دخولتسجيل الدخول

العيش مع السنة النبوية 03 | قصة الأقرع والأبرص والأعمى

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي خطاكم.

هذه المجالس التي فيها ذكر للقصص التي قصها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، ومعنا اليوم قصة من هذه القصص، وهي قصة الأعمى والأقرع والأبرص.

وقبل أن نبدأ بقص هذه القصة؛ لابد أن نتذكر ونستحضر دائماً هذا الفضل العظيم في العيش مع أحاديثه عليه الصلاة والسلام، فحضور مثل هذه المجالس والاستمرار عليها نعمة كبيرة وعظيمة، وتسلب من الإنسان أو تضعف إذا ما استحضّر الإنسان هذه النعمة وشكر الله سبحانه وتعالى عليها، والإنسان كثيراً ما ينسى.

لذلك مثل هذه المعاني من المهم أن نذكر أنفسنا بها كثيراً، لأن هذه عطايا وهذه كرامات، وسماع حديث النبي صلى الله عليه وسلم والعيش معه عليه الصلاة والسلام من خلال سيرته وسنته، وقبل ذلك العيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى، هذه كلها عطايا وكرامات تستمر مع الإنسان لما يصدق مع الله سبحانه وتعالى ويستشعر مثل هذه المنن الكبيرة، وتسلب منه إذا غاب عنه هذا الشيء، فإذا اعتاد وألف مثل هذه المجالس تسلب هذه النعم، ولا يحصل الشيء الكبير من الخير كما يحصل الشخص الذي يستحضر مثل هذه الفضائل العظيمة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياكم، وأن لا يجعل نظرنا إلا له سبحانه وتعالى فننظر إلى نظر الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الذي يثمر وهذا هو المعتبر والميزة والقيمة كلها في هذا.

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن حمدي زين وذمي شين، فقال: «ذلك الله».

هذه قصة الأعمى والأقرع والأبرص قصها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذه القصة رواها البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، فدعونا نسرد هذا الحديث ثم بعد ذلك نقف عدة وقفات مع هذه القصة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا» وفي رواية «أراد الله عز وجل أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس. قال: فمسحه فذهب عنه، فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإابل» أو قال: «البقر» شك الراوي، ثم قال: شك الراوي في الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإابل، وقال الآخر: البقر، «فأعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك لك فيها. وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس. قال: فمسحه فذهب، وأعطي شعراً حسناً. قال: فأي المال يحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها. وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس. قال: فمسحه فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال يحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطاه شاه والداً، فنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم.

ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسالك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلغ عليه في سفري؟ فقال له: إن الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت هذا كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثلما قال لهذا، فرد عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسالك بالذي رد عليك بصرك شاه أتبلغ بها في سفري؟ فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك».

هذا الحديث قصة النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومثل هذه القصص كانت تقع في بني إسرائيل، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديث بها، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل فإنها كانت فيه الأعاجيب» وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».

وهنا الذي يحدث النبي صلى الله عليه وسلم فبني إسرائيل كانت بهم الأعاجيب وكانت تقع لهم أمثال هذه القصص، وفي هذا بيان وإبراز لمعاني كثيرة جداً، وهي أو من ضمنها معنى الاختبار والابتلاء والفتنة، فهذا المعنى أي الاختبار والابتلاء والفتنة لابد أن يصيب الإنسان شاء الإنسان أم أبى، فلا بد أن تصيبك فتنة، ولكن كيف سيكون حال الإنسان بعد هذه الفتنة؟

انظروا إلى هؤلاء الثلاثة الأعمى والأقرع والأبرص، هؤلاء الثلاثة كلهم طلبوا طلبات، وكل واحد من هؤلاء طلب طلباً موافقاً لهواه أو لحاجته بسبب الضغط الكبير الذي كان يقع عليه، فهذا الأبرص الناس تقذره، لماذا تقذره؟ بسبب هذا البرص. طيب، ما الذي تريده؟ اريد أن يذهب عني هذا البرص، يعني هذا الأبرص ما يفكر بالبصر ونعمة البصر، إنما يفكر فقط بالجلد، كيف أن يكون جلدي حسن؟ كيف يكون مظهري حسن؟ الأقرع ما يفكر بالجلد ولا يفكر بالبصر، إنما يفكر فقط بالشعر، وهكذا.

