دخولتسجيل الدخول

العيش مع السنة النبوية 04 | "كان رجل يداين الناس"

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نكمل هذه المجالس المتعلقة بالقصص التي رواها النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه. ومعنا اليوم قصة رجل أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وبين عظم منزلة هذا الرجل عند الله سبحانه وتعالى بسبب هذا العمل الذي لا يفعله أكثر الناس. ومع هذا العمل الذي فعله هذا الرجل العظيم، كان هذا الإنسان قليل الأعمال الصالحة، أي لم يكن من المكثرين بالأعمال الصالحة.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «كان رجل يداين، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا؛ فلقي الله فتجاوز عنه».

وفي رواية النسائي: «أن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا. فلما هلك قال الله عز وجل له: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس، فإذا بعثته ليتقاضى قلت له: خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا. قال الله تعالى: نحن أحق بذلك، قد تجاوزت عنك».

وجاء كذلك في الصحيح من حديث حذيفة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوتي الله تعالى بعبد من عباده آتاه مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ -ولا يكتمون الله حديثاً- قال: يا رب، أتيتني مالك فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر. فقال الله تعالى: أنا أحق بذاك، تجاوزوا عن عبدي».

القصة من ذلك أن هنا النبي عليه الصلاة والسلام يحكي قصة رجل. وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى هذا الرجل في كتاب البداية والنهاية بالقصص التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يظهر أن هذا الرجل كان في بني إسرائيل.

القصد من هذا أن هذا الرجل كان عنده مال، وكان ينظر الناس، وكان يقرض الناس ويقبل من الناس شهوداً؛ فياتي الرجل يأخذ منه المال ويشهد على هذا ثم ينصرف. فإذا جاء وقت قضاء المال يرسل فتاه، يرسل غلامه، فيذهب الغلام وينظر إذا كان الرجل موسراً يقول له: هل تريد أن تسدد الآن أو تريد أن نؤجلك؟ مع أن هو موسر ويستطيع أن يسدد المال، لكن من رحمته هذا الرجل كان ينظر الموسر.

والإنظار المقصود منه هنا إما أن يكون المراد بالإنظار التأخير، فكان يؤخر خير الموسر ولا يعجله في طلب المال مع أنه موسر ويستطيع. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء كذلك في الصحيح حديث جابر: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى».

رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، يعني لما يبيع ما يشدد كما يفعل بعض التجار. وكذلك لما يشتري، ما هكذا يعني يكاسر الذي يشتري منه لدرجة الإحفاء به. وكذلك سمحاً إذا قضى، أي إذا قضى الدين الذي عليه، فلما يأتي وقت سد الدين يسدده من غير أن يماطل ومن غير أن يؤخر. وكذلك إذا اقتضى، إذا طلب الحق الذي له، ما يطلب بإحفاء، إنما يطلب بلين وسماحه.

هكذا القصد هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يصنع هذا المجتمع الجديد، هذا المجتمع الفريد، هذا المجتمع الذي لن يكون له نظير في التاريخ، هذا المجتمع الذي يقوم على مثل هذه المعاني الجليلة العظيمة الكبيرة. فنجد الشخص الذي يريد أن يشتري يكون أحرص من البائع، والبائع أحرص من المشتري؛ فالشخص لما يكون في مقام المشتري يكون أحرص من البائع على أن يوفي أو أن يعطي الذي عليه، ولما يكون هو نفسه في مقام البائع يكون كذلك أحرص على ذلك، وهذا أمر نادر.

فالإنسان بالعادة يتبع هوا نفسه، فلما هو يكون في مقام الذي يريد أن يشتري يريد أن ينزل من السلعة إلى حد أن يكسر في البائع، ولما يكون هو في مقام البائع يريد أن يرفع من السلعة إلى حد أن يضرب المشتري، ولو وصل ذلك إلى الكذب عليه وزعم بأن هذه السلعة تم شراؤها من دولة كذا وهي من كذا، وهكذا.

وكذلك الشخص لما يطلب من الناس الدين يطلب بطريقة معينة، ثم لما يأتي وقت السداد ما يسدد بالعاده ويؤخر، وكذلك بالعكس. القصد من ذلك هنا الإسلام الآن يصنع هذا الإنسان الذي ما يتبع هوى نفسه، بل أبلغ من ذلك، يصنع الإنسان الذي يكون هوى نفسه موافقاً للدين، موافقاً لما يريد الله سبحانه وتعالى منه.

