دخولتسجيل الدخول

العيش مع السنة النبوية 02 | "أنَّ رَجُلًا زارَ أخًا له في قَريةٍ."

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نكمل هذه المجالس المتعلقة بالتعليق على بعض القصص والأحاديث التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصها على أصحابه الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم. ومعنا اليوم قصة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وحادثة وقعت في زمان مضى، ولم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الزمان الذي وقعت فيه هذه الحادثة.

وفي هذه الحادثة بيان لمعنى عظيم جداً وجليل يغفل الناس عنه كثيراً؛ ما عظم الأجر في هذا العمل! هذا عمل يسير، ولكنه عظيم جداً عند الله سبحانه وتعالى، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، يحكي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال: «أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكاً. فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. فقال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه».

هنا النبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن رجل انتقل من مكانه، من قريته إلى قرية أخرى، وهو في طريقه إلى تلك القرية الثانية، اتاه ملك بصورة رجل. فأرصد الله على مدرجته؛ أي أقعد الله سبحانه وتعالى هذا الملك يرقب هذا الإنسان في الطريق، حتى إذا أتى هذا الإنسان على الطريق الذي فيه هذا الملك، قال له الملك وبصورة رجل: أين تريد؟ فقال: أريد أخاً لي في هذه القرية. هنا: أريد أخاً لا أخوة النسب، لا أخوة العمل والتجارة، لا أخوة الوطن، إنما أخوة ماذا؟ أخوة الدين! وهذه الأخوة الوحيدة الباقية.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فقط هؤلاء هم الذين أخوتهم ستبقى وينتفع الإنسان بها في الدنيا، وكذلك ينتفع الإنسان بها في الآخرة.

فقال هذا الملك لهذا الرجل: هل لك عليه من نعمة تربها؟ هل هناك مصلحة دنيوية؟ هل تريد أن تصلح له شيئاً من متاع الدنيا؟ هل له فضل عليك تريد أن ترد له؟ هل هناك شيء دنيوي، مصلحة دنيوية؟ زارك في كذا تزوره في كذا، كما يفعل كثير من الناس؛ إنما لما يزور، يزور أخاً في الله، يزور لأنه زاره. طيب لو ما زارك ماذا ستفعل؟ لو كان في يوم عرْسك لم يأتِك، هل ستزوره في يوم عرْسه أو لا؟ تتعامل معه كما يتعامل معك؛ اتاك تاتيه، ما ياتيك ما تاتيه، قد يكون هو معذوراً وانت لست معذوراً.

إذاً، هنا الحب ليس في الله، إنما الحب من أجل مصلحة دنيوية، وفارق كبير جداً بين الحب في الله وبين الحب في مصلحة دنيوية. القصد من ذلك أن هذا الإنسان ليست له أي مصلحة دنيوية في زيارة هذا الشخص أبداً، إنما فقط زار هذا الإنسان لأنه أحبه في الله. قال: لا، غير أني أحببته في الله.

أحببته في الله؛ يعني ايش أحببته في الله؟ يعني أحببت هذا الإنسان لأنه يحب الله، وأنا أحب الله، أنا أحب الله وهذا الإنسان يحب الله، إذاً هذا الإنسان أحب إلي من أهلي وأقاربي وأصهاري إذا لم يكونوا بهذه المرتبه وهذه المنزلة. جاء الاسلام في تقرير هذا المعنى العظيم في نفوس الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين المهاجرين والانصار ويتوارثون دون الاقارب، حتى نسخ بعد ذلك هذا الحكم.

لكن في بداية صناعة الدولة المسلمة، بداية نشوء الدولة الإسلامية في المدينة النبوية، كان الأنصاري، كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين المهاجرين والأنصار، حتى بلغت الأخوة الإيمانية إلى شأن عجيب ورفيع جداً، حتى إن سعد بن ربيع لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف نزل له عن شطر ماله.

طيب، هذا من، هذا من أنصار وهذا من مهاجرين، هذا من قحطان وهذا من عدنان، والولاء في ذلك العصر كان قوي جداً، الولاء النسبي أقوى بكثير من الولاء اليوم. ومع ذلك هذا كله لم يؤثر لسعد بن ربيع؛ هذه الأخوة هي التي تبلغ بالإنسان، لا يمكن لشخص يحب آخر في الله محبة صافية إلا إذا كان ولاؤه خالصاً للإسلام، غير ذلك لابد أن يكون مع هذا الولاء شيء من المحبة الدنيوية أو شيء من المحبة النسبية إلى آخره. لكن ولاؤه يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى.

هنا لما يتمحض الشخص ولاءً على الإيمان فقط، هو عبد الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]. الحب في الله ثمرة لحب الله سبحانه وتعالى.

ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. إذا وصلت إلى هذه المرتبة أن يكون الله ورسوله عليه الصلاة والسلام أحب إليك من كل أحد -حقيقة لا ادعاء- هنا الآن تستطيع أن تحب في الله، قبل ذلك لا تستطيع.

لذلك لما عظم الله سبحانه وتعالى من شأن الحب في الله، لأن هذا فرع وثمرة عن حب الله سبحانه وتعالى، وعظم النبي صلى الله عليه وسلم من شأن هذه العبادة تعظيماً عجيباً، حتى إن الشخص يتعجب لما يقرأ من الحديث: «وجبت محبتي». محبة من الله سبحانه وتعالى! محبة الله كيف ينالها الإنسان؟ يعني كيف شخص يصل إلى درجة أن الله سبحانه وتعالى يحبه؟ كم يحتاج من البذل؟ كم يحتاج من التضحية؟ كم يحتاج من العطاء حتى يصل إلى أن الله سبحانه وتعالى يحبه؟

جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة مرفوعاً وفيه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببتُه»؛ يعني العبد يعمل الفرائض ثم بعد ذلك يتقرب ويتقرب ويتقرب بالنوافل حتى يصل إلى محبة الله سبحانه وتعالى، إذاً يحتاج إلى بذل حقيقي.

بينما أما في هذا الحديث: «وجبت محبتي»؛ أي استحق هذا القسم من الناس محبتي. من هم يا ربي؟ قال: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتواصلين فيَّ، والمتباذلين فيَّ».

وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الملك لما سأل هذا الرجل: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. يعني الله سبحانه وتعالى يبعث هذا الملك وياتي هذا الإنسان، ويشكر الله له هذه الخطوات، وهذا الإنسان ما يخطر في باله أبداً بأنه ينال هذه العطية الكبيرة. الله سبحانه وتعالى يبشر هذا الإنسان بأنه يحبه!

طيب، لماذا هذا كله؟ لأنه فقط خرج وزار أخاً له في الله، لكن كان في زيارته يريد ما عند الله؛ هو لم يزره إلا بعد ما عمر الإيمان قلبه، إلا بعد ما امتلا قلبه من حب الله سبحانه وتعالى، فهو زاره فقط لله، لم يكن يريد أي شيء دنيوي، كما يكون مسعى الناس عادة: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4]. مسعى الناس بالععادة من أجل مصالح الدنيا أياً كان نوع هذه المصلحة، لكن هذا الإنسان مختلف عن بقية البشر، هذا الإنسان يفكر بطريقة مختلفة، هذا الإنسان يحب هذا الإنسان فقط لأنه يحب الله، فهو يحب الله وهذا يحب الله، إذاً يحبه.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم -هذا والله من الأحاديث العظيمة جداً والعجيبة- إن الله سبحانه وتعالى أو النبي صلى الله عليه وسلم يبين بأن هذا الفضل مع سهولة العمل، سهولة العمل! يدخل مع الأعمال الأخرى الصعبة والشاقة: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». ذكر أعمال شاقة صعبة تحتاج إلى مجاهدة كبيرة، من ضمن هؤلاء السبعة: «رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه».

طيب لماذا؟ لأن هذا وهذا، أي هذا الإنسان وهذا الإنسان، لم يجمعهم إلا حب الله سبحانه وتعالى، ما جمعهم نسب ولا جمعهم وطن ولا جمعهم أي شيء آخر.

لذلك إذا أراد شخص أن يصيب مثل هذه الفضائل العظيمة وأن يحصل محبة الله سبحانه وتعالى، لابد أن يخلص إيمانه، ولابد أن ينقي كل ما تعلقت نفسه به من رواسب، ولابد أن يمنع قلبه من أن يدخل إليه ما يؤثر على ولاءه لله سبحانه وتعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولدينه العظيم. أنا فلان ابن فلان، ابن الإسلام هكذا؛ أبي الإسلام لا أبالي سواه، فيكون ولاءً خالصاً لله. هنا يستطيع أن يحب في الله، قبل ذلك الأمر يكون فيه صعوبة، وهذا نراه للأسف.

القصد من ذلك -لا اريد الآن أدخل بهذه التفاصيل- أن الإنسان إذا أراد أن يحصل هذه المرتبة العالية لابد أن يحب في الله. طيب، هل كل شخص يقول: "أنا أحبك في الله" هو أحب في الله؟ لا!

لماذا؟ لأن ضابط الحب في الله كما يقول يحيى بن معاذ: إنه لا يزيد في البر ولا ينقص في الجفاء. يعني ايش؟ يعني هذا الإنسان قصر معك في أشياء، لكن هو يحب الله ويعظمه، وأنت تعلم بأن هذا الإنسان يحب الله، وهو قصر معك، طيب الآن تحبه وما تحبه؟ هل لما قصر معك تغيرت المحبة أو لا؟ إلى الآن المحبة باقية لأن هذه ما زالت محبة عظيمة لله سبحانه وتعالى.

هنا يظهر الحب في الله. فالحب في الله كما قال يحيى بن معاذ: لا يزيده في البر أي بالصلة والتواصل إلى آخره، ولا ينقص في الجفاء. شخص انشغل ولم يتواصل، ما ينقص! لماذا؟ لأن المحبة ليست محبة دنيوية، المحبة خالصة لله، هو تواصل معي أو ما تواصل معي، ما دام هو محباً لله سبحانه وتعالى ومستمراً في نصرة الدين ومحبته، هنا طبيعي بأنه يحبه.

كان يقول الإمام احمد رحمه الله تعالى: كم من رجل لا نراه في العام إلا مرة أو مرتين نحن أوثق بمودته ممن نراه كل يوم. إذاً، تحصيل هذا الفضل العظيم لا يكون إلا بعد ما يصدق العبد مع الله سبحانه وتعالى ويمتلي قلبه من محبة الله سبحانه وتعالى.

وجاءت النصوص الكثيرة جداً في فضل الحب في الله والبغض في الله، حتى إن أم الدرداء رضي الله عنها وعن زوجها لما سئلت عن أفضل الأعمال التي تعدها قالت: الحب في الله. قالت: الحب في الله. فهذا العمل يعده الإنسان... لذلك شخص ينبغي أن يستكثر، هذا الحديث يفيد أن الإنسان يستكثر من زيارة إخوانه في الله.

وههل يحصل هذا الإنسان الأجر حتى لو ما استحضره؟ إذا كانت النية خالصة نعم يحصل بإذن الله الأجر، لكن استشعاره يزيد الأجر. هذا الإنسان خرج وما كان مستحضراً لأن فضل الزيارة بالله أو في الله تكون بهذه الطريقة، سيرسل الله له ملك، لكن هو خرج خالصاً، خالص نيته لا يريد شيئاً إلا أن يزور أخاً في الله وأن يرضي الله سبحانه وتعالى عنه. الشخص الذي يستشعر طبيعي أن يكون أجره أعظم، الاستشعار يعظم الأجر ولا شك.

القصد أن الإنسان هنا يستشعر مثل هذه الأعمال العظيمة، ويتفكر في حاله مع إخوانه: كم شخص قصر في التواصل معه؟ كم شخص من زمان لم يتصل عليه؟ تفكر، وكل فترة -يعني اجعل من ضمن أعمالك ولا تتساهل بهذا العمل، لا تظن هذا العمل سهلاً، هذا عظيم جداً عظيم جداً- اجعل من ضمن أعمالك الأسبوعية الشهرية هكذا التواصل الزيارة، إذا لم تستطع على الأقل في المواسم، الأعياد، وكذلك في وقت الفرح وقت الترح، هذا لا تتركه.

فهنا الشخص الذي يتواصل مع إخوانه ويتصل عليه فقط يقول: أنا ليس عندي أي شيء، فقط لأني حاولت أن أطمئن عليك وأسلم عليك، وكيف حالك وأحوالك؟ فقط، ليس عندي أي شيء آخر. هذا نادر في هذا الزمان، هذا كان موجوداً في الزمان الماضي، لكن في زماننا هذا أصبح أمراً قليل جداً.

ولعظم ذلك والغفلة عن هذه الحادثة العظيمة مع كثرتها ووفرتها، فتتصل عليه وتسلم عليه وتطمن على حاله، فهذا التعاهد وهذه الزيارة وهذا التواصل في الله شأن عند الله سبحانه وتعالى عظيم عظيم جداً.

إذاً، هذا ما يتعلق بهذا الحديث العظيم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.