فكل واحد من هؤلاء يفكر بالنقص الموجود عنده، وأراد هؤلاء أن يحصلوا وأن يسدوا هذا النقص، فمن الله سبحانه وتعالى عليهم واختبرهم، وهذا الاختبار الآن اختبار الشكر، وقبل ذلك كان اختبار الصبر، لما تبتلى بسلب العينين، لما تبتلى بذهاب البصر، تبتلى بالبرص أو تبتلى بغيرها من البلايا، هنا اختبار للصبر، والآن اختبار للشكر، فهم قبل أن يبعث الله هذا الملك كانوا مختبرين، لكن بماذا؟ بالصبر.

وهذه حياة الإنسان كلها اختبار، لا توجد مرحلة لا توجد بها اختبارات، والإنسان مبتلى ومختبر، فأنت الآن في حالتك الآن في النقص الموجود اختبار، وبعد ما ياتيك تاتيك النعمة اختبار.

هنا اختبار الصبر: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».

وحياتنا كلها بين السراء والضراء، فإما أن تعيش بنعمة فتشكر، أو بلاء فتصبر على هذه المصيبة، وبلاء السراء بالأصل أصعب من بلاء الضراء، وبلاء السراء بالأصل أصعب من بلاء الضراء، هذا بالأصل، وقد يكون بعض الناس بلاء الضراء أشد عليه، لكن من حيث الأصل بلاء السراء أصعب.

تقول لي: كيف مع أنه هو أسهل؟ نعم هو أسهل، لكنه أصعب لأن الناس تنسى ولأن النفس تطمع، هذه هي المشكلة النسيان والطمع، النسيان والطمع موجودة في بني آدم، فالإنسان يطمع لما يكون عنده مليون يريد مليونين، لما يكون عنده ثلاثة ملايين يريد أربعة، إذا ما كان عنده ما يفكر بهذه الطريقة، لكن لما ياتيه يفكر بهذه الطريقة، لماذا؟ لأن الإنسان تبدأ شهيته تفتح، تبدأ الشهية عنده تتوسع.

وهذا سبب سقوط الدول كما يذكر ابن خلدون، لماذا؟ تتسع عند الناس شهوات، فكلما أعطاهم الله مالاً زادت المصاريف، وزادت المصاريف على ماذا؟ مصاريف هل هي مصاريف مستحقة؟ لا، هي مصاريف لشهوة النفس، فيحتاج الإنسان الأكثر والأكثر، ويتعلق الإنسان بالدنيا، لذلك يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان، يكبر مع الإنسان طول الأمل ويكبر معه محبة الدنيا، فيتشبث بها مع المفترض أن يتخفف، لا، هو ما يتخفف ويزداد.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً». طيب، وادي من مال هذا متى سينتهي؟ لن ينتهي، ستصرف أنت وأبنائك وأحفادك، لكن مع ذلك يريد وادي ثاني، مع ذلك يريد ثالث ورابع، إلى متى؟ إلى ما لا نهاية، هذا هو الإنسان، هذه فتنة السراء هي صعبة ليست سهلة.

هذه المشكلة الأولى مشكلة نسيان الشكر، والثانية الطمع الجشع يريد أكثر وأكثر وأكثر، وهكذا فينسى الإنسان ويعظم عنده الطمع، هذا من حيث الأصل فتنة السراء من حيث الأصل أصعب من فتنة الضراء، ويصدق ذلك قول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه قال: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.

ولما أتت الأموال وفتحت الدنيا على الصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم مرتين، مرة بعد خيبر والفتح هنا كان فتح جزئي، والمرة الثانية كانت بعد ولاية عمر وفتح فارس، بعدما انتصر المسلمون في القادسية وبعثت الأموال كثيرة إلى عمر الفاروق بكى رضي الله عنه وأرضاه وقال: والله ما عن رسوله وعن أبي بكر لخير في، وأخاف الناس تفرح، هو يخاف لأنه علم الآن بأن فتنة الدنيا قد أتت.

وكذلك يصدق هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لتصبن عليكم الدنيا صبا» لما خرج على أصحابه وهم يتذاكرون الفقر ويتخوفونه فقال: «والله لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هي».