فهذا الإنسان يكون أحرص من نفس صاحب المصلحة، يعني هو لما يكون في هذا المقام، المقام الذي أخذ من غيره المال أو سدان، يكون أحرص من صاحب الدين نفسه أو صاحب المال نفسه. وهذا أمر نادر، ولا زالت لهذه الشريحة بقية، والأمة ما زال بها خير والحمد لله.

لكن القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يصنع هذا المجتمع الذي يكون بهذه الطريقة، فيكون هذا المجتمع إيمانياً، يصرف يتعامل مع الله سبحانه وتعالى مباشرة، ولا يكون لهوى نفسه ضغط عليه حتى تحرف مراد الله، أو إنسان يبدأ هكذا يكذب أو يسرق إلى آخره. لا يكون بهذه الطريقة.

انظروا كيف النبي عليه الصلاة والسلام كان يقص هذه القصص! ذكر الآن هذه القصة وقبلها قصة الرجل الذي اشترى أرضاً ووجد فيها جرة من ذهب، فرد هذه الجرة إلى صاحب الارض وذاك لم يقبلها حتى اختصم عند القاضي. انظروا كيف هذه القصص صنعت أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام حتى أصبحوا المجتمع الفريد في التعامل فيما بينهم، فلم تكن النفوس تحضر، إنما كان الشخص يميل مع أمر الله سبحانه وتعالى وما يحبه الله سبحانه وتعالى منه.

القصد من ذلك أن هذا الإنسان كما جاءنا في رواية النسائي لم يعمل خيراً قط، يعني هذا الإنسان لم يكن عنده عمل كثير؛ كان معه التوحيد ولا شك، فالله سبحانه وتعالى يقول: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وجاء في بعض الروايات أنه كان مع التوحيد. القصد من ذلك أن هذا الإنسان كان موحداً لكن ما كان عنده أعمال صالحة كثيرة، يعني هذا الإنسان لم يكن من المكثرين بالصلاة، المكثرين بالعبادة.

إنما كان هذا الإنسان عنده مال، وكان سخي النفس طيب القلب، أي صفة الرحمة كانت متمكنة منه وكانت عظيمة، والله سبحانه وتعالى إنما يرحم من عباده الرحماء. فهذا الإنسان من رحمته أنه إذا رأى الموسر أنظره وخيره، يتعامل مع الناس بهذه السخاوة بهذه الطيبة، وإذا طلب من المعسر يقول لغلمانه: تجاوزوا عنه.

التجاوز هنا يشمل الإنظار، ويشمل الوضيعة، ويشمل حسن التقاضي، كما يقول حافظ ابن حجر. هنا الإنظار يعني ما في مشكلة يعطيه سنة بعد، يعطي سنتين. أو الوضيعة أن يضع عنه كل المال أو بعض المال، فإذا كان له ألف يضع عنه خمسمائة أربعمائة يقول سددني الباقي، ما عنده يسقط المال كله ولا يطلب منه شيء.

يعني هذا الإنسان سمح، هذا الإنسان به صفة السماحة، به صفة الرحمة، وتامل مع البشر بناء على هذا الطبع الشريف الذي من الله سبحانه وتعالى عليه به. ما عنده من الإيمان والتوحيد لقوله: لعل الله يتجاوز عنا؛ يعني هذا الإنسان وهو ينظر هذا الموسر أو يتجاوز عن المعسر هو يستحضر نظر الله سبحانه وتعالى، ويستحضر بأن الله سبحانه وتعالى يحب منه هذا العمل، وإن لم تكن تكون عنده أعمال كثيرة.

وأذكر كان عندنا أحد الأشخاص لا يطلب في قضية فيها مال إلا ويسدد، مع أنه هو في نفسه ليس صاحب عمل كثير، لكن سبحان الله الله سبحانه وتعالى فاتح عليه بهذا الباب، يعني باب إعانة المساكين، إعانة الفقراء، كفالتهم، حتى يدينهم ثم بعد ذلك لا ياخذ منهم هذا المال ويسقط عنهم.

