الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فأحييكم إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه المجالس التي بها تعليق على بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى بعض القصص التي قصها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. ومعنا اليوم بإذن الله قصة رجل أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، حتى بلغ به الحال إلى أنه استحل الذنب الذي عظمت الشريعة الإسلامية منه كثيراً، بل حتى جعلت فيمن يرتكب خطأ الدية، لبيان عظم شأن هذا الذنب عند الله سبحانه وتعالى؛ ألا وهو القتل، استحلال الدماء، سفك الدماء المعصومة. هذا الرجل قتل تسعة وتسعين، ثم بعد ذلك تحرك الإيمان في قلبه، وسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عابد لطالما تعبد الله سبحانه وتعالى وسبح الله وذكر الله سبحانه وتعالى.
فاستعظم العابد هذا الذنب ولم يحتمل عقله، فأفتاه بأنه لا توبة له، فأكمل به المئة فقتل مئة نفس من ضمنهم رجل عبد الله سبحانه وتعالى واعتزل الناس من أجل تسبيح الله وذكر الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك تحرك فيه داعي الإيمان مرة أخرى، فسال عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم فذهب إليه. النبي صلى الله عليه وسلم يقص هذه القصة، هذا الرجل كان في زمان بني إسرائيل، وذكرها البخاري ذكر هذا الحديث في كتاب الأنبياء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حدثوا عن بني إسرائيل فإن فيهم الأعاجيب. دعونا نتلو هذا الحديث ثم بعد ذلك نقف معه عدة وقفات.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري ومسلم وكذلك رواه ابن ماجه ورواها الإمام أحمد، يقول عليه الصلاة والسلام: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبه؟ فقال: لا. فقتله فكمل به المئة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مئة نفس فهل له من توبه؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا انتصف به الطريق اتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم ملك في صورة آدم فجعلهم بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة». قال قتادة، قال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.
هذا الرجل تحرك فيه داعي الإيمان لأي سبب من الأسباب؛ لعله سمع موعظة، لعله سمع كلمة عارضة قالها رجل في مجلس، فتحرك الإيمان وفتح قلب هذا الانسان، فدخل هذا الكلام فيه. والقلوب شأنها عجيب، لا يعرف الإنسان متى يفتح قلبه؛ فأحياناً الشخص يشعر بأنه يتاثر بأدنى المواعظ، وأحياناً لا يتأثر بأعظم المواعظ، هذا أمر ماله ومرجعه إلى الله سبحانه وتعالى. أحياناً الرجل الفاسد البعيد عن الخير البعيد عن الحق يفتح قلبه، فيوافق فتح القلب كلمة صادقة مخلصة تخرج من إنسان صالح تقي محب معظم لله سبحانه وتعالى، فيفوز هذا الإنسان بأن يكتب الله سبحانه وتعالى له رضوانه إلى يوم يلقاه، وتعمل هذه الكلمه في نفس هذا الإنسان الأعمال العظيمة. هذا الأمر كيف يكون؟ لا ندري ولا يحق لنا أن ندري؛ لأن هذا سر من أسرار الله سبحانه وتعالى بالوجود. إنما الواجب على الإنسان فقط أن يذكر الله، أن يذكر الناس بالله سبحانه وتعالى، وأن يعلم الناس من هو الله، وأن يقيم الحق في الأرض؛ كيف سيتاثر الناس؟ لا نعرف، من سيتاثر؟ لا شان لك بذلك، هذا خاص بالله سبحانه وتعالى.
فهنا يقص النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة على هؤلاء، وفي باطن هذه القصة أن هذا الرجل تاثر، إياكم أن تظنوا بأن هذا الإنسان البعيد جداً من الحق، الذي ارتكب مثل هذه الذنوب والمعاصي لا يمكن أن يتوب؛ بل ممكن يتوب ويرجع ويؤوب إلى الله سبحانه وتعالى، وكيف هذا يكون؟ في موعظة، في كلمة. مرة من المرات كان جالس جماعة من الشباب، وقالوا: ليتحدث كل واحد منا عن سبب هدايته، ما هو الموقف الذي أثر بك حتى جعلك تسلك هذا الطريق؟ فتكلم الأول وتكلم الثاني وتكلم الثالث، فقال أحدهم: إن سبب هدايتي هو أني كنت أمشي في الممشى، مكان معد للمشي، قال: ووجدت لوحة مكتوب بها كذا وكذا موعظة كلمة ذكر، قال: فهذه الكلمة صادفت قلباً مفتوحاً في هذه اللحظة، فتاثرت والتزمت. فبكى واحد جالس في المجلس فتعجب الشباب يعني من بكائه فقال: أنا الذي وضعتها.
