو أوقف عليهم مزرعة فيها نخيل فيها تمر يبلغ النصاب، فهنا يجب عليهم أن يخرجوا الزكاة، لكن لا يعني هذا أنه يصح لهم بيع المزرعة.

قال: «لأن الوقف تمليك، فلا يصح على مجهول كرجل ومسجد»، يعني لا يصح أن يقول: هذه العمارة وقف على رجل ويبهمه، أو يقول: وقف على مسجد ويبهمه، لا بد أن يحدد. قال: «ولا على أحد هذين»، وهذا يسمى المجهول؛ رجل ومسجد تمثيل على المجهول، أما «على أحد هذين» فهو مبهم، كأن يقول: وقف على زيد أو عمرو ما حدد، لو قال: وقف على زيد وعمرو، أو وقف على زيد فإن مات فعل عمر، هذا معين، لكن قال: وقف على زيد أو عمر هنا مبهم لا يصح، لا بد من التحديد.

قال: «ولا على عبد ومكاتب»، أما العبد فلعدم الملك، وأما المكاتب فالمكاتب هل يملك أو لا يملك؟ نعم، ملكه غير مستقر؛ لأنه يملك تعجيز نفسه فيرجع عبدًا إلى سيده. قال الإمام أحمد رحمه الله في من وقف على مماليكه: «لا يصح الوقف حتى يعتقهم»، لأن الوقف تمليك فلا يصح على من لا يملك.

قال: «ولا على ملك» لعدم الملك، ما يستطيع أن يملك الملك. «ولا على جني» لأنه لا يستطيع تمليكه. «ولا على ميت» لأنه لا يملك، كما لو قال: داري التي أنا أجرتها على فلان إذا مات فهي وقف عليه، فهي وقف على ميت، والميت لا يملك. قال: «وحيدوان»، لا يصح الوقف على الحيوان لأنه لا يملك.

قال: «وحمل»، كأن يقول: هذه العمارة وقف على الجنين الذي في بطن زوجتي أو الجنين الذي في بطن أختي مثلاً، فإنه لا يصح؛ لأنه لا يملك. سياتينا في الوصية أنهم يصححون الوصية للحمل، فلماذا صححوها في الوصية ولم يصححوها في الوقف؟ لأن الوقف ناجز، فهو إذا وقف سيوقف الآن، والحمل لا يملك الآن إلا بخروجه مستحق حياة مستقرة. أما الوصية فإنها لا تنجز إلا بعد وفاة الموصي، فإذا توفي الموصي فننظر؛ إذا كان الحمل موجودًا صحت الوصية، وإن لم يكن موجودًا —لو مات الحامل مثلاً في بطن أمها، أو خرج حيًا ثم بعد سنة مات— المهم أنه مات قبل وفاة الموصي، فإن الوصية تبطل لعدم وجود الموصى له.

قال: «وقبر»، لا يصح الوقف على القبر؛ لأن القبر لا يملك، وصاحبه لا يملك أيضًا، فلا يصح الوقف على القبر ولا على خدمته؛ فقد نهى النبي ﷺ عن البناء على القبور واتخاذ المساجد والسرج عليها، فكيف بالوقف عليها؟ قال: «ولا على من سيولد».

ولا على من سيولد؛ لأنه معدوم. قال: ويصح على ولده، ومن يولد له يصح أن يقول: «هذه العمارة وقف على ولدي ومن سيولد له». ومن سيولد له معدوم، لماذا صححناها؟ نعم، قال المؤلف: «ويدخل الحمل والمعدوم تبعاً».

يدخل الحمل والمعدوم تبعاً؛ فإذا مثلاً أوصى أو وقف على امرأة وما في بطنها، فيصح، يدخل الحمل تبعاً. إذا وقف على ولده ومن سيولد له صح، ويدخل من سيولد له تبعاً.

السلام عليكم. قال رحمه الله: الشرط الرابع أن يقف ناجزاً؛ فلا يصح مؤقتاً ولا معلقاً إلا بموت. وإذا شرط أن يبيعه متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه بطل الوقف، والشرط قاله في الشرح.

نعم، أحسنت. الشرط الرابع قال: «أن يقف ناجزاً»، فلا يصح مؤقتاً ولا معلقاً. يقول هذا البيت: «وقف الآن»، فلا يصح مؤقتاً؛ فلا يصح أن يقول: «هذا البيت وقف إلى سنة أو إلى سنتين»، لا بد أن يوقفه وقفاً مؤبداً.

فلا يصح التعليق في الوقف، فلا يصح تعليق الوقف بشرط؛ لأنه نقل للملك فيما لم يبنَ على التغليب والشرائع، فلم يجز تعليقه على شرط. وقولهم: «فيما لم يبنَ على التغليب والشرائع»، هذا لإخراج العتق؛ فالعتق يجوز أن يعلق على شرط، لأن العتق مبني على التغليب والشرائع، أما الوقف فليس مبنياً على الشرائع؛ لذلك قالوا لا يصح التعليق على شرط.

وقصر على الهبة، ولأنه عقد يبطل بالجهالة، فلم يجز تعليقه على شرط المستقبل، كالبيع؛ وهذه مرت معنا في البيع أنه لا يصح تعليقه على شرط المستقبل، بل يصح تعليقه على شرط مستقبلي باستثناء مسألتين، هما: بيع العربون، وإذا علقه بمشيئة الله، فإذا علقه بمشيئة الله فيصح، وتقدم لنا الكلام عليها في الشروط في البيع.

هنا في الوقف أيضاً هذه قاعدتهم، التي سألنا عنها في معظم العقود؛ أنها لا تصح، لا يصح تعليقها على الشرط. طبعاً شيخ الإسلام رحمه الله ينازع في هذا، ويصحح تعليق البيع وتعليق الوقف على الشرط.

قال: «ولا يصح فلا يصح مؤقتاً»، لماذا؟ لأنه ينافي مقتضى الوقف؛ إذ مقتضى الوقف التأبيد، والأصل في الوقف أنه مؤبد لا يباع ولا يورث ولا يرهن، فإذا وقفه مؤقتاً فإنه نافى مقتضى الوقف. ولأنه إخراج مال على سبيل القربة، فلم يجز إخراجه إلى مدة كالعتق؛ الآن لو قال: «عبدي عتيق لمدة سنة»، هل يصح؟ قالوا: لا، والوقف مثله.

قال: «ولا معلقاً إلا بموت»، لا معلقاً؛ لأنه ينافي التنجيز إلا بالموت. فيصح الوقف المعلق بالموت بأن يقول: «إذا أنا متت فهذه العمارة وقف بعد موتي على جمعية البر، أو على أولادي، أو على أبناء أخي»، فيصح.

لماذا هذا معلق؟ قالوا: صحيح وإن كان معلقاً، لكن حقيقته وصية، فأجازوه وأجروه مجرى الوصية في اعتباره من الثلث، كسائر الوصايا. فلو أنه عند موته، لما مات نظرنا أمواله فوجدنا مثلاً قيمة أمواله كلها 500,000 والعمارة هذه تسوى 200,000، فالآن العمارة جاوزت الثلث، فلا يصح إيقاف ما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة.