وهذا كثير، يعني ينفق الآلاف ولا يحتمل أن يرد، يعني هو مع أنه ليس بغني كثيراً، إنما هو عنده شيء من المال لكن ليس بغني كثيراً، ليس عنده الثراء الفاحش، ومع ذلك إذا طلب أحد ما يرده ويعطيه، وإذا ما أعطاه المال كله يعطيه بعضه، وإذا سلفه ما يأخذ منه ولا وإذا رد هكذا شهر أو شهرين الباقي يسقطه يقول تجاوزنا عنك.

هكذا يتعامل مع الناس ويصعب عليه أن يرد أحداً، يعني هو لا يستطيع أو يصعب عليه أن يرد أحداً. وكذلك عندي أحد الأصحاب دخل بالتجارة، وبعد ما دخل بالتجارة ليس بتاجر كبير، لكن سبحان الله سمح، يعني به صفة السماحة ظاهرة جداً، فكان ما يحتمل إذا رأى أحد، يعني هو عنده حسبة تجارية، لما يأتي الموقف تذهب الحسبة التجارية كلها، لماذا؟ سمح، به صفة السماحة قوية جداً وعالية.

وسبحان الله كنت أتفكر وأقول: كيف هذا الإنسان إلى الآن ثابت؟ لأن الثبات لا يكون إلا مع مواقف أو مع أعمال. فمن خلطتي له وجلساته ما أسمع بعض القصص ويقولها عفوية، فوجدت بأن سبب هذا الشيء هو نفس السماحة الموجودة عنده.

مثلاً مرة من المرات يقول بأني كنت مضطجعاً وأريد أن أنام، رايت في تويتر سابقاً -منصة إكس حالياً- امرأة مسكيناً في منطقة معينة تبعد عنه أربعين كيلو تقريباً. وهو إنسان يعني ما كان عنده مال كثير، لكن ما احتمل أن ينظر هذا الموقف، فمباشرة يعني قام من النوم وذهب إليها وأعطاها ثم رجع يقول: نمت في النوم قبل هذا ما كان يستطيع.

ومره كنا في سفر أنا معه فوجدنا امرأة هكذا مسكينة مريضة وفي عينها شيء، فما احتمل، تأثر تأثر بالغاً. أخذ الرقم وقال: أنا ساعالجها على حسابي.

وهكذا، فالقصد من هذا أن بعض الناس تكون عندها هذه الصفة قوية، يعني صفة السماحة صفة هكذا الطيبة الرحمة، هذه صفة عظيمة جداً إذا وجدت عند الإنسان ومن الله سبحانه وتعالى على الإنسان بها، والله سبحانه وتعالى يرحم من عباده الرحماء.

فهذا الإنسان الذي يتعامل مع الناس بصفة الرحمة ولا يغره المال، والمال يغر الإنسان، يعني إذا يدخل في التجارة تتغير أخلاقه بالأصل لماذا؟ لأن المال له اثر على الإنسان، وهذا ماله، هو لم يكسب هذا المال يعني إلا بالجهد والتعب والبدل، فهو بذل الأسباب فيلقى مال هكذا فيتغير بعض خلقه، إلا من تكون السماحة عنده عالية، من تكون عنده الرحمة عالية، ما يتغير، يكون هو لأن المال لم يدخل إلى قلبه، إنما هو موجود في يده.

القصد أن هذا الإنسان كان بهذه الطريقة. ونحن في زمان تغيرت الناس كثيراً، ليست مثل يعني خاصة في الجيل هذا والجيل الذي قبله، أما الأجيال الماضية ما كانت بهذه الطريقة. يعني هذه الاحاديث كانت تعمل في الناس حتى صنعت العرف المسلم، صنعت المجتمع المسلم.

وتعرفون بأن العرف يصنع من الدين، العرف يصنع بالأصل من الدين، ثم إذا دخل عرف آخر ولم يجد أو ثقافة أخرى ولم توجد ولم يوجد من يدافع ويدفع هذه الثقافة، هذه الثقافة تصنع عرفاً جديداً، هكذا تصنع أعراف الناس.

لذلك بعض الناس يتعجبون يقولون: كيف أن مثلاً البلدة الفلانية يكون النقاب بها موجود وأكثر ناس فيها ليسوا بمتدينين؟ أي نعم، هذا عرف. وهذا العرف، طيب كيف ليس دين؟ لا، العرف أصله دين. وهذا العرف أصله دين، ولم يخترق هذا العرف والاسلام حريص أن يصنع العرف الموافق له، الإسلام لا يريد أن تختلط ثقافته بثقافة أخرى ولا يقبل بذلك على جميع المستويات.

