يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد والسيرة العلياء فترة الشداد. يفوح لأهل كل زمان بشرى لنا، زادنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
النبي ﷺ بشر من البشر، لكنه خيرهم وأكملهم ﷺ، تعتريه من المشاعر ما يعتري البشر، والحزن من المشاعر التي تنتاب الإنسان، ولا يمكن أن يصل المرء إلى مرتبة لا يحزن فيها البتة، أو لا يغضب فيها بالمرة، أو لا يفرح؛ لأن هذا من تمام بشريته. لذا كان من المفترض على المسلم أن يدرس وأن يسبر أحوال النبي ﷺ كي يعلم كيف كان يحزن؛ لأن هذا أمر لا يكاد ينجو منه أحد إذا وجدت أسبابه، مثل الفرح، مثل الألم، مثل الرضا، مثل الغضب؛ هي كلها عوارض بشرية طبيعية.
والحزن ملازم للإنسان لا محالة في هذه الدنيا؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. ومن هذا الكبد والمشقة تتولد الأحزان، لذا من أراد حياة بلا أحزان فهذا لا يوجد في هذه الدنيا. يقول الشاعر: طبعت على كدرٍ وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدارِ ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلبٌ في الماء جذوة نارِ
إذن هذا أمر ليس بطبيعي أن توجد حياة بلا أحزان، ولا يوجد ولا يجد العبد طعم الراحة حقيقة في هذه الدنيا، إنما يجدها يوم القيامة. ولذا عندما سئل الإمام أحمد رحمه الله: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: «عند أول قدم يضعها في الجنة»، فإن وضعت أول قدم لك في الجنة فقد ارتحت.
النبي ﷺ كسائر البشر كانت تعتريه مشاعر الحزن، لذا كان يستعيذ بالله عز وجل من ذلك، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال». كان يكثر من الاستعاذة عليه الصلاة والسلام من هذه الأمور. والعلماء يقولون: الحزن هو مما فات في الماضي، والهم هو مما يستقبل، وسنفرد إن شاء الله في الدرس القادم للحديث عن همومه ﷺ، أما هذا الدرس فهو مخصص لذكر نماذج من أحزانه.
الحزن هل هو أمر محمود في الإسلام؟ لقد قررنا أنه أمر لا بد له، وأنه من خصال الفطرة، وأنه من علامات البشرية الطبيعية، لكن هل هو محمود في الإسلام لذاته؟ الجواب: كلا؛ لأنه ابتلاء من الابتلاءات، فلا يطلبه المسلم لنفسه، فإن جاءه صبر عليه ورضي إن استطاع؛ لقول النبي ﷺ: «ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن...»، إذاً الحزن هذا من الابتلاءات، قال ﷺ: «إلا كفر الله به من خطاياه».
أما ما تفعله بعض الطوائف الضالة من إظهار مشاعر الحزن في مواسم معينة، وضرب أنفسها بالسلاسل والسكاكين وإسالة الدم في أشياء لا تمت إلى الإسلام بأي صلة، فلا شك أن هذا من الضلال، وأن هذا من البدع المنكرة، وأن هذا مما يشوه صورة الإسلام، والإسلام من ذلك كله بريء.
إذاً كيف كان حزنه ﷺ؟ النبي ﷺ مع الحزن له أحوال، وحري بنا أن نتدارسها كي نعلم إن كنا على الجادة، لكي نعلم إن كان حزننا فيما يرضي الله أم أنه سوى ذلك. كان النبي ﷺ يحزن أشد الحزن لإعراض الناس عن الدين، قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۘ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]. وقال عز من قائل: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127].
إذن هذا نوع واضح وعلامة بارزة لحزن النبي ﷺ. عندما يدعو الناس فلا يلقى آذاناً صاغية، فحزنه هنا ليس انتصاراً لنفسه، وليس لخسارة دنيا أو لفوات مغنم أو مربح؛ حزنه هو لإعراض الناس عن قبول الإسلام والانصياع للحق. هذا الحزن كاد أن يهلك النبي ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ إذا حزن حزن بجميع أحاسيسه ومشاعره لله سبحانه وتعالى، فكان هذا الحزن مما يؤثر على النبي ﷺ، ولذلك نهاه الله تعالى عن ذلك، نهاه عن الإضرار بنفسه تفاعلاً وتأثراً مع إعراض قومه، مخبراً إياه أن هذا الأمر بيد الله عز وجل، كما قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272].