انظروا هذه فتنة السراء، فتنة الدنيا صعبة وثقيلة، ليست مثل فتنة الضراء، الشخص لما يكون ما عنده قوت يومه وفقدت حاجته هذا بالأصل يعيش في سلامة، لكن لما يكون المال عنده كثير وزائد هنا عادة يفتن، نعم بعض الناس ما يفتنون، نعم المال الصالح للرجل الصالح، ولكن بعض الناس يفتن، إذاً فتنة السراء أعظم، والله يقول: ﴿وَنَبُلوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيرِ فِتنةً﴾ [الأنبياء: 35] فالناس يبتلون بالخير وبالشر، هذه فتنة وهذه فتنة.

وذكر الله نبيين كريمين وعادة ما يذكر هذان النبيان في سياق واحد، نبي الله سليمان ونبي الله أيوب في سورة ص وفي سورة الأنبياء، لماذا؟ ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30، 44] هذا نبي ابتلي بالشكر فشكر، وهذا النبي ابتلي بالصبر فصبر، والله أثنى عليهما بنفس الثناء، نعم العبد غني شاكر، نعم العبد مبتلى صابر.

القصد من ذلك أن هذا من حيث الأصل، لكن قد يكون بعض الناس بلاء الضراء أشد عليهم من السراء، لذلك كان يقول أويس بن سعد بن عبادة الصحابي الجليل رضي الله عنه وعن أبيه، كان يقول: اللهم إنك تعلم بأنه لا يصلحني الفقر، إنما يصلحني الغناء، ولا يستقيم معي الفقر، لأنه سيد ابن سيد ابن سيد ابن سيد، والسيد ما يصلحه أو يصعب عليه الفقر، لماذا؟ لأن الناس تقصده، فهنا الآن لما تقصد الناس هو يريد أن يعطيهم يريد أن ينفق عليهم، فاذا ما كان يملك هنا ممكن يكون البلاء عليه صعب وثقيل وشاق.

وقد تصيب الشخص الفتنة، فبعض الناس وجاء يروى في كذلك في الأثر بأن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لكفر، أو كما جاء في الأثر، فالقصد من هذا أن التأصيل الأول هنا فتنة الضراء أسهل من فتنة السراء، أو فتنة السراء أصعب من فتنة الضراء، ولكن هذا من حيث الأصل، أما من حيث التنزيل على الناس فبعض الناس تكون فتنة الضراء عليه أصعب، وبعض الناس تكون الفتنة السراء عليه أصعب.

إذاً الفتنة مكتوبة على بني آدم، الفتنة مكتوبة على بني آدم، والإنسان لما يفتن سينفعه عمله القديم، وسينفعه نفس تواضعه ونفس تعلقه بالله سبحانه وتعالى، التنظير له حد يا شباب ثم يقف التنظير ولا يكون إلا التطبيق، قبل أن يأتي التطبيق يكون تنظير، لكن لما تقع الفتنة ويقع البلاء، يرزق هذا الشخص بمال كثير وفير، أو هذا الإنسان يبتلى بشيء من الأمراض، يبتلى بشيء من البلايا، هنا ينقطع التنظير، خلاص لم يعد التنظير الآن موجوداً، الآن التطبيق، هذا التطبيق، تطبيق ماذا سيصنع في الإنسان؟ كيف ستتعامل مع هذا البلاء؟ هنا يأتي الاختبار.

هذا هو الاختبار، ففرق كبير جداً بين التنظير وبين التطبيق، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.

قبل يومين كنت في لقاء مع أحد المشايخ أو مجموعة من المشايخ، فكان أحدهم يقص قصة اللي هي أحد المشايخ الكبار في السن من الجيل الماضي، أربعة كانوا صالحين، ثلاثة منهم ثبتوا، ويقول والعجيب أن الرابع انحرف بل ترك الدين نسأل الله السلامة والعافية بعد الستين من عمره، يعني شخص كان داعية وكان طالب علم، فكان شيخ من ضمن المشايخ المؤثرين في ذلك الوقت، ثلاثة أمرهم ثبتوا حتى ماتوا -طبعاً كلهم ماتوا- هذا الرابع فتن بعد الستين.