لكن يختلف عن الوصية؛ في أن الوصية إنما تلزم بعد الوفاة، أما الوقف المعلق بالموت فإنه يلزم من حين عينه. يعني لو قال: «هذه العمارة وصية، أوصي بهذه العمارة بعد موتي أن يتبرع بها لتحفيظ القرآن» في 1448هـ، ثم جاء بعد سنة، هنا يهون عن الوصية. لكن لو قال: «هذه العمارة وقف على جمعية البر موتي»، ثم بعد سنة قال: «خلاص أنا هونت»، تقول: لا، أنت وقفت الوقف يكون ناجزاً، لكن بعد الوفاة ننظر؛ إذا كانت قيمة العمارة أكثر من الثلث أجزنا الثلث فقط، وأما ما زاد فيُسأل عنه الورثة هل يجزونه أو لا.

واحتج الإمام أحمد رحمه الله على صحته بأن عمر وصى، فكان في وصيته: «أن هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين، إن حدث به حدث أن يتصدق به»، أي إن حدث الوفاة. فهو علقه هنا بالموت، ووقفه هذا اشتهر في الصحابة ولم ينكر، فكان إجماعاً. ولأنه تبرع معلق بالموت فصح كالهبة والصدقة المطلقة، فإنه يصح تعليقها بالموت، وقلنا إنه يكون لازماً من حين النطق به.

قال: «إذا شرط أن يبيعه متى شاء»، قال هذا البيت: «وقف مثلاً على جمعية تحفيظ القرآن أو على طلاب العلم، لكن متى ما احتجت إليه سأبيعه»، أنا الآن الحمد لله في غنى، لكن يمكن بعد سنة أحتاج فأسبيعه، فاشترط ذلك، هل يصح؟

قال: «إذا شرط أن يبيعه متى شاء أو يهبه»، يقول الآن: «وقف لجمعية البر، لكن يمكن يجيني صديق لي ما عنده بيت فأهبه»، فاشترط أن له أن يهبه متى شاء، أو أن يرجع فيه متى شئت، فهل له ذلك؟ يقول المؤلف: «بطل الوقف»، والشرط قاله في الشرح، وقاله الموفق رحمه الله قبله، وقال: «لا نعلم فيه خلافاً»؛ في بطلان الشرط.

في المغني قال: «لا نعلم فيه خلافاً»؛ والمقصود لا نعلم في بطلان الشرط، أما في بطلان الوقف ففيه الخلاف؛ لذلك قال: «لا نعلم فيه خلافاً»، لأنه ينافي مقتضى الوقف، ويحتمل أن يفسد الشرط ويصح الوقف؛ فلو كان لا خلاف في بطلان الوقف ما ذكر الموفق هذا الاحتمال، قال: «يحتمل أن يفسد الشرط ويسح الوقف بناءً على الشروط الفاسدة في البيع».

السلام عليكم. قال رحمه الله: «لا قبوله»، أي قبول الوقف؛ فلا يشترط ولو كان على معين، ولا إخراجه عن يده؛ لأنه إزالة ملك تمنع البيع، فلم يعتبر فيه ذلك كالعتق. هنا ذكر مسألتين استثناهما، يعني أنهما ليسا بشرطين. وذكرنا لكم مراراً أنه إذا نفى المؤلف وجوب الشيء أو استحباب الشيء نحو ذلك، فإن هذا إشارة إلى خلاف هنا.

قال: «لا قبوله»، يعني أنه لا يشترط لصحة الوقف أن يقبله الموقوف عليه، فلو قال: «هذا البيت وقف على زيد»، قال زيد: «لا أنا مستغنٍ لا أريد الوقف»، فهل يصح له أن يرجع في الوقف؟ فخلاص خرج من ملكه وصار وقفاً على زيد، فالقبول ليس شرطاً. قال: «ولو كان على معين أيضاً».

معين، ترى هذه إشارة خلاف؛ لأن بعض الفقهاء -وهو قول في المذهب- قالوا إنه لا يشترط القبول لصحة الوقف. مثل المثال السابق: قال أو وقفت بهذا البيت على زيد، فقال زيد لا أقبله، فهنا يقولون لا يصح الوقف، لكن المشهور من المذهب أنه يصح الوقف سواء كان الوقف على معين أو غير معين.

الوقف على معين ممن لا يتصور منه القبول، كالمساجد أو الوقف على مقيد معين مثل طلاب العلم، هذا لا يشترط له القبول، وهذا بلا خلاف كما ذكره الزركشي. وأما المعين ففي اشتراط القبول وجهان، والمشهور من المذهب أنه لا يشترط القبول قياسًا على غير المعين، وعلى العتق أيضًا؛ قياسًا على العتق، فلو قال زيد وهو السيد وعمرو العبد: «أعتقت يا عمرو»، فقال عمرو: لا أقبل هذا العتق، هل يرجع عمرو عبدًا؟ لا، خلاص عتق وانتهى، فلا يشترط في العتق القبول، قالوا كذلك الوقف لا يشترط له القبول.

وهذا مما يختلف به الوقف عن الوصية؛ فالوصية اشترط لها القبول، فلو أوصى زيد مثلاً بسيارته بعد وفاته لأخيه عمرو، ولما توفي زيد قال عمرو: أنا مستغنٍ عن السيارة لا أريد، فهنا خلاص لا تثبت الوصية، وترجع السيارة إلى الورثة يقتسمونها؛ لأنها تكون تركة. فالوقف لا يشترط له القبول، والوصية يشترط لها القبول.

ومما لا يشترط لصحة الوقف إخراج العين الموقوفة من يد الواقف، بمعنى أن الوقف يثبت بمجرد اللفظ. لو سكن في بيت وقال: هذا البيت وقف على طلاب العلم، يثبت من الكلام ما يحتاج، ولا نقول مادامك لم تخرجها لك أن ترجع؛ فالوقف يثبت بمجرد اللفظ، ولا يشترط إخراج العين الموقوفة عن يده. وعلل المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «لأنه الوقف إزالة ملك يمنع البيع»، فلم يعتبر فيه ذلك كالعتق؛ فالعتق لا يشترط إخراجه عن يده ويلزم بمجرد اللفظ، فكذلك الوقف.

قال رحمه الله: «وإن وقف على عبده ثم المساكين صرف بالحال لهم، وإن وقف على جهة تنقطع كأولاده ولم يذكر مالا، أو قال هذا وقف ولم يعين جهة صح وصرف بعد أولاده لورثة الواقف نسبا على قدر إرثهم وقفا عليهم؛ لأن مصرف الوقف البر، وأقاربه أولى الناس ببره، فإن لم يكونوا من الناس فأولى الناس ببرهم المساكين».

ذكرنا لكم في الدرس الماضي أن الوقف أحياناً يكون منقطع الابتداء، وأحياناً يكون منقطع الوسط، وأحياناً يكون منقطع الانتهاء، وأحياناً يكون متصلاً. هنا ذكر لك مثال لوقف منقطع الابتداء متصل الانتهاء؛ إن وقف على عبده ثم المساكين. الآن الوقف على العبد يصح أو لا يصح؟ لماذا لا يصح؟ لأنه لا يملك، خلاص لا يملك؛ إذاً لا يصح. ننظر إذا قال: وقف على عبدي فقط ولم يذكر بعده شيئاً، فإن هذا الوقف لا يصح. لكن إذا قال كما في المثال الذي ذكره: «وقف على عبدي ثم المساكين»، فإنا نصرفه في الحال للمساكين؛ لأن وجود من لا يصح الوقف عليه كعدمه، فننتقل في الحال لمن بعده.

قال: «وإن وقف على جهة تنقطع كأولاده ولم يذكر»، والآن هذا منقطع الانتهاء. لو قال: «هذا وقف على أولادي لصلبي»، فهنا يكون وقفاً على أولاده، فالبنات والأولاد يدخلون، لكن أولاد الأولاد لا يدخلون لأنه قال: «لصلبي». طيب، بعد مثلاً خمسين سنة توفي آخر واحد من أولاده، ماذا نفعل بالوقف؟ هل ذكر مالاً بعد الأولاد؟ هل قال: «إذا انتهى أولادي فعلى أولادهم» أو «فعلى طلبة العلم» أو «فعلى المساكين»؟ إذا كان قد ذكر جهة بعدهم فننقلها إليه، أما إذا لم يذكر جهة بعدهم فهذا محل المسألة، وسنذكرها بعد ما نذكر المسألة الثانية.

المسألة الثانية: إذا قال: «هذا وقف» ولم يعين جهة، كأن يقول: «وقفت عمارتي هذه على من سكت»، أو مثلاً توفي هذا الأب وقال أحد أولاده: «أنا سمعت والدي يقول ترى هذا بيتكم الذي تسكنون فيه وقف»، وقالوا: «ما ندري»، توفي والده ولم يستبصروا عنه ولم يجدوا ورقة تثبته، وجميع الورثة يصادقون أخاهم على هذا، فماذا يفعلون؟ أولاً، هل يصح الوقف هكذا إذا قال: «هذا البيت أو هذه السيارة وقف» وسكت؟ هل يصح هذا أو لا؟

يقول الموفق رحمه الله: لا نص فيه عن أحمد، إذا قال: «هذا وقف» وسكت. وقال ابن حامد: يصح الوقف، وقال القاضي: هو قياس قول أحمد؛ قاسوه على قول أحمد في باب آخر. فالإمام أحمد رحمه الله ذكر في النذر المطلق أنه ينعقد موجباً لكفارة يمين؛ النذر المطلق إذا قال: «علي نذر» وسكت، ولم يقل: «لله علي نذر أن أصلي ركعتين أو أصوم أو أحج»، فالإمام أحمد رحمه الله قال: ينعقد هذا النذر موجباً لكفارة يمين مباشرة، فقاسوه على قوله: «هذا وقف».

وذكر الموفق في "الكافي" أن هذا قياس المذهب، وعلله بأنه إزالة ملك على سبيل القربة، فصح مطلقاً كالعتق. وهذا هو المشهور من المذهب في "الإقناع"، حيث ذكر أن الأظهر البطلان، وهو قول في المذهب، أما المشهور من المذهب أنه يصح، ويكون مصرفه كما ذكر.

فهنا ذكر مسألتين: إذا وقف على جهة ثم انقطعت، أو وقف وقفاً مطلقاً فقال: «هذا وقف» وسكت؛ فماذا يفعل به؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: يصح هذا الوقف، وصرف بعد أولاده في المسألة الأولى، وفي المسألة الثانية يصرف مباشرة لورثة الواقف نسباً على قدر إرثهم وقفاً عليهم. وعندنا هذه القيود للورثة: أولاً يصرف لورثة الواقف، وورثة الواقف هم من جهة النسب، ومن جهة الصهر، ومن جهة الولاء، قال: «لورثة الواقف نسباً»، وكيف نقسم بينهم؟ قال: «على قدر إرثهم».

إرث، طيب هل يملكونه ولا وقف؟ قال: «وقفا عليه». ترى كل جزئية من هذه الجزئيات فيها خلاف المذهب؛ يصرف لورثة الواقف من جهة النسب، ووقفا عليهم وعلى قدرهم، وعلى قدر أربعة قيود، كل جزئية من هذه الجزئيات فيها خلاف المذهب، لكن هذا هو المشهور من المذهب.

إذا يصرف لأولاده، فلو قال مثلا: «هذا وقف على أولادي» وسكت، وبعد مثلا عشرين سنة انقرض أولاده، فالآن ننظر ورثته الآن، كأنه توفي الآن، هذا الواقف، يعني حتى لو هو متوفى كأنه توفي الآن؛ من الذي يرثه؟ هو الآن أولادهم موجودون، لو كان مثلا عنده أبناء أبناء، أبناء الأبناء موجودة، فنصرفه عليهم. أو كان مثلا عنده خمسة من أبناء الأبناء وخمسة من بنات الأبناء، فنصرفه عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين.

إذا ورث الواقف نسباً على قدر وقف، لا يحق لهم التصرف فيه. طيب، لو أن هذا الوقف كان موجوداً والواقف هذا كان موجوداً، فهل يرجع الوقف إليه؟ هو خرج من ملكه، هو الأصل خرج من ملك الأولاد، لكن الآن أولاد انقرضوا، هل يرجع إليه لأنه هو الواقف؟ يعني نحن صرفناه في ورثته، لكن قال: أنا موجود، هل يرجع؟

نعم، في المذهب يرجع، وهو قول في المذهب ونص عليه في المنتهى أنه يرجع إليه، يرجع إليه وقفاً عليه. ترى مستثنى بمسألة الوقف عن النفس؛ الوقف عن النفس الأصل كما مر معنا في الدرس الماضي أنه غير صحيح في المذهب، وروايتان عندنا عن أحمد واستثناوها، هذه المسألة، أنه يرجع إليه الوقف بعد انقراض الموقوف عليهم، بعد انقراض الموقوف عليه، هذا على أحد الأقوال في المذهب.

لماذا يرجع إلى أولاده؟ قال: لأن الوقف مصرفه البر، يعني هو إنما قصد بالوقف قصد الثواب، وأقاربه أولى الناس ببره. يرجع إلى أقاربه، نعم يرجع إلى ورثة الواقف، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، لأن الوقف أصلاً لا يختص بالفقراء، ويكون بينهم على حسب ميراثهم وقفاً عليهم، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله؛ لأن الوقف يقتضي التابيت، فإن لم يكونوا، يعني ما عنده ورثة، كل ورثته انقرضوا، فنقول يصرف إلى المساكين وقفاً عليه، لأن قصده بهذا الوقف الثواب الجاري على وجه الدوام.

وإنما قدمنا الأقارب على المساكين لكونهم أولى الناس ببره، لذلك الصدقة على القريب بالرحم أعظم أجراً من الصدقة على المسكين، كما جاء ذلك في حديث عن النبي ﷺ.

قال رحمه الله: «فصل: ويجب العمل بشرط الواقف؛ لأن عمر رضي الله عنه وقف وقفاً وشرط فيه شروطاً، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة».

ففي جمع بأن يقف على أولاده وأولاد أولاده ونسله وعقبه، وتقديم بأن يقف على أولاده مثلاً، يقدم الأفقه أو الأدين أو المريض ونحوه، وضد ذلك التأخير. وضرب الجمع بأن يقف على ولده زيد ثم أولاده، وضد الجمع الأفراد.

وهذه ركائز: الجمع، والأفراد بأن يقف على ولده زيد ثم أولاده، وضد التقديم التأخير بأن يقف على ولد فلان بعد بني فلان، واعتبار وصف وعدمه بأن يقول: «على أولادي الفقهاء» فيختص بهم، أو «يطلق» فيعمهم هم وغيرهم، والترتيب بأن يقول: «على أولادي ثم أولادهم»، والنظر بأن يقول: «الناظر فلان، فإن مات ففلان»، لأن عمر رضي الله عنه جعل وقفه على حفصة تليها ما عاشت ثم يليه دون رأي من أهلها. وغير ذلك كشرط ألا يؤجل، أو قدر مدة الإجارة، أو قدر مسكن، أو تقديم مدة الإجارة، أو ألا ينزل فيه فاسق أو شرير أو متجوه ونحوه، وأن ينزل مستحق تنزيلاً شرعياً لم يجز صرفه بلا موجب شرعي.

فإن أطلق في الموقوف عليه ولم يشترط وصفاً، استوى الغني والفقير، وضدهما أي الأنثى والذكر، في عدم ما يقتضي التخصيص.

تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة عن شرط الواقف؛ الواقف إذا وقف يقول مثلاً: «وقفت هذه العمارة في مصالح المسجد»، ثم يشترط شروطاً فيها، يصرف كذا، منها كذا وكذا، أو يصرف على المسجد، منها كذا، مثلاً ثلث الغلة على المسجد وثلثها على كذا، يشترط شرطاً.

فهنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الأصل في شروط الواقف أنه يجب العمل بها، واستدل على وجوب العمل بشرط الواقف بأن عمر رضي الله عنه وقف وقفاً وشرط فيه شروطاً، وقال في الفقراء وذوي القربى والرقاب وفي سبيل الله وبن السبيل، ولا حرج على من وليه أن يأكل بالمعروف، وأوصى أن تقوم عليها حفصة تليها ما عاشت، فلو لم يجب اتباع شرط الواقف لم يكن لاشتراط عمر رضي الله عنه فائدة.

وأطلق الفقهاء رحمهم الله تعالى أن نص الواقف كنص الشارع. وهل هو كنص الشارع مطلقاً أو لا؟ يعني هل يجب العمل به مطلقاً أو لا؟ عندنا إذا نص الواقف، نقول: نص الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة، كيف يستدل وكيف يفهم وكيف يستدل منه على مقصوده، وكنص الشارع بالتخصيص والإطلاق ونحو ذلك، لكن هل هو كنص الشارع في وجوب العمل أو لا؟

الفقهاء رحمهم الله تعالى يطلقون أن نص الواقف كنص الشارع، يعني حتى في وجوه العمل. شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أن نص الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل، قال: «مع أن التحقيق أن لفظ الواقف والموصي والناذر والحالف...»

وكل عقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وفقًا للغة العرب أو لغة الشارع. وهذه ستأتي في الألفاظ التي يذكرها المؤلف؛ فقد تكلمنا عليه مرارًا أن الألفاظ والصيغ التي يذكرها الفقهاء في الأبواب قد يقصدون مقصودها اللغوي، أو يقصدون ما جرى عليه العمل في بلدهم وفي زمنهم، والدلالات تختلف باختلاف البلدان والأزمان.

فنجد مثلا هنا يقول: إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده، هل يدخل أولاد البنات أو لا؟ إذا كان المعتاد عند الناس مثلا في بلد ما إذا قال: هذا وقف على أولادي وأولاد أولادي، أنه يشمل أولاد الأبناء وأولاد البنات، فإننا نحمله على ذلك وندخل أولاد البنات، وذلك فيما إذا لم يكن هناك ما يمنع، ولم يتوفَّ الواقف بما يمكننا أن نستفصله عن مقصوده، فهنا نعمل بالمقتضى اللغوي.

الشيخ الإسلام رحمه الله يقول: حتى لفظ الواقف ليس كنص الشارع؛ يعني حتى في الفهم والدلالة فقد نحمله على عادته وليس على عادة الشارع. ولذلك الشيخ هو صاحب الفروع، نُقل عن الشيخ رحمه الله أنه يجب العمل بشرط الواقف إذا كان الشرط واجبًا أو مستحبًا، أما إذا كان الشرط مباحًا فيقول: لا يتعين العمل بشرط الواقف؛ يعني لو كانت هناك جهة أفضل من الجهة التي عينها الواقف، أو شرط الواقف صرف إليها، فيمكن في هذه الحال ألا يعمل بشرط الواقف.

قال: من الأمور التي يتبع فيها شرط الواقف، ذكر لك أمثلة. قال في الجمع: لو قال هذا وقف على أولادي وأولاد إخواني، فجمعهم أولاده وأولاد إخوانه، فهنا يصح وشرطه أن يكون كذلك. أو الأفراد طبعًا، قال في الجمع أو التقديم: يقف على أولاده ويقدم الأفقاء أو الأديان ونحو ذلك، فيصح ضد ذلك. ضد الجمع الأفراد بأن يقف على ولده زيد مثلا، وضد التقديم التأخير بأن يقف على ولد فلان بعد بني فلان، فهذا كله جائز في اعتبار الوصف.

وقد قال: هذا وقف على أولاد الفقهاء، في عدم اعتبار وصف، قال هذا وقف على أولادي في عم الفقيه وغير الفقيه. أما الترتيب فيقول: وقف على أولادي ثم أولاده ثم أولاد أولاده. فما الفرق بين الترتيب عن التقديم والتأخير؟ قالوا: التقديم والتأخير قد يكون مثلا التقديم يقول على أولادي يقدم الأفقاء، هو يقول اصرفوا الغلة على حاجة أولادي يقدم الأفقاء، مثلاً غلة هذه العمارة ٢٠٠,٠٠٠ ريال، حاجة الأفقاء مثلاً ٥,٠٠٠ ريال، والباقي للبقية. لكن الترتيب: أولادي ثم أولادي، فيصرف للأولاد جميع الغلة، ثم إذا انقرض الأولاد ننتقل إلى أولاد الأولاد.

قال أيضًا: يؤخذ بشرط النظر. يقول: وقفت هذه العمارة على جمعية تحفيظ القرآن أو على طلاب العلم، والناظر هو أنا مدة حياتي، أو قال الناظر هو زيد مدة حياتي، فإن توفي زيد أو عجز يكون الناظر عمر، وهكذا؛ فيؤخذ بشرطه في تعيين الناظر، لأن عمر رضي الله عنه جعل وقفه إلى حفصة تليه معاش ثم يليه ذو الرأي من أهلها.

وقال: ولأن مصرف الواقف أصلاً يتبع فيه شرط الواقف، فكذلك الناظر فيه. وكذلك غير ذلك، قال: كشرط أن لا يؤجر، وقدّر مدة الإجارة. قال مثلاً: أوقف عليكم هذه المزرعة بشرط أن لا تؤجر، أو قدّر مدة الإجارة، قال: بشرط أن تؤجرها لمدة سنة فقط، أو لا تؤجرها خمس سنوات أو نحو ذلك، فيصح شرطه. إذا شرط ألا يؤجر أكثر من سنة لم تجز الزيادة عليها، قال في الكشاف: لكن عند الضرورة يزاد بحسبها. يعني لو كان الوقف محتاجًا إلى غلة، والغلة تأتي بتأجير هذه العين الموقوفة، فإذا وقفناها سنة ولم نوقفها السنة الثانية تنقرض الغلة التي يصرف منها على الوقف، فيقول: يزاد بحسبه.

ولم يزل عمل القضاة في عصرنا وقبله عليه، بل نُقل عن أبي العباس رحمه الله -والشيخ الإسلام داخل في قوله الآتي- أن الشروط إنما يلزم الوفاء بها إذا لم تفضِ إلى الإخلال بالمقصد الشرعي، وأفتى به شيخنا المرداوي، هذا أحد مشايخ البهوتي رحمه الله تعالى وليس هو صاحب الإنصاف، قال: ولم نزل نفتي به إذ هو أولى من بيعه، اللي هو تأجيل الوقف أكثر من المدة التي شرطها الناظر.

قال أيضًا: مما يدفع في إشارة الواقف، لو شرط ألا ينزل في هذا الوقف فاسكن أو شرير أو متجوه، يعني صاحب جاه ونحوه، فإنه يعمل بشرطه في ذلك؛ لأن فيه مصلحة شرعية. قال: وإن نزل مستحقًا تنزيلاً شرعيًا لم يجز صرفه بلا موجب شرعي. يعني لو أنه قال: هذا وقف على طلاب العلم، فجاء الناظر ووجد هذا طالب علم يستحق الانتفاع بالوقف فأسكنه، جاء ناظر آخر بعد الناظر هذا، فلا يجوز له أن يصرف، أي يخرج هذا طالب العلم الذي سكن، إذا كان لا يزال على الوصف. لذلك قال: وإن نزل مستحقًا تنزيلاً شرعيًا لم يجز صرفه بلا موجب شرعي، إذا وجد موجب شرعي؛ يعني كان خلاص بدأ يستهين في طلب العلم ويترك حضور الدروس وحفظ أفضل المتون نحو ذلك، صار مثله مثل العامة، فهنا يخرج. لكن إذا كان ما زال مستمرًا على الوصف، وصف طلب العلم، وقد استفاد من الوقف من ناظر سابق، فإنه لا يجوز صرفه بلا موجب شرعي، قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وعلل في الكشاف بأنه نقض للاجتهاد بالاجتهاد.

قال: فإن أطلق في الموقوف عليه ولم يشترط وصفًا، استوى الغني والذكر وضدهما أي الفقير والأنثى، عدم يقتضي التخصيص؛ يعني إذا قال: هذا وقف على أولادي، وأطلق ولم يقل أولادي الفقراء، أو قال: هذا وقف على بناتي مثلاً أو بناتي المطلقات، فإنه إذا قال: هذا وقف على أولادي وأطلق، فإنه يستوي في الوقف الغني والفقير، ويستوي الذكر والأنثى؛ لأنهم كلهم مشمولون بوصف الولد، لعدم وجود ما يقتضي التخصيص.

قال رحمه الله: والنظر فيما إذا لم يشترط النظر لأحد، أو شرط لإنسان ومات، للموقوف عليه المعين؛ لأن ملكه مات للموقوف عليه، فالنظر للموقوف عليه المعين؛ لأنه ملكه وغلته له، فإن كان واحدًا استقل به مطلقًا، وإن كانوا...

فهو بينهم على قدر حصصهم، وإن كان صغيراً أو نحوه، فإنه يقوم وليه مقامه فيه، وإن كان الوقف على مسجد أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين فيكون النظر للحاكم، وله أن يستنيب.

هنا لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن تعيين الناظر من الواقع، ذكر الحكم فيما إذا لم يعين الواقف ناظراً، فمن يكون الناظر؟ الوقف لا يخرج عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون الوقف على معين، أو أن يكون الوقف على جهة، أو أن يكون الوقف على جماعة لا يمكن حصرهم.

فإذا كان الوقف على معين، سواء كان فرداً أو جماعة يمكن حصرهم، ولم يعين الواقف ناظراً، فالنظر للموقوف عليهم. والنظر فيما إذا لم يشترط النظر لأحد؛ سواء قال الواقف هذا: «هذه العمارة وقف على أولادي» وعنده خمسة أولاد، فنقول النظر للأولاد الخمسة، سواء كانوا خمسة أو واحداً. أو قال: «هذا البيت وقف على أولادي والناظر هو أخي زيد»، فتولى زيد النظارة ثم توفي زيد، فمن يكون الناظر؟ إذا قال: «إذا توفي زيد فالناظر فلان»، فتدخل النظارة إلى من بعد زيد. فكذا إن سكت، فإن النظر هنا في هذه الحال يكون للموقوف عليهم، سواء كان واحداً أو جماعة محصورين؛ لأن النظر لهم لأنه ملكه وغلته له، هو الذي سينتفع به مثل الملك، والطلق عن غير الموقوف فإنه هو الذي يتحكم فيه.

قالوا: كذلك النظر فيه إذا لم يوجد ناظر والموقوف عليهم معينون، سواء كان واحداً أو جماعة، فإن النظر لهم. ثم فصل: إذا كان الموقوف عليه واحداً استقل به مطلقاً؛ لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك وهو في هذه الأحوال كالطلق. وإن كانوا جماعة، مثل خمسة، فالنظر بينهم على قدر حصصهم، كانوا خمسة أبناء فكل واحد له خمس.

طيب، إذا كان الموقوف عليه صغيراً أو نحوه، إن كان سفيهًا أو مجنونًا، فهنا نقول: هل يكون هو الناظر؟ لا، الناظر ولايته، وهو ليس من أهل الولاية، فيقوم وليه مقامه فيه، فيكون الولي هو والناظر هنا.

ثم ذكر لك الحالة الثانية والثالثة: إذا كان الوقف على مسجد، أو على جهة عامة، أو كان الوقف على من لا يمكن حصرهم كالمساكين، فإنه هنا يكون النظر للحاكم؛ لأنه هنا الوقف ليس له مالك متعين ينظر فيه، فيكون النظر للحاكم، والحاكم له أن يستنيب؛ لأن الحاكم لا يمكن أن يتولى النظر بنفسه.

والآن في عندنا في السعودية، الجهات التي أو الأوقاف التي لا ناظر لها أو انقرض ناظرها، من يتولى النظارة عليها؟ هي الأوقاف؛ قبل إنشاء هيئة الأوقاف كان النظر للمحاكم، والآن لما أنشئت هيئة الأوقاف عندنا، صار النظر في الأوقاف التي ليس عليها ناظر يكون لهيئة الأوقاف.

أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «إن وقف على ولده أو أولاده أو ولد غيره ثم على المساكين، فهو لولده الموجود حين الوقف؛ الذكور والإناث والخناثى، لأن اللفظ يشملهم بالسوية، إنه شرك بينهم، وإطلاقها يقتضي التسويه، كما لو أقر لهم بشيء».

«ولا يدخل فيهم الولد المنفي باللعان؛ لأنه لا يسمى ولده، ثم بعد أولاده لولد بنيه وإن سفلوا؛ لأنه ولده ويستحقونه مرتبًا، وجدوا حين الوقف أو لا».

«دون ولد بناته؛ فلا يدخل ولد البنات في الوقف على الأولاد إلا بنص أو قرينة؛ لعدم دخولهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، كما لو قال: على ولد ولده وذريته؛ للبصلبه أو عقبه أو نسله، فيدخل ولد البنين، وجد حاله حال الوقف أو لا، دون ولد البنات إلا بنص أو قرينة».

«والعطف بـ "ثم" للترتيب، فلا يستحق البطن الثاني شيئًا حتى ينقرض الأول، إلا أن يقول: من مات عن ولد فنصيبه لولده، والعطف بالواو للتشريك. ولو قال: على بنيه أو بني فلان؛ اختص بذكورهم؛ لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقة، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الأنعام: 140]، إلا أن يكون قبيلة كبني هاشم وتميم وقضاعة، فيدخل فيه النساء؛ لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها، دون أولادهن من غيرهم؛ لأنهم لا ينتسبون إلى القبيلة الموقوف عليها».

«والقرابة؛ إذا وقف على قرابته، أو قرابة زيد، أو أهله، وبيته، وقومه، ونساؤه؛ يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وأولاد جده وأولاد جد أبيه فقط؛ لأن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم «هم ذوي القربى»، ولم يعطِ قرابة أمه وهم بنو زهرة شيئًا، ويستوي فيه الذكر والأنثى، والكبير والصغير، والقريب والبعيد، والغني والفقير؛ لشمول اللفظ لهم. ولا يدخل فيهم من يخالف دينه».

«وإن وقف على ذوي رحمه؛ شمل كل قرابة له من جهة الآباء والأمهات والأولاد؛ لأن الرحم يشملهم. والموالي يتناول المولى من فوق أو أسفل. وإن وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو تقتضي حرمانهن، عُمل بها بالقرينة؛ لأن دلالتها كدلالة اللفظ».

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض الألفاظ، ونبين بما ذكرناه قبل قليل، وهو أن ألفاظ الواقفين تُحمل على أعرافهم. إذا جاء لفظ للواقف، سواء الواقف أو الناذر أو المطلق أو نحو ذلك، ننظر أولاً إلى نيته وقصده. فإذا قال مثلاً: «هذا وقف على أنسبائي»، فالأنساب في الشريعة أو في اللغة؛ لا، قال: «هذا وقف على أنسبائي» في اللغة، فجعله نسباً وصهراً، وهو مغاير للصه، نحن الآن نطلقها على القرابة من جهة الزوجة، لكن في لغة الباب التي نزل بها القرآن، إنها تطلق على قرابة من النسب.

لكن لو قال: «هذا وقف على أنسبائي»، والمعتاد عندهم أن النسيب هو القريب من جهة الزوجة، فهل نحمله على المدلول اللغوي ولا على نيته وقصده؟ يُحمل على نيته وقصده. فإذاً هذه الألفاظ الأصل أن نحملها على نية المتكلمين وقصدهم، فلو تعذر معرفة نيته، ووجدنا بعد وفاته هذه العبارة: «هذا وقف على أنسبائي»، ووجدنا أن أهل هذا البلد يطلقون النسيب على القريب من جهة الزوجة، فإننا نحمله على عرفهم المعدّ.

فإن لم يكن العرف مضطرداً، فهنا نحمل على المعنى اللغوي. المؤلف رحمه الله تعالى يتكلم عن المعنى اللغوي؛ أي لا توجد نية متكلم تصرفه عن ذلك، ولا توجد عادة -وهي التي ذكرها المؤلف- أو ذكر معنى أعم وهو القرينة العادية. والقرينة هي عادة المتكلمين في تصرف المعنى أو اللفظ عن معناه اللغوي إلى المعنى المتبادر عنده.

فهنا يقول: إذا وقف على ولده أو أولاده أو ولد غيره، ثم على المساكين، فهو لولده الموجود حين الوقف. الذكر إذا قال: «هذا وقف على أولادي»، فالمعنى في اللغة هو الذكور، لكن إذا كان الناس إذا قالوا: «هذا وقف على أولادي» قصدوا الذكور فقط، فهل يشمل الإناث؟ نعم، إذا كان أصلاً لم يقصد إلا الذكور، فهنا نقول نأخذ بالمدلول العرفي. أما هنا فهو يتكلم عن المدلول اللغوي، فيقول: إذا وقف على ولد أو أولاده أو ولد غيره، ثم المساكين، فنصرف أولاً على ولده الموجود حين الوقف؛ كأن يقول: «هذا وقف على هذا البيت، وقف على أولادي»، ثم إذا انقرضوا فالمصرف للمساكين.

فأولاده يشمل الذكور والإناث. وهل يشمل أولاده لو كانت زوجته بعد سنتين من قوله: «هذا وقف على أولادي» قد ولدت ولداً، فهل يدخل في الوقف أو لا؟ يدخل في الوقف. المؤلف قال: «الموجود حين الوقف»، وهذا هو المشهور من المذهب أنه لا يدخل من ولد بعده، لأن الوقف الآن ناجز، ولما قال: «وقف على أولادي» هو يقصد هؤلاء، فلا يدخل فيهم من لم يكن موجوداً حال الوقف، وهذا هو المشهور في المذهب.

والقول الثاني في المذهب أنه يدخل فيهم الولد الذي حدث بعد الوقف، وهذا ما مشى عليه في «الإقناع»، أنه يشمل من حدث بعد الوقف. وهذا قلنا مشى عليه في «الإقناع»، والأول مشى عليه وهو المذهب، وهو الذي ماشي عليه في «الإقناع» وفي «المنتهى» تبعاً للتنقيح. قال ابن قايض: «والعمل بها أولى نظراً إلى عرف الناس»، أي نظر إلى عرف الناس؛ لأن الواقف لا يقصد حرمان ولده المتجدد، بل هو عليه أشفق لصغره وحاجته. ولهذا كان بعض مشايخنا النجديين يختار العمل بذلك، ويعده مما يقدم فيه «الإقناع» على «المنتهى». وهذه من النواتج؛ إذا اختلف «الإقناع» و«المنتهى» يقدمون «المنتهى»، وبعضهم قال يقدم ما يرجحه صاحب الغاية، لكن هنا ابن قايض قال: هذه من المسائل التي يقدم فيها «الإقناع» على «المنتهى».

هل لها نظارة أو لا؟ تحتاج إلى بحث. إذاً، على ولده الموجود حين الوقف؛ الذكر والإناث، لأن الولد يشمل الذكر والأنثى بدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، مما دل على أن الأنثى من الأولاد. وكذلك الخناثى؛ لأنه لا يخرج إما أن يكون ذكراً كما أنثى، لأن اللفظ يشملهم بالسوية. إذا قال: «هذا وقف على أولادي»، فهو بالسوية، وليس «للذكر مثل حظ الأنثيين»، بل هو بالسوية بينهم لأنه شرك بينهم، وإطلاقها يقتضي التسوية، كما لو أقر لهم بشيء فإنه يكون مقراً لهم بالسوية. ولا يدخل فيهم الولد المنفي باللعان؛ لأن الولد المنفي باللعان لا يعتبر ولداً للزوج.

ثم بعد أولاده: ولد بنيه، يعني إذا قال: «هذا وقف على أولادي»، ثم على المساكين، فإذا مات أولاده، هل نصرف للمساكين؟ لا، بل لولد بنيه وهكذا؛ ولد بنيه وإن سفل، أولاد البنين يعني بنات الابن وأبناء الابن، ثم بعدهم أبناء أبناء الابن أو بنات أبناء الابن وهكذا، لأنه ولده، ويستحقونه مرتباً.

عندنا مسألة فقط، وهي: هل يجوز الوقف على الأولاد؟ هل يجوز الوقف على خاصة بعد الوفاة؟ كأن يقول: «هذا وقف على أولادي بعد وفاتي»، فهل نقول هو مثل الوصية؟ الوصية لا تصح للوالد، الوقف لا يصح للوالد. ولو وقف على بعض أولاده دون بعض لسبب؛ يعني لو قال: «هذا وقف على بناتي المطلقات»، هنا لسبب، أو قال: «هذا وقف على طلاب العلم ويقدم ابنائي»، هذا لسبب. لكن لو قال: «وقف على أولادي» أو بعض أولادي وفضل بعضهم على بعض بدون سبب، فهل يصح هذا أو لا؟ أو نقول هو مثل الوصية فلا يصح؟

نعم، هنا سيحكم بعض الورثة من بعد ماله بعد وفاته، وإذا كان في الوصية جاء الحديث: «لا وصية لوارث»، لكن لو وقف بعد وفاته على أبنائه، هل نقول هو مثل الوصية فلا يصح، أو يصح؟ نعم يصح؛ لأنه وقف على معينين، والمعين لا يحتاج إلى إرث. هي في خلاف في المذهب، والمشهور في المذهب جواز أن يقف على أولاده بعد وفاته، وليس مثل الوصية؛ لأن الوصية يملك بها الأولاد ويتصرفون فيها بالبيع والشراء، أما هذا فالوقف عليه، لا يملكون التصرف فيه بالبيع والشراء.

لكن لو وقف على بعضهم إذا كان لعلة؛ كما لو وقف على أولاده الفقراء أو المحتاجين أو طلاب العلم أو البنات المطلقات فلا بأس. لكن وقف على بعض أولاده دون بعض بدون سبب، فالإمام أحمد رحمه الله قال: «إذا كان على وجه الأثر فإني أكرهه»، والأصحاب رحمه الله تعالى حملوا لفظ أحمد هنا على كراهة التنزيه. وهناك قول آخر في المذهب أنه يحرم، أنه مثل الوصية إذا فضل بعض أولاده على بعض، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله له فتوى مطولة في تحريم هذا في «الدرر السنية»، وذكر أنه هو وقف الجنف؛ وقف على بعض الأولاد دون بعض.

قال: «ثم بعد أولاده ولد بنيه وإن سفل، إن ولده يستحقونه مرتباً»، يعني لا يستحق الأولاد الأبناء إلا بعد انتهاء آبائهم، فقال: «هذا وقف على ولدي»، فإذا انتهوا أبناؤه ننتقل إلى أولاد أبنائه. وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله أنهم يستحقونه مرتباً؛ لقوله في من وقف على ولد علي بن إسماعيل، ولم يقل «إن مات ولد علي بن إسماعيل»، ولم يقل «إن مات ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولد ولده»، فمات ولد علي بن إسماعيل وترك ولداً، فقال: «إن مات بعض ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولده أيضاً»، لأن ماذا؟ من ولد علي بن إسماعيل، ودليل ذلك القياس على الإرث.

ففي الإرث، ابن الابن لا يستحق مع وجود الابن، وهكذا في الوقف. قال: وجدوا حين الوقف أو لا؛ يعني الأبناء لا يشترط أن يكونوا موجودين حال الوقف، بخلاف الأبناء المذكورين بأنهم يشترط أن يكونوا موجودين حال الوقف.

قال: دون ولد البنات؛ فلا يدخل ولد البنات في الوقف على الأولاد إلا بنص أو قرينة. بنص مثل أن يقول: «هذا وقف على أولادي وأولاد أبنائي وأولاد بناتي» مثلاً، هذا نص. أو قرينة كما لو قال: «من أولادي وأولاد أولادي، من مات منهم»، فإذا مات مثلاً يستحق أولاد أولاد الأولاد سهماً، وأولاد البنات سهمين أو نحو ذلك مما يدل على أنه يقصد دخول أولاد البنات، فإنهم يدخلون. أما إذا لم يوجد نص ولا قرينة فلا يدخلون؛ لأنهم لم يدخلوا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، هذا يسمى الأولاد، هم أولاد البنين، لكن أولاد البنات لم يدخلوا في الآية لأنهم من ذوي الأرحام.

قال: ومثلها كما لو قال: «على ولد ولده»، فإنه لا يدخل فيه أولاد البنات وذريته؛ لصلبه أو عقبه أو نسله فيدخل فيه ولد البنين، وجدوا حال الوقف أو لا، دون ولد البنات إلا بنص أو قرينة. والقول الثاني في المذهب أنهم يدخلون أولاد البنات في الوقف على ولده أو أولاد أولاده، فإنهم يدخلون، والمسألة خلافية، لكن المذهب عدم دخولهم كما تقدم.

قال: والعطف بالترتيب، فلا يستحق البطن الثاني شيئاً حتى ينقرض الأول. يعني إذا قال: «هذا وقف على أولادي ثم أولاد أولادي»، وكان له مثلاً خمسة أولاد، ولكل ولد منهم ابنان، فمات الابن الأكبر، فهل يرث نصيبه من الوقف أبناه هذان؟ أو نقول لا يدخلون حتى ينقرض جيل الآباء، اللي هو أبناء الواقف؟ نقول نعم لا يدخلون في الوقف حتى ينقرض جيل أبناء الواقف، فلا يستحق الباطن الثاني شيئاً حتى ينقرض.