انظروا الآن كيف هذا الإنسان وضع مثل هذه اللوحة أو مثل هذه الكلمه ولا يخطر في باله ولا يدري من سيتاثر، لكن هذا الإنسان صادف لحظة المشي أنه راى هذا الكلام فتاثر وفتح قلبه، فتمكن الإيمان من القلب واهتدى هذا الإنسان. هذا الأمر ما يملك الإنسان أن يعرفه، لكن واجب على الإنسان أن لا يترك طريق من طرق الخير إلا ويسلكه. تستطيع أن تعمل؟ اعمل. تستطيع أن تقول؟ قل، لا تدري لعل هذه الكلمة هي التي تنجيك من النار، لعل هذه السجدة هي التي تنجيك من النار، لا تترك موقف تستطيع أن تنصر إسلام فيه إلا وتنصره، وإياك وإياك وإياك أن تحسب هذه الأبواب حسبة دنيوية إنسانية بشرية، بل تعامل مع الله بها، تعامل رباني، تعامل العبد الذي يحب الله سبحانه وتعالى.
فالإنسان قد يتعب، الإنسان قد يصيبه مرض الاعتياد، يقول: أنا دعوت مئة مره هذه المره لماذا أدعو؟ اسكت فيها، طيب لعل هذه هي التي ستبلغ بك، أما الكل فلا يكون لها ذاك التأثير، أما هذه هي التي يكتب الله سبحانه وتعالى لك بها الرضوان. والله سبحانه وتعالى أخفى رضوانا في طاعته، فلا يعرف الإنسان أي طاعة يفعلها يكتب الله سبحانه وتعالى له بها رضوانه. ابن تيمية يعلم الناس سنوات عديدة ويدرس الناس منذ السن التاسع عشر منذ مات والده، ولم يكرمه الله سبحانه وتعالى بحامل علمه والمدافع عن تراثه والمبلغ عنه إلا بعد واحد أو اثنين وثلاثين سنة من دعوته، بعد ما بلغ الحادي والستين، تصوروا! هو يدرس من سن العشرين إلى أن يتم الحادي والستين، نعم، إلى أن يتم هذا السن يأتي ابن القيم. هذا أمر ما يملك الإنسان ولا يعرف كيف يكون، فلذلك لابد أن الشخص يستمر في هذه الدعوة وأن يبلغ وأن يتكلم وأن لا يياس، وأن لا يياس من أي إنسان كائناً من كان.
عمر بن الخطاب هذا الذي كان يقال عنه: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. أسلم عمر بن الخطاب وأصبح الفاروق، كيف هذا؟ القلوب بين يدي الله سبحانه وتعالى، القلوب ليست ملك للبشر، واهم من ظن بأن القلوب يملكها البشر، بل واهم من ظن بأن صاحب القلب يملك قلبه. وكثيراً ما تأتي الشخص أسئلة: أبي كذا، أمي كذا، وهو يعاني من كذا وكذا، ويغفل بأن قلبه هو لا يملكه، فلماذا ما تلجأ إلى الدعاء؟ لماذا ما تلجأ إلى من يملك القلوب؟ لماذا ما تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى؟ فهو الذي يستطيع أن يؤثر، هو الذي يستطيع سبحانه وتعالى ولو شاء الله سبحانه وتعالى لفتح قلب هذا الإنسان ولا هداه. إذاً الجأ إلى الله سبحانه وتعالى وإياك أن تيأس أو تجزع. القصد أن الوقفة الأولى هنا أن الإنسان أو الداعي إلى الله سبحانه وتعالى لا ييأس، لا ييأس من توجيه الناس ونصح الناس وبيان الأمر للناس وتذكير الناس.