كيف فتن؟ فتن بشيء ما يتصوره الإنسان، يعني يقول الإنسان هل ممكن أحد؟ نعم ممكن، بالتنظير تقول هذا الكلام، لكن في التطبيق ما تدري، فتنة كيف تصيب الإنسان، لذلك لا تشمت باحد، انتبه أن تشمت بأحد، إنما أسأل الله دائماً العفو والعافية، أسأل الله دائماً الثبات، ولا تنتقد ولا هكذا، لأن الله إذا ما حمل الإنسان ما يستطيع.

هذا الإنسان فتن وترك الدين والعياذ بالله بسبب أنه كانت عنده أرض قديمة، هذه الأرض بـ 100 ألف، فباعها، بعد ثلاثة أشهر أصبحت قيمة الأرض مليون، لأنها كانت في المرحلة هذه مرحلة الانتقال في العقار في البلد التي كان يعيش فيها، فباع هذه بـ 100 ألف، بعد ثلاثة أشهر وصل قيمة الأرض إلى مليون، هذه الطفره وهذه تكون خاصة، هذه هكذا الثثمينات إلى أخر، وفي بعض الأماكن يكون تحتها مثلاً نفت، يكون تحتها هكذا فتثمن بقيمه عالية جداً تكون أغلى من قيمة السوق، فهو باعها.

مئة ألف، باع ثلاثة أشهر أصبحت قيمتها مليون، ما تحمل المشهد هذا؛ كيف إذا بعتها مئة ألف ثم مليون، يعني تسعمئة ألف هذه ذهبت هباء منثوراً، لو أني انتظرت، لو أني كذا، فاختل عنده.

أصل القضاء والقدر الإيمان بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، فهو عَظُم عند هذا الأمر حتى أوصل هذا البلاء هذا الإنسان إلى إسقاط الإيمان، نسأل الله السلامة والعافية، ولا أدري يعني بماذا ختم له، نسأل الله أن يكون رجع يعني إلى الخير، لكن القصد من ذلك أن انظروا كيف أن أحياناً يأتي الإنسان بلاء أو فتنة أو اختبار، ما يدري كيف يكون.

لذلك شخص ما يتمنى، كان شخص آخر معنا أ كان كذلك من الدعاة وكان قد ابتلي بسجن، فكان يحدث عن المسجونين الذين رآه ممن كان يعني محب للدين ويعمل للإسلام إلى آخره، يقول كيف أنهم بعد السجن تغيروا، تغيروا طبعا هم أقسام؛ الناس تنقسم: قسم يثبت، وقسم والعياذ بالله يضعف، وقسم يترك، هي مراتب، هي مراتب.

فالاختبار هو الذي يكشف الإنسان، الاختبار هو الذي يكشف الإنسان، والإنسان ما يتمنى البلاء: لا تتمنوا لقاء العدو، أسأل الله العفو والعافية، ما يُعطى أحد الإيمان خيراً من العافية، فالإنسان يسأل الله سبحانه وتعالى دائماً العفو والعافية في الدين والدنيا.

ولكن إذا جاء الاختبار يستعين بالله سبحانه وتعالى في الثبات هو تحقيق أعلى المراتب فيه، وتحقيق أعلى المراتب فيه، لا تنسى هذا الكلام لما يقع عليك البلاء ولا بد أن يقع، وتكون بلاءات صغرى وبلاءات كبرى، بلاءات صغرى فتن صغرى هذه كل يوم تقع مع الإنسان وفتتن كبرى وفتن كبرى.

القصد من ذلك أن هذا المعنى الأول الذي يظهر من هذه القصة، وهذا المعنى تجذر في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وفهم الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى، لذلك لما تنظرون في سير الصحابة وتقرءونها وتعيشون مع تطبيق الصحابة الإسلام، تجدون بأن الصحابة كانوا يستشعرون معنى الفتنة ويعرفون بأن الله سبحانه وتعالى الآن يختبرهم، والآن الله يريد منهم أن يفعلوا كذا وكذا، لذلك كانوا يتعاملون مع الواقع كما هو، كما تعلموا الإسلام يعني هم تعاملوا مع الواقع من منظار ومن اعتقاد نفس الإسلام الحقيقي، وليس الإسلام النظري أو الإسلام الذي لا وجود له بالواقع كما يتعلم الكثير من الناس، إسلام لا وجود له بالواقع، إنما إسلام فقط هكذا تنظير، الإسلام ليس بهذه الطريقة.