يعني إذا قال: «هذا وقف على أولادي ثم أولاد أولادي»، فأولادي هذا البطن الأول، وأولاد أولادي هذا البطن الثاني، فالبطن الثاني لا يستحقه من الوقف شيئاً حتى ينقرض البطن الأول، يعني حتى يموت الأبناء الخمسة، فإذا مات الأبناء الخمسة ينتقل الوقف إلى أبناء الأبناء وهكذا. لكن قال: «إلا أن يقول: مَن مات عن ولد فنصيبه لولده»، فإذا قال كذلك فمات الابن الأكبر، نقول سهمه ينتقل لابنيه. فلو كان مثلاً وقف العمارة على أولاده الخمسة، والعمارة تؤجر بـ ١٠٠ ألف، فلكل واحد ٢٠ ألف، مات الابن الأكبر وله ابنان، فينتقل نصيبه ليقسم بين ابنيه، وهكذا كل من مات من الأبناء يرث أولاده نصيبه، هذا إن نص الواقف على ذلك: «أن مَن مات عن ولد فنصيبه لولده»، فإنه ينتقل نصيبه. أما إذا لم يقل، فإن أولاد الأولاد لا يستحقون شيئاً حتى ينقرض البطن الأول.

قال: والعطف بالواو للتشريك، إذا قال: «وقف على أولادي وأولاد أولادي»، ما قال «ثم»، فإنهم يستحقونه جميعاً، ولا يشترط لاستحقاق أولاد الأولاد أن ينقرض الأولاد. قال: ولو قال: «على بنيَّ» أو «بني فلان»، اختص بذكورهم؛ لأن الابن في اللغة مختص بالذكر، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: 153]. قال: إلا أن يكونوا قبيلة، قال: «هذا وقف على بني هاشم» أو «بني المطلب» أو نحو ذلك، فإنه هنا إذا قال فإنه يشمل ذكوراً وإن كان لفظ بني الأصل الذكور، لكن هنا دلت القرينة على أنه يريد القبيلة كلها، فيدخل فيه النساء؛ لأن اسم القبيلة اسم ذكور، دون أولادهن من غيرهم. فلو كانت مثلاً إذا قال: «هذا وقف على بني هاشم»، وكانت امرأة هاشمية تزوجت من شخص من خارج القبيلة، فأولادها لا يأخذون من الوقف شيئاً؛ لماذا؟ لأنهم لا ينتسبون إلى القبيلة، هي تنتسب إلى القبيلة لكن أولادها لا ينتسبون إلى القبيلة.

قال: والقرابة، إذا قال: «هذا وقف على قرابتي» أو «قرابة زيد» أو قال: «هذا وقف على أهل بيتي» أو قال: «هذا وقف على قومي» أو قال: «هذا وقف على نسائبي»، فإن هذه الأوصاف الأربعة وهذه الألفاظ الأربعة تشمل الذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه؛ أولاده وأولاد أبيه الذين هم إخوانه، وأولاد جده الذين هم أعمامه، وأولاد جد أبيه الذين هم أعمام أبيه.

لماذا فقط يشمل هؤلاء؟ استدل بأن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى؛ يعني لما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَآتُوا الزَّكَاةَ ۗ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [التوبة: 60]، لذوي القربى أعطاه بني هاشم، بني هاشم أولاد عبد المطلب بن هاشم، يعني أولاد جد النبي ﷺ. قال: لم يجاوز بني هاشم.

هاشم بن عبد مناف، أولاد عبد مناف، كم مرت علينا بالزكاة؟ قلنا عبد مناف، ممن ممنوعين من الزكاة: بنو هاشم وبنو المطلب. قال: لم يفرقوا في جاهلية ولا إسلام، لكن بنو عبد شمس وبنو نوفل لم يعطهم شيئاً من الخمس. فبنو هاشم أعطاه من الزكاة، وبنو عبد مناف فيه من الخلاف في المذهب هل يأخذوا من الزكاة أو لا، لكنهم من أصحاب النفل.

قال: لم يجاوز ببني هاشم بسهم ذوي القربى، ولم يعطِ قرابة أمه وبني زهرة شيئاً، فدل على أن القرابة هم من جهة الأب إلى الجد الثالث. قال: ويستوي فيه الذكر والأنثى، والكبير والصغير، والقريب والبعيد، والغني والفقير؛ شمول اللفظ لهم، ولا يدخل فيه من يخالف دينه إذا وقف على قرابته، فإذا كان في قرابته كافر فإنه لا يشمله الوقف.

وإن وقف على ذوي الرحم فهو أوسع، ولذلك قال: شمل كل قرابة له من جهة الآباء والأمهات والأولاد؛ أما القرابة والنسب وأهل البيت والقوم، فهذه فقط قرابته من جهة أبيه، حتى من جهة أمه، قال: لأن الرحم يشمله. والموالي، فقال: «هذا وقف على مواليه»، يشمل المولى من فوق ومن أسفل؛ من فوق يعني المعتق، ومن أسفل المعتق، وإن وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو تقتضي حرمانهن، أي بالقرينة.

لو كانت القرينة تدل على أن، لو مثلا قال: "هذا وقف على أولادي"، فإذا كانت عرفهم أنه إذا قال هذا وقف على أولادي فإنه يشمل الذكور، فهذه قرينة تدل على أنه يقصد الذكور وليس الإناث؛ لأن العرف دلالة لفظية.

نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق والاجتهاد.

في سؤال: جزء... جزء إيش؟ جزء وقت؟ آلاف كل يوم بدل هذا يوم... الشرعية. الإشكالية أن الألفاظ، لما قلنا ينظر إلى عرفهم في البلد، العرف إذا قالوا مثل هذه الكلمة، يعني نحن ما عندنا ما ينطق بها الآن، فما عن عرفه فينظر إلى عرفه. فما الذي يدري إذا كان عرفهم غامضاً؟

﴿فَالَّذِي يُفَتِّيكُمْ بِصَرْفِهِ فَهُوَ الْقُرْآنُ﴾؛ يعني صرفوه إلى مقصد الواقف بأن يصرف في قراءة القرآن. قال: "أظهر البطل"، يعني أنه لا يمكن صرفه، مدفول لا يمكن صرفه.

يقول: هل ما ذكرت من تقديم النية فالعرف فاللغة هو مراد الحنابلة متأخري المذهب؟ لأنهم في الإيمان قدموا اللغة على العرف، وهو كذلك ما ظهر لي من العبارة هنا حفظكم الله. صحيح، هم يقدمون اللغة على العرف، لكن كلامهم في أنه إذا دلت القرينة، فالعرف حقيقة قرينة.

فيمكن أن يقال من هذا الباب إن من القرائن دلالة العرف على صرف اللفظ عن المعنى اللغوي، والله أعلم.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم.