دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 01 | بلال بن رباح رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فأحييكم إخواني وأحييكم، وسدد الله على طريق الخير خطانا جميعاً.

نبدأ بإذن الله بهذه السلسلة التي عنونت بعنوان العيش مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وقبل الحديث عن صحابي اليوم، يودي أن أتكلم بمقدمة موجزة حول طبيعة هذه السلسلة وأهمية هذه السلسلة.

الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾. فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق واختار منهم الأنبياء، وكذلك اختار منهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وفي كل جيل الله سبحانه وتعالى يختار من يقيم به دينه.

الله سبحانه وتعالى اختار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بعد ما اطلع إلى قلوبهم، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، بأن الله اطلع إلى قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعه برسالاته، ثم اطلع إلى قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه.

إذاً الصحابة رضي الله عنهم هؤلاء هم مختارون من قبل الله سبحانه وتعالى. هؤلاء قوم اختارهم الله سبحانه وتعالى واصطفاهم من بين جميع البشر، حتى يقيم بهم الدين. وهؤلاء الصحابة كانوا على مراتب وعلى درجات.

النبي عليه الصلاة والسلام بعث في مجتمع من المجتمعات، وتعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع المجتمع كما يتعامل أو تعامل المجتمع وفق طبيعة المجتمع. هذا المجتمع عبارة عن أناس شرفاء، وعبارة عن أناس عاديين في المجتمع، أغنياء، فقراء، أذكياء، ناس غير أذكياء، وهكذا. فهو مجتمع، والمجتمع ما يتغير من حيث الصفات إلا تغير يسير، الذي تغير هو الديانة، ولكن نفس الإنسان به شقان: شق لا يتغير أو يكون تغيره بسيطاً، وشق ثانٍ تغيره سريع.

لعل هذا يكون له موطن آخر في التفصيل في هذه المواطن، لكن القصد أن النبي عليه الصلاة والسلام تعامل مع الإنسان، والله سبحانه وتعالى اختار من هذا الإنسان أناس يحمي بهم الدين. وهؤلاء أي الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم عبارة عن بشر، هؤلاء البشر لهم صفات مختلفة أو خلقوا من تربة مختلفة؛ فمنهم الحليم ومنهم الشديد، منهم العالم ومنهم شخص غير عالم، وهكذا، فهم عبارة عن مجتمع المجتمعات به أناس يختلفون بطباعهم، ويختلفون بأوصافهم، ويختلفون كذلك بمواهبهم.

من المهم جداً أن نعرف هذه المعاني حتى نعرف كيف نستفيد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كيف ننتفع منهم، والشخص يعرف هل هو أقرب لهذا الصحابي أو لهذا الصحابي، ومن أسعد الناس بالتشبه بهذا الصحابي وهكذا. فما يستطيع شخص يأتي مثالاً عثمان بن عفان ويريد أن يكون في التطبيق العملي -ولا أقول باعتقاده ومحبته وتعظيمه إلى آخره- عمر بن الخطاب، لا يمكن. لا يمكن أن تأتي واحد صفته مثل عثمان وتريد أن تجعله بالقوة مثل عمر، لأن عثمان ما كان مثل عمر ولا عمر مثل عثمان، ولكن عثمان أحسن عبادة الله سبحانه وتعالى وعمر أحسن عبادة الله سبحانه وتعالى.

هذا الإسلام عبارة عن دين أنزله الله سبحانه وتعالى اختلط بالإنسان، وهذا الإنسان له أوصاف. هذا الإنسان امتثل الإسلام بناءً على فهمه للإسلام وبناءً على قدرته على نفسه، وهذا له شرح يأتي في هذه المجالس. هذه المعاني ثقيلة ما تؤخذ بنظري فقط، التنظير ميزته أنه يعطي الشخص الصورة العامة، ولكن هذه الصورة العامة لا يمكن أن تملأ إلا مع الحوادث التطبيقية. فلما يكون في تطبيق وتطبيق وتطبيق، الآن يبدأ المنهج يتضح والشخص يعرف كيف يمتثل الإسلام في حياته، أما قبل ذلك ما يستطيع.

هذه السلسلة ستكون عبارة عن أمرين؛ ذكرنا الآن الأمر الأول المتعلق بهذا المعنى المهم، وهو طبيعة المجتمع وطبيعة الأفراد وطريقة امتثال الناس للإسلام بناءً على فهمهم بالدين، وهذا رقم واحد، وبناءً على طباعهم وعلى أوصافهم وعلى مواهبهم وعلى فتح الله سبحانه وتعالى عليهم. الأمر الثاني المتعلق بطريقة دراسة سير الصحابة.

الصحابة أكثر الناس يدرسون سيرهم بطريقتين: الطريقة الأولى الحفظ، والطريقة الثانية طريقة العرض العام. أما أن تأخذ منهج الإسلام وتفهم الإسلام من خلال الصحابة فهذا قليل جداً من يفعله، لأن نفس القدرة على تطوير هذه المعاني صعبة جداً.

الآن لما تأتي عند بلال بن رباح تريد أن تدرس بلال بن رباح، سيكون طرحك عاماً، هذا الطرح الوعظي، وهذا الطرح عظيم ومهم وسيكون موجوداً في هذه السلسلة، ولكن مع هذا الطرح نريد الطرح المنهجي. هؤلاء هم الذين فهموا الإسلام الفهم التام والكامل، وكل من جاء بعدهم هو يستقي فهم الإسلام منهم.

لا يمكن لشخص مهما بلغ -وكثير من الناس يتكلم عن أهمية اللغة واللغة مهمة- لكن اللغة المجردة عن فهم نفس طباع الصحابة وطريقة تفكير الصحابة وامتثال الصحابة وتطبيقات الصحابة، هذه اللغة ما تفيدك كثيراً. لكن ممكن يكون شخص عالم في اللغة ولكن يشطح كثيراً في فهم الإسلام، والإسلام بالأصل يفهم من الإسلام وليس من اللغة، اللغة تابعة للفهم.

وابن تيمية له نقاش عالٍ جداً مع أبي حيان في كتابه جواب الاعتراضات المصرية في طريقة فهم الإسلام. ابن تيمية عالج هذه المشكلات في واقعه بسبب وجود المخالفات الكثيرة التي وقعت من المتكلمين في طريقة فهم النصوص. نحن الآن في زمن غير زمن ابن تيمية في كثير من صور الواقع إن صحت العبارة، نحن الآن نريد أن نفهم الإسلام كتطبيق عملي، نريد أن نفهم العبادة كامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى أو تحقيق الذي يريده الله سبحانه وتعالى منا، ليس فقط في مبحث الباب أسماء والصفات أو طريقة الاستدلال المتعلقة بفهم نفس هذه النصوص التي عالجها ابن تيمية رحمه الله تعالى، بل نفس طريقة امتثال الإسلام في واقعنا؛ كيف نعبد الله.

نحن الآن في زمن ما في دولة إسلامية، ما في قوة إسلامية، ما في خلافة إسلامية. ابن تيمية في زمانه كان موجود هذا الشيء، فكان هناك جهاد، كان هناك من يقيم علم الجهاد ضد التتار وكذا. نحن اليوم الأسرى الآن، لو الآن القدس لو هدم اليوم من سيفعل شيئاً؟ تصور الآن لو الآن اليهود والنصارى -لعنة الله عليهم أجمعين وعلى كل من يعاونهم وكل من ينصرهم وكل من يؤيد-

هؤلاء المجرمون هدموا بيت المقدس. الآن كم صار له شهر كامل؟ من يستطيع أن يحمي القدس؟ لا أحد. الذي سنفعله فقط الدعاء ولا أقل منه، لكن الدعاء لوحده ما يكفي. الدعاء عظيم لكن لا يكفي لوحده، والإسلام ليس عبارة عن دعاء فقط، إنما عبارة عن دعاء وعن جهاد وعن كذا وكذا.

هذا الذي هو عبارة عن شرائع الإسلام الكثيرة، وطبيعة هذه الشرائع وعلاقة هذه الشرائع بعضها في بعض أعظم مما امتثله الصحابة. فلما تأتي عند بلال بن رباح تدرس سيرة بلال؛ هذا بلال نموذج فريد. تأتي عند خباب بن الأرت، تأتي عند عمار بن ياسر، تأتي عند خالد بن الوليد، تأتي عند عمر بن الخطاب، تأتي عند فلان وفلان وفلان. هؤلاء هم الذين فهموا الإسلام والذين بلغوا الإسلام.

إذن طريقة هذه السلسلة لن تكون طريقة وعظية صرفة، وإن كان هذا الأمر مركزياً ورئيسياً وسيكون موجوداً فيها، ولكن طريقة هذه السلسلة سيكون بعرض وطرح الأسئلة على الصحابي. لماذا بلال بن رباح؟ لماذا تم اختيار بلال؟ لماذا بلال بالذات هو الذي ثبت؟ لماذا بلال لما سأله النبي ﷺ عن أرجى عمل لم يقل بلال إنما قال كذا وكذا وسيأتينا؟ لماذا بلال بعد موت النبي ﷺ ما أذن؟ ولماذا خرج من المدينة، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون؟ لماذا ذهب إلى الشام؟ لماذا ذهب إلى الجهاد؟ ولماذا هو الذي اختاره النبي ﷺ حتى يؤذن؟ وما أثر الأذان على بلال رضي الله عنه وأرضاه في تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى؟ هذه كلها أسئلة من المفروض أن تطرح وأن تتم الإجابة عليها.

مع كل صحابي لما نتعامل معه بهذه الطريقة، نعيش مع هذا الصحابي ونأتي وننظر في منهج الإسلام وامتثال هذا الصحابي لهذا المنهج وفهمه وتنزيل المنهج على نفسه. فلما تأتي مثلاً عند أبي الدرداء، أبو الدرداء تاجر ترك التجارة، وعبد الرحمن بن عوف أفضل من أبي الدرداء وتاجر ما ترك التجارة؛ طيب لماذا هنا ترك وهنا لم يترك؟ من الذي يترك التجارة ومن الذي لا يترك التجارة؟ كيف فهم أبي الدرداء؟ كيف فهم أبو أمامة قول النبي ﷺ: «اللهم سلمهم وغنمهم» لما كان يريد الجهاد؟ إذا ليش هو طريق الجنة الجهاد؟ إذا ما هو الطريق؟ طريق الصيام، فأخذ يصوم حتى لا يرى في بيته نار، فإذا رؤي في بيته دخان قيل نزل به ضيف، حل به ضيف.

إذاً قد يكون بعض الناس ليس طريق الجهاد؛ ممكن يجاهد لكن الله لم يكتب له الشهادة، فممكن ما تدخل الجنة بهذا العمل. طيب ما هو العمل الذي ممكن تدخل به الجنة؟ بالصيام، غيرك ممكن يدخل الجنة بكذا. طيب هذا أنا كيف أعرفه؟ هذا هو مثال الصحابة. هنا لما الصحابة ما عرفوا نقطة البصيرة يا شباب، نقطة البصيرة. البصيرة ما تأتي بقراءة الكتب المجردة، الكتب الفكرية، ولا بالقراءات العامة، ولا بالمتابعات العامة؛ هذه ما تأخذ البصيرة الخاصة. البصيرة عبارة عن منظار يكشف الدقائق.

البصيرة بالنسبة للقلب مثل البصر للعين؛ شخص عنده عين لكن ما يبصر، فما يرى. نفس الشيء شخص قد يكون عنده قلب لكن كشاف البصيرة غير موجود عنده أو بسيط أو مو قوي. هذا الإنسان طبيعي جداً أن ما يكون امتثاله وفهمه للدين وطريقة تطبيقه له قوية. لذلك أنا بالنسبة لي لا أثق بأي إنسان لم يسبق له أن عاش مع القرآن الكريم ولا مع السيرة النبوية ولا مع الصحابة. شخص لما تسأل عن الصحابي كيف فهم كذا وكيف تعامل معه ما يعرف، هذا ما يرجع له في فهم الإسلام لأن هذا ما يعرف الإسلام أصلاً؛ هذا أخذ الإسلام من الكتب المجردة.

عالم يكتب كتاباً والعالم يعالج قضايا معينة في طرح عام، ولابد أن نفهم الطرح العام والطرح الخاص. التفصيل لا يؤخذ إلا من نفس القواعد التطبيقية. الطرح العام مهم لرسم المنهج العام، رسم الخطوط العريضة، ولكن نفس المفاوز أو نفس المراحل كما يقول ابن القيم، هذه 5 كيلو وهذه 4 كيلو وهذه كذا، هذه تحتاج إلى التطبيق العملي. التطبيق العملي والعيش معه والنظر في عقل الصديق، وفي عقل الفاروق، وفي عقل عبد الرحمن بن عوف، وفي عقل فلان وفلان، وكيف تعاملوا مع هذه القضايا، وكيف الصديق اتخذ قرار القتال هنا ولماذا الصحابة قالوا كذا؛ هذه هي التي توصلك إلى الإسلام، وهذه هي التي تعرفك الإسلام وتعرف تميز بين الاجتهادات التفصيلية الخاصة الدقيقة. أما الكلام العام والتنظيري فهذا يؤخذ من الكتب لكن عند التنزيل ما تستفيد منه كثيراً.

لذلك طرح هذه الأسئلة على الصحابة والبحث عن الإجابات عنها هي التي تصنع بإذن الله العقل. وستلاحظون بإذن الله هذا الأمر، نبدأ اليوم إن شاء الله تعالى هذا أول لقاء، وإن شاء الله نثنيه والعزم أن نستمر إلى رمضان القادم إذا الله يسر. وإذا الله يسر نكمل بعد فيكون هذا محض فضل الله سبحانه وتعالى. ولكن على الأقل الخطوة الأولى بالنسبة لي 50 صحابياً، 50 صحابياً مع صحابيات؛ يعني لا نكون فقط نتحدث عن الصحابة فقط، إنما سيكون كذلك حديث عن الصحابيات، عن أم عمارة، عن صفية عمة النبي ﷺ.

وهكذا بعد ما تكلمنا عن العشرة المبشرين بالجنة وكذلك عن أمهات المؤمنين، سيكون هكذا نأخذ جولة في فهم الصحابة رضي الله عنهم للإسلام، وننظر في تدين الصحابة وعبادة الصحابة وسر الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الذين اطلع الله سبحانه وتعالى على قلوبهم، فعلم أن هؤلاء هم الذين يستحقون والذين يقدرون أن يقوموا بحمل هذا اللواء الشريف الذي حمله النبي ﷺ ومعه هؤلاء الأخيار الأجلاء الفضلاء العظماء.

إذن هذه مقدمة صرنا نراها ضرورية ومهمة للحديث عن هذه السلسلة وطبيعة هذه السلسلة وطريقة السير إن شاء الله تعالى في هذه السلسلة. بإذن الله قبل كل لقاء سأتكلم عن الصحابي الذي سأتكلم عنه حتى تقرأون سيرة هذا الصحابي وتنظرون فيها وتتأملون فيها وتعيشون معها بإذن الله. والمجلس لن يكون طويلاً، المجلس سيكون بإذن الله غير هذا المجلس مع المقدمة، سيكون من ربع إلى نصف ساعة، لن نتجاوز النصف ساعة بإذن الله.

طيب اليوم معنا بإذن الله صحابي جليل وهو بلال بن رباح. والحقيقة كنت أريد أن أختار كعب بن مالك، ولكن سبحان الله اليوم وقع في نفسي أن أختار بلال بن رباح، واستخرت الله فالله سبحانه وتعالى...

شعرت أن في ميل كبير للحديث عن بلال بن رباح رضي الله عنه. بلال بن رباح هذا صحابي من الصحابة الكبار الذين آمنوا مع النبي عليه الصلاة والسلام مبكرًا. وذكر ابن عساكر قصة إيمان وإسلام بلال بن رباح. بلال حبشي كما تعرفون، وهو من الحبشة، وقيل ولد في مكة، وقيل ولد في قريب من الشام، وقيل قريب من اليمن. والقسم لذلك أنه كان في مكة وكان مولى لبني جمح من قريش.

بلال كان مولى وكان عبدًا، وقيل كذلك كان عبدًا لعبد الله بن جدعان كما ذكر ابن عساكر، وكان يَرعَى لعبد الله بن جدعان الغنم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يومًا قد خرج هو مع الصديق رضي الله عنهما، وتخفى النبي عليه الصلاة والسلام في غار من غيران مكة، ولقي بلالًا فناداه، وطلب منه أن يسقيه لبنًا. فرد بلال وقال بأنها ليست لي، إنما لي شاة واحدة فقط، فإن شئت حلبت لك هذه الشاة.

فدعا النبي عليه الصلاة والسلام ومسح على ضرع هذه الشاة، فامتلأ الضرع وشرب النبي عليه الصلاة والسلام، ثم شرب الصديق، ثم شرب بعد ذلك بلال، وبقيت هذه الشاة كما هي. فلما رجع بلال بهذه الغنم إلى مكة ورآها أبو جهل وكيف أنها نمت، عرف أبو جهل بأنه لقي النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يعرف بأنه مبارك. فذهب إلى عبد الله بن جدعان وناداه وقال: أصبأت؟ فأنكر ذلك عبد الله بن جدعان، فقال له بأن بلال لقي محمدًا، والله إنه قال ورب الكعبة إنه يعرف مكان محمد. فأنكر ذلك عبد الله بن جدعان وقال: لم أخرج لأعبد من مكة.

ثم بعد ذلك نادى بلال، وكان قد تخفى بدينه، ولكن لم يستمر هذا التخفي حتى اكتشفت هذه القصة. بالنسبة لي مكذوبة سندًا ومتنًا؛ لماذا؟ لأن بلال كان من السابقين الأولين للإسلام، فبلال آمن من البداية قبل أن يجهر النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته، بدليل ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمرو بن عتبة أنه رحل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله: قال: «من معك؟» قال: «معي حر وعبد»، قال: «معي حر وعبد؟» والحر هو أبو بكر والعبد هو بلال بن رباح. فهذه القصة ليست ثابتة، ولكن القصد من ذلك أن بلال آمن، هذا هو القصد، أن بلال آمن من أول من آمن في مكة.

وهنا وقفة: بلال من السابقين الأولين، والسابق لا يلحقه المتأخر إلا بعمل نادر؛ لذلك أنا لا أعرف من سبق السابقين الأولين إلا عمر بن الخطاب فقط، أما من جاء بعد ذلك فلا يوجد نص في سبق هؤلاء للمهاجرين والأنصار. الثابت في الدين أن أعلى الناس هم العشرة المبشرون بالترتيب: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم بعد ذلك بقية العشرة ولم نفاضل بينهم، ثم بعد ذلك يأتي المهاجرون، ثم يأتي الأنصار، ثم يأتي بعد ذلك من آمن بعد الفتح، وأصحاب بدر أعظم كذلك ممن جاء بعدهم وليس قبلهم، إنما من جاء بعدهم أعظم هذه الأمة على الإطلاق. ثم يأتي بعد ذلك أصحاب الحديبية، وفي خلاف بين العلماء هل الحديبية أعظم أو من شهد أحدًا، ولكن المشهور أن أصحاب الحديبية هم أفضل أمة.

وبالجملة، من آمن قبل الفتح أعظم ممن آمن بعد الفتح، لكن هل ورد من صحابي تأخر إسلامه سبق صحابي آمن قبله؟ الثابت فقط عمر بن الخطاب، ولم يثبت أن شخصًا آخر سبق من آمن قبله إلا عمر. عمر آمن في كما تعرفون في آخر السنة الخامسة وبداية السادسة، فسبق كل من جاء بعده، كيف عمر سبقهم؟ إلا الصديق طبعًا بصحة نيته وإيمانه، لكن أن يسبق هذا صعب.

فبلال هنا آمن في البداية. طيب، ما هي الميزة؟ الميزة أن هذا الرجل كانت تمر عليه الأيام المحملة بالحسنات؛ فبلال لما آمن في البداية، كل يوم يمر عليه كم يأخذ فيه من الحسنات، فلما يأتي شخص بعد عشر سنوات ويؤمن، ويبتلى مثل ما ابتلي أو قريب مما ابتلي، هذا ابتلي أكثر منك. وهذه الأيام التي سبقتك فيها كلها مرصودة عند الله سبحانه وتعالى، فاليوم الـ 24 ساعة عند هذا الإنسان ليست كغيره.

القصد أن الله اختار بلال حتى يكون من السابقين. طيب، بلال لماذا آمن؟ لماذا لما طرقته دعوة النبي عليه الصلاة والسلام آمن مباشرة؟ ما هو السر الموجود في بلال حتى يختاره الله سبحانه وتعالى؟ السر في بلال رضي الله عنه وأرضاه هو الصفاء. هو الصفاء، بلال معدنه كان صافيًا جدًا، وسأدلل على هذا المعنى بعد قليل بإذن الله.

الدعوة، أو شخص لما يدعو، هو لما يتكلم، الكلام هذا ما يدخل إلى القلب إلا بعد فتح القلب. القلب يتأثر بمؤثرات، وهذه المؤثرات تمنع القلب من التأثر. فلما يكون الشخص الذي يدعوه من أعدائه، أو شخص من أعداء والده، أو من أعداء قبيلته، أو من أعداء وطنه، ما يستجيب له؛ لماذا؟ هناك مؤثر نفسي، هناك مانع نفسي قوي من قبول الدعوة، بخلاف ما لو كان هذا الشخص قريبًا منك. لما يكون دينه غير الدين الذي كنا عليه، ما يقبل، وهكذا فالموانع النفسية قوية وكثيرة وما تنتهي.

طيب، لماذا بلال بن رباح آمن؟ لأن بلال بن رباح كانت الموانع عنده ضعيفة؛ لأن معدنه كان جدًا صافيًا. بعض البشر يا شباب لما ينقلب العالم وتنقلب التصورات وتتغير الحوادث والوقائع، يبقى صافيًا، معدنه ما يتغير، هذا الذي معدنه ما يتغير بسبب قوة المؤثرات، هذا هو أصفى المعادن. فبلال بن رباح كان معدنه صافيًا جدًا، هذا الصفاء المعدني لما طرقته دعوة النبي عليه السلام مباشرة التحمت فيه، ومباشرة التصقت فيه، وتمكنت منه تمكنًا عجيبًا، وستأتينا الحديث عن هذا التمكن.

فالآن دعا النبي عليه السلام، آمن بلال. إذًا سر قبول بلال لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام هو هذا الأمر. هناك أمور أخرى أو هناك أسباب أخرى لكنها ليست بهذه القوة، أما بلال فكان هذا المعدن الصافي هو الذي جعل الإيمان يدخل مباشرة. لذلك الفائدة الأولى والمهمة جدًا أن الإنسان إذا أراد أن يقبل الحق، وألا يجعل المؤثرات -أيها كان نوعها وما أكثرها في زماننا وفي كل زمان- تمنعه من قبول الحق أو بعض الحق، لا بد أن يصفي معدنه دائمًا.

لا بد أن تكون نفسه دائمًا مستعدة لقبول الحق. المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد. ما يعتد بنفسه الاعتداد هذا خطر إذا كان على حساب قبول الحق. قد يأتي شخص أقل منك بكثير بالعقل والعلم والمعرفة وكذلك بالديانة، ولكن الحق معه ليس معك؛ هنا لم يكن معدنك صافيًا تتقبل منه هذا الشيء، لكن لما لا يكون معدنك صافيًا ما تتقبل منه شيء.

ما هو المعيار الذي من خلاله نكشف هل نحن نقبل الحق أو ما نقبل الحق؟ أقول لك: هل تسمع لمن هو أقل منك وأصغر منك مثلما تسمع لمن هو أكبر منك وأعلى منك؟ إذا كنت بهذه الطريقة فأنت معدنك صافٍ 100%. لكن إذا كانت هناك نسبة تغير، والطبيعي أن هناك نسبة أنك تقبل ممن هو أعلى وأقوى مما هو أدنى، فهذا الأمر يدل على أن المعدن ليس صافيًا 100% إنما 50% أو 70% أو 80%. إذاً هذه الـ 20% لما يأتي الحق فيها ما راح تقبلها ولن تكون عندك واضحة، وسبب ذلك أن النفس داخلة، والنفس غير بريئة في معركتها مع العقل كما تعرفون، وذكرنا هذا في مواطن كثيرة.

إذاً سر اختيار بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه هو نظر الله سبحانه وتعالى إلى قلبه، وكذلك صفاء المعدن. فهذا النظر إلى قلب هذا الرجل هو اختيار من الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى بعث النبي ﷺ ودعا النبي ﷺ واختار النبي ﷺ. وكان يريد أن يؤمن أهله من قريش وأقاربه وأبو طالب وكذلك علية أهل مكة، لكن الله سبحانه وتعالى في تقديره كان يريد بلال بن رباح، وكان يريد عمار بن ياسر، وكان يريد خباب بن الأرت، ولم يكن يريد أبا جهل، حتى أبو سفيان الله لم يكن يريد له أن يؤمن الآن، إنما يؤمن بعد ذلك. إذاً معدن بلال كان أصفى من هذه المعادن.

الفائدة الأولى التي نأخذها من بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه: الفائدة الثانية، لما دعا النبي ﷺ الناس وآمن به جماعة من الضعفاء، منهم ما ذكرنا من المقداد وكذلك عمار وسمية وكذلك ياسر، ومجموعة من هؤلاء الضعفاء ابتلاهم أهل مكة. والبلاء الذي وقع في مكة كان على مراحل، من ضمن هذه المراحل مرحلة التعذيب، وكان أبو جهل هو عراب هذه الفتنة؛ فأبو جهل دعا أهل مكة إلى أن يعذبوا من آمن من أتباعهم، فبدأ هو بموالي بني مخزوم، وضرب عمار بن ياسر، وقتل ياسر، وقتل كذلك سمية، وعذب عمار حتى قال عمار ما قال رضي الله عنه وأرضاه، وذهب إلى النبي ﷺ واشتكى له بأبي وأمي، فقال: «كيف تجد قلبك؟» قال: «مطمئن بالإيمان»، قال: «إن عادوا فعد».

هذا البلاء الذي وقع، كما يقول ابن مسعود، كان الذي آمن مع النبي ﷺ سبعة؛ أما رسول الله فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما البقية فكانوا كفارًا مشركين، وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من رجل إلا وآتاهم على بعض ما أرادوا، ما خلا بلال. فقط هذا الإنسان لم يستسلم، فإنه هانت عليه نفسه وهان على قومه، حتى كانوا يعطون الغلمان يطوفون به في سكك مكة وهو يقول: «أحد أحد، أحد أحد». وأخذ أمية بن خلف وكذلك المجرم أبو جهل يعذبون بلال.

ويقول ابن حجر رحمه الله تعالى بأن بلالًا اشترك في تعذيبه أمية وأبو جهل، يعني هذا الصحابي بالذات تم تعذيبه بطريقة مختلفة، ومع ذلك هذا الصحابي بالذات كان ثباته مختلفًا. حتى سعيد بن جبير هو من أشجع التابعين، وتعرفون قصته مع الحجاج وقتل الحجاج له، كان يتعجب من عدم قدرة الصحابة على الثبات، فسأل ابن عباس: كيف كانوا يقولون هذه الكلمة؟ أي: اللات والعزى ربي من دون الله؟ فذكر له ابن عباس البلاء الذي كان يقع عليهم، وقال: كان الرجل منهم يؤخذ حتى لا يعقل ما يقول، وكان الرجل منهم يفعل به كذا وكذا، حتى كان يقال له: قل بأن الجعل ربي من دون الله، فيقول: الجعل ربي من دون الله، قل بأن اللات والعزى ربي من دون الله، فيقول: اللات والعزى ربي من دون الله.

وجاءت الرخصة في هذا، يعني لا يأتي الآن شخص، وهنا الرخصة جاءت، لكن أنا قصدي الآن فقط في التمييز؛ هنا التمييز، لماذا بلال ما قالها؟ بلال لم يقل هذا الشيء، إنما كان يقول بلال: «أحد أحد». فأخذ أمية بن خلف وأخذ يدخله وقد يلقي فوقه التراب ويأتي بالصخرة الكبيرة ويضعها على صدره ويلبسه أدراع الحديد، هذا كله في بطحاء مكة الحارة، ومع ذلك بلال ثابت. واستمر هذا البلاء حتى جاء الصديق وقال: «أما تتقي الله في هذا العبد؟» قال: «أنت الذي أفسدته»، فقال: «فإن شئت فأعتقه». فاشتراه الصديق رضي الله عنه، واختلف في الثمن الذي اشتراه به رضي الله عنه وأرضاه، وأعتقه لله سبحانه وتعالى.

القصد أن بلالًا كان يقال له: قل اللات والعزى، فيقول: «أحد أحد»، قل اللات والعزى، فيقول: «لساني لا يحسن الذي تقولون»، وهو يقول: «أحد أحد»، حتى قال: «لو كنت أعلم كلمة أحفظ بها دينكم لقلتها». فالله نظر إلى هذا العبد الصالح، ويعذب هذا البلاء، هذا العذاب الشديد وهذا البلاء الكبير، ومع ذلك يقول: «أحد أحد».

وقفة هنا، بلال يا شباب عبد، والعبد مكسور كما يقول ابن خلدون. ابن خلدون ذكر في المقدمة بأن العبيد يكسرون وتسوء أخلاق هؤلاء العبيد، ذكر في أكثر من موطن في مقدمته في هذا العلم، علم الاجتماع وعلم التاريخ، أن العبد الأصل أن يكون مكسورًا وليس أن يكون عزيزًا، هذا هو الأصل. طيب، بلال كيف ما كسر؟ يعني الآن بلال هو مولى، هذا المولى كيف يستطيع أن يجابه هؤلاء العلية، هؤلاء الأشراف، هؤلاء الكبار؟ وهو والتعذيب مستمر والتعذيب تنوعت صوره وأشكاله، ومع هذا الرجل ومع ذلك هو ثابت معتز.

ما الذي ثبت بلال على هذا البلاء؟ الجواب هو قول بلال رضي الله عنه، فلما سأل الصحابة -والصحابة تعجبوا من ثبات بلال- فقالوا: كيف ثبت على البلاء الذي وقع لك في مكة؟ فقال: «مزجت حلاوة الإيمان بمرارة العذاب، فطغت حلاوة الإيمان». الإيمان عند بلال كان قويًا جدًا. طيب، يأتي الآن سؤال: لماذا بقية الصحابة؟ يعني بقية الصحابة ما عندهم إيمان؟ بلا عندهم إيمان، لكن الذي وجد عند...

بلال هو أن الإيمان التحم بهذه النفس الطيبة العالية جداً والنقية جداً في صفائها. أضرب لكم مثالاً من التاريخ حتى تفهمون معنى كلامي: عنترة بن شداد، كان يعذب وهو صغير وكان يضرب، فالأصل أن يكون مكسوراً. لماذا بلغت شجاعة عنترة هذه الشجاعة؟ شجاعة فطرية. الشجاعة من أين تأتي؟ تأتي من الإيمان، وتأتي من الغريزة، وتأتي كذلك من التربية.

شخص مثل عنترة ما عنده إيمان، هو ما أدرك الإسلام أو أدركه وهو كبير، والله أعلم، هو لم يؤمن. ولكن هل بلغته الدعوة أم لا؟ الله أعلم، والعلماء مختلفون في هذا. القصد أن عنترة ما أخذه من الإيمان، والتربية ما أخذه منها لأنه كان يعذب وهو صغير ويبتلى، فمن أين أتته؟ أتته من أصل الخلقة. كما قال عمر: «إنما الشجاعة مواهب»، ومثالها الغرائز. وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه لما سأله زياد بن أبيه؛ فهذه الأمور تولد مع الإنسان. ترى الشجاع يقاتل عمن لا يعرف، وترى الجبان يفر عن عرسه أو يفر عن أبيه، كما قال ابن عباس وعمر. الجبان يترك والده ويترك زوجته، أما الشجاع يقاتل على شخص ما يعرفه؛ هذا من أصل الخلقة، من نفس المعدن ونفس التربة التي خلق منها هذا الإنسان بها شجاعة وقوة، فهذه الصفة موجودة عند هذا الإنسان منذ خلقه الله سبحانه وتعالى له.

بلال معدنه جداً صافي، وهذا المعدن الصافي التقى مع هذا الإيمان فظهرت قوة الإيمان فيه، كما كان الحال مع الصديق. من أشجع؟ الصديق ولا عنترة؟ قطعاً عنترة. لكن لما سئل ابن تيمية: من أشجع؟ أبو بكر ولا علي؟ وعلي شجاع شجاعة مفرطة. فذكر ابن تيمية: من المراد بالشجاعة؟ هل المراد بالشجاعة كثرة القتل؟ إذا كان المراد كثرة القتل فخالد بن الوليد قتل ما لم يقتله الخلفاء الراشدون الأربعة، ولكن إذا كان المراد بالشجاعة ثبات القلب فلا تعلم منزلة مثل منزلة الصديق في ثبات القلب. وهذا نص كذلك؛ لما سئل عن أشجع الناس قالوا: أنت يا أمير، قال: «أما أنا ما قابلني رجل إلا قسمته»، أشجع الناس أبو بكر. لماذا هو أشجع الناس؟ لأن الإيمان عنده جداً عالٍ والمعدن جداً صافٍ، فأخذ المعاني الإيمانية من نفس الدين، والتقى هذا مع هذا.

وهذا هو الذي يفسر حديث: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وهذا المعدن الذهبي كان بلال من هذا المعدن، معدن صافٍ جداً ونقي، فالتقى هذا المعدن مع الإيمان وأصبح الإيمان قوياً فأثمر هذا الإيمان. لذلك يا شباب، قد يكون شخص عالماً، وقد يكون شخصاً عنده الكثير من القراءات وإلى آخره، لكنه من أجبن خلق الله، ولا تعجب من هذا الشخص لأن هو ما عنده شجاعة الإيمان، وكذلك قد لا يكون معدنه قوياً، هناك صفة غريزية قد لا تكون موجودة عنده.

هل معنى هذا الكلام أن الشخص إذا لم يكن معدنه قوياً أو لم تكن عنده صفة غريزية أنه لا يمكن أن يصبح شجاعاً؟ لا يمكن، بشرط أن يأخذ شجاعة من الإيمان، بشرط أن يدخل إلى القرآن كما دخل الصحابة رضي الله عنهم، لكن تبقى هناك منازل يتفاوت فيها الناس، وكل إنسان يضع نفسه في الموطن الذي يستطيع أن يقوم به.

إذاً بلال بن رباح، ثباته على الحق كان بسبب قوة الإيمان مع صفاء هذا المعدن النقي، فالتقى هذا المعدن مع هذا فثبت بلال هذا الثبات العظيم الذي ميزه عن الكثير من أصحاب النبي ﷺ، حتى كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعظم بلالاً ويفخمه. وكان عمر الفاروق يقول: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا» يقصد بلالاً. ابحثوا في سيرة عمر، لن تجدون عمر يثني على شخص بهذه الطريقة إلا أبا بكر وأبا عبيدة فقط. أبو بكر ثناء عظيم، وكان يقول إن بلالاً من حسنات أبي بكر، وكذلك كان رؤية هذه الكلمة عن بلال رضي الله عنه وأرضاه، ولكن ثناء عمر على رجل بهذه الطريقة لا وجود له.

لذلك لما جاء يوم من الأيام ودخل خباب بن الأرت، فقال: اجلس على هذا المكان، كان متكأً، فإن هذا المكان لا أحد أحق به على وجه الأرض من بلال، وقيل في رواية عمار. فقال: ما يا أمير المؤمنين؟ فذكر له بلاء بلال وما وقع له من البلاء، فتعجب عمر وسواه ببلال في العطاء، فكان عمر يفضل العطاء في بلال، كان يقول: الرجل وبلاؤه، وكان الميزان واضحاً عند عمر رضي الله عنه والصحابة كذلك رضي الله عنهم وأرضاهم.

إذاً هذه الوقفة الثانية: الثبات على الحق. بلال رضي الله عنه وأرضاه مثال ورمز، وللأسف إن هذا الرمز لا يذكر كثيراً، مع أن بلال هو من أثبت الصحابة. والأسباب التي تدعو لثباته ليست قوية كما ذكرنا، فهو في بيئة مكسور فيها بالأصل، لكنه ما انكسر، ومع ذلك قوة الإيمان دخلت مع صفاء هذا المعدن ومع هذا الصدق الكبير، هو الذي ثبت بلال رضي الله عنه وأرضاه وجعله يثبت على هذا الحق وهذا الدين، واستمر معه البلاء طويلاً ومع ذلك ما نُقلت عنه كلمة فيها انكسار، بل كان يقول الكلمة التي تغيظ الكفار؛ يعني هو كان يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بأن يغيظ هؤلاء الكفار بهذه الكلمة: «أحد أحد.. أحد أحد».

الوقفة الثالثة: بلال رضي الله عنه وأرضاه لما سأله النبي ﷺ بعد ما رأى فيه رؤيا؛ رأى النبي ﷺ رؤيا في المنام بأنه سمع خشخشة نعلين في الجنة، فقيل: من هذا؟ فقيل: بلال، فقال النبي ﷺ له: «إني سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال»، وسأله بعد ذلك كما جاء عند ابن حبان: «بما سبقتني إلى الجنة؟»، وكذلك في رواية أنه سأل عن أرجى عمل، حدثني بأرجى...

عملته في الإسلام، عملته في الإسلام. فقال بلال رضي الله عنه يا رسول الله. في رواية ابن حبان: «ما أحدثت إلا توضأت، ولا توضأت إلا رأيت أن لله عليّ ركعتين أصليهما». وفي رواية أنه قال: «ما توضأت إلا صليت ما كتب الله لي أن أصلي».

لماذا بلال، لما سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن أرجى عمل، ذكر هذا العمل ولم يذكر البلاء؟ مع أن الصحابة يعرفون بأن البلاء من أعظم المعايير في الرفعة يوم القيامة، ومن أعظم ما يثقل الميزان يوم القيامة البلاء الذي يقع على الإنسان، وهم يقرؤون قصص الأنبياء وينظرون إلى البلاءات التي وقعت على الأنبياء، وكذلك هم يعرفون هذا الشيء من كلام النبي عليه الصلاة والسلام وتذكير النبي عليه الصلاة والسلام وتثبيته للصحابة وتذكيرهم بما كان يفعله أتباع الأنبياء. لماذا بلال ما ذكر هذا العمل؟ لماذا ما قال إن أرجى عمل عندي أني ثبت في مكة، وأني ثبت على التوحيد، وأني قلت «أحد أحد» هذه الكلمة العظيمة؟

السبب في ذلك يا شباب هو فهم الصحابة للدين. بلال أخذ ثناء على هذا العمل، أثني عليه فيه كثيرا. وهو يسمع عمر يقول هذه الكلمات، سواء كانت هذه في زمانه أو بعده، لكن قطعاً أن بلال كان له تفخيم معين ورفعة معينة. فهذا الذكر وهذا الثناء العظيم أخذه بلال، فخشي بأن يكون هذا العمل الظاهر الذي يعرفه جميع الناس قد ذهب مع هذا الثناء.

والولي والصالح ما يتعلق بأعمال ظاهرة أبداً، لذلك يقول سفيان الثوري: «كل ما ظهر من عملك فلا تعده». يعني عندك الآن أعمال يتابعونك فيها عشرات الآلاف أو الملايين، كتبك بلغت العالم، محاضراتك، هذه ما تحسبها؛ هذه غير محسوبة. لما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى بأن أهل الثغر يرمون ويقولون: هذا عن أبي عبد الله، ماذا قال؟ قال: «أخاف أن يكون استدراجاً». أخشى أن يكون هذا من الاستدراج.

من الذي كان يعده؟ الذي يعده هو العمل الخالص الصافي الذي لا يعرفه البشر. هنا من يعرف بأن بلال رضي الله عنه كان يتوضأ إذا أحدث؟ ومن يعرف بأن بلال رضي الله عنه كان إذا توضأ يصلي؟ لا يعرفه أحد، إذاً هذا عمل كان يدخره بلال. لكن هنا لما سأله النبي عليه الصلاة والسلام لابد أن يكشف هذا المستور، لكن لو ما سأله النبي عليه الصلاة والسلام، من كان سيعرف بأن بلال بن رباح كان حريصاً على الوضوء، وكان بلال بن رباح يصلي دائماً؟ هذا العمل الخالص الصافي هو الذي يرفع العبد يوم القيامة.

ليس معنى هذا أن البلاء معيار غير عظيم، بل قد يكون البلاء أعظم من نفس هذا العمل، ولكن الولي أو الرجل الصالح إذا بلغ درجة عالية بالصلاح، أي عمل يخالطه شيء ما يحسبه. هو لا يتركه، هو يقوم بمثل هذه المقامات، ولكن هو ما يحسب هذه المقامات بأنها له، الله سبحانه وتعالى يحاسبه عليها ويجازيه عليها، لكن هو ما يستحضر: أني فعلت كذا، أو أني أنا الله أكبر قمت بكذا وكذا. إنما هو يعد هذه الأعمال الخفية، هذه الأعمال التي ما يراها أحد من البشر، حتى يثبت الله سبحانه وتعالى بأنه عبد له، بأنه لا يريد إلا ما عند الله، بأن هذا العمل لك يا ربي ولا يعرفه أحد من البشر، فأنا عبد لك سواء بالسر أو بالعلن.

هذا هو الذي كان يفوز به الأولياء، وبهذا كان يتميز الصالح. ولذلك أي إنسان عنده أعمال ظاهرة كثيرة جداً وما عنده أعمال خفية، فهذا على خطر. هذا لا يحسب هذه الأعمال، ولا يتكئ عليها كثيراً ولا على ثناء الناس ومدح الناس، وإن كان هذا من الخير الذي يستبشر به الإنسان، ولكن كما قال لي أحدهم: «إني أخاف أن يكون استدراجاً». نعم هي عاجل بشرى المؤمن إذا كنت أنت صالحاً، ولكن قد يكون استدراجاً إذا ما تعاملت معها بطريقة صحيحة. فالقصد من ذلك أن العمل الخفي هو الذي يبلغ بالإنسان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن يكون له خبيء من عمل صالح فليفعل».

ولما روي عن زوجة هارون الرشيد بعد وفاتها وسئلت عن العمل، قالت: «إني دخلت الجنة» أو قالت: «إن الله غفر لي»، فقيل لها: بعين زبيدة؟ بهذه العين التي هي كانت قد حفرت عيناً أو أتت بماء زمزم ونقلته من المدينة إلى العراق؟ فقالت: «لا، بل بركعتين كنت أركعهما في جوف الليل». ولما روي عن زفر بن هذيل صاحب أبي حنيفة النعمان بعد وفاته، فقيل له: ما صنع الله بك؟ فقال: «غفر لي»، فقيل: بما؟ فقال: «بآخر سنتين». قال: لولا هاتين السنتين لهلك زفر، ما الذي كان يفعله في هاتين السنتين؟ كانت العبادة، العبادة الخاصة التي ما عرفها أحد.

وكذلك لما روي عن الإمام الفراهيدي وقيل له: ما صنع الله بك؟ قال: «غفر لي»، فقيل: بعلم العروض؟ قال: «بأن العروض وكثير من علوم اللغة لم نرها شيئاً». ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقيل في رواية أخرى ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في فضل علم السلف على الخلف: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»، يقول هذا الذي وجدناه.

القصد أن هذا الأمر كان واضحاً عند الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. الموازنات ليست بمعنى إلغاء العمل الظاهر، فهذا اسم الدين، وقد يكون واجباً عليك أصلاً، وقد يكون هو الأعظم، لكن الولي نظرته لا تتعلق بالعمل الظاهر؛ لأن العمل الظاهر لا بد أن يعتريه شيء، خاصة إذا أثني عليك فيه، فطبيعي أن نفسك تحضر، وهذا الحضور النفسي يخاف الشخص أن يفسد عمله. طيب هل يتركها؟ ما يتركها، لكن هو يبدأ يستعد للقاء الله سبحانه وتعالى بأعمال أخرى، صلاة بالليل، صدقة خفية، وهكذا، بهذا يبلغ الإنسان.

وهذا الأمر كان مستقراً عند السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، فكان يقول عبد الله بن المبارك: «ما رأيت رجلاً ارتفع كمالك بن أنس، ليس بكثير صلاة ولا صوم، إلا أن تكون له سريرة». وهذه الكلمة قيلت في حق الإمام أحمد، وفي حق الشافعي، وكذلك في حق عبد الله بن المبارك، وفي حق الإمام من غيرهم من العلماء.

كذلك أويس القرني. هذه هي الوقفة الثالثة التي هي عبارة عن أرجى عمل، وأيضاً الوضوء لا يحافظ عليه إلا مؤمن، كما جاء في الحديث: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». وكذلك هنا صلاة بلال تكشف حبه.

شوفوا يا شباب، عبادة الصلاة إلى الآن نحن ما قدرناها، تدرون ليش؟ لأننا أخذنا الصلاة اعتيادية، يعني نصلي ممكن نصلي ما نشعر. الآن صلينا العشاء قبل قليل، واليوم صلينا خمس صلوات، كم صلاة من هذه الصلوات الخمس خشعت فيها؟ كم صلاة من هذه الصلوات الخمس شعرت بأنك تلقى الله سبحانه وتعالى؟ كم صلاة من السنن الرواتب كذلك كنت تشعر بأنك تلتقي مع الله؟

هذا الشعور قد لا يكون قوياً، ومن يبلغ درجة عالية بالصلاة هذا الشعور يكون عنده عظيم جداً، وهذا يكشف الشوق. ولا يصل الشخص عند الله سبحانه وتعالى بالمراتب العالية إلا لما تكون عبادته خاصة. عبودية الصلاة عظيمة، ويستشعر لما يصلي أنه يلقى الله سبحانه وتعالى. فبلال هنا لما كان ما يتوضأ إلا يصلي، هو كل ما يحدث يتوضأ ويصلي، هذا يدل على شوق.

كيف الآن تمر عليه خمس ساعات ما يصلي؟ من صلاة الشروق إلى صلاة الظهر مثلاً، ست ساعات أو خمس ساعات، هذه الخمس ساعات أو ست ساعات تصلي فيها؟ ولا كلها ما فيها صلاة؟ كذلك من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، ست ساعات، سبع ساعات، ثمان ساعات؛ هذه كلها فيها لقاء مع الله ولا لا يوجد بها لقاء مع الله سبحانه وتعالى؟ هذا القسم من الناس الذين بلغ الله سبحانه وتعالى بهم وأوصلهم واختارهم، يحب أن يلقاهم، يحب أن يلقاهم في هذه الله سبحانه وتعالى يقيمهم له. والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2].

وهذا يعني عبودية الصلاة هي من أقوى العبوديات والعبادات التي تكشف مرتبة الإنسان؛ لأن الذي يحافظ على الصلاة يحمى بإذن الله من الوقوع في الكبائر والإصرار على الصغائر، وضوابط الشهوات يكون مضبوط عنده، النفس ما تغلبه، لكن الذي لا يعطي الصلاة حقها هذا الإنسان يسقط. بلال هنا صاحب صلاة، ولا يبلغ عند الله إلا أصحاب الصلاة، هذه علامة إيمان.

الوقفة التي تليها وهي الأذان، لما رأى عبد الله بن زيد الأذان في المنام وذهب إلى النبي ﷺ وأراد أن يؤذن بعد ما ذكر النبي ﷺ صفة الأذان، فقال النبي ﷺ له: «ألقِ على بلال ما رأيت، فإنه أندى صوتاً منك». فأصبح مؤذن النبي ﷺ هو بلال. طبعاً مع بلال كان كذلك كما تعرفون أبو محذورة، وكذلك عبد الله بن أم مكتوم، فبلال كان هو المؤذن الأساسي والرئيسي. بلال كم سنة يؤذن للنبي ﷺ منذ شرع الأذان؟ منذ شرع الأذان إلى أن مات النبي ﷺ وهو يؤذن.

هذا الأذان الآن عبادة عظيمة جداً، وجاءت الأحاديث الكثيرة في فضلها، وأطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذن، والمؤذن يغفر له على مدى صوته، وهكذا، فأجر عبادة الأذان عظيم. لماذا بالذات اختير بلال؟ لأنه عند الصحابة صوتاً. إذاً هنا هذه الموهبة، موهبة الأذان وموهبة الصوت الحسن، استثمرت في الأذان.

هذه الموهبة من الذي أعطاها لبلال؟ الله سبحانه وتعالى. هل معنى هذا الكلام أن صاحب الموهبة يستطيع أن يحصل من الأجور ما لا يستطيع أن يحصل غيره؟ نعم. لكن هل يشترط أن يكون بالضرورة أفضل من غيره؟ لا. يعني واحد ذكي، الذكي يستطيع أن يطلب العلم ويثمر فيه العلم أكثر من غيره، طبيعي جداً لأن العلم يحتاج إلى ذكاء. أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبئك عن تفصيلها ببيان: ذكاء، وحرص، وافتقار، وغربة، وتقي، وطول زمان. فشخص ذكي لما يطلب العلم طبيعي أن العلم يثمر فيه أكثر من غيره، فيحصل أجر بالعلم فيفوز. وشخص آخر ما عنده هذه الموهبة، ما يستطيع أن يحصل مثلها في هذا الطريق، لكن ممكن هو يفوز بطريق آخر، ممكن يكون عنده إيمان أكثر منه، أو مواقف، أو تكون عنده أعمال أخرى يستطيع. ولكن الذي عنده الموهبة هو يستطيع أن يحصل أشياء من خلال هذه الموهبة لا يستطيع غيره أن يحصلها. بلال صوته ندي، فهنا اختير بلال حتى يكون هو سيد المؤذنين، هو إمام المؤذنين، وجاءت الأحاديث في أن بلال يقدم المؤذنون يوم القيامة، والمؤذنون هم أطول الناس أعناقاً.

إذا الأذان به فضائل وليس فضيلة واحدة، وبلال هو الذي اختير لأنه عنده هذه الموهبة. ومع هذه الموهبة ومع هذا العمل العظيم ما هو الشيء الذي بلغ ببلال؟ أقول لكم طرد الشيطان، الأذان يطرد الشيطان، فالشيطان يكون أبعد من المؤذنين من غيرهم، والشيطان يخاف من المؤذنين، ولكن ليس أي مؤذن، المؤذن الذي يكون مثل بلال، المؤذن صاحب الإيمان، صاحب التقوى، صاحب الصلاح. بلال هو الذي يطرد الشيطان، اختار الله بلال حتى يقوم هو بالأذان حتى يطرد الشيطان ويبعد الشيطان من الناس. بلال هو المؤذن، والشيطان يخاف من أصحاب الأذان إذا كان صاحب إيمان.

هنا الوقفة المتعلقة ببلال أن بلال استثمر موهبته بالطريقة الصحيحة. ما الذي نستفيده منه؟ هل لابد أن نصبح مثل بلال بالأذان؟ لا، قد لا تكون ندي الصوت، قد يكون صوتك عادياً، إذاً صاحب الصوت الندي ليفكر بالأذان، اسعَ أن تكون مؤذناً حتى تفوز بهذا الأجر، حتى تفوز بأجر المؤذنين. وقد تكون أنت عبادتك هي الأذان، لا تقيس نفسك دائماً على غيرك، قد تكون هي العبودية التي يريدها الله منك أن تكون مؤذناً، فلماذا تترك الأذان؟ واليوم في عصرنا هذا هناك تساهل كبير من الشباب في الإمامة والأذان، هناك شيء من النفرة، مع أنهم لا يقولون إنها نفرة، لكن هو لا يسعى أن يكون مؤذناً، وهو ربما يستطيع أن يكون مؤذناً ويفوز إذا...

حقق هذه العبادة لله سبحانه وتعالى، ودعا الناس إلى إقامة الصلاة. إذًا الذي نأخذه من بلال هنا هو وضع الموهبة في المكان الصحيح. انظر إلى موهبتك، ما هي الموهبة التي عندك؟ حتى تستطيع أن تحقق العبادة التي يريدها الله منك. كثير من الشباب يسأل ويقول: نحن كيف نعرف الثغر؟ كيف نعرف كذا؟ أقول لك: أنا ما أعرفك، لابد أن تعرف نفسك. ما هي موهبتك؟ ما هي الموهبة الموجودة عندك التي إذا دخلت في هذا المجال ستبدع وتحسن فيه.

بلال هنا سد هذا المسد؛ الأذان، واختار الله سبحانه وتعالى لصلاحه ولجود الموهبة عنده. طبعًا هذا كله يثمر قوة الإيمان؛ بلال يرتقي في هذه المنازل عند الله سبحانه وتعالى، بوضوء مع صلاة، مع جهاد، مع ثبات على البلاء، مع أذان. إذًا هنا نأخذ من بلال استثمار الموهبة في الطريق الصحيح، وكذلك نأخذ من بلال الجهاد.

بلال لما مات النبي ﷺ طلب من الصديق أن يذهب إلى الشام؛ لماذا؟ أراد الجهاد، وأراد أن يفوز عند الله سبحانه وتعالى بتحقيق هذه العبادة العظيمة. هو جاهد مع النبي ﷺ وشاهد المشاهد كلها، بلال شهد بدرًا، وشهد كذلك أحدًا، وشهد بقية المشاهد كلها، ولكن لم يرد أن يتوقف عند هذا الموطن، إنما أراد أن يستمر في الجهاد. فذهب إلى أبي بكر، ورفض الصديق في البداية، فقال له بلال: «إن كنت أعتقتني لله فخليني لمن أعتقتني له، وإن كنت أعتقتني لنفسك فأبقني عندك»، فقال: «إنما أعتقتك لله»، فسمح له بالذهاب.

فذهب إلى الشام، وجاهد هناك، وقاتل مع الصحابة الأخيار، ولم يكن من القادة، إنما كان ممن يقاتل مع الجمهور، وهذا يدل كذلك على ديانة عظيمة في هذا الرجل، إنما كان يسعى للبروز أو أن يكون هو في موطن القيادة، بل كان مع المجاهدين، فقاتل مع المجاهدين حتى مات رضي الله عنه وأرضاه في سنة عشرين.

قبل أن نختم سيرة بلال، أريد أن أقف مع موقفين من مواقف بلال يدلان على قوة الولاء عند بلال. بلال لما جاءت معركة بدر، وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف الذي كان يعذب بلال، هجم عليه بلال واستنصر الأنصار عليه، وقال: «أمية بن خلف لا نجوت إن نجا». فحاول عبد الرحمن بن عوف أن يحمي أمية، ولكنه ما استطاع، فقتله بلال ومع هؤلاء الأخيار من الأنصار. فكان يقول بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف: «رحم الله بلالًا، وغفر الله لبلال، قتل أسيري، قتل أسيري». الموقف الأول هنا يبين شدة بغض بلال من هذا الرجل الذي كان يعذبه على الإيمان وعلى التوحيد.

الموقف الثاني: بلال وقع بينه وبين أحد الصحابة خلاف، فقال له ذلك الصحابي: «يا ابن السوداء». فلم يرد عليه بلال، وانطلق إلى النبي ﷺ، وهنا غضب النبي ﷺ وقال لهذا الرجل: «أعيّرته بأمه؟ أعيّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية». فقال: «يا رسول الله، الحين كبر سني»، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أجل». فانطلق بلال يستسمح، وطلب من الصحابي أن يرد عليه السب بالسب، وجاءت في بعض الروايات أنه وضع عنقه لبلال وطلب من بلال أن يقطع عنقه، فأبى بلال رضي الله عنه وأرضاه، ولم يفعل هذا الشيء، وسامحه وغفر له.

والله يا شباب، دعونا نذكر الوقفات التي تكلمنا عنها، لكن امتثال هؤلاء للإيمان عجيب، كيف كانت نفوسهم لا تتأثر؟ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. هو مع الكافر من أشد الناس، وأقوى الناس، وأشجع الناس، ولكن مع المؤمن رحيم، حتى لو فعل ما معه، وظلمه وأخطأ عليه، أخوه المسلم، ما يجعل نفسه هي التي تتحكم فيه.

وهؤلاء في وصفهم ﴿أَذِلَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 29]، هذه كلمة ذليل للمؤمن يعني خاضع له، ممكن أخوك يسبك ويشتمك أو يطعن بك والله يعلم بأنك بريء وأنت تسامحه، لماذا؟ لأنه مؤمن، لقوة الإيمان، فأنت الذي تخفض جناحك لأخيك، ولا تجعل نفسك هي التي تقودك، أو تغلبك وتنتقم لنفسك وتنتصر، ما دمت تستطيع فليس من الصعب أن ترد، بل سامحه وتجاوز عنه. وهذا المعنى عند الصحابة رضي الله عنهم؛ ﴿أَذِلَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الفتح: 29].

فهذا الأمر كله ثمرة الإيمان؛ الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، هذا يكشف للإنسان مدى تعظيمه لله ومدى حب الله سبحانه وتعالى وامتثاله لأمر الله سبحانه وتعالى. فالولاء والبراء أصل له ثمار، فنفس الحب إذا كان عظيمًا لله سبحانه وتعالى يثمر التعامل مع الكفار بطريقة ومع المؤمنين بطريقة. ففي نفس الوقت هذا الإنسان شجاع وقوي، لكن مع المؤمن ما يفعل شيء، يعتذر له، وربما ذاك يسبه ويثني عليه، وهو لا يجد غلاظة في هذا الشيء، ليس أمام الناس فقط حتى يقول الله أكبر، لا.

كما قال الإمام أحمد: «صار رجلًا صالحًا، بلى، أبي فرق». فأثنى على أبي كريب؛ كيف تثني عليه أنه يطعن عليك؟ قال: «رجل صالح، بلى، أبي فرق». هذا الرجل نفسه هو الإمام أحمد بن حنبل الذي حذر من بعض علماء الحديث، تقول كيف؟ أقول لك: هو يفرق بين الحق الشخصي وبين الحق الديني، وهذه مرتبة الصفوة، وهذه المرتبة ما يصل إليها حتى من العلماء إلا القليل من الناس، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم هم الذروة في هذا الباب لأن الوصف جاء بهم.

طيب، هل أذن بلال بعد وفاة النبي ﷺ؟ لم يؤذن، إنما خرج بلال رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى الشام. وذهب عمر مرة من المرات إلى الشام، وطلب الناس من عمر أن يأمر بلالًا بأن يؤذن، وقيل هذه كانت مع فتح بيت المقدس، فطلب عمر من بلال أن يؤذن، فقام بلال وكبر الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك شهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. فلما شهد بهذه الشهادة بكى الناس، بكى الناس وبكى بلال، وتذكروا النبي ﷺ، ولم يؤذن بعدها، ولم يؤذن رضي الله عنه وأرضاه بعدها. طيب، لماذا توقف بلال عن الأذان؟ ليس هذا من...

أليس هذا من توقف عن عمل صالح؟ والمفترض أنه يستمر على هذا العمل. نعم، المفترض أنه يستمر، ولكن بلال توقف لأن نفسه لم تعد تعطيه، وفارق كبير يا شباب.

أختم بهذه الفائدة: أن بين شخص يترك العمل الصالح لأنه لا يريده، أو لأنه محروم منه، أو لذنوب وقع بها، وبين شخص يترك عملاً من الأعمال لأن نفسه ما تطاوعه عليه. الشخص قد يغالب نفسه، ولكن أحياناً النفس ما يستطيع الشخص عليها.

بلال ما طاقة نفسه أن يؤذن لرجل بعد النبي عليه الصلاة والسلام، ما استطاع، نفسه لم تعد تعطيه. حاول يؤذن في يوم وفاة النبي عليه الصلاة والسلام فبكى، وبكى الناس: «أشهد أن محمداً رسول الله» وهو غير موجود. ما استطاع رضي الله عنه وأرضاه أن يتحمل هذا الأمر، فلما لم يستطع أن يتحمله هنا ما يلام، لكن عوض هذا بالجهاد، ترك وخلص ما لم يعد يعمل، إنما انتقل إلى عمل آخر.

أما هذا ما استطاع أن يقوم به بعد ما مات النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الأمر مثل ما ذكرت، أحياناً شخص تعجز نفسه. والنفس لما تعجز ما يلام الإنسان، في فرق كبير بين كسل النفس وبين عجز النفس. عجز النفس خلاص الإنسان ما يستطيع، وهذا الذي لا يستطيع ما تستطيع أن تلومه، ولا تجي تقول له افعل كذا، هو خلاص ما يستطيع، لكن هو ما ترك العمل، هو الآن مستمر بعمل يستطيع أن يقوم به، ولكن هنا كل ما يذكر النبي عليه السلام يتوقف، خلاص نفسه ما تعطي.

حضرت إليه الوفاة رضي الله عنه وأرضاه وقالت زوجته: وا ويله، وا كرباه! فقال لها: بل وا شوقاه، وا فرحاه، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه. وقيل إنه مات سنة ٢٠ من الهجرة في خلافة عمر الفاروق رضي الله عن الصحابة أجمعين. وبقي هذا الحب وأخذ هذا الحب يزداد في قلب هذا الرجل الصالح، حتى حضرت إليه هذه الوفاة واستبشر بالوفاة لأنه سيلقى حبيبه ﷺ، وانتقل رضي الله عنه وأرضاه إلى الله سبحانه وتعالى من الصالحين الأخيار الأبرار، وما عند الله سبحانه وتعالى له خير مما أخذ في الدنيا من الثناء والمدح.

هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الرجل الشريف رضي الله عنه، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.