إذاً هداية التوفيق والإلهام هذه عند ربنا عز وجل، فأنت يا رسول الله ﷺ ليس عليك إلا الدلالة والإرشاد، فإن استجابوا فالحمد والفضل والمنة لله عز وجل، فقد قمت بالذي يجب عليك وأنت تحمد على فعل ذلك، وإن أعرضوا فليس عليك هداهم؛ أنت قمت بواجبك فلا تجعل هذا الحزن يؤثر عليك سلباً أو يضايقك، فإن الله يسليك بأن الهداية بيده وأنك قد قمت بواجبك على أتم وأكمل وجه.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا. من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين وتعلم الضروري من أحكامه، وتصحح عبادتها، وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها.
وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان، وتتعلم الطهارة والصلاة والصيام، وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والرضاعة وغير ذلك. فإذا أرادت معاملة وجب عليها تعلم أحكامها، كأن تريد الحج فتتعلم أحكامه، ويتوفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.
وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على رأسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها؛ قال عروة بن الزبير: «ما رأيت أحداً أعلم بشعر ولا فريضة ولا أعلم بفقه من عائشة». ومنهن عائشة بنت عبد الرحمن الأنصارية؛ قال القاسم بن محمد للزهري: «عليك بعائشة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة»، قال: «فأتيته فوجدتها بحراً لا ينزف».
ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، كانت الفتوى تخرج وبها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى «تحفة الطالب» الذي شرحه الكاساني في «بدائع الصنائع»، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة، فقال الفقهاء: «شرح تحفته وزوجه ابنته». وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها الصغير السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد، هو توقيع زوجها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الوحي حياة القلوب، ولذلك جبريل عليه الصلاة والسلام كان موكلاً بالوحي.
وفيه حياة القلوب، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وفيه البعث بعد النشور، فيه حياة وميكائيل عليهم السلام موكل بالقطر بالماء بالمطر وفيه حياة الأرض، هذا الوحي به تعيش القلوب وبه تحيا.
وعندما ذاق النبي ﷺ حلاوة هذا القول الثقيل الذي نزل عليه، جاء الابتلاء من الله عز وجل بحصول انقطاع له فترة، اختلف العلماء في طولها وقصرها، وهو ما يعرف باسم فترة انقطاع أو فتور الوحي.
أمنا عائشة رضي الله عنها تقول، وهي تخبرنا عن حب النبي ﷺ بالتحنث في غار حراء، وكيف أنه كان يتفكر ويتأمل في ملكوت الله إلى أن جاءه جبريل عليه السلام بالوحي آمرا إياه أن يقرأ. يقول بعد أن ذكرت لنا القصة الطويلة: «وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ»، وهذا في البخاري ومسلم. فترى الوحي أي انقطع، وهذا قد حصل في حياته عليه الصلاة والسلام مرتان.
المرة الأولى عند نزول الوحي في أوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، نزل عليه الوحي نبأ اقرأ كما هو الصحيح، أصبح نبينا الآن لقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾، فنزل عليه الوحي فأصبح نبياً ولم يرسل بالرسالة. ثم فتر الوحي فترة من الزمن، ثم نزلت بعده سورة المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 1-2]، فأصبح بالمدثر رسولاً ﷺ. هذه الفترة الأولى، هذا الانقطاع الأول، واختلف العلماء في مدته، والصحيح أنه يعني يوماً أو يومين أو نحوه، شيء قليل جداً.
ثم فتر مرة أخرى بعد سورة المدثر، بعد نزول عدد من السور وبلغ الرسول عليه الصلاة والسلام قومه ودعاهم إلى الله عز وجل. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ اشتكى بمعنى أنه مرض، فلم يقم لليلتين أو ثلاث، فأتتهم امرأة من المشركين فقالت: «ما أرى شيطانك إلا تركك»، لم نره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، يعني الذي يظهر لهم كمشركين أن الرسول ما أوحي له ليلتين أو ثلاث، هذه المشركة تقول نرى أن ربك قد ذاك وتركك، وأن شيطانك ما نراه قريبك منذ ليلتين أو ثلاث.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 1-2]. لماذا فتر الوحي؟ لماذا؟ هذا سؤال للاطمئنان لا للإنكار ولا للاعتراض؛ لأن للأسف الشديد كثير من المسلمين يسألون: لماذا حرم الله كذا؟ لماذا أوجب الله كذا؟ وأنت كمسلم الأصل فيك أنك تستسلم وتسلم إرادتك لله عز وجل، فلا تعترض ولا تشتكي ولا تنكر. لكن إن كان ليطمئن لذلك قلبك، فمن أهل العلم من بحث عن الحكمة، فوجد أن هذه الفترة للوحي بالنسبة قبل نزول سورة الضحى بأنها ليلتين أو ثلاث، وبالنسبة لما بين ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ اختلفت الأقوال على ستة أشهر، على أسابيع، على أربعين يوماً، والذي يظهر أنها كانت فترة قصيرة وليست بالطويلة.
فمن حكم ذلك أن يذهب الروع عن النبي ﷺ الذي وجده عندما نزل عليه جبريل في أول مرة، ورجع إلى أم المؤمنين قال: «زملوني زملوني دثروني»، أمر مهول، أمر مهيب. يكفي أن الله قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، هذا الوحي ليس أمراً خفيفاً، يعني يكاد إذا نزل على النبي عليه الصلاة والسلام أن الناقة تبرك من ثقل هذا الوحي، وكان عليه الصلاة والسلام يعرق ويصفد جبينه، ولو كانت فخذه على فخذ أحد من أصحابه لأحس بأنها تكاد أن ترد وأن تكسر.
فهذا الروع الذي أتاه عندما فوجئ بجبريل يلقي عليه هذا الوحي، كان من المناسب أن الله عز وجل يجعل له فترة، يجعل له وقتاً يرتاح وتطمئن نفسه به من هذا الروع، وأيضاً ليحصل له التشوف إلى عودة الوحي ويحصل له اشتياق. الآن ذهب الخوف، ماذا يعقب هذا الخوف والروع؟ يحصل اشتياق ونظر إلى متى يأتي الملك مرة أخرى بوحي جديد تحيا به القلوب، وأيضاً هو نوع من أنواع التسلية للنبي ﷺ فيزداد بذلك إيماناً وتثبيتاً وتمكيناً.
وأيضاً من فوائد انقطاع الوحي أن فيه ابتلاء من الله عز وجل للناس، فيثبت المؤمن ويضل الكافر. ولا شك أن انقطاع الوحي فيه إظهار لأعداء الدين الذين يتربصون بالمؤمنين ليتشمتوا في أي شيء فيه طعن أو أذية لأهل الإسلام، يفرحون بانقطاع الوحي، يفرحون بانقطاع الخير، بخلاف المؤمن الذي يرى في الوحي حياة القلب.
أبو بكر رضي الله عنه قال لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن حاضنة النبي ﷺ الحبشية نزورها كما كان يزورها الرسول ﷺ». يقول: فلما انتهينا إليها بكت. لما ذهب أبو بكر وعمر، ذهبت أم أيمن وهي امرأة عجوز من القواعد، بكت، فقالا لها: «ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ». فقالت: «ما أبكي إلا لأنني أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء»، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها على المؤمن مع القرآن، أم أيمن، أبو بكر، عمر، الدين استقر، لكن البكاء لانقطاع الوحي، لانقطاع الخير. بينما المشرك يفرح: «ما نرى إلا وقد قلاك ربك، ربك تركك»، وهذا الشيطان الذي كان عندك أصبح لا ينزل عليك، يفرحون بأي شيء يعود على الإسلام بالحزن فيشمتون بذلك، نسأل الله العافية.
النبي ﷺ كان يحزن أيضاً على ما يصيب أصحابه من المصائب، فعن أمنا عائشة رضي الله عنها لما جاء النبي ﷺ قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم وأرضاهم في معركة مؤتة، جلس يعرّف فيه الحزن، تقول: «وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب». متفق على صحته، يعرّف فيه الحزن، كأنه كظم الحزن كظماً فظهر منه ما لا بد للجبلة البشرية منه. هذا حاله عليه الصلاة والسلام، استشهد أصحابه ويحزن لذلك، لا يعني أنهم قد استشهدوا أنهم في الجنة أنه يفرح، فهذا أمر بشري طبيعي أن يحزن الإنسان لفقد أحبابه.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله فانتظرونا.
حلمك الأزهار في البستان؛ من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلونوا ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعض يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. فاللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه، فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية وأن يكون حريصاً.
على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك، إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة. واجتناب اللحن الخطأ فيها قدر المستطاع؛ عن نافع قال: «كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن».
ومطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر؛ فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية، والالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم، وتعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر؛ إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [هود: 64].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كثير منا يرى أن من كمال الإيمان أن لا يحزن الإنسان، وهذا خطأ؛ لأن الحزن أمر فطري طبيعي من سيما البشر، ولو لم يحزن الإنسان لعد ذلك خللاً فيه. كيف لا يحزن وقد حزن سيد البشر ﷺ، ومن قبله يعقوب عليه الصلاة والسلام؛ حزن حزناً على فقدان ولده ثم فقدان الآخر حتى ابيضت عيناه وذهب بصره.
إذن الحزن أمر فطري طبيعي، وهذا الحزن يظهر جلياً عندما يخسر أحدنا حبيباً أو قريباً أو عزيزاً على قلبه. النبي ﷺ كان أشد الناس ابتلاءً، كما جاء في الحديث: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». يبتلى المرء على قدر إيمانه.
النبي عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله عز وجل في عام واحد؛ بفقد عمه أبي طالب الذي كان يحميه ويرعاه والذي تربى في كنفه بعد موت أبيه وهو حمل في بطن أمه، وموت أمه، وموت جده عبد المطلب الذي كفله، فكفله عمه أبو طالب أربعين سنة أو أكثر. وفي سنة واحدة مات أبو طالب وماتت حِبته ﷺ أمنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها، سيدة نساء أهل الجنة.
هذا العام عُرف عند المتأخرين بعام الحزن، وهذه التسمية لا توجد في كتب السيرة المتقدمة، ولم يسمِّ الرسول عليه الصلاة والسلام هذا العام عام الحزن، ولا أصحابه ولا من جاء بعدهم، فهي تسمية حديثة، ولكن تعارف أهل السيرة في هذه الأيام المتأخرة أن يسموا هذا العام بعام الحزن.
كذلك ابتلي عليه الصلاة والسلام بفقد وموت أحبابه؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: «مشاهدينا، ابنة لرسول الله عليه الصلاة والسلام والرسول جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان». يعني هو رسول الله، المفترض عند الجهلة أن يقولوا كيف يبكي عليه الصلاة والسلام؟ لابد أن يرضى! بل بعض الأحيان تقرأ لبعض السلف أنه إذا ابتلي في ولده فمات، إنه كان يخرج إلى الناس ضاحكاً مستبشراً ويقول: «قضاء الله أحب إلي مما تشتهي نفسي»؛ هذا غير صحيح ولا يعقل أن يكون من علامات الإيمان والصبر؛ لأن سيد الصابرين عليه الصلاة والسلام ما فعل ذلك.
هذا أمر فطري طبيعي. كذلك لما رُفع له صبي لإحدى بناته، وقيل صبية، يعني أحد أحفاده وضعه في حجره ونفسه تقعقع، كما ذكر أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وفي القوم سعد بن عبادة وأبي وغيرهما، ففاضت عينا رسول الله ﷺ، ففاضت عينا رسول الله ﷺ يبكي، فقال له سعد: «ما هذا يا رسول الله؟» ينكر عليه ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام مبيناً التوازن في حياة المسلم: «هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».
جاء في صحيح الأدب المفرد أن أبا بكر رضي الله عنه قال لأم عائشة: «والله ما من أحد على وجه الأرض أعز إلي من عمر». ثم خرج وبعدها بقليل رجع فقال: «يا بنية ماذا قلت؟»، فأعادت له هذه المقولة أنه ما في أحد أعز على وجه الأرض على قلبه من عمر. قال: «نعم، ما من أحد أعز على قلبي من عمر، ولكن الولد وطلي»، يعني ولدي الذي هو من صلبي أقرب وألصق بقلبي، لكني أنا أعز عمر أكثر من أي شيء آخر في الدنيا لكن الولد محبب.
وكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ابنته نفسه تقعقع يحتضر، والرسول يدمع ويبكي. لذلك كذلك عندما عليه الصلاة والسلام جاء إلى بيت مرضعة ابنه إبراهيم ونفسه تجود، الطفل الصغير الذي رزقه الرسول عليه السلام على كبر، إذ به يموت يحتضر وهو أقل من العامين، فإذا بعين الرسول عليه الصلاة والسلام تدمع وتذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: «وأنت يا رسول الله؟»، فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى وقال: «إن العين تدمع والقلب يحزن».
هذا هو الحزن؛ حزن الرسول عليه الصلاة والسلام، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: «وإنا بفراقك لمحزونون». وكان أيضاً عليه الصلاة والسلام يحزن لموت أصحابه، ومنهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه، عثمان هذا كان من أوائل المهاجرين، وكان من العباد الزهاد، وكان يستأذن الرسول عليه الصلاة والسلام أن يختصي كي يعتزل النساء ويتفرغ للعبادة والرسول ينهاه، وكان يستأذن الرسول في السياحة في الأرض والرسول ينهاه عن الرهبنة ويخبره أن سياحة أمتي الجهاد، إلى غير ذلك.
هذا الرجل رضي الله عنه وأرضاه كان من أوائل من مات في المدينة، هو أول من مات بها من المهاجرين وأول من دفن منهم في البقيع. عندما مات جاء الرسول عليه الصلاة والسلام فقبله وهو ميت وهو يبكي، أو قال: «عيناه تهرقان»، إذاً هذا تفاعل من النبي عليه الصلاة والسلام، إظهار لمشاعر الحزن.
كثير ما نسمع مقولة: «الرجال لا يبكون»، هذه مقولة خاطئة؛ الرجال يبكون ويحزنون، وأعظم البكاء الصلاة، أو عند قراءة القرآن، أو عند ذكر الله خالياً، فتُحرم عيناه على النار. ولكن الرجل يبكي إن اعترته مشاعر الحزن؛ يبكي عليه الصلاة والسلام ويحزن عندما يطلب من ربه الإذن في أن يستغفر لأمه التي ماتت على شركها فلا يأذن له الله عز وجل، يحزن لذلك لكنه مسلم لأمر الله.
يحزن على وفاة سيد الخزرج سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه الذي اهتز لموته عرش الرحمن، يحزن لأنه مرضه شهراً كاملاً ورأى معاناته ثم بعد ذلك توفاه الله عز وجل. يحزن لموت عمه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء وقد مثّل بجثته يوم أحد وفعل به ما فعل، عندما يتذكر هذه الأمور عليه الصلاة والسلام ينتابه لابد شيء من الحزن. حتى إنه قال عن حمزة: «ولكن حمزة لا...»، عندما رأى نساءً من بني عبد الأشهل يبكين موتاهم وقال هذه العبارة، فجعل نساء من الأنصار يبكين حمزة وينحن عليه، فنهاهن النبي ﷺ ونهى عن البكاء على هالك.
إنه نهى عن النياحة، وإلا فالبكاء المجرد بلا نياحة فهذه رحمة من الله عز وجل. إذاً هذا حزنه عليه الصلاة والسلام. أحسنت، ما الذي يحزنك؟ وهل هو على أمور دنيوية؟ وهل هو على ما يرضي الله عز وجل؟
لا بد لنا أن نراجع أحوالنا لكي نعلم إن كنا على ما يرضي الله أو على غير ذلك، هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسيرة العلياء عاطرة الشذا يفوح لأهل كل زمان بشرى.
الشيخ عاصم الحكيم