فالقصد من ذلك هنا أن كذلك اللحية، يعني اللحية إلى قبل ثمانين سنة تقريباً كانت في كثير من المجتمعات المسلمة عبارة عن عرف، يعني ما يحلق اللحية هو لماذا؟ حتى لو حتى لو ما كان ديانة. طيب من أين أخذ هذا العرف؟ واضح هذا الأمر.

فالقصد من ذلك أن الثقافة لما تخترق هنا تاتي بعد ذلك التاويلات وتاتي بعد ذلك الاستقرار الثقافة المقابلة لها وتصبح عرفاً جديداً، فالعرف هذا الجديد يكون تغييره يحتاج على يعني قوة كبيرة حتى يتم تغييرها. لذلك قبل أن يتشكل عرف عند الناس لابد أننا ما نستسلم له وندفع ندافع.

هنا النبي عليه الصلاة والسلام يصنع ثقافة المجتمع التي بعد ذلك استقرت في نفوس الناس وبقيت عند المسلمين قرون عديدة؛ أصبح أهل الإسلام أو كثير من أهل الإسلام أو ظاهر على المجتمع المسلم السماحة والديانة والرحمة. وهذا كثير جداً خاصة في المجتمعات التي لم يخترقها الغرب بثقافته المادية التي غيرت وجهة الإنسان، جعلت الإنسان عبارة عن مادة، جعلت الإنسان عبارة عن ذئب يطلب من الناس المال وكل شيء عنده وكل شيء عبارة عن مال، كم رصيدك؟ أين أصرف؟ هذه العبارة: هنا أصرف رصيدك.

أصبح إنساناً عبارة عن سلعة، أصبح إنساناً عبارة عن هكذا عن مادة، كما كان الكفار في الجاهلية. الإسلام غير هذا، لما كان الصديق رضي الله عنه وأرضاه ينفق مال الذي تعب وكان يسافر ويأتي بالقماش ويتاجر به -يعني هذا الوقت محسوب على الصديق رضي الله عنه وأرضاه- وهذا المال كان ينفقه حتى يتق بلالاً.

وزنيرة وفلانة وفلانة والنهدية وابنتها. فكان يتعجب والده؛ لماذا يا أبا بكر تصنع هذا؟ لو اشتريت رجالاً أقوياء يمنعونك، فكان الصديق يفعل هذا كله ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى. هذا الذي لم يكن يفهمه والد أبي بكر ولم يكن يفهم العرب بالجاهلية؛ هذا الدين الجديد، هذا الإنسان الذي أراد الله سبحانه وتعالى منه أن يكون هكذا. فالصديق كان أعلى الناس بعد الأنبياء والمرسلين.

القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نتعامل بهذه الطريقة، وصنع النبي عليه الصلاة والسلام المجتمع المسلم بمثل هذه الأحاديث. والصحابة لما يسمعون مثل هذا الحديث، هذا الحديث يعمل في نفوسهم عمل عظيم لقوة الإيمان عندهم، والإنسان يتاثر بالنص بقوة إيمانه. فالايمان لما يكون عظيماً ويعرف هذا العبد أن الله ينظر إليه، يكون أثره عظيماً جداً.

قبل أيام يسيرة كنت مع أحد الأشخاص المتدينين، وأنا مريت في حياتي رجل عنده استشعار مثله عجيب؛ استشعاره خصوصاً إنسان هو متدين لكنه عامي، ليس طالب علم لكن عنده استشعار عند عبادة، الاستشعار هذه عظيمة جداً. فكان يطلب منه شخص أن يذهب معه وشخص يقول إن ابنتي عندها كذا وكذا، فيقوم هو ويسعى سعياً حثيثاً حتى يقضي حاجته، ثم يقول: والله إني أستحضر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ثم هكذا يخاطبني ويحدثني، يقول: هل تظن أن الله يتركني وأنا أفعله هذه الأشياء ابتغاء مرضاته وهو مستشعر؟ يعني يقول هذا الكلام وهو يعيش مع هذه النصوص مع هذه الأحاديث عيشاً عجيباً.

وهذه كرامة؛ هذا الأمر سببه هو الإيمان، يعني سبب أن الشخص يعيش مع هذه النصوص بهذه الطريقة، مثل هذا الحديث الآن نقرأه، ممكن نمر عليه ولما يأتي الموقف قد لا يطبق كثير من الناس لأن الإيمان ليس قوي، لكن بعض الناس يكون إيمانه قوي جداً ومعظماً لله سبحانه، ويستحضر نظر الله سبحانه وتعالى له دائماً، فلما يأتي موقف مثل هذا يتذكر هذا الحديث مباشرة، هذا الحديث يعني يضيء في قلبه فيسعى جاهدًا أن ينافس هذا الرجل لعل الله يتجاوز عنا. نعم، المال ثقيل والمال محبب للنفس، لكن لعل الله سبحانه وتعالى يتجاوز عنك. ليس معناه هذا أن الشخص يتلاعب الناس به، لا، لكن معنى هذا أن الإنسان لما يرى إلى شخص معسر وشخص يعرف بأنه ما يستطيع يسدد، طيب لماذا تشكوه؟ هو ما يستطيع، لماذا تشكوه؟ خلاص تجاوز عنه لعل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز، خاصة إذا كان الشخص صاحب مال، خاصة إذا كان شخص صاحب مال.

ومن عظم أجر الإنظار يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظل عرشه». أظله الله في ظل عرشه؛ يعني الشخص يستحق هذا الأجر العظيم بسبب هذا الفعل الذي قد يكون يسيراً هو يسير قطعاً مقارنة بالأجر العظيم الذي يناله الإنسان.

فالقصد من هذا أن هذا الإنسان ليس عنده عمل كثير وليس عنده عمل كبير، ولكن هذا الإنسان عنده نية صافية، عنده نية صالحة، عنده فطرة سليمة، عنده صفة عظيمة صفة السماحه، ومع السماحة هناك إيمان، والإيمان يتمكن من أصحاب هذه القلوب النقية الطاهرة، فيثمر بعد ذلك الأعمال والأفعال التي يتعجب الناس منها.

وانظروا كيف هذا الرجل الذي ليس عنده عمل كثير، كيف أن الله سبحانه وتعالى اختاره حتى جعله يتلى على أعظم أمة اختارها الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه اختار هذا الرجل، ولا ندري في أي زمان ولا في أي مكان ولا في أي دولة ولا حتى اسم هذا الرجل، لكن نعرف فقط موقفه.

ويقص النبي عليه الصلاة والسلام هذه القصة على خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين على أصحابه، ثم تسري هذه القصة في نفوس أهل الإسلام وتؤثر فيمن شاء الله سبحانه وتعالى أن تؤثر فيه. هذا الرجل قطعاً ما كان يخطر في باله أبداً أن هذا الموقف الذي كان يفعله سيصل به إلى هذه المرتبة العالية، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لا في الدنيا بأن يسري ذكره بين الناس بهذه الطريقة حتى يذكر في أعظم الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى في صحيح الإامام البخاري ومسلم، ويذكر خير الأنبياء على الإطلاق عليه الصلاة والسلام ويسمع قصة خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وبقية أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، وتجري وتسري هذه القصة في التاريخ، هذا كله في الدنيا.

وفي الآخرة لما يدعوه الله سبحانه وتعالى من أجل الحساب ما عنده أي عمل، كان عنده صح كان صاحب مال وكان يتنازل عن الناس ويتجاوز عن الناس، والله سبحانه وتعالى يخاطبه بناءً على كرم الرب سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، قال: نحن أولى بذلك منك، نحن أحق بذلك منك، لماذا؟ لأنه هو أكرم الأكرمين، لماذا؟ لأنه هو أرحم الراحمين. فتجاوز الله سبحانه وتعالى عنه، والله سبحانه وتعالى إذا تعامل العبد معه بهذه الطريقة يستحي الله سبحانه وتعالى من أن يعاقبه، لماذا؟ لأنه قام بهذا الفعل.

وابن القيم له كلمة جميلة يقول: من استحيا من الله عند معصيته استحيا الله من عقوبته يوم يلقاه. فشخص يريد أن يفعل معصية فتذكر نظر الله سبحانه وتعالى فيستحي، أو حتى لما يقع بالمعصية في حال وقوعه هو مستحٍ من الله، يعني ما ينشرح صدره ولا يسمح للمعصية بأن ينشرح الصدر لها حتى لو لم يستطع أن يقاومها، هذا يرجى أن يكون حاله إلى خير بإذن الله إذا هو مستحٍ من الله ومنكسر حتى في وقت وقوعه في المعصية، فهو غير مسلم للمعصية لكن نفسه أحياناً تغلبه وكذلك امتنع عنها، وهذا أعلى ولا شك وأعظم.

وكان في رجل حضر جنازة ولا يعرف من الميت، فنظر الناس فنظر إلى الناس وهم يصلون على هذا الميت فدخل معهم في الصلاة، فلما كبر وقرا الفاتحة ثم صلى على النبي عليه الصلاة والسلام بعد التكبيرَة الثانية، ثم بعد ذلك التكبيرَة بعد التكبيرَة الثالثة دعا، فدعا الناس ودعا هو، لا يعرف الميت لكن هو إنسان كريم، هو إنسان شريف، فقال: يا ربي إن هذا الميت ضيفك ولو كان ضيفي لأكرمته، يا ربي إن هذا الميت ضيفك ولو كان هذا ضيفي لأكرمته.

فذهب بعد ذلك ونام، فرأى في المنام بأن الله سبحانه وتعالى تجاوز عن هذا الميت بسبب هذا الدعاء، ما يعرف الإنسان متى تصيب هذه الكلمات المحل فيقبل الله سبحانه وتعالى الدعاء فيفوز هذا الإنسان بمثل هذه الأشياء.

وكان عندنا رجل كذلك مات ابنه، فلما مات ابنه اخذ يتملق الله سبحانه وتعالى تملقاً عجيباً ويدعو الله سبحانه وتعالى دعاء أبكى جميع الموجودين، وكان يقول: يا أرحم الراحمين يا رحيم يا كريم، ويبكي، يقول: أسألك بأحب اسمائك إليك، أسألك بكرمك وجودك العظيم أنك تتجاوز عنه عن ابنه، وأنت قلت يا ربي وأنت أرحم الراحمين بأن رضاك من رضاي وأنا والله يا ربي راضٍ عنه.

ثم ينزل بعد ذلك وينظر إلى القبر وإلى ابنه وميت مسجى كم دفنه فيقول: يا فلان قل لا إله إلا الله، قل ربي الله، رب الإسلام دين الاسلام نبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا. ثم يرفع بصره إلى السماء ويناجي الله أمام الناس والكل بكى، فالكل بكى. ثم بعدها بأيام رأت ابنتها وهي أخت الميت وابنة هذا الرجل بأن الله سبحانه وتعالى استجاب له هذه الدعوات، هذه من عاجل بشرى المؤمن.

القصد من هذا كله أن أمتنا العظيمة الله سبحانه وتعالى يريد أن يصنعها صناعة مختلفة، ولا يريد الله سبحانه وتعالى أن نكون مثل غيرنا؛ الأمم الكافرة الفاجرة التي لا هم عندها إلا شهوات النفس، والإنسان يجري فقط حول هواه وتأسر الدنيا ويأسر المال ويأسر الدينار والدرهم. نحن لسنا بهذه الطريقة، نحن أمة مختلفة عن هذه الأمم.

ولما جاء أهل الحبشة، وهم كانوا نصارى أي أهل الحبشة، وجاء الصحابة الذين كانوا في الحبشة رضي الله عنهم وأرضاهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وذكروا له، فسألهم النبي عليه الصلاة والسلام أن أعجب ما لقيتم فذكروا بأنهم لقوا امرأة كانت تمشي وعلى رأسها جرة فمرت على غلام على فتاة فدفعها حتى سقطت على ركبتيها وانكسرت جرتها فقالت: ستعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي كيف شاني وشأنك عنده غداً. فقال عليه الصلاة والسلام: «صدقت، صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفها من شديدها» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد استدان من أعرابي فجاء الأعرابي وشد وطالب النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليه الصحابه وقال: ويحك أتعرف من تكلم؟ فرد عليهم النبي عليه الصلاة والسلام وبين لهم بان الأولى أن تكونوا معه. وكذلك لما جاء الرجل الآخر، كذلك كما جاء رجل آخر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأراد أن يأخذ ماله وقال: لكم مطل يا بني عبد المطلب، فقام عمر وأراد أن يضربه, فهدا النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن القضاء وأن تأمر بحسن الأداء» أو كما قال كذلك عليه الصلاة والسلام.

القصد أن هنا النبي عليه الصلاة والسلام مربي أصحابه، بين لهم كيف يتم التعامل فيما بينهم. إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذا الحديث الشريف العظيم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.