الوقفة الثانية المتعلقة بهذا الحديث العظيم؛ الفرق بين العالم والراهب. انظروا كيف هذا الراهب استعظم هذا الفعل فتدخل في الحكم الشرعي، وهذا الذي يقع به الكثير جداً من الناس، يستعظمون الفعل فيفتون من قبل رأيهم وهذا لا يجوز لهم شرعاً، إنما الواجب أن يمتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى. يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: 10]، إذاً لو تابوا لتاب الله سبحانه وتعالى عليهم، وهم قد أحرقوا أولياء فيفوز الأولياء بالشهادة وهؤلاء يفوزون كذلك بالتوبة فيتوب الله عليهم ويكرم أولئك بأنهم قتلوا في سبيله. هنا إذا تدخل الإنسان قد يحبط عمله، كما جاء في الحديث: كان رجلين متواخيان، فكان أحدهما يسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، وصاحبه يقول له: اقصر اقصر. حتى أسرف هذا الإنسان وكان يقول له: أجعلت علي رقيباً؟ فلما تكرر منه هذا الأمر قال هذا الرجل الثاني: والله لا يغفر الله لك. فقال الله: من ذا الذي يتألّى عليّ ألا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك. قال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: والله لقد قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته.
لماذا تقول هذه الكلمه؟ لست أغير على دين الله سبحانه وتعالى من نفس الذي أنزل الشرع سبحانه وتعالى، فكيف تقول هذه الكلمة؟ كيف تتفوه بها؟ القصد من ذلك أن الإنسان لابد أن يفتي الناس يوجه الناس كما أراد الله، نحن عبيد الله سبحانه وتعالى، لو بلغت ما بلغت من العلم ستبقى عبداً ولن تخرج عن دائرة العبودية، فلا يحق لك أن تصل درجة المشرع أو أن تفتي الناس أو توجه الناس على خلاف مراد رب الناس سبحانه وتعالى. بلغ ما أنزل إليك من ربك، هذا هو الواجب.
القصد من ذلك هنا؛ هذا العابد البعيد عن الناس المعتزل الذي أكثر من العبادة والذي أصبح يستعظم الذنوب والمعاصي، وهذا لا باس به ولا بد منه وهذه علامة خير، ولكن المشكله أنه مع استعظام الذنوب ضيق باب التوبة، فلما ضيق باب التوبة هنا افتى بهذه البتية وقال على الله سبحانه وتعالى بغير علم، وهذا الرجل جاء تائباً. يعني فرق كبير، وهذا الفارق بين الرجل الحكيم المربي الموجه المدرك كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79] أي علماء حكماء حلماء. الشخص الحكيم الحليم العالم يعرف كيف يوجه الناس، يعرف متى يعظم من شأن الذنب في قلب العاصي، ويعرف متى يعظم من شأن التوبة في قلب العاصي. فالشخص الذي يكون مسرفاً على نفسه بالذنوب والمعاصي هذا لابد أن يبين له خطر الذنب ويذكر بجهنم وعقوبة الله سبحانه وتعالى، ولا يتم الحديث معه عن الرحمة لأنه مسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي ولا يفكر بالتوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى.
أما الشخص الآخر الذي يريد أن يتوب هو قاصد التوبة، فهذا لا يقال له بأن هذا الذنب عظيم ولا يمكن أن تتوب، لا توبة لك! كيف تغلق الباب الذي فتح الله سبحانه وتعالى؟ يقول الله: ﴿رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، هل هذا الذنب يدخل في شيء أو لا يدخل بها؟ قطعاً يدخل بها. إذاً كيف أغلقت هذا الباب؟ هذا هو الفارق بين العالم الحكيم البصير والعابد الجاهل. ويروى في الحديث: فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. وذكر ابن المنذر في كتابه الأوسط بأن رجلاً أتى ابن عباس ويصلي وعنده طلابه أصحابه؛ مجاهد بن جبر وعبيدة بن عمير وعطاء وسعيد بن جبير، فقال: فيكم فقيه؟ فقالوا: سل. فقال: رجل يخرج منه المني؟ فقالوا له: الذي يكون منه الولد؟ فقال: نعم، ماذا عليه؟ فقالوا: عليه الغسل. فانطلق الرجل وهو يئول، فخفف ابن عباس من صلاته ثم قال: عليّ بالرجل أهلكتم الرجل! فجيء به فقال: أيخرج دفقاً؟ قال: لا. قال: بلذة؟ قال: لا. قال: اذهب فما عليك إلا الوضوء. ثم التفت إليه فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». والحديث به ضعف ورواه الترمذي كذلك، لكن القصد من ذلك أن العالم الكامل العالم البصير هذا هو الذي يستفتح، هذا هو الذي يصلح للتوجيه، أما أن يسأل شخص مثل هذا العابد فهذا العابد وضع نفسه في مقام ليس مقامه، ولذلك قال مثل هذه الكلمات العظيمات في الدين وأفتى بغير علم وكانت نتيجة هذه الفتوى أنه قتل وأضر نفسه.
هنا النبي صلى الله عليه وسلم يبين هذه المعاني للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم: إياكم أن تظنوا بأن العابد يحيي هو عابد، لا يحق له أن يفتي. إياكم أن يظن الشخص بأنه إذا كان مجاهداً يحق له أن يفتي، لا يحق له أن يفتي، أنت مجاهد، أنت عابد، لست بمفتٍ، لست بعالم، لست بطالب علم. وكذلك يبين هنا للناس عليه الصلاة والسلام من هو العالم، انظروا كيف العالم هنا لما رأى بأن هذا رجل صادق ويريد التوبة مباشرة فتح له المجال، لأن هذا الإنسان الآن الشيطان يدخل عليه من باب الذنوب والمعاصي ويذكر بذنوبه الكثيرة وكيف أنه قتل مئة نفس من ضمنهم رجل كان يعبد الله سبحانه وتعالى؛ هل يعقل أن تكون لك توبة وأنت وقعت بهذا الذنب العظيم وليس مرة ولا مرتين إنما مئة مره، فهل ممكن تتوب؟ فهنا الشيطان يكون ضغطه كبيراً على هذا الإنسان. فالعالم لما رأى صدق توجه هذا الإنسان وعرفه بأنه ثقيل على نفسه، هنا وجه وبين له المشكلة الموجودة عنده وهي مشكلة البيئة، مشكلة الصحبه السيئة، وطلب منه بعد ما فتح له المجال، وطلب منه أن ينتقل من هذه الأرض إلى أرض يعبد الله سبحانه وتعالى فيها مع أناس.
قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ومن يحول بينه وبين التوبة؟ هنا من يحول استفهام إنكاري تعجبي. طبيعي جداً أنه له توبة، كيف لا تكون له توبة؟ هذا يقاوم الشعور النفسي الضاغط عند هذا الرجل الذي وقع بهذه الذنوب والمعاصي، ثم بعد ذلك هذا العالم وجه ونقل إلى البيئة.
والآن نأتي بالوقفة الثالثة، وهي أن البيئة ضرورة ومهمة جداً في الحفاظ على دين الإنسان. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي». ويقول: «المؤمن مرآة المؤمن». ويقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». لماذا هذه التوجيهات؟ لأن الإنسان يتأثر، لأن الإنسان يتأثر، والإنسان كائن متأثر متغير. فلما يجلس الإنسان مع أشخاص يتكلمون عن أمر من أمور الدنيا، بعد فترة من الزمان لابد أن يتاثر.
لذلك الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يصطبر مع عباد الله سبحانه وتعالى الصالحين: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مَّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].
فانتبه أن تلتفت العين، وأن تمد العين، ويكون مع مد العين انحراف القلب، وانتبه أن تجلس مع هؤلاء. أحط نفسك بالصالحين، أحط نفسك مع أهل الخير والصلاح إن أردت أن تثبت. لماذا؟ لأنك كائن ضعيف، وكائن تفتر، وكائن ما تستطيع أن تقاوم الضغوطات كثيراً. وإذا توهم الإنسان بأنه قادر على أن يقاوم الضغوطات كثيراً، فهنا يغرر بدينه، ويتعجب بعد مدة من الزمان إن كانت فيه بقية إيمان كيف أنه تغير وانه ضعف إيمانه، وسبب ذلك هو الخلطة، سبب ذلك هو أنه صاحب هؤلاء.
لذلك الشخص لابد أن يصحب أهل الخير والصلاح، وأن يبقى مع في هذه الدائرة في هذه البيئة، وهذا من المثبتات العظيمة، هذا من المثبتات العظيمة، فوجود البيئة مهم. وبعض الناس يسأل، يقول: نصحت بعض الناس وتأثروا، ربما يبكون، لكن بعد فترة وجيزة يتغيرون؟ أمر طبيعي جداً؛ لأنك أنت الآن نصحت وتأثر، ويأتي غيرك ويوجههم إلى الشر، أو يتحدث معهم عن الشر، وكذلك يتأثرون. طبيعي، هذا هو الإنسان، الإنسان كائن متأثر.
إذاً ما الحل؟ الحل أن تدخله في بيئة صالحة، تدخله في هذه الدوامة التي تحرك، حتى لو ما تحرك. سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى: الرجل يصلي لما يرى إخوانه يصلون، هل هذا من الرياء؟ قال: لا، تلك بركة المسلم على المسلم. رجل جالس وقام أخوه وصلى، فتأثر فقام فصلى، هذا رياء؟ لا، ليس رياء، لماذا؟ هذه بركة المسلم على المسلم، هذا هو التأثير، هذا هو النشاط.
النفس ليست دائماً نشطة، النفس ليست دائماً نشطة، النفس تضعف، لكن لما ترى هذا هكذا يعني يحمل نفسه على الطاعة، ويطلب العلم، ويدعو إلى الله، حتى لو ضعفت سويقويك هذا عمل، وستشعر بالمنافسة وأنك تريد أن تشارك. فهكذا هو الإنسان، هذا هو الإنسان كائن ضعيف، ليس كائناً قويّاً، والنفس تأثر، والعزم يجمع ويحل بسرعة.
العزم يجمع ويحل بسرعة، فيكون عزمك الآن قوي، ياتيك شخص يكلمك بعض الكلمات ويبعدك، ويذكرك بالدنيا، يفول من عزمك، ويفتت هذا العزم، ويحل هذا العزم. فتحتاج حتى تعيد عزمك إلى مجاهدة أخرى، تجلس مع شخص آخر صالح وصاحب همة والى آخره، يجتمع عندك العزم فتقوم وتفعل. هذا هو الإنسان، لذلك من المهم جداً وجود البيئة.
والشخص لا يجب الداعية إذا تأثر الناس بدعوته، ثم بعد ذلك توقفوا بسبب عدم وجود البيئة. الإنسان ابن بيئته، والبيئة سطوتها كبيرة على الإنسان، والبيئة تذيب الإنسان ثم تعيد تشكيله من جديد، البيئة تذيب الإنسان ثم تعيد تشكيله من جديد. هذا الإنسان نفسه الذي ضعفت إيمانه، وضعفت خلطته للصالحين، بعد فترة تجد البيئة تخترقه، وتجد تصوراتها تتغير، لماذا؟ البيئة البيئة لها حكمها.
لذلك حرص الإسلام حرصاً كبيراً أن يصنع المجتمع المسلم، وأن يسيطر على هذا المجتمع، وأن تكون سيطرته فقط الإسلام، فيملك الإسلام فقط أدوات التأثير ولا يسمح لغيره بأن يؤثر معه، هذا لا وجود له في الدين. لذلك واقع المدينة صنعه النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام هو حاكم هذا الواقع. فالإعلام للمسلمين، التربية والتعليم للمسلمين، القانون عند الخلاف والنسام للمسلمين، والخطاب الذي يبلغ فقط الخطاب الإسلامي، لا وجود الجاهلية، لا وجود الخطاب الآخر. لماذا؟ حتى تحمى هذه البيئة، حتى يحمى هذا المجتمع، حتى ما يخترق هذا المجتمع، فالاسلام حرص حرصاً كبيراً على هذا الشيء.
ما نستطيع أن نفعل هذا؟ لابد أن نصنع بيئة، نجتمع خمسة ستة عشرة، ويكون بين اجتماعات، واليوم الحمد لله في وسائل التواصل يعني لم يعد لشخص عذر، فوسائل التواصل وصلت إلى جميع الأماكن. نعم، البيئة الإلكترونية لا شك أن أثرها أضعف من البيئة الحقيقية أو الواقعية، ولكن لها أثر، لها أثر، فهذه البيئات معينة بإذن الله على الثبات، معينة بإذن الله على الثبات. وهذه الوقفة حقيقه تحتاج إلى يعني تعليق أطول من هذا بكثير، لكن هذا فقط من باب يعني تقريب هذه الحقائق التي يغفل عنها كثير من الدعاة ويظنون بأنهم إذا دعوا خلاص الناس ستتاثر، ثم بعد ذلك لن تنتكس. لا، ممكن تنتكس، ممكن هذا طبيعي جداً أصلاً، فياتونك ثم بعد ذلك أو يتاثرون ثم بعد ذلك يتغيرون.
أمر طبيعي، لذلك الداعية لابد يكون دائماً مرابط على ثغرة، ودائماً يعاهد الناس، ويتعاهد الناس، ويتعاهد إخوانه لأنهم قد يتغيرون، ويتعاهد إخوانه لأنهم قد يتغيرون ويتبدلون. ومرة كتبت كلمة بعنوان اعتراف، وذكرت كلمة بعنوان اعتراف، وفيها بيان بأن الكثير من الأشخاص سبب انتكاستهم من ضمن أسبابها هو أن إخوانهم لم يذكروهم بالله، والإنسان يحتاج إلى تذكير، والمؤمن أخو المؤمن، ومن لوازم الأخوة أنك تذكر بالله سبحانه وتعالى.
لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم؛ لأن الإنسان قد يضعف، ويصيبه ما يصيب الإنسان، لا نتعامل مع البشر، لا تتكي على إيمان أحد، الحي لا تؤمن عليه الفتنة مهما كان هذا الإنسان صاحب إيمان وعظيم ممكن يفتن، ممكن يضعف فتصيب الفتنة، يحتاج إلى من يعينه، يحتاج إلى من أشد من عزره. الإمام الشافعي لما مرض ودخل عليه يونس قال: لا تغفل عني إني مكروب، لا تغفل عني إني مكروب، يعني أحتاج أنك تتعاهدني، مكروب يعني ضعيف الآن، ففتحتاج إلى مواعظ، تحتاج إلى تذكير، تحتاج إلى تصبير وتثبيت، هذا هو الإنسان، هذا هو الإنسان، أما غير هذا ليس إنسان.
ولا بد نتعامل مع الإنسان كما خلقه الله سبحانه وتعالى. ولما شرب قدامة بن مظعون الخمر متأولاً آية المائدة، فجلده عمر الحد رضي الله عنه وأرضاه، فحزن حتى وصل به الحال إلى أنه كاد يقنط من رحمة الله، فأرسل إليه عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يقول له: والله ما أدري أي ذنبيك أعظم، استحلالك المسكر أم قنوطك من رحمة الله؟ فلق ابن تيمية قال: الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يجرئ الناس على معصية الله، هذا هذا هو الفقيه، هذا هو الفقيه. فيحتاج هذا الشخص إلى إعانة.
انظر لما جلده، انتقل إلى جانب آخر، فعمر أرسل له رسالة بليغة حتى تعتدل الكفة عنده، وقال له: إن هذا الذنب قد يكون أعظم من نفس شربك الخمر واستحلالك له. انتبه. وكذلك لما بلغه بأن رجلا تنصر أو ضعف إيمانه وانتقل إلى بلاد الروم، فارسل له رسالة حامة وعلق بعد ذلك، ثم ثم فتح له باب التوبة، فتح له باب التوبة، وطلب من أصحابه بأن يدعوا الله بأن يقبل بقلبه، وذكر له مقدمة صوت غافل، فتأثر رجل وجاء إلى عمر بن الخطاب تائب نادم على ما وقع منه.
فقسم ذلك أن الإنسان يحتاج إلى من يعين، إلى من يذكره. الوقفة الرابعة والأخيرة، حتى ما أطيل عليكم، هنا قول الحسن: قال ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت، أو لما أتاه الموت، نأى بصدره به، أي من شدة صدق هذا الإنسان أنه وجه صدره وهو يموت إلى أرض الخير والصلاح، إشارة وعلامة على أنه صادق في توبته، وأنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. هذا الصدق هو الذي يبلغ بالإنسان، هذا الصدق هو الذي يبلغ بالإنسان، هذا صادق، هذا صادق، هذه إخواني هي الحسبة الحقيقية، ليست حسبة البشر. هنا الملائكة قالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، وإن كان هذا الإنسان صادق في توبته هذا صدق محسوب عند الله سبحانه وتعالى.
فهذا الإنسان من شدة صدقه نأى بصدره، نأى لا يستطيع أكثر من هذا، هذه الحركة الوحيدة التي يستطيع عليها في هذه اللحظة، وعمل هذه الحركة ولم يستسلم الموت من غير هذه الحركة التي يستطيع أن يفعلها، هذه هي التي تبلغ بالإنسان. الصدق، الصدق مع الله سبحانه وتعالى هو الذي يبلغ بالإنسان بكل شيء، بكل شيء. شخص يذنب، إذا أصدق بتوبتك تفعل كذا، أصدق بالتوبة ابتعد عن هذا الشيء، وتعرف بأن هذا لا يجوز، خلاص ابتعد عنه، وابتعد عن كل ما يؤدي إليه، هذا هو الصدق.