الإسلام الله يقول عن موسى عليه السلام لما وقع عليهم البلاء: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾، هذه فتنة، أعرف من هذه فتنة، أعرف من هذه فتنة تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء، ما هو المخرج؟ أنت ولينا، اللهم ثبتنا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة.

إلى متى نتعامل بهذه الطريقة؟ حتى تموت، طيب ألا توجد مرحلة نقول إن خلاص الآن سلمت؟ أقول لك لا، ممكن الشخص يصل إلى درجة أنه يعان على الفتن إعانة قوية وظاهرة، كما جاء في حديث حُذيفة: تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً -أو قال عوداً عوداً- فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصبح الـ، حتى تنقسم القلوب إلى قلبين: قلب ما تضره فتنة.

نعم، هذا ممكن يكون؟ ممكن، شخص يُصطفى إلى أن يصل لهذه المرتبة إلى أن قلبه ما تضره فتنة، ليس معنى هذا ما تضره فتنة أن هذا الإنسان ما يفعل الذي يريد الله، لا، لكن معنى هذا والله أعلم فيما يظهر لي وفهمي لكلام الصحابة منه، كلام ابن مسعود رضي الله عنه: الحي لا تؤمن عليه الفتنة، معنى هذا أن هذا الإنسان دائماً يُعان، هذا الإنسان ما تضره فتنة، أي هذا الإنسان لما تأتي الفتنة الله سبحانه وتعالى يعينه على أن يفعل الذي يريده، وليس معنى أن ما تضره فتنة أن قلبه ما يتاثر، أو أن هذا الإنسان ليس ممكن يسقط، لا، ممكن يسقط، لكن هذا الإنسان يحبه الله سبحانه وتعالى، كذلك يصرف عنه السوء والفحشاء، مثل هذا يعني مثل هنا كيف يوسف عليه السلام وقع بفتنة عظيمة جداً، لكن الله صرف الفتنة وعانه وأراه البرهان، يعني الله سبحانه وتعالى يجمع لعبده الذي يحبه ما يعين على أن يخرج من الفتنة.

يوسف عليه السلام هنا فتنة عظيمة، لكن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، وذكر ابن الجوزي في زاد المسير بأن تكرر هذا البرهان على يوسف أربع مرات، لماذا؟ لأن الفتنة تتشبث النفس بها، تحتاج الإنسان إلى إعانة قوية، هذا البرهان مع برهان مع برهان يخرج شيء من التعلق النفسي، ثم شيء من التعلق النفسي، ثم شيء، هكذا حتى يستطيع الإنسان على نفسه، ويستطيع الإنسان أن يوجه أن يتحكم بنفسه، والنفس ما تثور عليه الثوران الذي ما يستطيع الإنسان أن يقوى عليها.

تقول لي كيف يعني؟ أقول لك لماذا يقع الإنسان بالذنب؟ لماذا؟ لأن نفسه ثارت عليه ثوران هو ما قدر عليها، هذه الفتنة، لكن هو لما يقوى عليها ما تقع بالذنب فيُعان بإذن الله.

القصد من ذلك أن الذي ظهر لي في معنى حديث حذيفة والله أعلم أن هنا لا تضره فتنة، أن هذا الإنسان يُعان، وليس معنى هذا أنه ما يتاثر أبداً، لا، لكن معنى هذا أنه يُعان، فلما تقع الفتنة الله يعينه ويهيئ لها من الأسباب الذي يخرج من هذه الفتنة، ويهيئ له من الأسباب التي تعينه على أن يقوم بالذي يريد الله سبحانه وتعالى منه.

القصد أن هنا هؤلاء الثلاثة فتنوا وابتلوا، والله سبحانه وتعالى أعان الأعمى ولم يعن الباقين، لماذا؟ لأن هذا الأعمى صالح، هذا الأعمى لم يكن به كبر، هؤلاء الأبرص والأقرع في باطنهم سوء، لذلك كان السلف رضي الله عنهم ما يعطون العلم لطالب يشعرون بأنه يريد الظهور، أو يشعرون بأنه ما وصل إلى التزكية العالية، ويختبرون هؤلاء الطلبة قبل أن يُعطى الواحد منهم هذا الشيء، لماذا؟ لأن هذا الإنسان هو إلى الآن ما تمكن، بمجرد أن تقع عنده الفتنة سيظهر التعلق النفسي الكبر هذا الموجود في باطن الإنسان يظهر.

قبل ذلك، قبل ذلك ما يظهر، لكن يعرف الشخص البصير في الإنسان، يعرف أن هذا الإنسان عنده طامع، هذا الإنسان يريد كذا، ولما يختبره يظهر عنده في الاختبار أنه يريد كذا، هو لا يريد، لكن هو نفسه ممكن ما يكون هذا المعنى ظاهر عنده وقوي، لذلك ما كانوا يعطون العلم من يرون بأنه به هذا.

لذلك كان يقول الشعبي رحمه الله تعالى: هذا العلم لم يكن يُطلب إلا العقلاء والنساك، انظروا: العاقل، هو سمي عاقل حتى يفهم العلم، ليس كل يفهم العلم، والمقصود هنا ليس التثقيف العام، إنما المقصود نفس حمل أمانة الرسالة، وأن يكون شخص تابع لمعاذ بن جبل إمام العلماء، معاذ هذا يكون تابع لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، هذا لابد يكون عاقل حتى يعرف، حتى يفهم الذي يسمع والذي يقرأ والذي يتعلمه.

الثاني: النسك، أن يكون عابد، أن يكون عابد حتى ما يفتن، ممكن يكون عنده عقل بس ما عنده نسك ما يعطى، ممكن يكون عنده نسك يعني جيد وصالح في نفسه لكن ما عنده عقل جيد فما يعطى كذلك لأنه ما يفهم، لكن يكون ينشغل بالعبادة، ينشغل يعني بالدعوة، ينشغل بأمور أخرى، لكن ما ينشغل بنفس التعليم العلم الذي يثمر أن يكون هذا الشخص عالم، هذا له تفصيل وذكرنا في كثير من المواطن.

القصد أن هنا الأعمى عُين، هذا الأعمى أُعين، لماذا؟ لأن هذا الأعمى لم يكن في باطنه سوء، إنما كان هو أصلاً متواضع، يعني هو لما كان أعمى كان صابر، لما كان أعمى كان صابر على هذا البلاء بخلاف الأقرع، بخلاف الأقرع والأبرص، هؤلاء لم يكونوا صابرين، إنما يريدون فقط الخروج بأي طريقة، أما هذا الأعمى كان صابر، هذا الأعمى كان صابر على البلاء الذي وقع عليه.

القصد أن هذا الأعمى أن هذا الأعمى مُعين لهذا الأمر الذي كان موجود عنده، انظروا كيف أن هؤلاء أي الأبرص وكذلك والأقرع كيف أنهم ردوا نعمة الله سبحانه وتعالى ونسبوا النعمة إليهم: ﴿وَوَرِثْنَا هَذَا كَابِراً عَنْ كَابِرٍ﴾، كيف ورثنا هذا كابر عن كابر، أنت لم تكن بهذه الطريقه كنت فقير، والذي أعطاك هذا المال هو الله سبحانه وتعالى والذي والذي، وانظروا كيف الملك كذلك ذكرهم بالعيب الذي كان موجود عنده البرص، وكذلك كذلك الأقرع، كيف نذكرهم بهذا ومع ذلك ما تذكروا ولا اتعضوا ولم ينتفعوا بهذه الذكرى.

ثم بعد ذلك ردوا هذه النعمة، لماذا؟ لماذا هذا كله؟ هذا هو طغيان الإنسان إن رآه استغنى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]، لما يرى بأنه استغنى يطغى، هذه نفسه لما كان فقير ما كان بهذه الطريقة، لكن لما جاء هذا المال تغير هذا الإنسان وتكبر، وكم رأينا وكم رأى الناس من يكون إنسان عادي جداً وطيب في نظر الناس وحبيب، بمجرد أن يحصل مال معين أو منصب معين أو كذلك شهرة معينة كأنه إنسان آخر، كأنه ليس هو الأول أبداً، إنما إنسان مختلف تماماً عن هذا الشخص، كذا إنسان آخر تماماً.

طيب لماذا هذا كله؟ هذا هو البلاء، هذه مشكلة الإنسان لما تتعلق نفسه بالدنيا، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يزهد أصحابه في الدنيا حتى ما تتعلق الدنيا في نفوسهم ويتاثروا لما يتغير الواقع، لذلك الصحابة لما فتحوا البلدان شرقاً وغرباً وانتقلوا من بلادهم القاحلة إلى بلاد بها خيرات وبها وكذلك الجو يكون بها معتدل أكثر، ما تغيروا إنما غيروا ففتح الدنيا وغيروها، ولم يتغيروا بها، لماذا؟ التربية كانت عظيمة، التربية الإيمانية كانت عالية جداً، فهو لم يكن عندهم إلا الجنة.

وكان عمر يخاف على ولاة، فكان عمر يسأل دائماً عنه، وكان كذلك إذا ذهب ورحل إليهم يذهب إلى بيوتهم ويتاكد من أحوالهم، حتى ذهب إلى بيت أمين هذه الأمة وخاف أن يكون قد تاثروا وفتنوا، والحديث: ما تؤمن عليه الفتنة، فلما راى بيته بكى رضي الله عنه وأرضاه، وقال: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة رضي الله عنه، وقال: يا أمير المؤمنين إنما هو متاع دون متاع، وطعام دون طعام، وإنما هي أيام قلائل، رضي الله عن الصحابة وأرضاهم.

هذه القصص أثمرت في الصحابة هذه المعاني، يعني هذا الأعمى الصحابة كانوا ينافسونه وكانوا حريصين أن يكونوا مثله، وكانوا يخافون أن يكون حالهم مثل حال الأبرص والأقرع.

الوقفة التي تلي هذه الوقفة وهي أن الإنسان لا يتنكر أو لابد أن يكون معياره واضح، يعني ليس المعيار أنك أنت أغنى من غيرك، ليس المعيار، المعايير الدنيوية كثيرة ومتقلبة، فأحياناً يكون معيار الحسد، أحياناً يكون معيار النسب، أحياناً يكون معيار الشهادة، أحياناً يكون معيار الشهرة، فالمعايير الدنيوية حقيقتها واحدة لكن صورها تتغير، بخلاف معيار الإيمان، معيار الإيمان لا يتغير: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

هذا هو المعيار، أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا بلالاً، عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يقرب بين الصديق بن بلال؟ نعم، لأن المعيار واحد تقوى وليس ليس المعيار أي شيء آخر، فالمعيار هذا المعيار لابد أن يثبت عندنا، هذا المعيار أي معيار التقوى النظري موجود عندنا، لكن التطبيقي الحقيقي يحتاج إلى مجاهدة كبيرة حتى يستقر هذا المعيار في النفوس، فهو موجود كنظر موجود سطحي، لكن حتى يتعمق ويكون قوي عندنا يحتاج إلى مجاهدة كبيرة، ويحتاج حقيقة ننظر إلى أن الذي يسابقنا إلى الصلاة، الذي يعمل للإسلام، الذي يوفق إلى الثبات لما تقع عليه البلاءات وهكذا، أنه حقيقة أفضل عند الله سبحانه وتعالى منه.

هذا هو المعيار، ليس معيار أن هذا كم يملك، أو هذا ما هو جواله، أو ما هو لباسه إلى آخره، هذه ليست معايير، هذه معايير البشر هذه معايير، والمعايير تتغير، ونجاة الإنسان التامة والكاملة أنه لا يتاثر أبداً في هذه المعايير، يعني قبل سنوات كان معيار الشهادة، أو قبل العقود في الجيل الماضي والذي قبله، الآن الشهادة ليست قوية عند الناس، إنما القوي عند الناس الشهرة، هذا معيار قوي عند الناس في السابق، لا، كانت الشهادة، حتى إني جلست مع بعض كبار السن كنت أتكلم عن هذا فيتغيرون مع تغير المعايير، فكنت أقول لهم فقول نعم ذاك الوقت كان هذا الشيء كنا نراه كذا وكذا وكذا.

هذا التغير هو يقع جميع أكثر البشر، ليس جميع أكثر البشر، أما أهل الإيمان لا يصابون بهذا، إنما إنما المعيار عندهم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، المعيار بالتقوى، بالإيمان، بالصلاح، المحافظة على الصلوات، الاستمرار في نصر الدين، وهكذا.

فالقصد من ذلك أن هذا الحديث وهذه القصة بها فوائد عديدة وعظيمة، ولعل من أبرزها ما ذكرناه هنا، نسأل الله سبحانه وتعالى بحق أسمائه الحسنى أن يحفظنا وإياكم وأن يثبتنا وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، إنه ولي ذلك القادر عليه، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.