دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 02 | سعد بن عبادة رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً. نكمل هذه السلسلة التي عنونتها بعنوان: العيش مع الصحابة، وذكرنا في اللقاء الماضي بأن هذه السلسلة لن يكون الهدف منها فقط سرد القصة، إنما الهدف منها النظر في طريقة صنع النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة، وسر اختيار الصحابة، وطريقة تعامل الإسلام مع هذا النفر من الناس، بمعنى منهج الإسلام كيف تم امتثاله عند هؤلاء، وكيف نزل منهج الإسلام على هؤلاء.

فالحديث عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، المقصد منه هو بيان طريقة التعامل، وكيف الإسلام صنع هذا القسم من الناس. فليس الحديث هنا صرفاً عن قصة الصحابي، إنما لا بد أن ننظر إلى البشر على أنهم بشر، وليس على أنهم مثال، وكيف النبي عليه الصلاة والسلام ارتقى بهذا المجتمع. الكثير من الناس أنا أجزم بأنهم لا يعرفون كيف النبي عليه الصلاة والسلام وجه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كيف كان يتعامل عليه الصلاة والسلام مع الإنسان؛ لذلك لما يأتون في واقعهم ويتعاملون مع الناس أياً كان صنف هؤلاء، يتعاملون بمثالية لا وجود لها في التاريخ، لا وجود لها في الواقع. فالإنسان إنسان وليس ملكاً، إنما هذا الإنسان له طريقة في التعامل. كيف علم الإنسان عليه الصلاة والسلام استطاع أن يسوس الإنسان؟ وهل لو لم يستعمل هذا الأسلوب مع الإنسان، هل سيمكن أن ينتقل الإنسان، وأن يرتقي الإنسان، وأن يتم التعامل مع الإنسان؟ أنا أجزم بأن هذا الأمر لا يمكن أن يكون؛ لذلك النبي عليه الصلاة والسلام تعامل مع الإنسان على أنه إنسان، فمن المهم جداً أن ننظر إلى طريقة تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الجيل الذي بُعث فيه النبي عليه الصلاة والسلام.

اليوم إن شاء الله تعالى معنا هذا الصحابي الجليل سعد بن عبادة، وسعد بن عبادة كما تعرفون هو سيد الخزرج. النبي عليه الصلاة والسلام لما بُعث، بُعث في مكة ومكث فيها عليه الصلاة والسلام عشر سنوات يدعو أهل مكة، ويدعو كبار قريش، ولكن قادة قريش لم يسلموا ولم ينقادوا ولم يقبلوا على دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. وعامة الناس عقولهم أسيرة عند القادة، بمعنى أكثر عامة الناس العاديين لا يملكون عقولهم، إنما العقول تكون ملكاً للحاكم، ملكاً للقائد، ملكاً للمؤثر على اختلاف اعتبارات الناس. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات، لكن ليس معنى هذا أن هذا الشخص معذور، وليس معنى أنه ملك له بمعنى أنه لا يستطيع، إنما ملك له بمعنى أنه غالباً ما يسمح لغيره بأن يفكر عنه.

المقصود من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا أهل مكة، ولكن كبار مكة الملا لم يقبلوا على دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، بل آذوه. فلما مات الحامي للنبي عليه الصلاة والسلام من البشر وهو أبو طالب، انتقل النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك إلى أهل الطائف، وعرض نفسه على قادة الطائف، على أبناء عبد ياليل، ولكن لم يقبل كذلك هؤلاء على الإسلام، ولم ينقادوا لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فرجع النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك إلى مكة، ولكنه رجع في جوار المطعم بن عدي، ولم يرجع كما كان قبل ذلك؛ أي أنه لا يستطيع أن يفعل كما كان يفعل، قبل ذلك كانت عنده حماية سياسية قوية ممثلة بأبي طالب، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يتكلم ويستطيع أن يدعو، لكن الآن هو دخل في جوار، فلم يعد النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يدعو أهل مكة، إنما كان النبي عليه الصلاة والسلام يثبت أصحابه ويدعو القبائل.

الآن انتقلت الدعوة من السنة العاشرة من البعثة من الدعوة لقريش إلى أن تكون الدعوة لمن يأتي من القبائل؛ فكانت مكة كما تعرفون مقصد القبائل لأن الناس يقبلون على الكعبة، وكان فيهم بقية من دين إبراهيم عليه السلام فكانوا يحجون. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يخرج مع صاحبه الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ويعرض نفسه على القبائل، وكان يقول في الموسم: «من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالات ربي». لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام القبائل، وكان يدخل على القبيلة قبيلة قبيلة، وكان يجري خلفه ويمشي خلفه أبو لهب، وكان يحذر هؤلاء من النبي عليه الصلاة والسلام ودعوته، حتى أذن الله سبحانه وتعالى بأن تجد هذه الدعوة صدى، وكان صدى هذه الدعوة في الأنصار في الأوس والخزرج. وكان سيد الخزرج هو سعد بن عبادة، وكان سيد الأوس كما تعرفون هو سعد بن معاذ، فطرقت هذه الدعوة سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه، وتأثر بهذه الدعوة، وأقبل على هذا الدين الجديد، ودخل هذا الكلام العظيم إلى قلب هذا الرجل الشريف، فأسلم سعد بن عبادة، وأسلم كذلك بعد ذلك سعد بن معاذ، وتعرفون القصة.

القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث مصعب بن عمير، فلما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة وبدأ الإسلام ينتشر ويدخل في بيوت المدينة، فكان من ضمن هؤلاء هو سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه، وهو سيد الخزرج من بني ساعدة. فأتى النبي عليه الصلاة والسلام في البيعة الثانية بيعة العقبة الكبرى، وكان ممن بايع النبي عليه الصلاة والسلام، وكان من النقباء، والنقيب أي الضمين، أي ضامن للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يسلم أهل المدينة أو بأن يُحمى في المدينة. فكان سعد بن عبادة لما أسلم هو مع المنذر بن عمرو مع أبي دجانة، كلهم من بني ساعدة، كانوا يكسرون أصنام بني ساعدة من الخزرج. ثم بعد ذلك كما تعرفون انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وأصبح النبي عليه الصلاة والسلام في حماية الأنصار ممثلة بسعد بن معاذ وسعد بن عبادة.

هنا وقفة، هذه الوقفة الأولى الآن نريد أن نتكلم عنها حتى نفقه أثر الرجل في نصر الدين، وطبيعة المجتمعات وطبيعة التأثير في الدعوات وفي الأفراد. سعد بن عبادة ليس إنساناً عادياً، هو في الميزان الاجتماعي رجل شريف وشجاع، هو قائد، بمعنى لما يقول سعد بن عبادة إن هذا الرجل في جواري، لا يستطيع ولن يتجرأ أحد من الخزرج أن يعتدي عليه ولو كان كافراً. سعد بن عبادة قائد، وأثر القائد لا يمكن أن يقارن بأثر الفرد العادي، لذلك لا يمكن لدعوة من الدعوات أن تنتشر إلا لما تكون معها قيادة، سواء الداعية نفسه يصنع القيادة أو أن هذه الدعوة تطرق قادة معينين فيستجيب القادة لهذه الدعوة. هنا اختيار الله سبحانه وتعالى كان لسعد بن عبادة، وهذا أمر عظيم جداً في جزيرة العرب. كم قبيلة النبي عليه الصلاة والسلام عرض دعوته على اثنين وأربعين وفداً؟ لماذا بالذات سعد بن معاذ وسعد بن عبادة؟ لماذا بالذات هذين الرجلين؟ لعلم الله سبحانه وتعالى بأن هذين الرجلين من ضمن القادة الموجودين، هم الذين سيقومون بنصر الإسلام، ولن يستطيع أحد أن يحمل أعباء هذا الدين الجديد إلا هذين الرجلين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ولعلم الله سبحانه وتعالى بطيب معدن هذين الرجلين. فاختيار الله سبحانه وتعالى لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ هذا لا بد أن يدرس.

النبي عليه الصلاة والسلام لما عرض دعوته على القبائل وقفوا معي وتأملوا معي الآن طبيعة الناس في ذلك الوقت، وما زالت هذه الأمور موجودة، ولكن كانت النفوس قوية في ذلك العصر، نفوس العرب كانت جداً طاغية. لما عرض النبي عليه الصلاة والسلام دعوته على القبائل اختلف رد القبائل، أكثر القبائل لم يقبلوا بالدعوة، ولكن بني شيبان قالوا: نعم نقبل بهذه الدعوة، ولكن إن كسرى قد أخذ علينا عهداً ألا نحدث حدثاً، وألا نؤوي محدثاً، فإن شئت أن نمنعك مما يلينا من العرب فعلناه؛ يعني اشترطوا شرطاً قد يكون في نظر الناظر عادياً، نحن نقاتل العرب معك ولكن لا نقاتل الفرس. ولم يشترطوا شرطاً آخر. وبحير بن فراس لما عرض عليه النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة قبل، ولكن ماذا قال؟ قال: لمن الأمر من بعدك؟ يعني لما تموت من سيكون القائد، من الذي سيلي الأمر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمر الله يضعه حيث يشاء». فقال: أفنهدف نحورنا للعرب حتى إذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا فيما تدعو إليه. أما بقية القبائل لم تقبل.

طيب هنا النبي عليه الصلاة والسلام لماذا ما قبل بدعوة بحير ثم بعد ذلك يغيره بعد ما يدخل الدين في قلبه؟ لا، لما هؤلاء بنو شيبان لما يدخلون ويعرفون الله سبحانه وتعالى وينتصرون على العرب بعد ذلك يقاتلون الفرس، لا، لا بد أن يكون المسلم للدعوة مسلماً تسليماً تاماً وكاملاً. من الذي سلم للدعوة تسليماً تاماً وكاملاً؟ سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، هؤلاء ضحوا بالمدينة، هؤلاء ضحوا بأقوامهم، ضحوا برجالهم، باعوا كل شيء، هؤلاء خلاص ضحوا، ودخلت الدعوة في قلوبهم ففتحوا المدينة، وتعرضت المدينة لما تعرفون من بلاءات عظيمة وقعت على مدينة النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك الله سبحانه يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: 9]، هنا جمع بين الدار وبين الإيمان قبل المهاجرين، المهاجرون تبوأوا الإيمان لكن الدار مع الإيمان كانت للأنصار. ولو ما آمن سعد بن عبادة لم يكن للمدينة أن تفتح أبوابها لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام.

إذاً دور سعد بن عبادة كان دوراً مركزياً وليس دوراً عادياً، سعد بن عبادة ليس فرداً ضحى بنفسه كما كان الحال في كثير من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، إنما هو فرد ضحى بمجتمعه، إنما هو فرد ضحى بإمارته، إنما هو فرد ضحى بمدينته. وكانت الأنصار تنقسم كما تعرفون الأوس والخزرج، والكثرة كانت الخزرج، لذلك العرب كانت تناديهم بالخزرج ولا تناديهم بالأوس لكثرة الخزرج، وأكثر من قاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام هم خزرج، وفي غزوة بدر كان عامة من قاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام هم من الأنصار، مائتان وستة وثلاثون رجلاً كانوا من الأنصار، عامتهم من الخزرج. هؤلاء كلهم منقادون لدعوة سعد بن عبادة أو لأمر سعد بن عبادة، فهنا سعد بن عبادة لم يكن رجلاً واحداً، إنما كان رجلاً يمثل دولة، رجلاً يمثل قبيلة، رجلاً يمثل مجموعة. هذا الرجل كم كان أثر دعوته في نصر دين النبي عليه الصلاة والسلام؟

الآن لما ننظر الدعوات، كيف تنتصر؟ تنتصر بالمال، وتنتصر بالرجال، وتنتصر كذلك بالآراء. الآن لما تأتي في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، لو هذه الدعوة ما كان معها مال هل ممكن ترتقي؟ صعب، إذا عثمان بن عفان وقبل ذلك أبو بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف إلى آخره من الأغنياء، هؤلاء أثروا تأثيراً عظيماً في تجيش الجيوش، هؤلاء لم يكن فرد منهم فقط أثر على نفسه، إنما كان أثر عام، فجيش العسرة جهزه هؤلاء الأغنياء رضي الله عنهم، هؤلاء سفكوا أموالهم في سبيل نصر الدين. سعد بن عبادة ضحى بالرجال وفتح هذه المدينة، إذاً أثر القائد هنا كان عظيماً جداً في نصر الإسلام. كم أجر سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه في نصر الدين؟ المدينة كلها فتحت أبوابها، هذا فتح وجود دار للنبي عليه الصلاة والسلام، ومدنية ومكان ومنطقة ورجال، هؤلاء لو لم يقبل سعد بن عبادة لما انتقلت الدعوة النبوية، بل لما نزلت أحكام الجهاد؛ فسعد بن عبادة هو من أسباب نزول هذه الأحكام، يعني سعد بن عبادة هو نقطة مركزية محورية في نقل الدعوة الإسلامية من كونها دعوة إلى أن تصل إلى دولة، وهذا الأمر خاص بالقادة؛ يعني هذا الانتقال الكبير لا يمكن أن يكون إلا لقائد، قائد يضحي ويبذل، فيحصل هذا الأجر العظيم.

إذاً السر الأول والسبب الأول والوقفة الأولى مع سعد بن عبادة هو أن الله سبحانه وتعالى علم بأن هذا الرجل من جميع القادة الموجودين هو الصالح أن ينصر الدعوة مع صاحبه وقرينه سعد بن معاذ رضي الله عنهما. هذا الأمر الأول المتعلق بأثر القائد. لما ننظر الآن في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، في بدر الغالبية من الأنصار، بعد ذلك نجد في أحد الأنصار، نجد في الأحزاب لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام السعدين وسألهما وهم عليه الصلاة والسلام يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة، لم يقبل السعدان بذلك إلا إذا كنت أنت تريد يا رسول الله هذا الشيء، قالوا: أمر من الله فنسمع ونطيع، أو أمر تحبه فنصنعه كرامة لك، أو أمر تصنعه لنا؟ قال: بل أمر أصنعه لكم، إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقالا: يا رسول الله، كنا وإياهم في جاهلية وشرك وما كانوا يطمعون منا من هذا المال إلا قرى أو بيعاً، ضيافة أو بيعاً، أما وقد أكرمنا الله بالإسلام، فلا والله يا رسول الله، ليس لهم عندنا إلا السيف.

ستكون معها وقفة إن شاء الله تعالى، يعني صفات سعد في الوقفة الثانية. لكن القصد من ذلك أن هنا في الأحزاب هذا كان موقف سعد بن عبادة. بعد ذلك لما نأتي وننظر في حنين؛ حنين من الذي قاتل في حنين؟ الآن فتحت مكة، وفتحت بسيوف الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم والمهاجرين، ولكن كانت القوة أغلبها للأنصار، لذلك قال سعد يوم فتح مكة: «اليوم يوم الملحمة»، فقال عليه الصلاة والسلام: «بل اليوم يوم المرحمة». بعد ذلك لما جاءت حنين، فر الناس ولم يبق مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا قلة قليلة، حتى قال بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام للعباس: «يا عباس، نادِ أصحاب السمرة». فأخذ ينادي أصحاب السمرة، من الذي رجع؟ رجع الذين بايعوا، من الذين بايعوا؟ أكثرهم كانوا من الأنصار، فرجع الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى إن عطفتهم لإبلهم كعطفة البقر على أولادها، حتى إن الرجل منهم إذا لم تطاوعه دابته بالعودة كان يقذف بنفسه ويقول: لبيك يا رسول الله، لبيك. فكانت الدعوة في الأنصار، القتال كان حمل الأكبر على الأنصار، ثم كانت الدعوة بعد ذلك بالخزرج من الأنصار، ثم بعد ذلك أصبحت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج من الأنصار، فانتصر الإسلام بسيوف الأنصار، وأخص الأنصار الخزرج، وأخص الخزرج كانوا بنو الحارث.

ثم لما انتصر الإسلام بسيوف الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، أعطى النبي عليه الصلاة والسلام القبائل ولم يعطِ الأنصار شيئاً كما تعرفون في القصة. القصد من ذلك أن الأنصار هم الذين قاموا بحمل أعباء هذه الدعوة، وكان قائد هؤلاء هو سعد، القائد الأكثر منهم هو سعد بن عبادة، فتضحية سعد كانت عظيمة جداً لهذا الدين رضي الله عنه وأرضاه. ولا شك بأن الله اختار هذا الرجل لعلمه مثل ما ذكرنا بأن هذا الرجل صالح لأن يقوم بأعباء الدعوة. ولا تغفلون يا شباب عن أثر القدر في نصر الدعوة، الدعوة ما تنتصر بالأسباب إنما تنتصر بالقدر، القدر الحامل لهذه الدعوة، فالله حامٍ دينه بقدره سبحانه وتعالى. السبب يبقى سبباً، لكن القدر هو الذي ينقل الدعوة ليس السبب مجرداً عن تنزل القدر الإلهي. إذاً هنا اختيار الله لهذا الرجل لعلم الله سبحانه وتعالى بأنه صالح لأن يقوم بهذه المهمة العظيمة، هذه الوقفة الأولى.

الوقفة الثانية المتعلقة بصفات سعد، لماذا تم اختيار سعد؟ ما هي الصفات القوية الموجودة في هذا الرجل؟ الأول: صفاء المعدن، قطعاً هذا الرجل معدنه صافٍ جداً بدليل أنه يكسر أصنام قومه وهو سيد القوم، هذا كيف يكون؟ انظروا الآن وقفوا معي بالله عليكم حتى نعيش مع نفسية العربي الأول، العربي يصعب عليه جداً أن يخالف أباه ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] هذه عند العرب عظيمة وكبيرة جداً، ما يستطيع عليها. هذا الرجل كيف دخل إيمان قومه؟ وكيف استطاع أن يخالف دين والده؟ أبو طالب ما استطاع مع أن أبا طالب كان النبي عليه الصلاة والسلام ابن أخيه، وهو يحبه، لكن مع ذلك ما استطاع أن يخالف دين عبد المطلب. بينما هنا سعد بن عبادة خالف دين والده ولم يبالِ بدين أبيه، لماذا؟ لأن معدنه كان صافياً جداً. هنا هذه الدعوة طرقت هذا المعدن الصافي: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». هذه الدعوة دخلت في قلب هذا الرجل الصافي فتمكنت منه، وهذا الرجل من أنقى الناس معدناً رضي الله عنه وأرضاه، فهنا لما طرقتها الدعوة مباشرة انقاد لها وسلم لها. إذاً الأمر الأول صفاء هذا المعدن، ثم لما ننظر في صفات هذا الرجل التي بها كان يتميز الناس، يعني العرب لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام «خياركم في الجاهلية»، ما هو المعيار عندها في ميزان الرجال؟ عدة معايير، أظهر هذه المعايير وأقواها وأعلاها الشجاعة والكرم.

الشجاعة والكرم، سعد بن عبادة من أشجع خلق الله رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك هو من أكرم خلق الله، إذ كان يقال عنه الكامل؛ لأنه كان يعرف السباحة وكان كذلك يعرف الكتابة، وكان كريم هو ووالده وجده وابنه. يقولون: لا يوجد في العرب ولا يعرف في العرب بيت تتابع فيه الكرم أربعة أجيال إلا بيت سعد بن عبادة فقط، وكان الرجل يرجع بالواحد والاثنين من أهل الصفة، وكان هو يرجع بالثمانين منهم، يرجع بالثمانين منهم. إذاً خياركم في الجاهلية، عند الجاهلية الخير هو الكريم، سعد بن عبادة هو في الذروة في الكرم، حتى إن ابنه قيس بن سعد بن عبادة لما ذهب مع أبي عبيدة في غزوة الخبط وأملقوا، وكان أبو عبيدة يعطيهم تمرة تمرة حتى انقطع، فأخذ قيس يشتري بالأجل باسم سعد بن عبادة، فكان يمر على القبائل على جهة ويقول: اشتري منكم كذا وكذا مقابل كذا وكذا من تمر، والحساب على سعد بن عبادة. وكان بعد ذلك عمر الفاروق وقبل أبو بكر الصديق يطفون على الناس يقولون: إن هذا الرجل سيفقر والده، وكان هو يقول: ألا رجل يعذرني من ابن أبي قحافة ومن ابن الخطاب، يبخلون ابني عليّ، وكان يدعو الله سبحانه وتعالى يقول: اللهم إني أسألك مجداً وحمداً، والمجد لا يكون إلا بالمال والمجد لا يكون إلا بالأفعال والأفعال لا تكون إلا بالوفد، كان يسأل الله أن يرزق من المال حتى ينفق هذا المال في سبيل الله، فكان هو يرجع بالثمانين من الناس.

إذاً هو من بيت كرم، هو من بيت شجاعة، وكان هو من أشجع خلق الله، ولما آمنوا وأسلموا وسمعت قريش بأن الأنصار أسلموا تبعوهم، بالبداية كانوا مشاكين لكن لما تأكدوا تبعوهم، فاستطاعوا أن يأخذوا سعد بن عبادة وفر منهم المنذر بن عمرو، وأخذوا سعداً وأخذوا يضربونه ويجرون شعره، حتى أتاه الرجل وقال له: ألا تعرف أحداً من سادة هؤلاء؟ قال: بلى، قال: من؟ قال: عاص بن وائل، فدعا بالعاص بن وائل ومنعه من قريش، وقيل إنه دعا المطعم بن عدي. القصد من ذلك أن سعداً رضي الله عنه وأرضاه كان بهذه الذروة من الشجاعة وكذلك بالكرم.

انظروا كيف الآن الأحزاب تحزبوا حول المدينة، ومع ذلك قوته رضي الله عنه وأرضاه وشجاعته تأبى بأن يتنازل عن ثمار المدينة، وهذا يا إخوان موقف ضريبته أن تذهب المدينة وأن يذهب النساء وأن يذهب الأطفال وأن يذهب الرجال، يعني هو لا يقول كلاماً هكذا عاطفياً أو كلاماً بعيداً عن نفس وجود السيوف حول المدينة الآن، الموطن شديد، بل نفس النبي عليه الصلاة والسلام رأى بأن هذا أفضل، ولكن مع ذلك القوة النفسية هذه يا إخوان قفوا عندها كثيراً، هذه الشجاعة النفسية أو الصلابة النفسية تؤثر تأثيراً كبيراً في نقل الدعوات، ليس الكل يملكها، ليس الكل يملك هذه الصلابة النفسية، سعد كان من أصلب الناس نفساً، فكانت صلابته النفسية عظيمة، هو مع سعد بن معاذ، لذلك هم ما عندهم مشكلة بالموت، عادي نموت كلنا وتذهب المدينة ويذهب الأنصار ويذهب الرجال والنساء والأطفال عادي، ولكن ما نعطيهم شيئاً، هم ابت نفوسهم بأن تقدم هذا الطعام هذا التمر من غير أن يشوم شعره بالذل، وهذا الشعور يعني الحساسية كانت عالية جداً هنا. همّ النبي عليه الصلاة والسلام يدل على الجواز، ولكن الآن هل القوم يقبلون أو ما يقبلون هذا أمر آخر. ولكن هنا الصلابة النفسية والقوة النفسية ما كانت تحتمل أن يعطوا هذا الشيء، هذه القوة النفسية لما يقاد صاحبها للدين طوعاً وليس قانوناً، إنما طوعاً، هذا يكون له أثر عظيم جداً في تضحية الدعوة، لأن القانون قد يضعف الإنسان، ولكن لما هو يستجيب وينقاد طوعاً ويكون انقياده طوعياً وليس إجبارياً إنما طوعياً، هذا يكون أثره عظيماً في نصر الدعوة.

وهذا له شرح لعلّه يكون في مواطن أخرى بإذن الله، الأثر القانون في حكم الإنسان، يعني فرق كبير بين شخص يسلم للشيء قناعة ويفعل من غير شدة خارجية عليه إنما رغبة داخلية، وبين شخص لا يفعل إلا بسبب الشدة الخارجية، هذا الذي يفعل بسبب الشدة الخارجية بسبب القانون لا بد أن يكسر شيئاً من نفسه، القانون مضر ولكنه ضروري لضبط المجتمعات، ولكن فارق بين الفرد الذي ينقاد طوعاً وبين الفرد الذي ينقاد قانوناً وحكماً، وهذا لا بد أن يؤثر عليه ولا بد أن يؤثر عليه بنسبة معينة بخلاف الشخص طوعاً، وهذه ميزة الصحابة رضي الله عنهم، أنهم انقادوا للإسلام طوعاً، فلم يكن القانون يكسرهم إنما هم أنفسهم كانوا ينفذون القانون ديانة وحباً وخوفاً من الله سبحانه وتعالى وتعظيماً له. إذاً سعد رضي الله عنه وأرضاه هذا الأمر الثاني المتعلق بصفات سعد، سعد كان من الشجاعة بمكان، وكان كذلك من الكرم بمكان، وكانت هذه في الذروة، يعني هو لم يكن كريماً كرماً عادياً، إنما كرم كان يفرق عن غيره، والعرب لم يكونوا يسودون إلا الشجاع الكريم، فلما يقاد الرجل الشجاع الكريم الذي يكون في الذروة في الشجاعة وفي الكرم، هذا لما يسلم طبيعي يكون أفضل من غيره، هذا المعدن الذهبي، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام. إذاً هاتان الصفتان كانتا ظاهرتين في سعد بن عبادة.

وكان كذلك يتعاهد النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت له جفنة رضي الله عنه وأرضاه تدور مع النبي عليه الصلاة والسلام حيث ما دار، كان يبعث باللحم وكذلك باللبن، وكان ينطلق مثل ما ذكرت بثمانين من قومه، وكذلك كان يدعو النبي عليه الصلاة والسلام، فلما أفطر عندها النبي عليه الصلاة والسلام الدعاء الذي تعرفونه كلكم: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة»، هذا الدعاء كان في بيت سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يساويه أو يجعله مقابل علي بن أبي طالب، فكان لواء المهاجرين عند علي، لماذا اللواء عند علي؟ لم يطرق الخوف قلبه، يعني شوفوا يا شباب الشجاعة درجات، ليست درجة واحدة، حتى العرب كانوا يقسمون الشجاعة إلى عدة مراتب وأعلاهم يسمون البطل، علي رضي الله عنه وأرضاه لم يذكر الخوف على لسانه، لم يذكر الخوف على لسانه، بعض الناس يتشجع لكن أن الخوف ما يذكر أبداً على لسانك وقلبه ما يتحرك، هذا نادر في البشر، علي بن أبي طالب كان من هذه الشريحة، لذلك لما قيل في الكوفة من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أما أنا ما قابلني رجل إلا قسمته، لكن أشجع الناس أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وشأن هنا ثبات القلب، الصديق ما ذكر لسانه الخوف، الصديق لم يذكر لسانه الخوف، كذلك علي لم يذكر لسانه الخوف. سعد بن عبادة هو الذي كان يحمل لواء الأنصار، لماذا؟ لأنه ابن شجاعة بمكان، هو عنده هذه الشجاعة.

طيب هذه الشجاعة ما الذي كان يسندها عند سعد بن عبادة؟ الصفة الثالثة، وهي ظاهرة جداً في سعد بن عبادة، وهي صفة الغيرة. شوفوا يا شباب يعني هذه الوقفة الثالثة متعلقة بالإنسان، الرجل الغيور نفسه تكون جداً قوية، يعني الشديد والغيور هؤلاء نفوسهم تكون جداً قوية، إذا ما عرفت التعامل معه سيفعل معك شيئاً ما تتخيله، لذلك الوقفة الثالثة ستكون بطريقة تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع سعد بن عبادة، هذا الرجل من هو؟ هذا رجل شجاع وغيور، الغيرة صفة إذا أحسن الإنسان سياستها تحمل على القيام بمقامات لا يقوم بها غيره، صفة الغيرة تحمل الإنسان على أن يقوم بأشياء ويضحي تضحية لا يقوم بها الشخص العادي. صفة الغيرة لماذا؟ لأنه لو ما قام بهذا الفعل سيتضرر ضرراً كبيراً نفسياً، فهو يكون بين ضررين، بين أن يقوم بهذا الشيء وبين أن يتركه، هو غالباً، ليس غالباً، دائماً يتخذ القرار الموافق للغيرة، القرار الموافق للغيرة. الغيرة إذا ما ضبطها صاحبها قد يظلم وقد يقع بالحسد وقد يقع بالنميمة، طيب ما هي الصفة التي تحد الغيرة حتى ما تثمر الغيرة الأعمال السيئة والأقوال السيئة؟ الصفة التي تحد الغيرة، طبعاً غير الدين يحد الإنسان بمعنى الآن شخص ينم ويغتاب، من الذي ينم؟ يتكلم الناس في خلف ظهورهم، هذا ما يفعله الرجال، يعني رجل كامل الرجولة ما يفعلها مستحيل، الذي ينم دائماً غيور، دائماً يكون غيوراً، فتكون غيرتها غيره.

الغيرة صفة ممدوحة أو مذمومة حسب الصفة المقابلة لها؛ فإذا وجدت صفة مقابلة تمنع هذه الغيرة من الوصول إلى درجات مذمومة تكون محمودة. كل صفة يا شباب لها حدان، ولها صفات مقابلة تحد من أثر هذه الصفة السيئة أو القوية في سياقها إذا استعملها الشخص بطريقة صحيحة. صفة الغيرة ممدوحة ومذمومة، وصفة الشجاعة ممدوحة ومذمومة، وصفة الشدة ممدوحة ومذمومة.

لماذا؟ لأن الشجاعة إذا كانت طاغية قد يكون معها ظلم، وقد تصل بالشخص إلى التهور. هناك فرق كبير بين الشجاع الشديد وبين الشجاع الحليم. الشجاع الشديد لا يمكن أن تتكلم معه لأنه سيرد عليك؛ وهذا هو الذي يحدُّه الدين. أضرب لكم مثالاً: عمر بن الخطاب شجاع شديد، وأبو بكر الصديق شجاع حليم، «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر». الشجاع الحليم يتغاضى، لكن الشجاع الشديد هل مر عليكم في السيرة أحد سبَّ عمر وعمر لم يرد عليه؟ كيف كان عمر يرد؟ هل باللسان ولا باليد؟ حتى في مكة من كان يضرب الكفار غير عمر؟ لماذا؟ لأن عمر شجاع شديد.

القصد هنا لما نرجع إلى صفات سعد بن عبادة، فهو غيور صاحب غيرة شديدة جداً. هذه الغيرة الشديدة إذا ما قابلتها صفة أخرى ممكن تنتج بعض الأشياء. ما هي الصفة التي تمنع الغيرة من أن تصل بالشخص إلى هذه الأمور المذمومة؟ هي صفة الأنفة. لما يكون شخص غيور وعنده أنفة، مستحيل يغتاب، مستحيل ينم؛ لماذا؟ لأن الأنفة تمنعه، هو يترفع بينه وبين نفسه أن يفعل هذا الشيء. هو غيور، نعم، وهذه الصفة تتعارض مع صفة الأنفة فتنتج الكمال البشري. لو كان الشخص غيوراً وما عنده صفة الأنفة، لا يمنعه إلا الدين. فالذي يغتاب ويتكلم في الناس في أقفائهم، هو رجل صفة الغيرة عنده عالية. الغيرة معها أنفة لا ينم خلاص؛ لأن الأنفة تمنع.

فالغيرة تكون تسير في مضمارها، والأنفة في مضمارها مع الديانة، فتكون كمالاً. والناس معادن، ومعها دين؛ هذا الدين ليس شيئاً هوائياً، بل يدخل في عقل الإنسان وجوفه ونفسه. فدين سعد بن عبادة ليس مجرد قانون أو نظام أو منهج، بل هو دين في الامتثال. هذا الرجل الذي امتثل الدين، هل هو شديد ولا حليم؟ الدين يدخل بداخله فيصنع هذا الإنسان، ويمنعه من الظلم؛ فالدين يصد الإنسان. فالأمور اليسيرة التي تخرج من الإنسان يحدها الدين.

سعد بن عبادة لما أنزل الله سبحانه وتعالى حكم القذف بأنه لابد أن يُلتمس أربعة شهود، قال: يا رسول الله، أجد الرجل مع امرأتي فأذهب فألتمس أربعة شهود؟ والذي بعثك بالحق لأضربنه بالسيف غير مصفح. ثم غضب رضي الله عنه. ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «أتعجبون من غيرة سعد؟». الغيرة ظهرت، لكن من الذي منع الغيرة من أن تخالف النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: والله إني لأعلم أنها حق. لم يجعل غيرته تحكمه؛ فالدين والديانة حدَّت الزيادة التي تقع أحياناً من الإنسان. فالدين مع الصفات المقابلة يصنع الإنسان بهذه الطريقة.

هذا كلام ثقيل، لكن مع الوقت يُفهم. أي صفة عندك قوية هي ميزة، ولكنها كذلك عيب؛ فمثلاً الذكاء ميزة، ولكن هل ممكن شخص يصاب بالعجب لأنه ذكي؟ مستحيل الشخص العادي يصاب بالعجب؛ لأن هذا إنسان عادي، لكن الذكي يصيبه مرض العجب والكبر. ليس فقط الذكي، بل كل شخص عنده ميزة، عنده مال كثير أو موهبة، يكون تعرض للفتنة بهذه الصفة أكثر من غيره. الشخص الذي عنده موهبة التقليد، هو الذي يصاب بالهمز واللمز؛ لأنه يحسن التقليد. ما الذي يمنع؟ يمنع الدين وتمنع الأنفة. صفة الغيرة كانت دافعة دفعاً قوياً جداً لسعد بن عبادة للتضحية في سبيل الله.

الوقفة الثالثة: طريقة تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع سعد بن عبادة. الشخص الغيور هو قائد حاكم، والغيور لا تستطيع أن تشد عليه. الغيور الشديد لا يصلح أن تشد عليه إلا في مواطن تنتقيها انتقاءً. عمر بن الخطاب شديد، كم مرة غضب النبي عليه الصلاة والسلام عليه أو وجهه بشدة؟ مرتين فقط في السيرة كلها؛ موطن متعلق بالتوحيد، والموطن الثاني لما وقع بينه وبين الصديق.

النبي صلى الله عليه وسلم يميز مراتب أصحابه حتى يعرف الناس منزلة كل رجل. في حادثة سعد بن عبادة، هل شد عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له مثل ما يقول بعض الدعاة من غير استحضار طبيعة النفوس؟ أبداً، لم يستعمل هذه الطريقة لا مع سعد بن عبادة ولا مع خالد بن الوليد؛ لأن هؤلاء من صفاتهم الغريزية الشدة والغيرة والشجاعة المفرطة والعناد. هذه الصفات تحتاج منك أن تراعيها وألا تحملهم فوق طاقتهم. عمر بن الخطاب يوم الحديبية، هل استعمل معه النبي صلى الله عليه وسلم الشدة؟ لا، كان يخاطبه بكل رفق؛ لأن عمر شديد وهذا الأمر ممكن يفتن الرجل الشديد.

الإنسان يبقى إنساناً، وقد يُفتن ببلاء لا يُفتن به غيره لأن طبعه يختلف. المعاند لما تعانده يعاند، والشديد لما تشد عليه يشد، والغيور لما تعامله يشد عليك. هذا الشخص يحتاج إلى تنفيس وليس إلى شدة. عمر يقوم ويضرب الناس، والنبي يقول: «خلوهم يا عمر». في حادثة سعد بن عبادة، كان يقول للأنصار: «ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ إنه لغيور». فقال الأنصار: والله يا رسول الله ما تزوج إلا ذكراً، وما طلق امرأة فاجترأ أحدنا أن ينكحها بعده. انظروا إلى لين النبي عليه الصلاة والسلام معه حتى استقام وآمن بالأيات.

في الخندق كذلك لم يشد النبي عليه الصلاة والسلام على سعد بن عبادة ولا معاذ، بل تعامل معهم على أنهم قادة. لم يغفل النبي عليه الصلاة والسلام دور الأنصار، ولم يتعامل معهم بمنطق "تسمعون كلامي كما أقول" إلا في الوحي؛ أما في الاجتهاد والمشورة فكان يستشيرهم. في حادثة الإفك، كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد من سعد بن عبادة أن يأذن بقتل عبد الله بن أبي، لأن سعداً هو قائد الخزرج، والنبي كان يريد أن يطيب نفوسهم أولاً. لذلك لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من رجل يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهله؟»، قام سيد الأوس وقال: يا رسول الله، إن كان منا كفيناك إياه.

مع ذلك ما تعامل مع البشر على أنهم ليسوا بشر، إنما تعامل معهم على أنهم بشر. هذا يبقى قائد في قومه: «قوموا إلى سيدكم»، ما نفى عنه السيادة عليه الصلاة والسلام. فكان النبي يشركهم، وكان تقدير النبي عليه الصلاة والسلام في اتخاذ القرار مبني على الدرجة التي وصلوا إليها من التسليم والانقياد؛ وهم مسلمون منقادون، ولكن لم يكن يريد أن يفتنهم، لم يكن يريد أن يعرضهم إلى فتنة ما يستطيعون عليها.

فقال: يا رسول الله إن كان منا أمرتنا فتمرنا أمرك كفيناك إياه، وإن كان من إخوتنا أي من الخزرج أمرتنا فتمرنا أمره. غضب سعد بن عبادة لأنه رأى بأن هذا تعدي على مقامه رضي الله عنه وأرضاه، وكانت أمي عائشة وهي تروي هذا الحديث تقول: وكان رجلاً صالحاً رضي الله عنه وأرضاه. قال: كذبت في لسان الحجاز أي أخطأت، والله ما تقدر ولا تستطيع. ولما عرض النبي عليه الصلاة والسلام ما يقوله عبد الله وقال: «أما تسمع ما يقول أبو الحباب؟».

فسعد تعامل مع النبي عليه السلام، قال: يا رسول الله اعذره، والله إن قومه كانوا يخرجون له الخرز حتى يلبسون التاج، فإنه يراك أنك قد سلبت ملكاً حتى أكرمنا الله بك، فإنه يراك أنك قد سلبت الملك. فهنا سعد بن عبادة تعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة. النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر سعد بقوة إنما كان يعرض عليه، وسعد رجل صالح رضي الله عنه وأرضاه حتى ما يفهم بعض الناس أن سعد هنا ليس له صالح وضحى في المدينة وضحى بكل ما يملك رضي الله عنه وأرضاه، ولكن هنا سعد كان يحاول أن يعطي عبد الله بن أبي فرصة ولعله يرجع، وهكذا كان تفكير سعد. لكن قصد ليس الآن فعل سعد، إنما طريقة تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الرجل الشريف، ورجل صالح في نفسه وضحى تضحية عظيمة، ولكن مع ذلك كان تعامل النبي عليه الصلاة والسلام معه بهذه الصورة، لم يقصره وشد عليه.

كذلك هذا الموقف الثالث: لما فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة وقال سعد: اليوم يوم الملحمة اليوم لا قريش. ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «بل اليوم يوم المرحمة». وأخذ اللواء من سعد وبعث إلى غيره، ولكن ما دعا سعد وشد عليه وعنفه أبداً. كذلك ما جاءت معركة حنين وانتصر الإسلام بهذه المعركة، وكان الانتصار بسيوف الأنصار بسيوف الخزرج من الأنصار كما تعرفون، وتكلم من تكلم من شبان الأنصار، فأتى سعد بن عبادة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إن إخوتك قد وجدوا في أنفسهم. فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام برد عجيب قال: «وما تقول أنت؟». فسكت وقال: يا رسول الله إنما أنا امرؤ من قومي. هذا كشف لطبيعة سعد بن عبادة طبيعته النفسية، إنما أنا امرؤ من قومي. فهنا أمر النبي سعد بن عبادة أن يجمع الناس، يجمع الأنصار في حظيرة، فجمعهم ثم تعرفون خطبة النبي عليه الصلاة والسلام فيهم المبكية، أبكت الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم وقال: «والله ما قلنا الذي قلنا إلا الظن بالله وبرسوله عليه الصلاة والسلام». فهم خافوا بأن يرجع إلى مكة عليه الصلاة والسلام ويترك المدينة، فكيف سيعيشون بعد رجوع النبي إلى مكة وعدم رجوعه معهم إلى المدينة؟ أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام وأمر الناس بأن يحسنوا إليهم رضي الله عنهم وأرضاهم، أثنى على الأنصار الثناء الذي تعرفونه. إذاً تعامل النبي عليه الصلاة والسلام كان مع سعد بن عبادة متوافقاً لطبيعة سعد بن عبادة النفسية، وهذه القمة في التعامل مع الإنسان، حتى ما يصدم الإنسان، لأن نفس الخطاب تقول لشخص يقبل منك والثاني ما يقبل منك. فمهم جداً أن تعرف مدخل الإنسان وطريقة التأثير على الإنسان وطريقة التعامل مع الإنسان حتى ما تفتن الإنسان وتحمله ما لا يطيق.

الوقفة الرابعة: قول أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كان رجلاً صالحاً احتملته الحمية. هنا الآن تزكية عظيمة من أم عائشة وهي التي ابتليت بهذا البلاء العظيم، ومع ذلك لما قال سعد ما قال هي ذكرت ما قاله لكن قالت: وكان رجلاً صالحاً، لأنها تعرف بأن المهاجرين لم يكونوا ليستقروا في هذه المدينة لولا إذن هذا الرجل ولولا سماح هذا الرجل. فلذلك من المهم جداً أن نعرف قيمة الناس وكذلك مراتب الناس، ونعرف كذلك آثار الناس. قد يكون شخص عظيم النفع الدين ويقع في بعض الأخطاء ولكن شتان بين الخطأ الذي وقع فيه وبين مرتبته وأثره العظيم في نصر الإسلام، وبين شخص آخر يقع في هذا الخطأ وليس عنده سابقة إحسان وليس عنده أعمال. ففارق كبير يا إخوان، هذا للأسف نلاحظ كثيراً في الأزمنة المتأخرة أن بعض الناس يكون لها مقامات شريفة وعظيمة وعالية في نصر الدين، لكن تقع منها الزلة وتقع منه الهفوة فيتم نسف تاريخه كله في نصر الدين وقيام له المقامات بسبب الزلة التي وقع بها. نعم الزلة تبقى زلة، ليس معنى هذا ليست زلة، ولكن يبقى تاريخه العظيم مشرفاً في نصر الدين هذا محفوظ له، وهذه الزلة تغوص في بحار حسنات هذا الرجل. إذاً هنا نستفيد كذلك من قول أم عائشة هذا القول بأن الرجل الصالح قد تقع منه زلة.

الوقفة الرابعة مع سعد بن عبادة: أنه قد يقع الشخص بزلة وقد يراها الناس بأنها زلة كبيرة جداً وليست عادية كما قال أسيد بن حضير: إنك منافق تجادل عن المنافقين. هو لم يقصد جدالاً عن المنافقين، لكن قالت أمي عائشة فسرت قالت: احتملته الحمية. يعني هذه الحمية، طيب الإسلام ما قضى عليها؟ نعم قضى عليها، لكن يا إخوان الرجل الغيور تكون حميته أعلى لأن هذا غيور. الشخص صاحب الأنفة والغيرة هذه الأمور النفسية تكون عنده أعلى بكثير من غيره، بخلاف الشدة والغيرة والأنفة، احفظوا هذه الصفات مع العناد، هذه الصفات إذا وجدت في الإنسان هذا الإنسان نفسه تكون متحركة تحركاً قوياً وليس تحركاً عادياً بخلاف الشخص الذي ما تكون عنده هذه الصفة قوية. قفوا مع هذا المعنى جيداً وافهموه وعوه، الإنسان الغيور والشديد والمعاند وصاحب الأنفة هذا ليس مثل غيره من الناس، ليس مثل غيره من الناس، هذا نفس البلاء الذي يقع عليه، نفس الموقف يقع على فلان وفلان، هذا يكون أثره جداً عظيم عليه وثقيل جداً عليه فيحتاج إلى تهدئة، يحتاج إلى تنفيس، ويتجاوز عنه فيما يقوله في بعض الأحيان، فهو رجل صالح ولكن عنده هذه الصفات زائدة عنده، فالفتنة تكون بهذه الصفات بخلاف غيرها تكون فتنة بصفات أخرى. وكل إنسان لا بد أن تكون له فتنة، يقول إياس بن معاوية المزني: ليس من أحد لا يعرف عيب نفسه إلا أحمد، قالوا: فما عيب نفسك؟ قال: كثرة الكلام. كل إنسان منا عنده عيب، فنفس هذا الإنسان في هذا المجال أو هذا الموقف لما يقع عليه يفتن، أما الثاني ما يفتن لماذا؟

لأن هذا هنا نفسها متحركة، هذا الشخص الآخر نفسه غير متحركة في هذا البلاء. مثال آخر مثلاً صفة المخالفة، بعض الناس يحب المخالفة، يعني يحب أن يذكر حتى لو بالسوء، هذا ليس موجوداً عند أكثر البشر لكن بعض البشر عنده هذا الشيء، يعني يحب أن يخالف الناس فيما يفعلونه، هو مثلاً الناس يلبسون كذا هو يلبس لباساً يخالف الناس فيه من لبس ثوب شهرة، ألبسه الله لباس مذلة. طيب ثوب شهرة هل يلبس الناس عادة لا، لكن من الذي يلبسه؟ الشخص الذي يحب المخالفة، هذا ترونه هو قليل في البشر لكنه موجود. هذا يحتاج إلى ديانة قوية تمنع من أن يفعل هذا الشيء لأنه هو يحب أن يخالف، الناس تمشي يمين هو يمشي يسار، هو يحب أن يخالف دائماً يحب أن يظهر بأنه صورة. هذا لما يقع عليه هذا البلاء بلاء المخالفة ليس مثل الإنسان عادي، يعني إنسان عادي لما يقال له لماذا ما تفعل كذا؟ يقول: لا، ماذا يقول الناس عني؟ في سياق نظرة الناس، يعني هو نظرة الناس تؤثر فيه أنه لا يفعل هذا الشيء، أما الرجل يحب المخالفة يستمتع لما يخالف ويقول ماذا يقول الناس عني، أحب أن يعرف ماذا يقول الناس فهو يستمتع بهذا الشيء، يستمتع بالمخالفة. هذا مرض وهذا عيب عند الإنسان، فكل إنسان عنده عيب لكن تختلف عيوب البشر، والذي لا يعرف عيب نفسه هو واقع قطعاً بالفتنة لكن هو ما يشعر بها.

الوقفة الخامسة والأخيرة مع سعد بن عبادة وأعتبرها من أعظم مواقف سعد من كان كثير من الناس ربما ما يفسره تفسيراً صحيحاً، وهو هجرة سعد بن عبادة من المدينة. لما مات النبي عليه الصلاة والسلام اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة أي في سقيفة سعد بن عبادة، هو من بني ساعدة من الأنصار من الخزرج، فاجتمعوا عليه حتى يؤمروه على عادة العرب في التأمير، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام قد صرح بإمارة الصديق، فكان يقول عمر بن الفاروق: إن تركت ترك من هو خير مني يقصد النبي عليه الصلاة والسلام، وإن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني يقصد الصديق. تعرفون العلماء مختلفون فيه هل النبي صلى الله عليه وسلم نصها ولا ما نص على الصديق، على أقوال ثلاثة: نص ظاهر، ونص خفي، وأنه لم ينص بل ترك الأمر شورى عليه الصلاة والسلام، لكن هنا عمر يبين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص. القصد من ذلك أن الأنصار اجتمعوا وكان سعد مريضاً، فاجتمعوا على تأمير سعد بن عبادة على عادة العرب بأن يؤمر قائد في مدينته، وهذه مدينة سعد بن عبادة. فسمع بذلك الصديق فذهب الصديق مع الفاروق مع الأمين رضي الله عنهم الصحابة أجمعين، وجرى ما جرى كما تعرفون، ثم بعد ذلك بايع الناس الصديق. لما بايعوا الصديق ما الذي فعل سعد بن عبادة؟ ترك المدينة، هاجر من المدينة وذهب إلى الشام.

طيب الآن هجرة سعد بن عبادة من المدينة وترك المدينة وعدم قدرته أن يبقى في المدينة، هل يعتبر موقفاً مشرفاً لسعد أو يعتبر من الأخطاء التي هكذا يتجاوز عنها؟ دعونا الآن ننظر في سعد بن عبادة، سعد بن عبادة سيد وقائد وصفته النفسية مثل ما ذكرناها لكم، إذا وصل حد الإنسان نفسه إلى العجز هو لا يستطيع، خلاص هو الآن يجزم لو بقي سيفعل مشكلة لأن نفسه لا تعطيه والنفس تصل إلى درجة العجز كما قلت لكم. ما الذي فعل سعد بن عبادة؟ طبق حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «وأن تدع الناس من الشر فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك». أحياناً العامل للدين يصل إلى درجة العجز النفسي، يعني هو لا يستطيع أن يحتمل، خلاص، تأتي تكلمه ممكن يستمر معك يومين ثلاثة ثم بعد ذلك يرجع عنده العجز النفسي، يعني نفسه لا تعطيه وتكون نفس دائماً تضغطه دائماً تشد عليه، الإنسان إذا وصل لهذه الدرجة ليس من الصواب أن تجبره بأن يفعل ما لا يجب عليه شرعاً أو ما يسوغ أن يتركه، ما يسوغ أن يتركه. هنا سعد وصل لهذه الدرجة، هو لا يستطيع خلاص، نفسه لم تعد تعطيه فهو الآن بين خيارين، بالنسبة له ليس بالنسبة للناظر له، بالنسبة له هو، هو الآن أمام خيارين: الخيار الأول أن يأخذ الأمر بالقوة، وأن يستفز الأنصار، وأن يستفز الخزرج، وأن يثير هذه الحمية فيهم.

والخيار الثاني أن يترك المدينة وأن يهاجر، وأن يضحي بهذه البلدة التي عاش بها والتي ورث القيادة بها، يترك الإمارة ويترك القيادة ويترك كل شيء حتى يحفظ دينه، حتى يحافظ على دينه. هنا الاعتزال محمود قطعاً للإنسان، يعني الإنسان إذا وصل لدرجة أنه سيفسد ولا بد، هنا اعتزل، «وأن تدع الناس من الشر فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك». هذا كذلك وقع مع أبي ذر الغفاري لما اعتزل المدينة وبقي في الربذة، خلاص اعتزل ووصل لدرجة أنه ممكن يقع ممكن يرتكب بعض الأخطاء ونفسه لا تعطيه، خلاص اعتزل، اعتزل الناس، فحيناً يكون الاعتزال ممدوحاً وليس مذموماً، دائماً الاعتزال أحياناً يكون منقبة ورفعة. فهنا سعد كان بين خيارين: بين خيار أن يستثير هذه الحمية، وبين خيار أن يترك المدينة وأن يهاجر، وتستمر دولة الإسلام وتستمر دعوة الإسلام ويستمر المهاجرون والأنصار بنصر الدين. فهو ترك الأنصار كلهم للصديق رضي الله عنه وأرضاه بأن يتحكم فيهم وأن يقودهم، أما هو نفسه ما أعطته نفسه، ما هو وصل إلى درجة العجز، لم تعطيه نفسه فترك هذه المدينة وترك هذا الأمر كله، وحتى أبناءه تركهم في المدينة وبقوا فيها، ثم هو رضي الله عنه هاجر ومات بعد ذلك في الشام. طويت هذه.

الصفحة الشريفة من صفحات الإسلام، وهي صفحة سعد من صفحات قادة الإسلام والمؤثرين في نصر الدين، والذين ما زال أجرهم باقيًا؛ لأن هؤلاء هم الذين حملوا لواء دعوة الإسلام. وكل ما يأتي الآن ويسلم الناس وما يعمل الناس هو يرجع إلى المهاجرين والأنصار؛ طبعًا هو يرجع للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن كذلك يرجع إلى من تحمل أعباء هذه الدعوة، فكل فرد تحمل له أجر.

والذي فتح المدينة كان أعظم هؤلاء هو سعد بن معاذ. وسعد بن معاذ هؤلاء كم لهم من الأجر في نشر الدعوة الإسلامية إلى آخر الزمان؟ هذا لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى.

إذا هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.