طيب، وقعت بعد ذلك، ما عليك شيء، بما أنك صدقت تتوب مرة أخرى. لكن شخص يتوب توبة توبة، يعني توبة هكذا مجرد كلام، من غير أن يكون الكلام مصادف لشيء بالقلب، يعني القلب ما حزن، القلب ما ندم، القلب ما صدق، هذه ليست توبة، هذه ليست توبة. إنما التوبة أن الشخص لا يريد، ويعزم ويبتعد عن هذه الوسائل التي تفضي إلى وقوعه، ثم بعد ذلك يقع ثم يتوب مرة أخرى مثل توبته الأولى، هذا الإنسان هو الذي تقبل منه التوبة.
أما الإنسان الذي تكون توبته مجرد كلام، أو الذي اعتاد الذنب والعياذ بالله، ثم خلاص يقول لك يعني نفعل كذا وكذا، من غير لا يندم، خلاص اعتاد، هذه ليست توبة، هذه ليست توبة. القصد من ذلك أن هذا الإنسان هنا صدق إلى آخر لحظة، ويمشي ويمشي هذه الخطوات محسوبة عند الله سبحانه وتعالى. ثم لما أتاه الموت نأى بصدره، هذا الذي يستطيعه ولا يستطيع الأكثر من هذا، والله ينظر إلى قلبه، فتقبل الله سبحانه وتعالى منه هذه التوبة، وتاب الله سبحانه وتعالى عليه.
وظهر هنا سعة رحمة الله سبحانه وتعالى، وظهر هنا بيان حديث: «أن رحمتي غلبت»، وفي رواية: «سبقت غضبي»، فسبقت الرحمة الغضب. هذا الإنسان يجتمع فيه أمران: الأول التوبة والصدق بها، والثاني أنه لم يعمل خيراً قط، قتل مائة نفس. من الذي غلب؟ غلبته التوبة، غلب الصدق، وهذه هي الرحمة، هذه هي رحمة.
فالقصد من ذلك أن الإنسان يصدق مع الله سبحانه وتعالى في كل لحظاته، ويثبت الله سبحانه وتعالى. المحبة والتعظيم والصدق ثقيل جداً في الميزان، الصدق ثقيل جداً في الميزان، وإن كان عمل الإنسان قليل، وإن كان عمل الإنسان قليل فالصدق يبلغ بالإنسان.
وتعرفون قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه مع الرجل الذي صلى، لما أطال معاذ وصلى بهم سورة البقرة انفتل وصلى صلاة خفيفة، فبلغ معاذ أنه فعل هذا الشيء فقال: إنه منافق. فذهب الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن أصحابنا واضح، وأن معاذ يصلي معك ثم ياتينا ويصلي بسورة البقرة، واني انفتلت، وأن معاذ قال عني كذا وكذا. ثم قال: سيعلم معاذ إذا التقى الجمعان من المنافق. انظروا إلى الكلمة العظيمة.
ثم لما جاءت المعركة قتل هذا الرجل فحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر عليه الصلاة والسلام إلى ما أقبل وقال: هذا منافق؟ هل هذا منافق؟ هذا لا يفعل أهل النفاق، هذا هو الصدق، هذا هو الصدق.
ولما جاء رجل كذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قسم له عليه الصلاة والسلام من الغنائم، فغضب الرجل وأخذ الغنيمة وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: قسمت لك. فقال: ما على هذا اتبعتك، لكني اتبعتك على سهم أرمى به ها هنا، وأشار إلى حلقه فأموت فأدخل الجنة. فقال: إن تصدق الله يصدقك.
فلما جاءت المعركة أصيب في المكان الذي أشار إليه، فحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: أهو هو؟ قالوا: هو. أهو هو؟ قالوا: هو. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم خرج مجاهداً في سبيلك أنا شهيد على ذلك، اللهم إنه قد خرج مهاجراً إلى نبيك مجاهد في سبيلك أنا شهيد على ذلك. وكما قال عليه الصلاة والسلام، وشهد له النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
فالقصد من ذلك أن الصدق يبلغ بالإنسان، الصدق هو الذي يبلغ بالإنسان، وبهذا بلغ من بلغ الدرجات العالية في الجنة، وتحصيل هذا القسم من الناس الحظ الكبير من رحمة الله سبحانه وتعالى. إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذا الحديث العظيم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري