الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وأبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي خطاكم.
اليوم إن شاء الله تعالى عندنا كلمة متعلقة بحديث رواه النبي صلى الله عليه وسلم وقصه على أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك على الصحابيات الجليلات في فترة الدعوة النبوية التي كانت في مكة وفي المدينة. والله أعلم متى قص النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، هل كان في مرحلة الدعوة المكية أو كانت في مرحلة الدعوة المدنية؟ لكن قصد من ذلك أن الآن النبي صلى الله عليه وسلم يقص على أصحابه قصة، ويخبر عليه الصلاة والسلام بأنه التقى في رحلة المعراج لما عرج به إلى السماء عليه الصلاة والسلام، وعلى المشهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرج به في السنة العاشرة من البعثة.
فهل قص النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة بعد ما رجع من هذه الرحلة، رحلة المعراج إلى السماء، أو بعد ذلك في المدينة النبوية؟ الله أعلم. الله أعلم متى قص النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة على أصحابه. يقص النبي صلى الله عليه وسلم هنا على أصحابه قصة امرأة بين العظماء، امرأة مغمورة لا قيمة كبيرة لها في عرف الناس ولا في نظر الناس، بين أعظم خلق الله سبحانه وتعالى على الإطلاق، ألا وهم أنبياء الله سبحانه وتعالى.
يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها. قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إذ سقطت المدرى من يديها، فقالت: بسم الله. فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله. قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم. فأخبرته، فدعاها فقال: يا فلانة، وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله. فأمر بقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها. قالت له: إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد، وتدفننا. قال: ذلك لك علينا من الحق. قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدا واحدا، إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها تقاعست من أجله. قال: يا أمه، اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فاقتحمت».
قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون. أخرج هذا الحديث الإمام أحمد رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
هذا الحديث قصه النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وبين لهم قيمة هذه المرأة العظيمة، التي ثبتت في زمان غابر، في زمان قديم قبل هذا الزمان الذي تعيشون فيه، ولم يكن لهذه المرأة عند الناس شأن كبير، إنما هذه المرأة مغمورة لا قيمة لها كبيرة في نظر الناس، لكنها عند الله سبحانه وتعالى في منزلة عالية منيفة؛ حتى إن خير الأنبياء على الإطلاق عليه الصلاة والسلام يشم هذه الرائحة الطيبة. أي أن هذه الرائحة الطيبة منتشرة في السماء، أي أن هذه المرأة شأنها عند الله سبحانه وتعالى وعند الملائكة وكذلك عند الأنبياء عظيم جداً، لدرجة أن جبريل عليه السلام يعرف هذه المرأة، وجبريل عليه السلام يحب هذه المرأة، وجبريل عليه السلام يقص قصة هذه المرأة المغمورة على سيد ولد آدم، وهذه والله تحتاج إلى هذه لحالها، تحتاج إلى وقفة كبيرة، كيف أن الآن جبريل عليه السلام الذي يأتي بالوحي والذي يتلو على النبي صلى الله عليه وسلم ويعلم النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله سبحانه وتعالى، من ضمن ما يذكره جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قصة امرأة لا قيمة لها في الواقع، ولكنها عند الله سبحانه وتعالى صاحبة شأن عظيم جداً.
لذلك لا يبخس الإنسان نفسه، ولا يظن الشخص بأن هذا الدين خاص بأصحاب النسب أو أصحاب الشهرة أو أصحاب العقل أو أصحاب الموهبة؛ ليس بهذه الطريقة. قد يكون الشخص لا يملك شيء، إنسان بسيط جداً، ولكن عند الله سبحانه وتعالى له شأن عظيم، لو أقسم على الله سبحانه وتعالى لأبره.
إذاً عندنا عدة وقفات مع هذا الحديث العظيم. الوقفة الأولى التي ذكرت: بأن المرأة قد تكون مغمورة، والرجل قد يكون مغموراً، وقد يكون عبداً لا قيمة له، لكنه عند الله سبحانه وتعالى صاحب شأن عظيم جداً. وكلكم يعرف قصة المرأة التي أو العبد، على الخلاف الذي ماتت وكانت تكنس المسجد، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقالوا: يا رسول الله ماتت، ولم يكن يظن الصحابة بأن لها كل هذا الشأن عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أفلا كنتم آذنتموني؟» قالوا: كنت نائماً فكرهنا أن نوقظك. قال: «دلوني على قبرها». فانطلق عليه الصلاة والسلام وصلى عليها.
