دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصالحين 13 | محمد بن المنكدر

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نكمل هذه السلسلة التي فيها العيش مع الصالحين من هذه الأمة. ومعنا اليوم بإذن الله سيرة وقصة تابعي جليل، من أشهر التابعين وممن انتقلت كلماتهم وآثارهم، واختار الله سبحانه وتعالى هذا الرجل من بين العدد الكبير من الناس في ذلك الزمان، حتى يشرف الله سبحانه وتعالى بأن يحفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

اليوم معنا بإذن الله سيرة وقصة محمد بن المنكدر. هو أحد علماء المدينة، وأحد الزهاد والصالحين المشهورين المعدودين في مدينة النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الرجل منّ الله سبحانه وتعالى عليه ببيت طيب صالح مبارك، فوالده كان من الصالحين الأخيار الأبرار، ووالدته قريبة من عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهو من بني تيم. وأخوه أبو بكر من الصالحين، وكذلك أخوه محمد وكذلك أخوه عمر من الصالحين، فهو في بيت صلاح وتقوى.

وكذلك البيئة كانت بيئة صالحة، ولما يجتمع للشخص البيت الصالح مع البيئة الصالحة -أقصد في البيت أي الأسرة، وأقصد في البيئة أي المجتمع- هذا يكون عونًا كبيرًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. هذا الإنسان عادة ما يجاهد كما يجاهد غيره؛ لماذا؟ لأن هذا الطريق يكون ممهدًا له وميسرًا له في العبادة، بخلاف الذي تكون بيئته ومجتمعه مخالفًا لأسرته، أو يكون هو مخالفًا لأسرته.

فالحالات ثلاث؛ الحالة الأولى أن يكون الشخص مخالفًا للأسرة ومع المجتمع، وهذه أصعب الحالات على الإطلاق، أن يكون الشخص مخالفًا للأسرة القريبة منه وكذلك المجتمع والبيئة، وهذه حالة صعبة جدًا. الحالة الثانية أن يكون الشخص مع أسرته ضد المجتمع، وهذه الحال كذلك من الحالات الصعبة ولكن الشخص يكون فيها أيسر عادة من الحالة الثالثة، وهي أن يكون الشخص مع المجتمع ضد أسرته.

فهذه الحالات الثلاث ما يخرج عنها الإنسان الصالح؛ إما أن يكون هو ضد المجتمع مع الأسرة فيكون وحيدًا وغريبًا ويشعر بغربة كبيرة، أو يكون هذا الإنسان مع الأسرة ضد المجتمع فيعيش غربة الأسرة، ولكن غربة الأسرة أيسر من غربة البيت، أو يكون هو مع المجتمع ضد الأسرة، فيكون الأب سيئًا والبيت ليس بصالح، ولكن المجتمع يغلب فيه الصلاح، فيبتلى هذا الإنسان أن يكون من أسرة غير صالحة فهو صالح لكنه من أسرة غير صالحة.

محمد بن المنكدر كان من مجتمع صالح، مجتمع المدينة، وكذلك البيت كان صالحًا؛ فوالده كان صالحًا وكان والده يأخذه هو مع إخوته إلى الحج وهم صغار يقول: أعرضهم على الله سبحانه وتعالى. وكذلك إخوة محمد بن المنكدر كانوا من الصالحين الأبرار الأتقياء، فهو وجد في بيئة صالحة وفي بيت صالح، وهذا عون حسن على العبادة.

وهذا الأمر ما يختاره الإنسان، يعني هذا أمر قدري؛ الإنسان لا يختار البيئة التي يولد فيها، ولا الزمان الذي يولد فيه، ولا المكان، ولا الأب والأم. هذه أمور قدرية، والقصد من ذلك هو كشف مثل هذه المعاني؛ فإذا الشخص لما يكون في بيئة صالحة وفي أسرة صالحة من الطبيعي جدًا أن يكون هذا الإنسان صالحًا ولا يتعرض إلى الفتن التي يتعرض إليها من يكون في بيئة غير صالحة.

أي الحالتين أفضل؟ أقول لك: السلامة في البيئة الصالحة، ولكن الأجر في البيئة غير الصالحة؛ يعني شخص لما يكون في بيئة غير صالحة ويقاوم هذا يكون من الغرباء، لكن السلامة لا يعدلها شيء، ولا ينجو من هذه المعركة -أي معركة البيئة والمجتمع- إلا الأفراد، أما عامة الناس ما يستطيعون النجاة في هذه المعركة، فالذين يهتدون ويثبتون هم فقط الأفراد، أما عامة الناس ما يقوون على هذا.

القصد أن محمد بن المنكدر كانت هذه بيئته، هو من قريش من بني تيم، ووالدته جارية اشتراها والده بعد ما بعثت عائشة رضي الله عنها وأرضاها له المال، فاشترى هذه الجارية وأنجب منها هؤلاء الأبناء الثلاثة الأخيار الأبرار الصالحين. ميزة هذا الرجل كانت بعلمه وعقله، فكان هو ممن جمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، وروى ما يقارب من مائتي حديث، وكذلك كان من الزهاد الصالحين.

والآن يأتي كشف طبيعة هؤلاء الأشخاص. تكلمنا عن ابن سيرين وتكلمنا عن رجاء وتكلمنا عن سعيد بن المسيب، تكلمنا عن عروة بن الزبير، كل واحد وطبيعته وشخصيته. محمد بن المنكدر كان من الشخصيات التي يغلب عليها الرقة، يغلب عليها الانكسار، يغلب عليها التأثر؛ هو كان من هذه الشريحة من الناس، والناس في هذا الباب يتفاوتون كما ذكرت.

هو من الشريحة التي تتأثر مباشرة ويكون تأثرها قويًا. وتعرفون بعض الناس إذا تأثر ما يسيطر على نفسه، هو لما يبكي ويتأثر لا يتكلف هذا أبدًا، حتى حركاته ما يتكلفها. بعض الناس يحرص على إخفاء عمله وعنده القدرة على إخفاء عمله، ولكن بعض الناس لما تأتيهم هكذا لحظة الانفجار العاطفي الإيماني ما يقوون على إخفائها، ومن هؤلاء محمد بن المنكدر.

فمحمد بن المنكدر كان إذا صلى وأراد أن يخرج من المسجد يرفع يديه ويدعو، ثم يمشي ثم يرفع يديه ويدعو، فالناس ينظرون إليه كأنه مودع للمسجد من شدة حبه وتعلقه في هذا المكان الطيب المبارك في المسجد، كان إذا أراد أن يخرج منه يدعو بهذه الطريقة. ومرة من المرات صلى في الليل وأخذ يبكي حتى أغشي عليه، فأخذ أهله يسألونه: لماذا تبكي كل هذا البكاء؟ ما استطاع أن يتكلم، حتى دعوا أبا حازم سلمة بن دينار صاحبه فسأله، فقال: أبكتني هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47]، فبكى معه أبو حازم.

فالقصد من ذلك أن محمد بن المنكدر هو من هذه الشريحة الطيبة الرقيقة التي يظهر أثر الإيمان في وجهها، والشريحة التي لا تملك نفسها، لذلك لما كان إذا سئل عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام كان يبكي من رقة قلبه. وكذلك كان يقول مالك بن أنس وكذلك ابن الماجشون: رؤية وجه ابن المنكدر تنفعني في ديني.

كيف هذا الشيء؟ ترى الإخلاص في وجهه، وهذا موجود في بعض الأشخاص، بعض الأشخاص سبحان الله يظهر من تراهم أثر العبادة في وجهه، وهذا طبعًا موجود في الصالحين، لكن بعض الصالحين يكون هذا الباب قويًا عنده، يكون الأثر أقوى من غيره؛ لماذا؟ لرقة القلب الفطرية الغريزية. لما تجتمع هذه رقة القلب الطبيعية في هذا الإنسان مع الإيمان يكون الأثر جدًا ظاهرًا.

بخلاف الشخص الذي يكون شديدًا، يظهر لما يتم استنطاق إيمانه وتحريك إيمانه، أتمنى أن تكون هذه الصورة واضحة. بعض الناس يكون رقيقًا بطبعه، هو هكذا رقيق، وهذا الشخص الرقيق ما يقوى، يبكي هكذا بسرعة ويتأثر، وأثر هذا يكون بادٍ على محياه، على وجهه.

لذلك تجدون في سيرة محمد بن المنكدر أحيانًا كشف بعض أعماله، وهو هذا الكشف سببه طبيعته وليس قصد الكشف. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. بعض السلف كان إذا صلى يقول: "أمس صليت"، لماذا يقولها؟ هو ما يقولها رياءً، إنما هو يقولها من باب التحدث بالنعمة.

وهذا تجدونه ظاهرًا في سيرة ابن المنكدر؛ ابن المنكدر كان عنده جار مبتلى، هذا الجار كان يصيح بالبلاء، فهو يرفع صوته بالحمد، فيقال له في ذلك، فيقول: "رفع صوته في البلاء، وأنا أرفع صوتي بشكر الله، أرفع صوتي بالنعمة". انظر، هذه ما يفعلها لو كان سعيد بن المسيب، ما يفعل هذا، ورجاء بن حيوة ما يفعل هذا، لكن محمد بن المنكدر يفعل هذا.

هنا يا شباب تفاعل الشخص مع الدين مبني على طبيعته النفسية. ممكن شخص يفعل هذا الفعل يكون مرائيًا، وأما آخر ما يكون مرائيًا، إنما يفعله من باب إظهار النعمة. محمد بن المنكدر كان يصلي ويرفع يديه أمام الناس إذا أراد أن يخرج من المسجد، وكان يبكي ما يملك نفسه لما يحضر حديث النبي ﷺ فكان يبكي ويتأثر، وكان هذا ظاهرًا في سيرته. فكان إذا قرأ الآية يبكي، وأخذ يبكي ولا يستطيع يتكلم حتى يأتي أبو حازم فيخبره بهذا فيبكي معه، حتى كان يشكو لأبي حازم يقول: "إن الناس يثنون علي".

الناس يثنون على قسمين من الناس؛ قسم من الناس يكون حاله مثل حال ابن المنكدر، يعني يكون هو باطنه مثل ظاهره، وهذا غالبًا يكون ثناء الناس عليهم أكثر. والقسم الآخر الذي يكون باطنه أفضل من ظاهره، فكذلك الله يطرح محبته في قلوب الناس، لكن هذا الأول الناس ينظرون إلى أفعاله، فلما ينظرون إلى أفعاله يثنون عليه، بخلاف الشخص الذي ما يعرف، فيكون هذا بينه وبين الله. فالقصد من ذلك حتى تفهم هذه الكلمات بطريقة صحيحة.

ننظر إلى سيرة محمد بن المنكدر مع صاحبه الثاني، الإسكاف الذي كان يدعو في المسجد، كيف أن أهل المدينة استسقوا فلم يسقوا، حتى كان محمد بن المنكدر في المسجد يصلي ويدعو الله سبحانه وتعالى، إذ وجد رجلًا مقنعًا في المسجد، فدعا الله سبحانه وتعالى وقال: "أي ربي، إن أهل مدينة نبيك استسقوك فلم تسقهم، أقسمت عليك يا ربي أن تسقيهم"، فنزل المطر.

فقال: "أي ربي، ليس هكذا"، وبدأ يتكلم، فتعجب محمد بن المنكدر ونظر إليه لما خرج من المسجد وعرف مكانه، فأتاه من الغد، صلى الضحى ثم ذهب إليه فدخل عليه وهو كان يعمل، قيل إنه إسكاف وقيل غير ذلك. فلما أتاه محمد بن المنكدر وهو مشهور في المدينة، وهذا الإنسان لا يعرف ويقال بأنه كان فارسيًا، حتى لم يكن عربيًا، فقال له: "أنا صاحبك البارحة".

فغضب هذا الرجل وسأله بالله بأن لا يخبر أحد، فقال: "هل لك في مال يفرغك من هذا؟" قال: "لا، لكني لا أريد منك أن تذكرني لأحد"، يعني هو قال أنا أعطيك مالًا وأفرغك. وكان محمد بن المنكدر من ميزته كذلك أنه كان يفرح بإعانة الإخوان، ولما قيل له: "ما بقي من لذاتك في الدنيا؟" قال: "إدخال السرور على الإخوان". وكان هو قد فرغ صفوان بن سليم، وكان يقول لأبنائه: "ما ظنكم برجل فرغ صفوان بن سليم لعبادة الله سبحانه وتعالى؟".

لماذا يقولها؟ هذا طبيعته هكذا. طبعًا ليس من الصواب أن الشخص يكشف عمله، لكن أنا أريد أتكلم عن دائرة معينة، أحيانًا تكون في بعض الناس طبيعي أن الشخص الذي هذه صفته يكون هذا تعامله، بخلاف الشخص الذي بالأصل كتوم؛ ذاك الذي بالأصل كتوم ولا يتكلم، هذا حتى الشيء الذي ينبغي أن يظهر ما يظهر، أما هنا يكون الأمر بالعكس.

لذلك لما تقرأون هذه الكلمات النورانية، اقرأوها مع طبيعة الإنسان حتى تفهموا كيف هؤلاء امتثلوا الإسلام وكيف طبقوه في حياتهم، هذا ليس رياءً وليس هذا عجبًا، إنما هذا يفعله من باب أن يقتدي الناس به، أن يقتدي أبناؤه به، أن يعرف أبناؤه أن والدهم بهذه الطريقة فيتأثرون ويقتدون بأبيهم. بعض الآباء لا يفعل هذا، إنما يكتم هذا الشيء، يكون كتومًا، مثل ما أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه لما كشف ما وقع لهم في غزوة ذات الرقاع ثم كره ذلك، كأنه هو يقول ابنه، كأنه كره أن يكون قد أظهر بعض عمله.

طبعًا هذا هو الأصل، الأصل أن يكون العمل في ديوان السر، ولا يجعل الشيطان الإنسان حتى يظهره، فيخرجه من ديوان السر إلى ديوان العلانية فيقل أجره، لكن هنا تفاعله هكذا، تفاعل رضي الله عنه ورحمه هو بهذه الطريقة، هو يتأول في هذا ربما أن يقتدي أبناؤه به. القصد أن طبيعته هكذا، فهو ما يملك لما يصلي يبكي، يبكي بكاءً كثيرًا ولا يستطيع أن يكتم هذا، هذا يرفع صوته بالبكاء، أو يرفع صوته بالحمد.

ثم يأتي عند هذا الرجل ويقول: "أنا صاحبك البارحة" مباشر هكذا صريح، وهو هذه طبيعته هكذا. فذاك الرجل، هذا الإسكاف، يغضب ويقول: "لا تأتني، أنت رجل مشهور، لا أريد أن تشهرني"، ثم بعد ذلك يخرج من المدينة ولا يرى بعد ذلك، ولا يعرف أي مكان يذهب إليه، فيقول أصحابه: "الله بيننا وبين المنكدين"، أي أهله، "الله بيننا وبين المنكدر"، أخرج منها هذا الرجل الصالح، فتسبب بهذا.

القصد من هذا أن محمد بن المنكدر رحمه الله تعالى كان من هذه الشريحة، وكذلك هو كان بارًا بوالدته، فكان يضع وجهه على الأرض ثم يقول لوالدته: "ضعي رجلك على وجهي". القارئ لما تقرأ في مثل هذه القصص تقول: كيف يفعلها؟ والبعض يستنكر مثل هذه القصص أو ربما ما يصدقها، يقول: هذه من زيادات الرواة، لا ليس من زيادات الرواة، هو طبعه هكذا، يعني هو من هذه الشريحة، الشريحة التي تتفاعل بسرعة ويكون تأثرها بهذه الطريقة، يريد أن يبر والدته، فهكذا يضع وجهه على الأرض ويقول لوالدته: "ضعي رجلك على وجهي"، هو هكذا.

وأما أخي عمر يصلي؛ طيب، الآن أليس مفترضاً أنه ما يخبر بهذا؟ لا، هو يخبر بهذا لأنه هو هكذا. وهو لا يستحضر أبداً أن هذا من باب الرياء، إنما يستحضر أن هذا من باب: وأما بنعمة ربك فحدث. فكان يغمز هكذا بيدلك رجل أمه.

وأخوه عمر يصلي، يقول: والله ما أحب أن أجر ليلتي بأجر ليلته، لماذا؟ لأن بر الوالدة أعظم من قيام الليل من حيث الأصل. كذلك مرة من المرات، هو كان يقرأ القرآن على ابنه، ابنه معه المصحف ويقرأ عليه القرآن، حتى مرت عليه مولاة، فكلمها فضحك إليها.

ثم أقبل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. ابنه يقول: حتى ظننت أنه قد حدث شيء، فقلت: مالك؟ فقال: أما كان لي في القرآن شغل حتى مرت هذه فكلمتها؟! بالله عليكم، كم مرة الواحد منا فتح المصحف ثم نظر إلى الجوال، ونظر هل أحد أرسل له شيء؟ هل أحد؟ وربما هكذا من غير شيء، يعني شيئاً لا قيمة له، فقط هكذا.

وهو بين يدي الله سبحانه وتعالى يخاطب الله سبحانه وتعالى، ولا يستحضر أبداً أنه فعل شيئاً كبيراً، ويرجع بعد ذلك ويقرأ وكأنه لم يفعل شيئاً. كان ابن عمر إذا قرأ القرآن يقول -فكما جاء في الصحيح- كان يقول: إذا أخذ في قراءة القرآن لا يكلم أحداً، لا يكلمه حتى جاء في يوم من الأيام وقرأ آية من سورة البقرة، ثم قال: أتدري كذا؟ ففسرها له، لكنه إذا أخذ في قراءة القرآن لا يكلم أحداً.

فانظر، أما هنا محمد بن كعب القرظي من هذه الشريحة، يعني ممن يعرف من هو الله. لذلك هذه الشريحة لما تسمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام -مثل مالك بن أنس: اخفض صوتك يا أمير المؤمنين- وهكذا هنا لما يقرأ القرآن ثم تمر هذه ويكلمها ثم يرجع، لا يرجع على طول، إنما يقول: إنا لله، كيف الآن أنا قدمت هذه وضحكت معها وأنا القرآن بين يدي؟ هذا الاستحضار هو الذي بلغ بهذه الشريحة؛ هؤلاء إيمانهم عالٍ، لذلك تعاملهم وعباداتهم هذه ليست عبادات عادية.

إنما هو يستحضر الذي لا يستحضره غيره، هو يعظم ما لا يستعظمه غيره، لذلك موقف مثل هذا يتأثر فيه. كذلك من درر الكلام رحمه الله تعالى أنه كان يقول: ليأتين على زمان لا يخلص فيه إلا من دعا دعاء الغريق. تعرفون أثر حذيفة: يأتي ناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغريق لكثرة الفتن. هنا يقول: ليأتين على الناس زمان لا يخلص فيه إلا من دعا دعاء الغريق.

لماذا؟ لكثرة نوازع النفس. وهذا يكشف لك كذلك مواقف محمد بن كعب القرظي، أنه كان يفعل هذه الأفعال من غير أن يستحضر أن هذه لها علاقة بالرياء، لماذا؟ لأن النفس مقبلة على الطاعة، هو في بيئة صالحة وفي بيت صالح، مثل هؤلاء ما يعرفون الأشرار. بل أصلاً في زمانهم ما كان يوجد كذب في الحجاز، يعني ما في أحد يكذب، ليس فقط الآن العجب والرياء وإرادة الشخص بعمله الدنيا، في زماننا لم يكن هذا، والذي كان يعمل الأعمال السيئة كان قليل مغمور بين الناس، ليس كثيراً.

وهو في البيئة بهذه الطريقة وفي أسرة بهذه الصورة، وغالباً كذلك هذه الطريقة في التعامل هو يكون أخذها من البيت، وهذا كثير في الناس؛ أنه يأخذ تعامل معين من المنزل فيتعامل مع الناس بناء عليه، ولا يستحضر أن الناس ليسوا بهذه الطريقة. فالقصد من هذا الكلام كله، أنه يقول هنا: ليأتين على الناس زمان لا يخلص فيه إلا من دعا كدعاء الغريق.

لماذا؟ لكثرة النوازع. هو في زمان ما توجد نوازع كثيرة، فالإخلاص ميسر، لكن يأتي على الناس زمان: هناك كاميرا، هناك تسجيل، هناك نوازع كثيرة جداً، هناك شهادات، هناك شهرة، هذه كلها تأخذ من إخلاص الإنسان، والإنسان يتساهل في دخوله في الأبواب القاضية على إخلاصه ولا يبالي بها، وأسهل ما يكون عنده أنه يتأول هذا نصرة الدين، ويكون تأوله ليس في محله، وهو يعلم بأنه ليس في محله.

بدليل أنه ما يدخل هذا الباب دخول المكره، ما يدخل هذا الباب دخول الشخص الذي لا يريد أن يشتهر، إنما يدخل هذا الباب دخول الشخص الذي يريد أن يعرفه الناس ولا يستحضر حديث: «فقد قيل». لا يستحضر هذا، وليس يكون عنده عمل سر، ويكون عنده عمل علاني أحب إليه من عمل السر، هذه كلها أمارات قوية على أن هذا الإنسان ليس بمخلص، وأن عمله هذا ليس لله سبحانه وتعالى، بخلاف الشخص الذي يدخل هذا الباب مكرهاً، يدخل هذا الباب وهو يريد أن ينصر الإسلام، ولكن أحب إليه أن يكون العمل بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ولا يعد هذه الأعمال ولا ينظر إليها ولا يلتفت إليها ويتعامل معها تعامل البلاء، ليس تعامل الشخص هكذا يسعد فيها.

هو كان يقول لأبي حازم -كان يشتكي لصاحبه-: إن الناس يثنون علي ولم أصنع لهم معروفا. إن الناس يثنون علي ويحبونني ويحمدونني ولم أصنع لهم شيئاً. فرد عليه أبو حازم وقال: لا تظن بأن هذا من قبلك، إنما هذا من الله سبحانه وتعالى، فاشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، يعني ارجع إلى الله سبحانه وتعالى، لا تظن بأن هذا منك أنت. هو نفسه متعجب، أن كيف الناس يمدحوني ويثنون علي وأنا ما فعلت لهم شيئاً؟ أنا أخلص بيني وبين الله سبحانه وتعالى، فالله أقبل بقلوب الناس عليه.

وهذا متواتر في سيرته، أن محمد بن المنكدر كانت الناس تحبه وتميل إليه وليس له أعداء. محمد بن المنكدر من الشريحة التي ليس لها أعداء، لماذا؟ هذه الشريحة التي يغلب عليها التعامل بهذه الطريقة، هذه الشريحة باطنها كظاهرها، وشريحة طيبة، شريحة لا تكيد ولا تدبر وتخطط كثيراً، إنما شريحة صافية جداً وطبيعتها هكذا، طبيعتها بهذه الطريقة، شريحة صافية طيبة نقية صالحة، ما في باطنها مباشرة يكون على ظاهرها.

فتبكي أمام الناس وتتأثر ولا تملك هذه الانفعالات، وهذه سبحان الله رأيتها في الحياة كذلك من بعض الصالحين، يعني يفعل أشياء ما يفعلها البقية، وهو لا يستحضر أبداً أن هذا رياء، لو فعل شخص آخر يكون رياء، لكن هو ليس رياء أبداً، إنما يفعله هكذا انفعال مباشر، يعني هو تفاعل مباشر وما يملك أنه ما يفعل هذا الشيء.

مرة كنا مجتمعين -هذا كلام قديم- وكان هكذا مجلس يعني فيه حديث عن الدعوة والعمل الإسلامي إلى آخره، كلام يعني قديم جداً، فكان معنا شخص من هذه الشريحة، كان معنا شخص هو من هذه الشريحة يعني ما يملك أن يكتم الكلام. ففي وسط الجلسة والكلام كان جدياً في تخطيط للأعمال الدعوية وهكذا، قال: يا شباب، لو سمحتوا أنا بتكلم، أريد الكلام. تففضل. قال: اذكروا نعمة الله سبحانه وتعالى في هذا المجلس. ثم قال: والله لو ما سمحتوا لي أن أتكلم لأفعلن كذا وكذا.

وتكلم، يعني كلمة عارضة لا علاقة لها بما نقوله الآن، لكنه استحضر فضل الله سبحانه وتعالى ونعمة الله سبحانه وتعالى، فأراد أن يذكر وبكى. طيب، لماذا ما يكتم هذه؟ ما يستطيع، يقول: لو أنا كتمتها ما أستطيع. هذه شريحة موجودة، بعض الناس هكذا، يعني يغلب عليه شعوره الداخلي، يغلب عليه حتى يظهر في كلماته وفي أفعاله، ليس الظهور الذي معه شيء من الكتم، إنما الظهور الذي لا كتم معه، إنما يكون غالباً عليه.

وهذا محمد المنكدر من هذه الشريحة، لكن لما يضع وجهه على الأرض يقول لأمه: ضعي قدمك على وجهي، هذه كلمة حق وهو فعلها، ولا يستنكر فعلها، يعني لا تقرأ وتقول: لا، انتبه، وليقل بعد ذلك المؤرخون والكتاب ما يقولون؛ هذه الشريحة من طبيعتها تفعل هذا الشيء. يعني هذا الموقف غير مستنكر مع هذه النوعية من الناس، نعم، سيد قطب ما يفعلها وغيره ما يفعلونها، لأن طبيعة النفس فيها شدة، فيها وعورة، هذا ما يفعل مثل هذا الفعل، لكن هذا يفعل هذا، ويكون سهلاً عنده وليس صعباً، ويتأول في هذا الفعل أن هذا الباب أنا أريد أن أثبت خضوعي لأمي، وممكن يتأول قول الله تعالى في خضوع الوالدين: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24] أن هذا من خفض الجناح والانكسار وهكذا.

وقس من ذلك أن محمد بن المنكدر من الأبرار الصالحين الأتقياء، الذين فتح الله عليهم واختارهم الله سبحانه وتعالى. ذكرنا لكم هذه السلسلة، أن علامة اختيار الله للعبد هي انتشار ذكره الحسن، فلما يكون شخص من هذه الأمة ينتشر ذكره بهذه الطريقة ويثني الناس عليه مثل هذا الثناء، ويقرأ الناس سيرته ويتفاعلون معها ويستفيدون وينتفعون من هذا الانتفاع، هذه علامة خير كبير.

لذلك هو لما حضرته الوفاة وكان عنده أبو حازم، أخذ يذكره ويسليه، ذكر له بأنه يرى ما لا يرى، وأثنى أو مدح حاله، ثم أفضت روحه إلى بارئها رحمه الله تعالى رحمة واسعة. لكن وقس من ذلك أنه كان كذلك كريماً، وكان يطعم الطعام، وكان يحب إدخال السرور على إخوانه، كان يفرح بإدخال السرور على إخوانه، فكان يحب لقاء الإخوان.

وعلى فكرة، هذه الشريحة لا تعتزل، هذه فائدة كذلك؛ هذه الشريحة لا تقوى على العزلة الكبيرة، لأن طبعها فيه خلطة، طبعها فيه لقاء مع الناس، لكن الناس تحبها. لذلك هو كان يلتقي مع الناس والناس يميلون إليه كثيراً ويحبونه، وكانوا يستجلون عليه، وهو يحب هذه المخالطة. لكن لما قيل له: ما بقي من لذتك؟ قال: لقاء الإخوان وإدخال السرور عليهم.

هذا إنسان طيب فقيه، فهذا الباب من الأبواب المفتوحة له. وأعظم الأعمال عند الله سبحانه وتعالى سرور تدخله على مسلم، أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم؛ هذا الباب يتفاعل مع محمد بن المنكدر تفاعلاً قوياً، لذلك هو هنا يقول: إن هذا الذي باقي عندي لقاء الإخوان مع إدخال السرور عليهم.

هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الرجل العبد الصالح الذي فتح الله عليه وجمع له بين محبة العبادة والصلاة خاصة وبر الوالدة العظيم، وكذلك الإنفاق في سبيل الله والصدقة، وكذلك طلب العلم، فاجتمعت له من العبادات الشيء الكبير. وكان هو وأخوه أبو بكر وكذلك أخوه عمر كلهم من الأتقياء الأبرار، حتى إن جاء أعرابي ودخل المدينة فنظر إلى أهل المدينة ونظر إلى آل المنكدر، فلما خرج قيل: ليت الناس كلهم من آل المنكدر.

وكان يقول هو وغيره لأهل المدينة: إن استطعتم أن تكونوا من أبناء المنكدر فكونوا. لماذا؟ لصلاح هذا البيت. وهذا دليل كذلك على صلاح الأب، وهو يقول: محمد بن المنكدر إن الله سبحانه يحمي الولد وولد الولد، يحفظ الله الولد وولد الولد، بل الدويرة كلها، بل الدويرات المجاورة بصلاح الرجل. ولعل هذا أخذ من قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].

ولم يكن الله سبحانه وتعالى ينزل العقوبات على أعداء الأنبياء إلا بعد إخراج الأنبياء، فما ينزل البلاء عليهم إلا بعد ما يخرج النبي؛ إذا خرج النبي وابتعد، هنا تحل العقوبة فيها. ولذلك الله سبحانه وتعالى يحمي برجل صالح مصلح الأمة من البلاء العام، وفي هذا نصوص كثيرة كما تعلمون. إذاً، هذا ما يتعلق بسيرة هذا الرجل الصالح، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.