دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قلت يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث؛ أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه». أخرجه البخاري.

هذا الحديث من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وميزة هذا الحديث أن أبا هريرة سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. هو صاحب سياقته، يقول في أول الحديث: قلت يا رسول الله. وجاء في رواية أخرى عن أبي هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله. فظاهر الرواية الثانية يدل على أن السائل هو غير أبي هريرة، لكن الأظهر أن السائل هو أبو هريرة بدليل قوله: «لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني...»، فهذا مصرح به. ولذا قال ابن حجر معلقاً: كذا لأبي ذر وكريمة، وسقطت "قيل" للباقين، وهو الصواب. ولعلها كانت "قلت" فتصحفت، فقد أخرجه المصنف في الرقاق بالرواية التي عندنا "قلت"، ولأبي نعيم "أن أبا هريرة قال يا رسول الله". فالأظهر أن هذا السؤال وقع من أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.

قوله: «لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك». وقع في رواية: «أحد أول منك» بالرفع، فإذا رفعت "أول" فإما أن تكون صفة لـ"أحد"، أو تكون بدلاً عن "أحد". ووقع في رواية بالنصب: «أحد أول منك»، فيصير المعنى والحكم الإعرابي مختلفاً. فبعض العلماء مثل القاضي عياض قال: إذا أعربت "أول" على الرواية الثانية فتصير مفعولاً ثانياً لـ"ظننت". وقال أبو البقاء على الحال: إن "أول" حال، ولا يضر كونه نكرة لأن في سياق النفي، كقوله: ما كان أحد أول مثلك.

قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لما رأيت من حرصك على الحديث». "لما" موصولة، أي: للذي رأيت من حرصك، و"من" بيانية أو تبعيضية. وفي هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على فضل أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد لاحظ حرصه على تلقي أحاديثه صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن أحد المصادر التشريعية الأساسية التي تحتاج إلى الاعتناء والاحتفاء هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فعندك مسارات، مثل قضية مسار الكتابة؛ لأنك تدري من الشبهات والإشكاليات قضية الأمر بالكتابة وعدم الأمر بالكتابة وقصص طويلة. فهذا الحديث لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم مستخدماً هذه المفردة: «ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك»، فمعناته أن النبي صلى الله عليه وسلم يشجع وينشط ويبتهج ويفرح بمن يسعى إلى معرفة حديثه صلى الله عليه وسلم.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الجواب: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة». بعض العلماء قال: "أسعد" هنا ليست اسم تفضيل، وإنما هو "سعيد" الناس بشفاعتي، مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الكهف: 31]، فليس المقصود المفاضلة بين النار وبين الجنة. فبعض العلماء قال: أسعد الناس بشفاعتي أي السعيد بشفاعتي يوم القيامة من تحقق بهذا الوصف، فيستفاد منه أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مقيدة فيهم، ولا تكون للكفار. وبعض العلماء قالوا: لا، إن "أسعد" على وجهه وبابه من أفعل التفضيل، فللنبي صلى الله عليه وسلم شفاعة هنا وهناك، لكن الأسعد حظاً بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم هم المؤمنون الموحدون. وطبعاً يستدل بأن هناك شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم حتى في شأن الكفار، ومن أظهر تلك الشفاعات المقام المحمود، وهو الشفاعة العظمى.

يقول ابن هبيرة رحمه الله تبارك وتعالى في هذا الحديث: في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد التي يكون عندها فصل القضاء في ذلك اليوم، فأسعد الناس بها أهل لا إله إلا الله، التي يقتضي أن يتبعها محمد الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن فصل القضاء يومئذ يسعد به أهل التوحيد ويشقى به الآخرون، فيكون هذا الحديث ميسراً لذلك.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة». الشفاعة في اللغة العربية مصدر شفع يشفع شفاعة، والشفع من الأعداد ما كان زوجاً، عندنا وتر وعندنا شفع. ولذا تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3]، الشفع هو الزوج في مقابل الوتر. والشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة.

لما يبحث العلماء مبحث الشفاعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يتكلم على بابين كبيرين من أحكام الشفاعة. الباب الأول: الشفاعة في الشؤون الدنيوية، أي أحكام هذه الحياة الدنيا، مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: 85]. ولما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا»، فهو يتكلم على الشفاعة المتاحة الموجودة بأيدي الناس في هذه الحياة الدنيا.

أما البحث في هذا الحديث، هل يتعلق بهذه الشفاعة؟ لا، يتعلق بالشفاعة الأخروية، وهي التوسط عند الله عز وجل لجلب مصلحة أو دفع مضرة عن العباد. هذه الشفاعة الأخروية يقسمها العلماء إلى قسمين: شفاعة مثبتة وشفاعة منفية. الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي كان يعتقدها الكفار فيمن يعبدون، لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 51]، ولما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254].

فهل ما في شفاعة مطلقاً؟ لا، ما في شفاعة مخصوصة للكافرين. لما يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48]، فهذه الشفاعة التي لاجلها كان أهل الأوثان يعبدون معبوداتهم الباطلة، حيث يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]، فهم يتخذون هذه الأوثان شفيعة ووسائط بيننا وبين الله. هذه الشفاعة ليس لها أثر يوم القيامة.

أما الشفاعة المثبتة، فهي مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]، فمعناتها أن هناك شفاعة وهي ملك لله عز وجل وحده يوم القيامة. معنى أن الشفاعة لله عز وجل وحده أن طبيعة الشفاعة المتعلقة بالله تبارك وتعالى مختلفة عن شفاعة سائر المخلوقات. الشفاعة التي تحصل بين البشر هل هي معتبرة بإذن أم بغير إذن؟ طبعاً هي وساطة، ولكن عند الله سبحانه وتعالى لا يمكن لأحد أن يتقدم بين يديه تبارك وتعالى بالشفاعة إلا بإذنه.

ولذا يقول العلماء: ما وجه الحكمة في قضية الشفاعة إذا كان الأمر كذلك؟ مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]. فتلاحظ الصورة التي يرسمها الله سبحانه وتعالى للشفاعة يوم القيامة، هو إذن الله تبارك وتعالى للشافع أن يشفع، ورضا الله عز وجل عن المشفوع له.

ما أثر هذه الشفاعة؟ وما حكمتها؟ هي تشريف للشافع، أي إظهار مكانة الشافع. وهذا معنى معتبر، ولذا لما تتكلم عن المقام المحمود، لما يقول الله عز وجل في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، أنه يحمده الخلائق. فالله عز وجل جعل المقام المحمود للنبي صلى الله عليه وسلم ليشفع في الخلائق يوم القيامة حتى يظهر شرفه عند الناس. تبي تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم؟ انظر ما الذي يحصل له يوم القيامة؛ تأتي الخلائق آدم عليه الصلاة والسلام، يا آدم يا أبا البشر، الله عز وجل خلقك بيده وأسجد لك ملائكته، ألا ترى ما نحن فيه من البلاء؟ بلاء عظيم يوم القيامة. فيقول آدم عليه الصلاة والسلام: إليكم عني، إليكم عني، فإن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولا يغضب.

بعده قط نفسي نفسي، يذهبون إلى نوح عليه الصلاة والسلام يذكرون فضله وشرفه، أنت الذي كذا وكذا، فيقول إليكم، ويقول نفسي نفسي. ينتقلون لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ثم موسى، ثم عيسى، بعدين عيسى يقول لهم: اذهبوا إلى عبد قد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه. فلما يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون له، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم رده فعله: «أنا لها، أنا لها»، ثم يسجد تحت عرش الرحمن تبارك وتعالى، فيلهمه الله سبحانه وتعالى بأذكار وصلوات ودعوات لله سبحانه وتعالى لا يعرفها اليوم، ثم يقول الجبار له تبارك وتعالى: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع، وسل تعطى. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم في أول كلمة ينطق بها: «أمتي أمتي أمتي أمتي» صلى الله عليه وسلم، ثم يقضي الله سبحانه وتعالى بالفصل بين الخلائق.

فتلاحظ أن في مقام التشريف، لكن في ملحظ عقدي آخر يحتاج للإنسان مراعاته، الآن خلينا نرتبها بطريقة عقدية، هل يقدر الله تبارك وتعالى أن يحدث معنى من غير السبب، ولا لا يقدر على ذلك؟ يعني مثلاً الحين الله عز وجل جعل شرب الماء سبب في الري، صح ولا لا؟ جعل شرب الماء، يعني أودع في الماء قوة، هذه القوة تتسبب في ري الإنسان إذا كان عطشاناً صح ولا لا؟ طيب هل يمكن أن الله عز وجل يخلق العطش من غير تحقق السبب ولا لا يقدر؟ صح ولا لا؟

فليست المسألة الحين، فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم الآن عندك تصوران، هل لها أثر في تحقق مغفرة الله عز وجل، ولا ليس لها أثر في تحقق المغفرة؟ المغفرة حاصلة حاصلة بغض النظر عن تحقق الشفاعة وعدم تحقق الشفاعة، من لحظ الملحظ العقدي، يعني خلينا نتفق الآن، جزء من مادة الشفاعة التي يأذن الله سبحانه وتعالى بها للعباد يوم القيامة هو لإظهار شرف وفضيلة، يريد الله عز وجل يبرز ناس. لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لرجل من أمته يوم القيامة في مثل قبائل بني تميم، يعني مئات الآلاف من البشر، في رجل يقيمها الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فيشفع في مثل هذه المجموعة البشرية الكبيرة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: فأرجو أن تكون منهم، يقول لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

لماذا يحصل مثل هذا؟ تخيل تخيل يدخل الإنسان الجنة فيعرف مجموع مئات الآلاف من أهل الجنة أن ترى هذا المعنى اللي يريد الإشارة إليه، أن سبب دخول أهل الجنة شفاعة فلان، شفاعة فلان، أن الله عز وجل قد أذن له، صح ولا لا؟ أن يشفع فينا، أنهم يعرفون أن شرف هذا الرجل مقامه، فالحين متفقين على مادة الشفاعة، طيب هل الشفاعة لها أثر أو ليس لها أثر؟ من ناحية الرؤية العقدية، إحنا اتفقنا الحين الله عز وجل يأذن لفلان أنه يشفع وهو راضي تبارك وتعالى، فأنت لما تعرف بهذه المعطيات، إيش اللي يحصل في نفسك؟ تعرف المخرج النهائي، صح ولا لا؟ أن الله سيشفع، ولا لا يشفع؟ يعني هو أذن لفلان وراضي عن فلان، صح ولا لا؟ طيب فالسؤال الحين إذا كان الأمر كذلك هل للشفاعة أثر وليس لها أثر؟ ها إيش رأيكم؟ لأن هذه ترجع لهذا، بقول لكم إنها ترجع مادة عقدية، ترجع مادة قد يفترقون فيها أصحاب اتجاهك.

فأنا أقول أي هذا، فهو على الصحيح أنه لها أثر، أن الله سبحانه وتعالى يقدر سبحانه وتعالى أسباب التي تترتب عليها نتائج، مش معناتها لما تسأل ما سبب مغفرة الله سبحانه وتعالى، أن جزءاً من سبب مغفرة الله سبحانه وتعالى أن الله عز وجل قدر وأراد تبارك وتعالى أن يجعل هذا سبباً في ترتب الأثر، مثل ما قدر الله عز وجل جعل شرب الماء سبباً في الري، مع كونك عقدياً تؤمن بأن الله يستطيع أن يخلق الري من غير توسط السبب، فتلاحظ الملحظ فهذا يعني مسألة يراعيها الإنسان.

فيقول ابن تيميه رحمه الله تبارك وتعالى في الإشارة إلى معنى قول الله سبحانه: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، يقول: والله تعالى وتر ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه وحده فلا شريك له بوجه، ولهذا ذكر سبحانه نفي ذلك في آية الكرسي التي فيها تقرير التوحيد، فقال: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، ما يقدر أحد من العباد أن يشفع عند الله سبحانه وتعالى إلا بإذنه؛ لأن المعهود أصلاً، يعني ما حكمة الشفاعة بين البشر؟ ما حكمة الشفاعة بين البشر؟ ها؟ لا هذه النتيجة، بس لماذا؟

بمعنى، يعني لا يرضى عنه وهو يريدها أن يرضى عنه، أو يعفو عنه، هذه مادة، طيب في أسباب كثيرة، لكن خليني أقربها بدليل آخر، لماذا يحتاج الخلق إلى الشفاعة؟ فذكرت معنى، طيب في معاني أخرى، لماذا يحتاج الملك مثلاً إلى الشافعي، إلى أناس يتوسطون للناس، ليش يحتاج إليه؟ أيش من الأسباب؟ في أسباب، أيش من الأسباب؟ ليدل على حال الناس، أيوه ليدل صح ولا لا؟ أن أحياناً قد لا يكون عنده نقص في العلم في المعرفة، عرفت هو راغب لإيصال المساعدة للطرف الفلاني، بس هو ليس عالماً به، فلما يتوسط إنسان لذلك الرجل، إيش اللي يحصل؟ ينبه، أحياناً قد يشفع له فينبه إلى مسألة، يقول له ترى مثلاً الصورة التي أنت متخيلها عن فلان ترى ليست صحيحة، ترى فلان كذا كذا كذا. صح ولاحظ فحياناً قد يكون هذا الاعتبار، هذه الاعتبارات هل في أي اعتبار من الاعتبارات يحتاجها الله سبحانه وتعالى للشفاعة؟ لا يوجد، لا يوجد أي شيء، وإذا هذا المعنى يشير لها ابن تيمية يقول: والله تعالى وتر لا يشفع عنده أحد، يعني عرفت أن الشفاعة لما تقول الحين الشفاعة هو العداد الزوجية، بمعنى أنه يشفع عنده إن كان العلاقة الموجودة من الطرفين تدل على نوع من أنواع الاحتياج، نوع من أنواع النقص بحيث كمل هذا النقص الموجود، لكن الله سبحانه وتعالى وتر تبارك وتعالى لا يشفع عنده شيء، ليس له نظير تبارك وتعالى فيشفع من خلال ذلك النظير.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23]، ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]، والأدلة الشرعية تدل على هذا المعنى كثيراً. طيب هذه الشفاعة المثبتة عند العلماء لها أنواع، ولها أجناس، فيقولون إن أنواع الشفاعات التي يثبتها الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، أما أن تكون شفاعة متعلقة بالأعمال، أو شفاعة واقعة بالأشخاص، فمثلاً بالأعمال مثلاً إيش؟

لا لا، الشفاعة أيوه، بس هذه مو شفاعة، هذه التوسل بالعمل الصالح. لا في دلائل شرعية أسرع، مثلاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». صح ولا لا؟ اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، طيب الحين اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، إيش المقصود؟ القرآن يشفع؟ داري إيش المقصود بالقرآن الذي يشفع؟ ما هو القرآن؟ دقيقة، ما هو القرآن؟ كلام الله، القرآن كلام الله، طيب كلام الله هل هو الذي يأتي يشفع يوم القيامة؟ أنتم ملاحظين صح ولا لا؟ أن ليس المقصود بطبيعة الحال أن كلام الله عز وجل هو صفة قائمة بذاته تبارك وتعالى صح ولا لا؟ يعني كلام الله عز وجل الذي هو معنى قائم بذاته سبحانه وتعالى هو المعنى الذي سمعه جبريل الأمين عليه الصلاة والسلام، هو الحرف والصوت الذي سمعه جبريل من الله تبارك وتعالى، يتكلم الله عز وجل فيسمعه صح ولا لا؟ طيب فما هو القرآن؟

فما هو القرآن الذي يأتي يوم القيامة شفيعاً؟ فالحين عندنا احتمال، الاحتمال الأول واحد يقول إن القرآن مثل ما القرآن الذي يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه هو كلام الله عز وجل، فهذا الكلام ينفصل عن الله عز وجل ويأتي على صورة معينة فيشفع للعبد عند الله سبحانه وتعالى، هل يتصور هذا يكون المعنى المقصود؟ لا، هذا ليس معنى مقصوداً؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى ليست معاني منفصلة عن ذاته تبارك وتعالى، هي معاني وجودية قائمة بذاته تبارك وتعالى.

طيب فإيش المقصود الحين؟ كيف يفسر هذا الحديث؟ أيوه إيش المقصود؟ يعني مثلاً لما يأتي الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم فيقول مثلاً: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] صح ولا لا؟ إيش معنى وقرآنه؟ قراءته صح ولا لا؟ فيمكن يحمل الحديث على أن القرآن اسم مصدر، فيكون دالاً على قراءة العبد، يعني مثلاً من الأدلة الشرعية أن الله عز وجل يقيم الصلاة، يقيم الصيام صح ولا لا؟ يمكن يقلب الله سبحانه وتعالى هذه الأعراض إلى أعيان، وهذه الأعيان تأتي شفيعة. فتلاوتك الحين مخلوقة ولا مو مخلوقة؟ قراءتي أنا، يعني هو لاحظ المادة المقروءة اللي هو القرآن الكريم هو ليس مخلوقاً، هو كلام الله عز وجل، لكن فعلي أنا، صوتي أنا، حركة لساني أنا، بين قوسين قراءتي أنا مخلوقة وغير مخلوقة؟ مخلوقة. طيب هذه القراءة الواقعة مني إيش اللي يحصل؟ يمكن أن هي التي تأتي يوم القيامة فتشفع لي، ما واضح أنه جاري على سنن أن الأعمال الصالحة قد يقيم الله سبحانه وتعالى من الأعمال الصالحة ما يشفع للعبد يوم القيامة، وفي أدلة كثيرة هذه، طيب مثلاً يعني في أحاديث متعلقة بالصيام وغيرها من العبادات اللي في قضية شفاعة.

طيب شفاعة الأشخاص، شفاعة الأشخاص ما هي الأجناس والأنواع اللي يقع منها شفاعة يوم القيامة؟ الحين النبي صلى الله عليه وسلم، أنا أتكلم أجناس البشر أو الأجناس عموماً، وعندنا أولاً مثلاً المؤمنين الصالحين صح ولا لا؟ طيب شهداء صح ولا لا؟ الشهداء يشفعون، أن مثلاً شهيد يشفع في سبعين من أهله مثلاً، قص هذا الجنس لاحظت الحين، عندنا الصالحين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، المؤمنون بشكل عام أن تقع منه شفاعات، عندنا أخص من المؤمنين اللي هم الشهداء من أهل الإيمان لهم خصوصية وفضيلة، كذلك الأنبياء والرسل. الأنبياء والرسل هم من أعظم الناس شفاعة يوم القيامة، هم الناس، لاحظ الحين البشرية لما تريد أن تستفزع بأحد تفزع إلى من؟ تفزع إلى آدم عليه الصلاة والسلام، نوح عليه الصلاة والسلام، إبراهيم عليه الصلاة والسلام، موسى عليه الصلاة والسلام، عيسى عليه الصلاة والسلام، محمد صلى الله عليه وسلم، كلهم أنبياء، هذا لم يقع الأمر اعتباطاً. كذلك الملائكة، الملائكة من أعظم الشفاعة كذلك عند الله تبارك وتعالى، وهذا معنى ترى هذا معنى يعني ما بدخل في تفصيله، لكن هذا معنى يشير إلى فضيلة الملائكة عند الله سبحانه وتعالى أنهم عباد مكرمون، ولذا هذا يفتح باب مناقشة قضية أن التصور الخاطئ الذي موجود عند بعض الناس اللي يصور الملائكة لما هم معصومين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، أنهم مثل الروبوتات، مثل الرجل الآلي، مثل الذي خلوا من قضية الإرادة، ابتسامة، أنهم خلوا من قضية الإرادة والعبودية لله عز وجل، لا هم يعبدون الله سبحانه وتعالى بإرادتهم، ولأجل تلك الإرادة فضلهم الله سبحانه وتعالى وجعل لهم فضيلة، والكلام في هذه المسألة طويل.

طيب أهم الشفاعات التي تقع يوم القيامة كما يذكرها العلم عدد من الشفاعات، خلينا نمر عليها سريعاً، يقول العلماء أولى أجناس الشفاعات، أو من أنواع الشفاعات المنعقدة يوم القيامة: الشفاعة العظمى يوم القيامة، وهي الشفاعة التي يشفع فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ربه تبارك وتعالى لفصل القضاء، والمقام المحمود.

الثاني: الشفاعة في فتح باب الجنة لأهلها، وهذا كذلك من الشفاعات التي خص الله عز وجل بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يعني الجنة مغلقة فلا يستطيع أهل الجنة يدخلون الجنة إلا بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح باب الجنة.

الثالث: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.

الرابع: الشفاعة في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع لهم في دخول الجنة، هذه الشفاعة ذكرها ابن أبي العز الحنفي وابن كثير وابن حجر، وهو مبني على أثر ورد عن ابن عباس لكن فيه ضعف، طبعاً بعض الشفاعات لما نقول فيها ضعف وكذا يصير تنتقل من مربع الجزم بوجود هذه الشفاعة إلى احتمال، ممكن الله أعلم، ليس ممتنعاً أن يشفع، احتمال كبير، بس يعني أحياناً إذا سيخص الإنسان اعتقادياً وجود هذا النوع من أنواع الشفاعة، فيحتاج يتكل الإنسان على هذا المعنى، معاني التخصيص على ورود آية قرآنية أو حديث نبوي؛ لأنه من باب الأخبار التي لا يستطيع الإنسان الوصول إليها إلا عن طريق الوحي.

الخامس: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة فوق ما تقتضيه أحوالهم، شفاعة لهم أن يرفعهم الله عز وجل درجات.

السادس: الشفاعة في أهل الكبائر من الموحدين ممن أدخلوا النار أن يخرجوا منها، وهذا ثابت بحديث الجهنميين.

دخول الجنة بغير حساب هذا ثابت وصحيح. أما الشفاعة في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فقد جاء فيها عن ابن عباس أثر ضعيف، والله أعلم. والشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة، نذكرها بعد قليل. والشفاعة في أهل الكبائر من الموحدين الذين دخلوا النار فيخرجوا منها جهنميين، فهذا حديث صحيح. أما الشفاعة في أهل الكبائر قبل أن يدخلوا النار ألا يدخلوها، فيقول ابن القيم: ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس، أحدهما في قوم استوجبوا النار فيشفع لهم فيهم ألا يدخلوها.

فيقول ابن القيم: وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخول النار. وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلونها، فلم أظفر بنص. ووجهة نظر ابن القيم أننا لم نجد دليلاً يدل على أن هناك أقواماً حكم عليهم بدخول النار لكنهم لم يدخلوها بعد، فيتدخل شافع عند الله سبحانه وتعالى بإذنه تبارك وتعالى، فيشفع لهم فلا يدخلون النار. هل هناك حديث يحتمل أن يستدل به الإنسان على مثل هذه الصورة؟ يعني هل تستطيع استحضار حديث؟

ابن القيم قال: فلم أظفر فيه بنص. قد يكون هناك حديث محتمل، لا نجزم به، لكن ثلاثة ليست ضعيفة بالدلالة المطلوبة. أقرب لكم مدلول حديث متعلق بالجنائز، أيوه، وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه» رواه مسلم. طيب، ما وجه دلالة هذا الحديث؟ هل يمكن أن يؤخذ من مادة الحديث دليل على المطلوب؟ لاحظ المسألة الأساسية هي أن يشفع في بعض أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، ممن لم يدخلوها. هل يمكن استنباط هذا من مادة الحديث؟ أنا أقول: محتمل أن الحديث فيه دلالة احتمالية لهذا المعنى، أنه وقع الشفاعة قبل دخول النار.

النوع الثاني يقول ابن القيم، وهذا حين النوع الأول يقول ما ظفرت فيه بنص، النوع الثاني قال: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب برفع الدرجات. وهذا قال قد يستدل عليه بدعاء النبي صلى الله عليه واله وسلم لأبي سلمة وقوله: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين». وزين، وقوله في حديث أبي موسى: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك». فبعض العلماء يقيم هذا النوع الأخير أو الجنس الأخير، وهو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهناك نوع من أنواع الشفاعة المشهورة، وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب، أن يخفف عنه العذاب. وهذه خصيصة من الطرفين؛ خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم بمعنى ألا يشفع أحد من المؤمنين لأحد من أهل الكفر على وجه التعيين والخصوص إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد أحد من الكفار يشفع له على جهة التعيين والخصوص إلا أبو طالب. والتخفيف أن يجعل له جمرتان تحت نعاله يغلي منهما دماغه. يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد ذلك: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو من قبل نفسه».

من قال لا إله إلا الله، نفس المعنى الذي أشرنا إليه صح؟ هو يذكر على سبيل الاكتفاء، ويصير المقصود حينئذ مقصود النبي صلى الله عليه وسلم الاحتراز بذكر لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه؛ الاحتراز من المشركين، وأسعد الناس بشفاعة يوم القيامة هم المسلمون. ثم احتراز من المنافقين، من قبل قلبه أو من قبل نفسه. وقع طبعاً شك من الراوي، وفي رواية التي أوردها الشيخ أحمد هنا في الكتاب: «من قبل نفسه». وفي مواضع في صحيح البخاري: «خالصاً من قلبه أو نفسه». قال: وهذا في الرقاق الموجود وذكر ذلك على سبيل التأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.

قال ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه في قوله حديث أبي هريرة أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله، سر من أسرار التوحيد، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجديد التوحيد، فمن كان أكمل توحيداً كان أحرى بشفاعتي، لا أنها تنال بالشرك بالشفيع كما عليه أكثر المشركين. وبالله التوفيق، وفي الحديث دليل على اشتراط النطق بكلمة الشهادة لتعبيره بالقول في قوله: من قال.

الحديث الذي بعده حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار» أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث لفظه الأتم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل، قال: «يا معاذ بن جبل»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً، قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار».

طبعاً هذا اللفظ من النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة تعاطيه في إرشاد معاذ بن جبل لهذا الخبر يدل على شرف هذه المعلومة التي ينبه النبي صلى الله عليه وسلم عليها. تخيل المقام والموقف، أن النبي صلى الله عليه وسلم معه معاذ بن جبل رديفه فيقول له: يا معاذ بن جبل، فيقول لبيك يا رسول الله وسعديك، فيقول يا معاذ، ممكن بعيد أو يقرب أو ما سمعتني، بس الحين رديفه، فلما يقول له معاذ مدرك هو عارف أنه يسمعه فيقول له يا معاذ بن جبل، قال لبيك رسول الله وسعديك، يا معاذ لبيك رسول الله وسعديك، يا معاذ لبيك رسول الله وسعديك، ما من أحد؛ لحظة يصير زي اللي يستحضر الطرف المقابل بكل جوارحه ليتلقى هذا الخبر، فيدل ذلك على شرف عظيم متعلق بهذا الخبر. وفعلاً هذا الخبر من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الدالة على فتح أبواب الرجاء الكبيرة.

ولذا معاذ بن جبل، لاحظ ماذا يقول: صدقاً من قلبه، إلا حرمه الله على النار. قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: «إذاً يتكلوا»، وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً، تأثماً من كتم العلم، من كان عنده قلق وخشية أن يكون ذلك من قبيل كتم العلم. يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه»، وهذا موطن الشاهد، الحديث صدقاً من قلبه، في دلالة على مادة الإخلاص المطلوبة لهذا الباب.

الحين لما يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله صدقاً من قلبه، الحين ما هو تعلق من قلبه؟ يتعلق بماذا؟ يشهد؟ أيوه أن بعض العلماء قال إن يشهد بقلبه، وبعضهم قال إن متعلقها الصدق. يعني بعضهم يقول: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله -صدقاً من قلبه-. أي أن ما من أحد يشهد بلفظه بهذه الألفاظ وهو صادق من قلبه في شهادته هذه، هذا الدلالة الأولى. أو الدلالة الثانية أنه صادق في شهادته. ويقولون العلماء الأول أولى، أي أن الشهادة ثم دلالة على مادة الإخلاص أو مادة الصدق.

يقول بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح البخاري: قوله صدقاً من قلبه احترز به عن شهادة المنافقين. وقال بعضهم: الصدق كما يعبر به قولاً عن مطابقة القول للمخبر عنه، قد يعبر به فعلاً عن تحري الأفعال الكاملة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي حقق ما أورده قولاً بما تحراه فعلاً. قلت: أشار إلى هذا المعنى أيضاً الطيبي حيث قال قوله صدقاً هنا أقيم مقام الاستقامة، وأشار بهذا إلى دفع ما قيل في أن ظاهر الخبر يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار، لما فيه من التعميم والتاكيد؛ وذلك لأن الأدلة القطعية قد دلت عند أهل السنة والجماعة أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة. قال الطيبي: ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ رضي الله عنه في التبشير به.

ما المقصود عند الطيبي؟ الحكمة من عدم التحديث بهذا الحديث أن كثير من الناس قد يفهم المقصود من إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم على غير وجهه، فيحمل الحديث على قضية الاتكال، ما هو هذا المقتضى الذي يحمله على الاتكال؟ أن مجرد نطقه بالكلمة مؤمناً بها حتى لو بالحدود الدنيا، ما الذي سيحصل له؟ سيدخل الجنة، وسيلزم منه أن حتى لو كنت مقيماً على الذنوب والمعاصي فأنا من أهل الجنة. فيقول الطيبي إن احتمال وقوع الاختلال عند الناس في فهم هذا الحديث هو ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يمنع معاذ بن جبل من التحديث به.

وإذا حدث بمثل هذا الحديث لمن يستطيع أن يوقع هذا الحديث في موقعه الصحيح، بالعكس يكون في هذا الحديث فائدة علمية كبيرة وفائدة إيمانية كبيرة، وهو أن الإنسان يسعى إلى تحقيق ما يستطيع تحقيقه من قول هذه الكلمة والشهادة بهذه الكلمة مع صدقيته في هذه الكلمة على جهة الكمال.

وقد يجيب عن هذا بأجوبة أخرى، منها أن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائباً ثم مات على ذلك، هل التخريج هذا مقبول؟ هذا تخريج فيه إشكال، لأنك قاعد تورد تقييداً في الحديث لم يرد فيه أي إشارة. قال بعد ذلك: ومنها أنه أخرج مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية. ومنها أنا أقول في نفسي فكيف لا، وقد رأى زماناً ونحن فيه؟ ومنها أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلودي فيها لا أصل دخول فيها. ومنها أن المراد تحريم جملته، لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد. ومنها أن ذلك لمن قال الكلمة وأدى حقها وفرضتها، وهو قول الحسن. ومنها ما قيل إن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة، وقال بعضهم فيه نظر لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى.

طبعاً فائدة حديث أبي هريرة أن هذا سمع من حديث النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، فقد تأخر إسلامه عام خيبر، فتعرف أن هذا الخبر الذي قال أسعد الناس بشفاعته ما نستطيع حمل الحديث على هذه الدلالة. وكذا ورد نحو من حديث أبي موسى، بس الحسن كان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة رضي الله عنه. قلت: فيه نظر، لأنه يحتمل أن يكون ما رواه أبو هريرة وأبو موسى عن أنس رضي الله عنه كلاهما قد رويا عنه ما رويا قبل نزول الفرائض. نقول لا، لاحظ الحين التعقب الذي حصل، يعني بعض العلماء يقول الحين في اتجاه ذكرناه عن الزهري هو نقل عن.

سعيد بن المسيب وجماعة أن الحديث هذا «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله صدق من قلبه إلا حرمه على الله» كان قبل نزول الفرائض، صح ولا لا؟ طيب، فيقول لك إن بعض العلماء تعقب هذا القول، طيب ليش تعقب هذا القول؟ قال: لأن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه قد روى حديثاً بهذا المعنى، وقد تأخر إسلام أبي هريرة إلى عام خيبر، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه كذلك روى شيئاً من هذا الحديث بإسناد صحيح، وقد تأخر إسلامه، فقد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي قدم فيه أبو هريرة.

العيني يتعقب هذا التعقب، قلت: فيه نظر، طيب إيش السبب؟ لأن أحد المفاهيم الحديثية الموجودة عند الصحابة، اللي هو فكرة مرسل الصحابي، يعني كون أبي هريرة يروي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يدل بالضرورة أنه قد سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، فيورد العيني احتمال أن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري سمعا هذا الحديث من أنس، ولاحظوا أنس بن مالك أصلاً من صغار الصحابة اللي في المدينة أصلاً، فبعدين بعد تركيب معنى آخر أن أنساً سمعه من أحد، تمشي هذا القول أن لا تجعل مبكراً أصلاً.

طيب، إيش الاعتراض الذي ممكن يعترض به على العيني؟ يقال: لا، بس ظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه الذي سقناه في موضوع الشفاعة ظاهره يدل أنه قلت: يا رسول الله، فمعناته أن حصل هذا الحديث بعد لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم فيستقيم المعنى المذكور، قال: قوله «إلا حرمه الله على النار» معنى التحريم المنع، كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء: 95].

فإن قلت: هل في المعنى فرق بين «حرمه الله على النار» و«حرم الله عليه النار»؟ قلت: لا اختلاف إلا في المفهومين، وأما المعنيان فمتلازمان. فإن قلت: هل تفاوت بين ما في الحديث وما ورد في القرآن «حرم الله عليه الجنة»؟ قلت: يحتمل أن يقال النار منصرفة، والجنة منصرف عنها، والتحريم إنما هو على المنصرف، فروعي المناسبة.

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «حرمه الله على النار»، زين هذا من ناحية التقرير العقدي، إما أن التحريم يكون تحريماً مطلقاً، أو يكون تحريماً بعضياً غير مطلق، ايش معنى هذا الكلام؟ حرم الله على النار، الحين الملحظ الذي نبديه الحين، خلينا نرتبها تراتبيه، أول شيء مآل المؤمنين الموحدين إلى الجنة سواء عذبوا أو لم يعذبوا. طيب، هؤلاء المؤمنون على نوعين، منهم من يحرمه الله سبحانه وتعالى النار تحريماً تاما، ومنهم من يعذب، وهذا ملحظ في موضوع التحريم على النار، وهذا اتجاه ذكر بعض العلماء أشار له العيني قبل قليل، الآن المؤمن الموحد الذي يعذب هل فيه معنى من معاني التحريم عن النار ولا لا؟ فيه، أيوه أن فيه تحريماً بعضياً؛ فلا يوجد أحد من الموحدين تأكله النار كله.

والدليل على هذا؛ خلنا نشوف الحديث عجيب، سبحان الله، وشروحات الأئمة عجيبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الجهنمي الطويل: «فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار»، يعني حتى الشافعة من المؤمنين من أهل الجنة يناشدون الله تبارك وتعالى أنه يخرج من كان موحداً من النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، صورهم اللي الوجه، فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نتف ساقيه وإلى ركبتيه، يعني يتفاوتون فيما تأخذه النار منهم، وقال صلى الله عليه وسلم: «وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود»، يعني مواضع السجود من بني آدم محرم على النار أن تأكلها.

فبعض العلماء قال الآتي: أن هذا التحريم المقيد إما أن يكون تحريماً عن نار الكفار، مثلاً لما يقول الله سبحانه وتعالى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، فعندك مستوى من التعذيب، مستوى من النار، يظل من رحمة الله عز وجل بالموحدين الذين يعذبون أن لا يعرضوا لهذا العذاب. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم -شوف الحديث هذا غريب ورواه الإمام مسلم وأظن كثير من الناس لا يعرف- يقول: «أما أهل النار الذين هم أهلها» -شوف، أما أهل النار الذين هم أهلها، مين أهل النار الذين هم أهلها؟ الكفار- «فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم» -شوف، يفرق النبي صلى الله عليه وسلم هذا في دليل في حديث مسلم، يفرق بين أحوال الكفار وأحوال المؤمنين المعذبين بالنار- «يقولون: أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم، فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر».

يقول العلماء الآتي، خلنا نقرأ بعد قليل شرح النووي على هذا الحديث، بس ركزوا في هذا: «فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر»، يعني جيء بهم جماعة من الناس عقب جماعة، «فبثوا على أنهار الجنة»، يعني أخذوا اللي بعد ما تفحموا وألقوا في أنهار الجنة، «ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم»، يعني خذوا الماء وكبوا عليهم، «فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» وهو ما حمله السيل، في سرعة، في سرعة، «فتخرج لضعفها صفراء متلونه»، وهذا كناية عن سرعة نباتهم وضعف حالهم، ثم تشتد قواهم، رواه مسلم.

طيب يقول النووي معلقاً على هذا الحديث شارحاً، لأنه فيه معنى مهم: واما معنى الحديث فالظاهر والله أعلم معنى هذا الحديث أن الكفار الذين هم أهل النار والمستحقون للخلود لا يموتون فيها ولا يحيون حياة ينتفعون بها ويستريحون معها، كما قال الله تعالى ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾، وكما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾، وهذا جار على مذهب أهل الحق أن نعيم أهل الجنة دائم وأن عذاب أهل الخلود في النار دائم.

وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ولكن أناس أصابتهم النار» إلى آخره، فمعناه أن المذنبين من المؤمنين يميتهم الله تعالى إماتة بعد أن يعذبوا المدة التي أراد الله تعالى، يعني شو اللي يحصل الحين للموحد المؤمن في الجنة؟ أنه يعذب، يعني يتألم، يناله عذاب من النار، لكن الله عز وجل يقدر له بحسب ذنوبه وخطاياه مقداراً يستحق به التألم والتعذب، ثم إيش اللي يحصل؟ ثم يمات، لما يموت هذا الإنسان إيش اللي يحصل له؟ هل يتعذب ولا لا يتعذب؟ لا يتعذب.

لاحظ يقول إنه قال: «فمعناه أن المذنبين من المؤمنين يميتهم الله تعالى إماتة بعد أن يعذبوا المدة التي أراد الله تعالى» وهذه الإماتة إماتة حقيقية يذهب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدرها الله تعالى، ثم يخرجون من النار موتى قد صاروا فحماً، فيحملون ضبائر كما تحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة، فيصب عليهم ماء الحياة، فيحيون وينبتون نبات الحبة في حميل السيل في سرعة نباتها وضعفها، فتخرج لضعفها صفراء ملتوية، ثم تشتد قوتهم بعد ذلك، ويصيرون إلى منازلهم وتكمل أحوالهم، فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث ومعناه، صح ولا لا؟ لأن هذا يقولنا، وهذا ظاهر معنى الحديث، وفعلاً في ألفاظ الحديث ما يعضد هذا الفهم.

قال وحكى القاضي عياض رحمه الله فيه وجهين؛ أحدهما أنها إماتة حقيقية، والثاني ليس بموت حقيقي، ولكن تغيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال ويجوز أن تكون آلامهم أخف، فهذا كلام القاضي، والمختار ما قدمناه والله أعلم. فهو سواء قدرت أن ماتوا موتاً حقيقياً ينقطع به الإحساس بالعذاب أو أن المقصود أن رتب الله عز وجل أثر الإماتة وليس المقصود بها إماتة حقيقية، خلينا نقدر نوماً أو شيئاً معيناً، إذا كان في هذه المدة لا يحس بالعذاب فالمعنى في كلاهما تقارب، وإن كان مثل ما ذكر الإمام النووي أن الأصل أن «ثم أماتهم الله إماتة» أنه يحمل على الظاهر أنه يموتون موتاً حقيقياً.

في مسألة تحريم موضع السجود؛ أي يراد بهذا الجبهة ولا المواضع السبعة؟ المواضع السبعة، مواضع السجود يعني هذه الذي يظهر، يعني طبعاً ورد في حديث «صورهم»، والصور في لسان الشريعة الوجه، يعني ورد في الحديث «الصورة الوجه»، صح ولا لا؟ فممكن يصير كل هذه مما يحفظه الله سبحانه وتعالى للعبد من النار، وهذا طبعاً أحد الأحاديث الدالة على فضل الصلاة في شريعة الإسلام، أن من كرامة الله عز وجل لعبده المؤمن حتى إذا عذب وقع له قدر من الإهانة، فإن الله سبحانه وتعالى يكرمه بما أحدثه الله تبارك وتعالى من عبودية الصلاة، وهذا يؤكد المعنى يعني على التحقيق وعلى الصحيح أن أفضل العبوديات البدنية أفضل العبادات الظاهرة هي الصلاة، وفي الأحاديث النبوية معانٍ كثيرة تدل على هذا المعنى.

الحديث الذي بعده، حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهذا الحديث نختم به اليوم، الحديث الذي بعده حديث أبي كبشة الأنماري حديث طويل، يعني نستكمل اللقاء الأسبوع الجاي، يقول عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، أخرجه مسلم.

عبد الله بن جدعان المشار إليه في هذا الحديث كان من كرماء العرب الأجاويد وسادة قريش، وكان مما اشتهر به جداً كثرة الإطعام، ومثل ما أشارت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ذكرت ملحظين؛ الملحظ الأول اللي هو صلة الرحم، والثاني إطعام الطعام، وهذا الملحظان عند عائشة -لاحظ هذه مسألة مهمة أن عائشة من علماء الصحابة- فلما تبرز للنبي صلى الله عليه وسلم هذين المعنيين يدل على شرف وفضيلة هذين المعنيين، اللي هو أن من المقامات المعظمة في الشرع والدين صلة الرحم، ومن المقامات المعظمة في الشرع والدين إطعام المساكين.

ومما ذكر عبد الله بن جدعان أنه كان من كرمه بالأضياف اتخذ جفنة، الجفنة مثل القدر الكبير الذي يحتاج أن يرتقى إليه بسلم حتى يعرف الإنسان ضخامة القدر هذا أو الجفنة، وكان من بني تيم بن مرة اللي هو عبد الله، وهذا السبب الموجب لسؤال عائشة، كان من بني تيم بن مرة أقرباء عائشة، فهو ابن عم والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو في الحلف المشهور اللي هو حلف المطيبين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه»، رواه الإمام أحمد، وهو حلف الفضول، حلف المطيبين حلف الفضول اللي جاء في رواية: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت له به في الإسلام لأجبت، فتلاحظ أن الحلف هذا أصلاً انعقد في بيت هذا الرجل عبد الله بن جدعان، ففي مؤشرات كثيرة تدل على بعض الفضائل المتعلقة بهذا الإنسان، صلة الرحم، إطعام مساكين، كثرة الأضياف، من أسخى أسخياء قريش.

وكذلك على مستوى أخلاقي معين، هو الذي في بيته عقد حلف المطيبين حلف الفضول، اللي هو الانتصار للمظلوم من ظالمه، اللي النبي صلى الله عليه وسلم أبدى ابتهاجه بحضوره، وأن لو دعي له في الإسلام، مثل هذا الحلف حتى لو كان مع الكفار لأجاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.

تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها كان في الجاهلية، ايش المقصود بالجاهلية؟ اللي هو الأيام التي سبقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولماذا سميت بالجاهلية؟ نسبة إلى الجهل، إلى الجهل اللي كان منتشراً بينهم، إلى كثرة جهالتهم. تقول عائشة: يصل الرحم، ايش معنى يصل الرحم؟

فلاحظ هذا أحد، سبحان الله، أحد المفاهيم الغريبة المتعلقة اللي العربية لا تساعد -لا أقول لا تساعد على هذا، جزء من المعنى- لكن المشكلة أن هذا الجزء من المعنى هو الوحيد الذي ينقطع في النسب، لاحظ مجرد ما قلت صلة الرحم مباشرة يقفز الذهن اللي هو زيارة، هل هو مجرد زيارة الأقرباء؟ لما تقول مثلاً: وصلت فلاناً، أو هذه صلة فلان، هذه صلة فلان، أن أحياناً الصلة تكون بالمال، بالإحسان، بالتفضل، عرفت، صلة الأرحام ليس المقصود بها صلة الأرحام اللي هو لأن.

ما يبدو أن هناك قدراً من عجب اللسان أن الصلة؛ فيتصور الإنسان على فكرة أن الصلة مقصود بها إحداث هذه الرابطة الإنسانية للبشرية بطريقة حقيقة معينة، فحين لا هي الزيارة قطعاً داخلة في هذا المدلول. ومن أخطر المخاطر قطيعة الرحم، وهذه القطيعة قد تكون قطيعة حسية بمعنى أن يقطع الإنسان صلته وزيارته. وكذلك من مجالات الصلة المأمور بها شرعاً وديناً الإحسان؛ الإحسان عن قرب، الإحسان عن بعد هو داخل في فهم الصلة المتعلقة بالأقران.

تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعد ذلك: ويطعم المسكين. وفي رواية أبي عوانة كانت في مسنده من طريق عبيد بن عمير عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يقر الضيف، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويحسن الجوار، فأثنيت عليه، هل نفعه ذلك؟ فتلاحظ أن الرواية هذه ميزتها رواية أبي عوانة أن فيها ذكر لبعض ما كان عليه عبد الله بن جدعان من الفضائل. تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: فهل ذاك نافعه؟ وفي نسخة صحيح البخاري: فهل ذلك نافعه؟ تقصد عائشة: فهل ذاك نافعه يوم القيامة ونافعه عند الله تبارك وتعالى؟ تقدره نافعة أي: هل ينتفع بثواب ذلك العمل عند الله سبحانه وتعالى فيثاب عليه أم لا؟ هذا سؤال عائشة رضي الله عنها وأرضاها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينفعه».

فيحصل من هذا الحديث ومن غيره من دلائل الشريعة أن الكافر حتى لو أحدث عملاً صالحاً فإنه لا ينتفع به يوم القيامة. هل يثاب عليه بأي وجه من أوجه الإثابة ولا لا يثاب عليه؟ أي يثاب عليه في الدنيا، فكيف يكون وجه الإثابة عليه في الدنيا؟ إما أن يوسع عليه في رزقه، أو يدفع عنه من الشرور والبلايا. المقصود أن الله سبحانه وتعالى حتى يفضي إلى الله تبارك وتعالى يوم القيامة ليس له حسنة. وهذا يكشف عن كمال عدل الله سبحانه وتعالى؛ أن إذا أتى بعمل صالح فالله سبحانه وتعالى لا يلغي هذا العمل الصالح واعتباره بالكلية، وإنما كما أن فعله من أجل الدنيا فالله سبحانه وتعالى يحقق له مراده في الدنيا، لكنه يوم القيامة وهو أكثر ما هو محتاج لتحصيل شيء من الحسنات لا يجد شيئاً عند الله سبحانه وتعالى.

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم مفسراً ذلك: «لا ينفعه»، ثم علل النبي صلى الله عليه وسلم وجه عدم انتفاع عبد الله بن جدعان بتلك الأعمال الصالحة عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة بماذا؟ قال: «إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». الآن أحد الإشكاليات التي نوردها، وخلينا نحاول نجاوب عليها، لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، السؤال: لو قدر أن قالها يوماً هل يلزم بالضرورة أن تكون نافعة له؟

الإشكال الثاني المتعلق بارتباط هذا الحديث بالباب؛ لأن لاحظ الباب يتكلم على قضيتين: الإخلاص والمتابعة. الحين لما قال: «رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، ظاهر الحديث يقول: إنه لم يقل يوماً. فالحين الاعتراض أو الإشكال الذي يرد أن لو قدر أن رجلاً قال هذه الكلمة ثم نكص وارتد عن هذه الكلمة، متى تكون هذه الكلمة مؤثرة؟ ما هو الشرط المتعلق بهذه الكلمة حتى يتحقق للإنسان حقيقة الانتفاع بمثل هذا المدلول؟ هل يكفي أن يقولها الإنسان يوماً من عمره ولا لا بد أن يقولها ثم يموت عليه؟

الزاوية التي قاعد يقارب بها الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم مقصود لما ذكر هذا المعنى الإشارة إلى أنه لم يقل لها يوماً، فهذا أبلغ من أي صورة أخرى؛ ما قالها في أول عمره ولا أوسط عمره ولا حتى في آخر عمره. ما قالها يوماً، فأي حالتين أحسن؟ رجل قالها حتى لو قدر مات على الكفر، ولا رجل ما عمره مرت هذه الكلمة على باله ولا مرت على خاطره؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما هو أبلغ في بيان العلة. الحين عائشة كأنها مستشكلة أن هذا رجل وقع له جزء من الفضائل، وقع له أعمال صالحة وأعمال خيرة، أكرم الناس وفعل وفعل، هل ينفعه ذلك؟ هل يخفف شيء عنه يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: لا تستنكري هذا المعنى؛ لأنه لم يقل يوماً: «رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، لا يتسرب إلى وعيك أو ذهنك أن الله سبحانه وتعالى ظلمه أو شيء؛ لأن ترى أتى بأمر عظيم، ما هو هذا الأمر؟ أن ما في يوم من حياته قال: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ما في يوم واحد أبرز المادة من مادة توحيد الله سبحانه وتعالى. فيريد النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة والتنبيه إلى هذا المعنى.

يقول الإمام القرطبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: معنى قوله: «هل ذاك نافعه؟» أي هل ذلك مخلصه من عذاب الله المستحق بالكفر؟ فأجاب نفي ذلك، وعلله بأنه لم يؤمن، وعبر عن الإيمان ببعض ما يدل عليه، وقوله: «لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». يقول الإمام النووي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: معنى هذا الحديث أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة كافراً، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».

قال القاضي عياض رحمه الله: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم وتخفيف عذاب، ولكن بعضهم أشد عذاباً من بعض بحسب جرائمهم. هذا آخر كلام القاضي، وذكر الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور نحو هذا عن بعض أهل العلم والنظر، قال البيهقي: وقد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات تكبها سوى الكفر بما فعله من الخيرات. وزي ما ذكرنا أن المعنى الموجود في هذا الحديث مثل قول الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

السؤال الأخير المتعلق بهذا الحديث وبه نتوقف، ما صلة هذا الحديث بالباب؟ ظاهر الحديث والله أعلم، والارتباط المعنى الظاهر المناسب للحديث، أن السبب الموجب لعدم الإثابة الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه لم يكن مؤمناً. لكن هل يمكن أن ينتزع الإنسان من هذا الحديث دلالة تشير إلى المعنى المقصود بهذا الباب؟ نعم، يستطيع انتزاعها من خلال تركيب بعض المعاني؛ لأن أحد المعاني التي ركبناها أصلاً بداية هذا الباب هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها»، فجنس المباحات في كثير من الأمور التي ذكرت شرط الإثابة عليه يكون من باب النية والإخلاص. بمعنى حتى جنس العبوديات المذكورة في الحديث، لأن فيه عبوديات مذكورة يثاب عليها الإنسان، لكن حتى المؤمن لا يثاب عليها إلا بشروطها.

دعنا نذكرها بالطريقة الآتية: عائشة رضي الله عنها وأرضاها تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان، عبد الله بن جدعان أتى بعبوديتين عظيمتين لله سبحانه وتعالى؛ العبودية الأولى: صلة الرحم، الثانية: إطعام المساكين. هل ينفعه ذلك؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينفعه»، لماذا لا ينفعه؟ لأنه لم يكن مؤمناً. فالنبي صلى الله عليه وسلم نبه إلى الشرط الأبرز الذي تخلف عن عبد الله بن جدعان، لكن هل هذا الشرط الوحيد لقبول تلك الأعمال بحيث الإنسان إذا كان مؤمناً فالله عز وجل يثيبه على ذلك مباشرة؟ نقول: لا، حتى يتحقق من المؤمن بشروطه، ما هو شرطه؟ الإخلاص والمتابعة. ولذا حتى لو قدر أن هذا الرجل قال في يوم من عمره: «رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، لكنه لم يخلص لله سبحانه وتعالى وأراد الدار الدنيا بمثل هذه الأعمال، فالله سبحانه وتعالى لا يثيب على ذلك عنده تبارك وتعالى، ولا ينفعه فيكون فيه نوع من أنواع الإشارة الضمنية الدالة وإن لم يكن هذا الحديث شديد الصراحة والوضوح والمكاشفة عن المعنى المقصود.

نتوقف عند هذا، وفي اللقاء القادم نستكمل ما يتعلق بأحاديث هذا الباب، ثم نسعى إلى الحديث في الباب الذي بعده، باب أهمية استحضار الغاية والحذر من مزاحمة الغاية الشريفة بغايات دنيئة. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.