لماذا يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قصة ماشطة ابنة فرعون؟ ولعله كذلك بأن هذه المرأة شأنها عند الله، أو هذا الغلام العبد الأسود الذي كان يكنس المسجد شأنه عند الله سبحانه وتعالى عظيم جداً. والله يحب النبي الكريم أن يتعامل مع العبد على مقامه عنده: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
المقصد من ذلك أن الشخص يستطيع أن يصل لهذه المراتب العالية بغض النظر عن مكانته الاجتماعية وبغض النظر عن نسبه وماله وعن موهبته، بغض النظر عن هذا كله؛ يستطيع أن يصل إليها إذا أحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى.
الوقفة الثانية: انظروا إلى دعوة موسى عليه السلام كيف وصلت إلى بيت فرعون. كثير من الدعاة إذا رأى من المدعوين شيء من الصدود لا يتكلم، يجد شخص هكذا، وهذا موجود كذلك حتى في المعاهد أو في بعض المراكز الدعوية، الأب مثلاً يكون غير راغب في الدعوة ومانع لأبنائه منها، وقد يكون الأب كذلك وقد يكون والعياذ بالله يعني من الشياطين، طيب ممكن الدعوة تصل إلى أبنائه، يعني ماذا أنت أغلقت هذا الباب؟ أبو جهل ابنه أسلم، الوليد بن المغيرة ابنه أسلم، عبد الله بن أبي بن سلول ابنه من خيار الصحابة عبد الله بن عبد الله.
هنا انظروا كيف ماشطة هذه في نظر الناس لا يحق لها أن تفكر، ومع ذلك انظروا كيف وصلت دعوة موسى عليه السلام حتى اخترقت بيت فرعون، فآمنت امرأة فرعون، وآمنت ماشطة ابنة فرعون، وآمن مؤمن آل فرعون. كيف هذا؟ هذا عند الله سبحانه وتعالى، الذي يفهم الدعوة بهذه الطريقة لا يمكن أن يحصر الواقع، ولا يمكن بإذن الله أن يتوقف عن الدعوة، لماذا؟ لأن الدعوة ليست معلقة بفلان، إنما قد يؤمن فلان؛ هذا الأمر ليس لك؛ لأن القلوب ليست للبشر، إنما لرب البشر سبحانه وتعالى، والله يعلم من يستحق أن يهتدي، وهذه ليست للدعاة.
إذاً ما الذي على الدعاة فقط؟ البيان، فقط البيان والبلاغ، أما نفس هداية الناس، أي هداية التوفيق، هذه ليست للدعاة. فممكن تعمل مشروع وتذكر وتذكر وتذكر وتكون مخلص وصادق ولا يتأثر أحد، احذر من الحزن، واحذر من أن تظن بأن هذا المشروع لم ينجح، لا؛ هو نجح عند الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنك بلغت رسالة الله سبحانه وتعالى، فالكرامة كل الكرامة أنك تنفذ مراد الله سبحانه وتعالى، أما النتيجة ليست لك، قد تقع، قد لا تقع.
إذاً هذا المعنى والوقفة الثانية المهمة أن الدعاة يبلغون الرسالة ويصدعون بأمر الله سبحانه وتعالى، ثم الله سبحانه وتعالى هو الذي سيبلغ. الواجب عليك فقط أنك تبلغ، أنك تصدق في البلاغ، أنك تخلص في البلاغ، أنك تلتمس أفضل الطرق في بيان الرسالة وبلاغ الرسالة، النتيجة لا تدري كيف تكون. إذاً هذه الوقفة الثانية والمهمة جداً في هذه القصة العظيمة.
الوقفة الثالثة: ثبات هذه المرأة عجيب. هذه الآن تواجه أعظم طاغية على وجه الأرض، كيف ثبتت بهذه القوة وهذه الصلابة؟ هذا أمر لا يمكن أن يفسره علماء الاجتماع ولا علماء النفس، هذا أمر خارج عن طاقة البشر، هذه كرامة، هذه كرامة إلهية وعطية ربانية لهذه المرأة. الله علم من هذه المرأة الصدق والمحبة له والتضحية والبذل، فقدر عليها مثل هذا الأمر أن تنطق باسم الله، ثم تقع الآن أمام البلاء أمام الفتنة، والله سبحانه وتعالى صبرها على هذه الفتنة العظيمة وعلى هذا البلاء الكبير جداً، وهذا هو الذي بلغ بهذه المرأة أعظم بلاء، أعظم بلاء يقع على المرأة أبنائها لتعلق قلب المرأة بهم.
هذه المرأة تنظر إلى أبنائها واحداً واحداً وهم يرمى بهم في هذا الإناء الكبير الذي يسع البقرة وتخرج العظام، فيلقي فرعون المجرم وجنده هذه النفوس الصغيرة، هؤلاء الأطفال، فيذوب اللحم ويخرج فقط العظم، والمرأة تنظر إلى هذا، الأول ثم الثاني ثم الثالث، كل الأبناء حتى وصلت إلى الابن الصغير الذي ترضعه، فكأنها تقاعست، هنا بدأ القلب يتأثر. انظروا إلى البلاء كيف يصل إلى حده وإلى مداه، لابد أن يصل البلاء مع هذا القسم من الناس إلى هذا الحد حتى تسمو المنزلة. هذه تصل المرأة إلى أن تكون في أن يشم ريح طيب، أنبياء الله سبحانه وتعالى من غير أن يكون عندها بلاء مثل هذا، يمكن؟ مستحيل.
هذه عطايا إلهية، هذه كرامات ربانية كبيرة لهذا القسم من الناس. طيب هذا البلاء يستطيع الإنسان أقول لك: إذا تدخل الله سبحانه وتعالى نعم، أما هو لا، هو ماذا يفعل الإنسان؟ يصبر ويصابر ثم ينقطع، هنا يأتي مدد الله سبحانه وتعالى. لكن انظر، هذه المرأة صبرت وصابرت حتى وصل البلاء إلى حد بدأت تتقاعس، فتدخلت كرامة الله سبحانه وتعالى، وأنطق الله الغلام كرامة لهذه المرأة حتى ما تخسر المرتبة المعدة لها. الله أكبر، هذه عطية والله، هذه عطية كبيرة وكرامة إلهية جليلة لهذه المرأة الصالحة التي قص النبي صلى الله عليه وسلم قصتها.
هذه المرأة لما قص النبي صلى الله عليه وسلم قصتها، ما الذي أحدثته في نفوس الصحابيات الجليلات؟ وقبل ذلك ما الذي أحدثته في نفوس الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ من يعرف مثل هذه القصص ويسمع ويعيش معها يعرف كيف كانت أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها تقاتل وتدفع وتدافع عن الإسلام، يموت أبنائها وثابتة. يعني كيف الخنساء يموت أربعة من أبنائها وتذكرهم بالله سبحانه وتعالى قبل القادسية وتحتسب الأبناء الأربعة كلهم في الميزان عند الله سبحانه وتعالى.
هذه القصص هي التي صنعت الصحابيات الجليلات، هذه القصص هي التي صنعت قبل ذلك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وعاشوا مع هذه القصة، فأصبح الواحد والواحدة منهم ومنهن يسعى جاداً لمنافسة هذا القسم الشريف من الناس، ولا يتمنى شخص هذا البلاء؛ لأن هذا البلاء لا يستطيع الناس عليه، إنما يثبت العبد صدقاً لله سبحانه وتعالى حتى إذا اعترضه البلاء أعانه الله سبحانه وتعالى.
لا يتمنى شخص هذا البلاء بحجة أو يريد أن يصل وقد لا تصل وقد لا تثبت، إذاً ما الحل؟ اعبد الله كما يريد الله سبحانه وتعالى منك، ثم إذا جاء البلاء واعترضك البلاء سيعينك الله سبحانه وتعالى بإذن الله على الثبات وعلى فعل المراد؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي يثبت: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ﴾ [الكهف: 14].
إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه القصة العظيمة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري