دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 03 | عباد بن بشر رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً.

نكمل هذه السلسلة التي عنونت بعنوان: «العيش مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم»، ومعنا اليوم صحابي جليل من الأنصار هو عباد بن بشر. عباد بن بشر الأوسي الأنصاري هو من بني عبد الأشهل، أي من رهط سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه وعن بقية الصحابة أجمعين. عباد بن بشر من الصحابة الذين آمنوا مبكراً من الأنصار، فهو كان أحد النقباء. وكذلك عباد بن بشر كان من الصحابة الذين لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يتكلف معهم.

وسيأتينا الحديث عن صفات هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، والتي من خلالها استطاع أن يصل إلى هذه المراتب العالية في نصر الإسلام. عباد بن بشر من الشخصيات القوية المحورية في الدعوة الإسلامية، والكثير من الناس لا يعرفون عباد بن بشر، والكثير من الناس لا يعرفون الكثير من الصحابة الذين كان لهم أعظم الأثر في تثبيت الإسلام.

دور الشخص في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى قد يكون بالظهور وقد يكون بالخفاء. فبعض الناس ينبغي أو يجب عليه أن يكون ظاهراً، وبعض الناس الأفضل أن يكون في مقام الخفاء وليس الظهور، وقد يكون دور الخفي أعظم بالتاثير بكثير ممن يكون ظاهراً وله السمع والصيت. عباد بن بشر من هذا القسم، القسم الذي يكون مكانه في الخفاء وليس مكانه في الظهور، ولكن أثر عباد بن بشر أعظم بكثير من أثر الكثير ممن له السمع والصيت.

عباد بن بشر رضي الله عنه وأرضاه، لما ندخل في قصة هذا الصحابي الجليل نجد بأن هذا الرجل شهد المشاهد كلها، أي شهد بدراً، وأحداً، والأحزاب، والحديبية، وفتح مكة، إلى آخره؛ فشهد المشاهد كلها، وهذه منقبة عظيمة لهذا القسم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فلما يقال في سيرة وترجمة الصحابي بأنه شهد المشاهد كلها، يعني هذا من صفوة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. عباد من هذا القسم من الصحابه، أي ممن فاز بأن شهد جميع المشاهد، فمنذ أسلم عباد بن بشر إلى أن مات وقتل شهيداً سعيداً في يوم اليمامة، كان عباد بن بشر باذلاً وعاملاً وناصراً للإسلام.

لما ندخل في سيرة الصحابي الجليل الذي شهد كل هذه المشاهد، وننظر في حياة عباد بن بشر أو طريقة تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع عباد بن بشر، وما هي الصفات والمميزات الموجودة في عباد بن بشر، نجد بأن عباد بن بشر تميز بعدد من المميزات، ونستطيع أن نجمل هذه الوقفات المتعلقة بسيرة هذا الصحابي الجليل بست وقفات.

الوقفة الأولى المتعلقة بالأمانة. الأمانة صفة جليلة وعظيمة، وقليل من الرجال من يتصف بالأمانة، والأمانة مذكورة بالكتاب ومذكورة بالسنة. ومعناها القريب هو وصول الشخص إلى امتثال شعائر وشرائع الإسلام من غير أن يكون له أي تدخل فيها، بمعنى -حتى يتضح الكلام- الأمانة ممكن تفسر باصطلاحات معينة، ولكن هذه الاصطلاحات لن يصل الشخص إلى فهم نفس الأمانة. أمين هذه الأمة الذي بلغ الذروة في الأمانة هو أبو عبيدة بن الجراح، بعثنا معكم رجل أمين حق أمين. تريد أن تعرف الأمانة؟ انظر إلى سيرة أبي عبيدة بن الجراح.

لا تأخذ هذه المعاني من المصطلحات فقط أو من التعاريف، لن تفهم. لكن تريد أن تفهمها حقيقة، ليس فقط التنظير، إنما تصل إلى استشعار معنى الأمانة؟ انظر إلى سيرة أمين هذه الأمة: «لأبعثن معكم أمين حق أمين، قم يا أبا عبيدة». أبو عبيدة هو الذروة، لذلك هم العشرة المبشرون بالجنة. لما ناتي وننظر في سيرة عباد بن بشر، أنا بالنسبة لي عباد بن بشر هو أشبه الصحابة بأبي عبيدة بن الجراح، سيرة عباد قريبة جداً من سيرة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم اجمعين. النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتكلف مع أبي عبيدة، يعني ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يحتاج أن يستعمل هكذا بعض الأساليب التي يراعي بها النفس.

عباد من هذه النوعية من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أي من النوعية المستجيبة. أصحاب الأمانة هم بهذه الطريقة، عباد أمين، عباد أمين، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام... والان بيان معنى هذه الأمانة وكيف قلنا بانه كل الصحابة أمناء رضي الله عنهم وأرضاهم، لكن الوصول إلى الذروة في مثل هذه الصفات لا شك بأنها للقلة ليس الكثرة. عباد دليل أمانته استعمال النبي عليه الصلاة والسلام له على الصدقات. لما استعمل النبي عليه الصلاة والسلام أبا عبيدة بن الجراح على صدقات البحرين، أتى بها كاملة لم يأخذ منها أي شيء، ولا يستعمل الرجل على المال إلا لما يكون أميناً.

والان الكلام الذي سأقوله، ممكن شخص شاب ما يفهمه إلا لما يكبر. لما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه سأل، أو لما قيل له بأن فلان وأثنى رجل على رجل، أتى عمر أو كان في مجلس عمر وأثنى على رجل، فسأل عمر ثلاثة أسئلة، قال: هل اتجرت معه؟ عملت بالدينار والدرهم؟ قال: لا. طيب، هل جاورته؟ قال: لا. سافرت معه؟ قال: لا. لماذا هذه الثلاثة؟ تكشف الإنسان. المال، قبل أن يحصل الشخص المال إنسان، وبعد ما يحصل الشخص المال إنسان آخر. الإنسان كائن متغير، أنا أرييد الآن من داخل هذه القصص يا شباب أن نتكلم عن هذه المعاني، يعني ليست هي قصة مجرده. لا يمكن أن نفهم الصحابة إذا ما فهمنا معاني الحياة، حقائق الوجود، حقائق الحياة. الشخص قبل أن يكون صاحب مال، لما يكون إنسان عادي فقير أو إنسان عادي إنسان له طبيعة معينة، بعد ما يحصل المال، بعد ما يحصل الجاه، بعد ما يحصل السلطان يكون إنسان آخر، يتغير. من الذي لا يتغير؟ القليل النادر من البشر. عامة البشر يتغيرون. لذلك يقول عبد الوهاب المسيري: تزوجت زوجتي ثلاث مرات. كيف؟ طبعا هو ليس يعني طلقها ورجعت تزوجها، لا، ولكن يقصد أن في كل مرحلة من العمر يتغير الشخص، فأنا تغيرت وهي تغيرت، فنحتاج أن نجدد علاقة وفق التغير الذي وقع. الشخص بعد ما يحصل المال لن يكون مثل حاله قبل أن يحصل المال إلا ما نادر، إلا ما نادر.

أبو عبيدة أمين، أبو عبيدة مؤتمن. وأتمنه النبي عليه الصلاة والسلام على الإسلام، وأتمن كذلك على المال. فبعثه إلى وفد نجران حتى يعلمهم الدين، وكذلك بعثه إلى اليمن حتى ياتي بالمال. فهنا الائتمان على الدين والائتمان على المال هذا ما يكون إلا لاصحاب الأمانة. أبو عبيدة الذروة، عباد بن بشر النبي عليه الصلاة والسلام استعمله على الصدقات. ولما تنظرون في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، انظروا من استعمل النبي عليه الصلاة والسلام على الأموال؟ من استعمل على الصدقات؟ ومن منهم تغير؟ والذي تغير كيف عامله النبي عليه الصلاة والسلام؟ فالاستعمال على المال لا يكون لكل أحد، لأن الشخص قد يفتن، وكثيراً ما يفتن الشخص بالمال، فتنة أمتي المال، أعظم من فتنة النساء. فتنة كانت في النساء، أما فتنة أمتي المال، بل الله سبحانه وتعالى ذكر المال قبل البنون: ﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].

فالقصد من ذلك أن الاستعمال على المال وعلى الصدقات لا يكون إلا لأصحاب الأمانة. عباد استعمل على الصدقات. وكذلك الآن لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام أبا عبيدة بن الجراح إلى نجران وأتمنه على الدين، ورأى النبي عليه الصلاة والسلام من أفعال أبي عبيدة وأقواله ما يدل على أمانة هذا الرجل وعلى عدم حضور نفسه. عباد من هذه النوعية من الناس، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام استأمنه على نفسه.

لذلك النبي عليه الصلاة والسلام استعمله على نفسه، وهذه والله تحتاج إلى وقفة إيمانية، يختار النبي عليه الصلاة والسلام شخصاً معيناً محدداً حتى يكون هو حارس النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار عباداً في الخندق، واختار عباداً في تبوك. في الخندق كان كل يوم الكفار يهجمون على المدينة فكل يوم تكون لهم كرة، وطبعا الهدف الأول هو النبي عليه الصلاة والسلام، فكان النبي عليه الصلاة والسلام عنده مجموعة تحرسه، وكان قائد هذه المجموعة هو عباد بن بشر رضي الله عنه، حتى قيل في ذلك أبيات، وقيل بأنه: إن كنتم تنامون فإن عباد بن بشر لا ينام. هذا دليل على الائتمان، وسياتينا مصداق الآثار أو الاحاديث أو المواقف الكاشفة لطبيعة هذا الإنسان.

فلما اختاره هنا النبي عليه الصلاة والسلام في الخندق، واختاره كذلك في تبوك. في تبوك كان أهل النفاق يريدون قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وحدث عدة مواقف في تبوك هم بها المنافقون بقتل النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كان في تبوك النبي عليه الصلاة والسلام جعل عباد بن بشر هو حارسه عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن المنافقين كانوا من الأنصار -ليسوا من الأنصار، حاشا الأنصار أن يكون منهم منافق، لكن كانوا من أسر الخزرج، ولم يكونوا من المهاجرين- فعباد بن بشر لم يكن يبالي ولا يداري على حساب الإسلام، لذلك قال عمر: مر عباد فليقتله. لماذا عمر اختار عباد بن بشر؟ يعني في غزوة المريسيع لما قال ابن أبي المنافق ما قال، عمر بن الخطاب قال: مر عباد بن بشر، لماذا بالذات من الأنصار كلهم اختار عباد بن بشر؟ لأن هذا الرجل ما كان يبالي، يعني كانت الجندية عند عباد بن بشر عالية جداً. وهذه ستاتنا، عدم المداراة مع الجندية، وهي هذه الصفات أو المواقف كلها تدخل في بعضها فتشكل صفات الإنسان.

لكن التقسيم هذا كله من باب التقريب وليس من باب التحقيق، بمعنى قد تكون صفة تدل على الأمانة وتدل كذلك على التجرد وعلى الجندية، ولا يمكن الشخص أن يكون أميناً إلا إذا كان متجرداً، لا يمكن أن يصل الشخص إلى الأمانة العالية جداً إلا لما نفسه ما تحضر عنده. ذاك أبو عبيدة لما وقع بينه وبين عمرو بن العاص ما وقع، قال يا عمرو لأن لم تطعني لأعصينك. فبلغت هذه كلمات النبي عليه الصلاة والسلام فأثنى على أبي عبيدة، هذا هو الأمين. فالأمين ما تحضر نفسه كثيراً، بل ما تحضر أصلا. أبو عبيدة في سيرته كلها لم تحضر نفسه في موقف واحد فيما أعرف، أن أبا عبيدة لم تحضر نفسه في موقف واحد، يعني ما تجد له حضور نفس، ما لها حضور كبير.

كذلك هنا عباد بن بشر في جميع المواقف المذكورة عنه، ما في موقف حضره نفسه، ما في موقف حضره نفسه بحيث اضطر الإنسان أن يداريه، اضطر الإنسان أن هكذا أن يخفف عليه حتى ما تسيطر على نفسه. فعباد من هذه الشريحة من الناس. القصد أن عباد بن بشر أتمنه النبي عليه الصلاة والسلام على نفسه في الخندق وكذلك في تبوك، وأتمنه كذلك على المال. وكذلك عمر بن الخطاب هو العالم بالرجال رضي الله عنه وأرضاه، اختاره من بين جميع الأنصار حتى يقتل عبد الله بن أبي. طيب، الآن قتل عبد الله بن أبي، ألم يتسبب بمشكله؟ هل سيقبل؟ عباد بن بشر ما عنده مشكلة عادي، لأنه مؤتمن على الإسلام، فممكن يفعل هذا الشيء، فلو أمر النبي عليه الصلاة والسلام عباد بن بشر لفعل من غير أن يراجع الأنصار، يعني سينتظر مباشرة. ويدل على صدق هذا أن عباد بن بشر كذلك اختير من أجل أن يقتل كعب بن الأشرف. وهذا سيد من السادات، ولم يكن يبالي في قتل لهذا الرجل الشريف عند قومه.

إذاً الوقفة الأولى العظيمة المتعلقة بسيرة هذا الصحابي الجليل: الأمانة. الأمانة، وقليل من الناس من يكون أميناً، الأمانة صفة نادرة بالرجال. بخلاف الشجاعة، بخلاف الكرم، قد يكون شخص شجاعاً لكن ما يكون أميناً، قد يكون كريماً لكن ما يكون أميناً. تجدون في سير العرب في الجاهلية وبعد الجاهلية كذلك أن الشخص ممكن يكرم أضيافه، لكن مع كرم الأضياف يتفاخر بالسرقة أو يتفاخر بما يسمونه الكسب، يعني ما عنده مشكلة أن يغزو وياخذ الأموال ثم بعد ذلك يتفاخر بكذا من غير وجه حق. فانظر هو كريم، لكن مع كرمه صفات تكون مختلطة، أو الأفعال تكون مختلطة بشكل عجيب. أما الأمين لا يكون بهذه الطريقة.

إذاً هذه الصفة الأولى. الصفة الثانية أو الوقفة الثانية مع عباد بن بشر: الإلاص مع الصدق. دليل الإخلاص أن عباد بن بشر ما كان يظهر إلا في المواقف التي ينبغي فيها الظهور. عباد من أهل بدر، لكن ما له أي ذكر في يوم بدر، بس أنه حضر بدر فقط، يعني عباد بن بشر لما تاتي وتريد تنظر ما الذي وقع من عباد يوم بدر؟ ماذا حدث؟ ما في، لا يوجد، سوى جندي مقاتل.

هو جندي مقاتل. طيب، أحد، لما تبحث في الكتب، هل تجد موقف لعباد يوم أحد أو ذكر لعباد؟

لا، ما تجد ذكر، لكن هو مقاتل مع الصحابة يوم أحد، يعني هو من أفراد من قاتل، هو من أفراد من قاتل في هذه الأيام. فالاخلاص عند عباد عالي جداً، هو لم يكن حريصاً، مثل ما ذكرت لكم، أن يظهر نفسه، لم يكن حريصاً أن يظهر نفسه.

كذلك الصدق، والصدق ما يكون إلا مع المجاهدة، يعني الإخلاص هو أن شخص لا يريد من عمله إلا الله، أما الصدق فالشخص يحرص على إتقان العمل الذي وكل فيه. الصدق يحرص الشخص على أن يتقن العمل الذي يوكل فيه، فهو يجتهد غاية ما يستطيع بأن لا يؤتى الإسلام من قبله، ودليل الصدق كل مواقف عباد بن بشر، دليل الصدق كل مواقف عباد بن بشر. وبالصدق والإخلاص يرتفع الناس، كما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: كيف ثبت على الجلد وعلى الضرب الذي وقع عليك؟ فقال: بالصدق والإخلاص. ما وضع الصدق على جرح إلا برئ، فالصدق لما يكون شخص صادق في نصرة الدين هذا هو الذي يصيب المقامات العالية. والله سبحانه وتعالى أثنى على أهل الصدق في كتابه العظيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: 23]، منهم كان عباد بن بشر.

وكذلك لما وكله النبي عليه الصلاة والسلام في حفظ الثغر يوم في غزوة ذي قرد، لما هجَم عيينة بن حصن الفزاري على رجل، ويقال إنه ابن أبي ذر الغفاري، رجل من غفاري، وأخذ واستاق إبله، وكذلك أخذ زوجته وقتل هذا الرجل الغفاري. فنادى وصاح سلمة بن الأكوع، فبلغ صراخه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الفزع الفزع الفزع الفزع!». فكان أول من استجاب للنبي عليه الصلاة والسلام بعد المقداد هو عباد بن بشر، هو عباد بن بشر. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى نزلوا في واد، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: من يحرسنا؟ فقال عمار بن ياسر وعباد بن بشر: نحن. فقال عباد لعمار: تريد أن أكفيك أول الليل أو آخره؟ قال: بل اكفني أول الليل. فنام عمار بن ياسر، وقام عباد بن بشر يصلي، فجاء رجل من الكفار ورأى صورة عباد وهو يصلي، فرماه بالنبل فأصابه السهم، فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثانٍ فنزعه وأكمل صلاته، ثم لما أصابه بالسهم الثالث ركع وسجد وسلم، ثم أيقظ عمار بن ياسر.

فلما رآه عمار رضي الله عنه وأرضاه قال له: لما لم توقظني؟ فقال له: لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطِع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها. يعني لولا أن خاف أن يضيع هذا الثغر، هذا هو الصدق؛ لو خاف أنه يؤتى الإسلام من قبله لكان أن يموت أحب إليه من أن يقطع الصلاة أو ينفذ الصلاة أو أن يكمل الصلاة. هذا ما يفعلها إلا الأندر من الرجال، هذا الموقف الذي يكون بهذه الطريقة، يثبت حتى آخر رمق، حتى لما أيقظه قال: إني قد أثبتُّ، يعني أصابتني الجراح حتى لم أعد أستطيع أن أتحرك، خلاص هو وصل إلى هنا. هذا هو الصدق، الصدق يكون بعد بذل كل ما تستطيعه، هنا هذا هو الصادق. هذا الصادق الذي يبذل كل شيء ولا يبقى معه شيء، هذا هو الصادق، وبالصدق والإخلاص والمبادرة والأمانة هذه الصفات يصل الشخص إلى ما وصل إليه عباد رضي الله عنه وأرضاه. القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام استأمنه على هذا الثغر وهو كان أهلاً لهذا الاستئمان، كان أهلاً للقيام بحفظ الإسلام، فحمى حتى وصل إلى الذروة، يعني هو ليس أول سهم خلاص قطع صلاته أو مباشرة ترك، إنما استمر واستمر واستمر حتى وصل إلى درجة ما يستطيع معها أن يكمل. هذه كلمة: قد أثبتُّ، يعني خلاص لم أعد أستطيع. فقام عمار بن ياسر، وعلم هذا الرجل الكافر بأنه قد انتبهوا له ففر.

الوقفة الثانية المتعلقة بالإخلاص والصدق، الوقفة الثالثة المتعلقة بعباد: المبادرة. وهذه يكشفها أنه أول من استجاب لدعاء النبي عليه الصلاة والسلام يوم ذي قرد بعد المقداد، لما صاح النبي عليه الصلاة والسلام قال: الفزع الفزع. يقول ابنه هشام: فذهب أو كان أول من أتى عباد بن بشر على فرسه بعد المقداد بن الأسود. يعني مباشرة، هذا يا إخوان المبادرة ما تحتاج تكلف، يعني الشخص الذي يبادر بالقيام للأشياء ما يفكر، الذي يفكر الذي ما يكون عنده يقين كبير. يعني الشخص الآن أمام موقف، ويعلم بأن هذا الموقف الله يريد منه، ويكون قطعي، يعني هو ليس احتمالي يحتاج إلى تفكر، إنما هو قطعي، فالذي يبادر مباشرة هذا يكون في أعلى المقامات، عباد من هذه النوعية، يعني بادر، إيمانه فزع، إيمانه هو الذي حمله على أن يقوم، فزع القلب، فزع الإيمان الموجود في القلب، فتحرك الإيمان وحمل الجوارح مباشرة من غير أن يمر على العقل، من غير أن يحتاج إلى تفكير، من غير أن يحتاج إلى تفكير.

كذلك قتاله مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، يوم بدر خرج النبي عليه الصلاة والسلام لطلب القافلة، بالأصل هو ممن خرج مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن يعلم هناك قتال أو لا، ولكن خرج بما أن النبي عليه الصلاة والسلام قد دعا. مباشرة أخذ بعض الناس ما خرجوا، قالوا: القافلة، خلاص، العدد قليل يكفي القافلة، كم رجل تحتاج؟ أربعين، خمسين، مائة رجل، لماذا نخرج كلنا؟ فقسْم منهم ما خرج، لكن عباد لا، عباد من النوعية التي خرجت، وهذا فيه كشف للمبادرة، وكذلك يتمايز الناس بهذه المقامات. يعني قد يكون هذا مبادر وهذا مبادر، ولكن المبادرة الأولى، المبادرة الثانية، وبهذه المقامات، يعني هذه السرعة في تنفيذ الأمر الإلهي تكون المقامات يوم القيامة. لذلك فضل جعفر بن أبي طالب وكذلك زيد بن حارثة على عبد الله بن رواحة، مع أن كلهم كانوا من أهل الخير والصلاح، وكلهم من ضحى، لكن عبد الله تردد هنيهةً هنيهةً، فكان في سريره ازورار عن صاحبيه، لماذا؟ لأنه تردد فقط. فانظروا، يعني هذه الثانية أو الثواني اليسيرة التي يتردد الشخص فيها لابد أن تنقصه، لابد أن تنقصه، فما يكون الذي ما تردد أبداً مثل الذي تردد ثانية.

فعباد من المبادرين، عباد من المبادرين، عباد ما كان يحسبها أن هذا العدد يكفي، لا، إنما ينظر إلى هو ما الذي يحب الله مني أن أفعله. وفي هذه المقامات، يعني لما شخص يكون في نفس البلاء الآن، خمسة يريدون الذهاب للدعوة، خلاص خمسة يكفون، هل تذهب معهم أو ما تذهب؟ الله يريد منك أن تذهب، لكن لو ما ذهبت لن يختل الأمر، يعني هو ما يقول هذا فرض كفاية، خلاص قام به من يكفي إذاً سقط عني، لا، هو ما يفكر بهذه الطريقة والكثير من الصالحين -أنا لا أقول ليسوا صالحين، هم من الصالحين- يفكرون بهذه الطريقة، لكن الذي يفكر بهذه الطريقة يحرم من بدر. يعني الذي يفكر بهذه الصورة يحرم من الوصول إلى هذه المرتبة العالية، أي مرتبة أهل بدر؟ لماذا؟ لأن بدر قد لا تكون محسوبة، يعني الذهاب في هذا الموقف قد يكون في باطنه الكرامة الإلهية، في باطن هذا الموقف الذي ما يحتاج أن تكون أنت موجود فيه، ولكن الله يحب منك أن تكون موجوداً فيه لتكون في باطن الكرامة الإلهية: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ما يدريك، لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة. هذه وجبت لكم الجنة، لو كان أهل المدينة يعرفون بأن الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة سيحصل شخص وجبت لكم الجنة أو اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، هل سيتخلف أحد؟ أبداً، لكن هم ما يعرفون، هم ما يعرفون.

فهنا يرجع الأمر إلى نفس مبادرة الشخص، وهذه المقامات، يعني الله سبحانه وتعالى يصفي ويصفي ويصفي في الناس بهذه الاختبارات، حتى يظهر صفوة الصفوة، ما يظهرون إلا لما تكون استجابتهم للدين بهذه الطريقة، كل مقام يستطيع أن يقومه يقومه، كل فعل يستطيع أن يفعله يفعله، حتى لو ما كانت هناك حاجة، حتى لو ما كانت هناك حاجة. وهذا هو سبب وسر ذكر الله سبحانه وتعالى لمؤمن آل ياسين، ثلاثة من المرسلين، طيب هو ما الذي سيفعل معهم هؤلاء؟ كلهم أنبياء، كلهم مرسلين، ذهب معهم لأن الله يحب منه أن يذهب، يعني الله هو نظر إلى نظر الله سبحانه وتعالى له، وليس إلى الحكم. يعني هو ما نظر هل واجب علي الذهاب ولا لا، هل أفضل أني أذهب ولا ما أذهب؟ نعم، الأفضل نعم، لكن هل لو ذهبت سيتغير شيء؟ هو ما نظر بهذه الطريقة، إنما هو نظر أن وجودي فقط مع هؤلاء الثلاثة، الله سبحانه وتعالى يحب مني، إذن أففعْل الذي يحب الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء نظرهم متعلق بالله مباشرة، بنظر الله سبحانه وتعالى، هؤلاء ما يحسبون الحسبة الدنيوية، ما يحسبون الحسبة العلمية، إنما ينظرون إليها من منضار الإيمان.

وفارق كبير يا شباب بين من ينظر إلى الأمور من منضار الإيمان، ومن ينظر إليها من منضار العلم. وليس معنى هذا أن الإيمان يكون مخالفاً للعلم، لا، إذا كان أمر لا يجوز شرعاً لا تفعله، ولكن القصد أنه لما يكون الإيمان عالي جداً ما يجعلك تتأول، ولا يجعلك تترك الأمور التي قد لا تكون بالنسبة لك مهمة علمية، أو تكون غيرك أولى بك أو غيرك ممكن يقوم بها، لا، أنا ساكون مشارك معكم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. صاحب المبادرة، صاحب المبادرة هو الذي يحصل الرضوان، ونحن ما نعرف العمل الذي من خلاله يحصل رضوان الله سبحانه وتعالى، جعل في بعض العبادات الرضوان. يقول يروى عن علي رضي الله عنه وأرضاه، جاءت عن الزهري وعن جماعة من السلف، بأن الله أخفى اثنتين في اثنتين، وبعضهم يقول: أخفى ثلاثاً في ثلاث، منها أخفى رضوانه في طاعته، فما تعرف ما هي الطاعة التي تفعلها يكون لك فيها رضوان الله. رب كلمة يقولها العبد لا يلقي لها بالاً، يكتب الله سبحانه وتعالى له بها رضوانه، كما جاء في حديث بلال بن سعد في الصحيح. فكلمة تقولها ما تلقي لها بالاً، يعني ايش؟ يعني ما تظن أن هذه الكلمة تبلغ عند الله سبحانه وتعالى بأنك تحصّن رضوان الله، قلت هذه الكلمه وأنت قلت قبلها ألف كلمة، هذه الكلمة قلتها ترجو الأجر، لكن ما تتصور أن يكون الأجر هو الرضوان، ما تتصور أن الأجر يكون هو الرضوان.

فالله سبحانه وتعالى يكتب لك الرضوان، لذلك الله أخفى هذه الأمور هذه ما يعرفها. طيب، كيف أحصلها؟ كن من أصحاب المبادرة، إذا لم تكن من أصحاب المبادرة احتمال كبير ما تحصلها. لأن قد يكون بهذا العمل أنت الآن يعني قد تكون عندك أعمال كثيرة جداً وعظيمة فيما تراها أنت وتقديرك البشري ضعيف، ولكن قد تمشي في السوق مثلاً، أو تمشي في المسجد مثلاً، وتعلم شخص، أو تزور شخص مريض، أو كذا، وهذا أمر ربما ما تعبأ به ولا تبالي به، ويكون في نظرك يسير، لكن هذا العمل هو الذي به رضوان. وكل أعمالك السابقة لك فيها أجر، لكن ليس رضوان، من ضمنها يعني نفس الوصول إلى رضوان الله، أن الله ما يسخط عليك بعدها أبداً، لا يسخط عليك بعدها أبداً. هذا ما تعرف كيف يكون ولا تعرف العمل، ولا من هو الشخص الذي إذا دعوته أو نصحته أو زرته أو أحسنت إليه يكتب لك الرضوان. قد تظن بأنه يكتب لك، شوفوا يا شباب، الكثير من الناس أو كثير من الشباب المتدينين هو يحسبها، يعني هو يحسب التعامل مع الله حساب رياضي، حساب رياضي يعني ايش؟ يعني خلاص أنا عندي أعمال كذا وعندي أعمال كذا وعندي أعمال كذا، إذا هذه الأعمال بإذن الله هي اللي توصلني.

طيب، الآن عنده يأتيه عمل جديد، سؤال هكذا عارض، شخص يطلب منه شيء، أو يقول: يعني هذا هل ممكن أنا حتى لو قمت معه بهذا الفعل كم ساخذ من الحسنات مقارنة بما أقوم به الآن من أعمال عظيمة في تجديد الإسلام وفي نصرة الدين وفي كذا؟ هذا اللي يتعامل بهذه الطريقه، وهذا أكثر، هذا الكثير من الناس، لأن هؤلاء بشر يغلبهم العلم، يغلبهم العقل، ما يغلبهم الإيمان. اللي يغلب الإيمان هذا ما يتعامل بهذه الطريقة، إنما هذا تجده في هذا العمل وهذا العمل سواء، لأن في هذا العمل هو يطيع وفي هذا العمل كذلك يطيع، الله ما يفرط بأي شيء، يعني كل حديث يطرق سمعه يحاول أن ينفذه، وكل موقف يتعرض له يقول: الله يحب مني الآن أفعل كذا، الله يحب مني الآن أفعل كذا، فهو ينظر فقط إلى الفعل، لا ينظر إلى أثر العمل، لأن هذا الأثر ليس لك أصلاً، وقد تكون ملء السمع والبصر، لكن لا تكون أفضل الناس في زمانك، وقد لا يعرفك أحد من الناس وتكون أعظم الناس في زمانك، مثل أويس القرني خير التابعين، رجل قال له أويس. فالذي يبادر، الذي يبادر ويتعامل مع الله سبحانه وتعالى...

تعامل العبد هذا هو الذي يعصر الرضوان، عباد من هذه الشريحة من الناس من أصحاب المبادرة، كم واحد خرج مع النبي عليه الصلاة والسلام من أجل القافلة؟ ثلاثمائة. لماذا أنا أخرج معهم؟ لا أخرج معهم لأن الله يحبني أن أخرج معهم، يعني أحسبوها في نفس الموقف، هل الآن أخرج ولا ما أخرج؟ والنبي عليه الصلاة والسلام لا يريد إلا من ظهر، كان حاضر، يعني شخص الآن يخرج معنا لا يستعد، هو طبعا استعداد قسمين، استعداد التضحية واستعداد أني أعد العدة، لا، هو مستعد دائما، أول ما نادى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة فزع.

وعلى إخوان، الوصول لهذه المقامات المبادرة السريعة، مستحيل أن تكون لشخص متعلق بالدنيا. والتعلق بالدنيا يعني ما يفكر بالدنيا أبدا إلا إذا ذكر، يعني شخص يفكر أني سأشتري كذا وسأفعل كذا، ويهم هذا الأمر ويدقق فيه، هذا ما يكون أصحاب المبادرة، لماذا؟ لأن الدنيا تقعده، الدنيا تقعده، لكن هو لما دائما يفكر بطاعة الله، كل يوم يصبح ويمسي في ماذا أفعل اليوم؟ ما المراد مني؟ كيف أغتنم لحظات اليوم؟ كيف أغتنم لحظة اللحظة هذه في الذكر، واللحظة هذه في الصلاة، واللحظة هذه في البر، واللحظة هذه في التواصل، واللحظة هذه في إجابة الأسئلة، واللحظة هذه في التواصل في زيارة الأقارب، واللحظة هذه في كذا؟ هو يفكر هكذا، الدنيا غير موجودة في ذهنه، يعني هو يفكر الآن سيارته مثلا كذا، أو أنه يريد أن يشتري مثلا جوال معين، ما يدقق، أي شيء يأتي خلاص هكذا، يعني هذا يكون عارض في حياته، الذي يدقق في الدنيا لابد أن تقعده الدنيا بنسبة التدقيق فيها، بخلاف الذي يدخل بالدنيا من أجل أن ينصر الإسلام، مثل ما كان يفعل الصديق، مثل ما كان يفعل عثمان، هؤلاء دخولهم في التجارة من أجل أن ينصروا الدين، ليس من أجلهم، يعني هم ما يفكرون بأنفسهم، فلذلك الله سبحانه وتعالى حماهم شر الدنيا.

إذا القصد يا إخواني بأن المبادرة أصحاب المبادرة هم الذين يصلون إلى إصابة العبادة التي بها رضوان الله، أو هم أولى من يصيب بالرضوان، فما تدري ما هو العمل الذي تقوم به وتصيب رضوان الله سبحانه وتعالى، وما أكثر ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء في الرؤيا التي وقعت العلماء بعد وفاتهم؛ عالم يدرس أربعين سنة يدرس الناس خمسين سنة، ولكن لما يسأل عن السبب الذي غفر الله له به أو دخول الجنة، يذكر سبب ما يخطر في بال الإنسان، فشخص يقول الذكر: لا حول ولا قوة إلا بالله، مثل ابن أحمد الفراهيدي، وأخر يقول بحفظ القرآن، آخر لولا سيئاتها لك زفر، مثل زفر بن هذيل، ومنصور بن عمار يقول الله سبحانه وتعالى: غفر لي، وقال يا منصور، غفرت على تخليط منك كثير، إلا أنك كنت تعوض الناس إلى ذكري، وقال في رواية نقلها ابن عنه ابنه عنه ابن منصور بأنك كنت في مجلس من المجالس في مصر تذكر الناس، فبكى رجل من خشية الله لم يبكي من خشيتي قط فوهبتكم له، فهذا الرجل هو ذكر وحرك قلبه بالإيمان، فهو هذا الموقف الله حفظ له، ما تدري ما هو الموقف، ما تدري ما هو الموقف الذي تفعله وتفوز بمغفرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله يرضى عنك رضا ما يسخط عليك بعده أبدا، وأن الله يرضى عنك رضا ما يجعل الشيطان عليك سبيل، مهما حاول الشيطان وصنع الشيطان ودخل عليك وهزك الشيطان، خلاص الرضوان كتب لك، كذلك يصرف عنه السوء والفحشاء، مستحيل ما تقع بالسواء الفحشاء، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى أحبك، الله سبحانه وتعالى أخلصك له، فخلاص أنت محمي، ما يستطيع الشيطان أن يصيبك ولا أن يضلك.

إذا الوقفة الثالثة: المبادرة، هو كان مبادر رضي الله عنه في جميع المواقف في بدر وفي أحد، وكذلك في غزوة قرقرة لما كان أول ما استجاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك لما هو الذي حمى ثغرا، يعني هو اختار أن يكون في هذا الموقف الخطر، وكذلك في سرية كعب بن الأشرف لما ذهب هو محمد بن مسلمة وقتل كعب بن الأشرف الذي كان يشبب بنساء المسلمين.

الوقفة الرابعة: عدم المداراة، ولا وكذلك الجندية، مثل ما ذكرت لكم قبل قليل، أن عباد بشر ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يحتاج أن يداريه، إنما مباشرة يطلب منه أو مباشرة يأمره، هو سريع الاستجابة، منفذ مباشر لما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان عباد من النوعيات الذي يحتاج إلى أن الشخص يقدر معه طريقة الخطاب وأسلوب الخطاب ومتى تقول له هذا الكلام، لم يكن من هذه الشريحة، وهذه الشريحة هي التي دائما يطمئن الدعاه لها، دائما يطمئن العلماء لها، لماذا؟ لأنهم ما يتكلفون معهم ولا يخافون بأن يفهم كلام خطأ أو أنه ممكن الآن يعني تقع عنده ردة فعل معينة أبدا، لأن هذا الشخص ما عنده هذا الأمر، نفسه غير حاضرة، وهذا صاحب الأمانة، بخلاف الشخص نفسه تحضر كثيرا، هذه تحتاج دائما تقدر معه وتكون حريص في الكلمات تقولها له، أما عباد لم يكن من هذه الشريحة، أما عباد لذلك عمر اختاره وقال: يا رسول الله مر عباد بن بشر.

وكذلك جندي بمجرد أن يأامر النبي عليه وسلم بأمر ينفذ مباشرة، بل حتى لو لم يأمره هو يعيش أنه جندي الإسلام، ما يعيش بأنه هو له الحق أن يفعل كذا أبدا، هذا غير موجود في حياة عباد، لذلك ما طلب الإمارة ولا طالب القيادة ولا سأل هذه الأمور أبدا، لماذا؟ لأنه جندي، هو يرى بأنه جندي للدين وفقط، ينظر إلى نظر الله سبحانه وتعالى له. وهذه تبلغ بالانسان مراتب عالية جدا، هذه الصفة أي الجندية تبلغ بالانسان مقامات عالية جدا، إذا الله سبحانه وتعالى حماه من شر نفسه وكان مع الله حيث ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون.

وكذلك من ضمن الأمور التي ميز بها عباد صحبته للقرآن الكريم، كان عباد يصلي يوما في المسجد، فسمع النبي عليه الصلاة والسلام صوت عباد، وكان النبي عليه السلام يصلي فقال: يا عائشة، صوت عباد هذا؟ فقالت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله عبادا أو قال: غفر الله لعباد، فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام، كذلك لما كان يصلي في مثل ما ذكرنا في غزوة قرقرة، وكان يقرأ سورة، قال: ما أحب أن أقطعها وقطع نفسي أحب إلي أقطعها.

هو لما كان يدخل مع القرآن الكريم كان يعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا الرجل القرآن كان يصبي قلبه صبا، وشخص لما يقرأ القرآن الكريم لا ينبغي له أن يلتفت ولا ينبغي له أن يقطع، وكان يقول نافع عن ابن عمر يقول: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لا يتكلم ولا يرد على أحد حتى جاء يوم من الأيام وقرأ آية من سوره البقرة ثم قال: تعرف معنى هذه الآية؟ وفسرها لها بعد ذلك، فالقصد أن الشخص لما يقرأ القرآن هو يستشعر بأنه يخاطب الله سبحانه وتعالى أو أن الله يكلمه، فلا ينبغي أن يلتفت ولا أن يقطع، وبعض الناس وقد يقع كذلك منا نحن وهذا يقع كثيرا للأسف وهذا والله خطأ وهذا يعني هذا من حرمان ومدخل الشيطان الكبير على يعني على الناس أنه يقرأ القرآن ثم يلتفت إلى الجوال، يقرأ القرآن ثم يلتفت إلى كذا ويقطع ويتساهل.

شوف الآن لما تتكلم مع شخص كبير ما تستطيع، أو لما يتكلم معك شخص كبير وعظيم وصاحب جاه ما تلتفت لما يكلمك ولا تقطع كلامه. نعم، هنا الله لما يكلم العبد وهو يقرأ القرآن الكريم، هذا كلام الله سبحانه وتعالى، فالتفات العبد في حال قراءة القرآن أو قطعه من غير سبب حقيقي، هذا ينقص مقام العبد، لأن هذا هذا دليل على أن العبد لم يعش الآيات ولم يدخل معها، عباد تصيب السهام تصيب السهام ومع ذلك مستمر، وأظن أن البخاري رحمه الله تعالى لما كان يصلي وكانت طعنته أو طعنته الحشرة الزنبور وعدة طعانات ولم يقطع الصلاة، أن سبب ذلك هو عيشه مع أثر عباد، لأن أثر عباد هذا ذكر البخاري معلقا في الصحيح، لكن البخاري يريد أن يتشبه بعباد باستمراره بالصلاة وعدم قطعه للصلاة مع وجود السبب الذي قد يقطع كثير من الصلاة من أجله.

إذا صحبة عباد للقرآن الكريم صحبة عباد للقرآن الكريم هي التي بلغت بعباد رضي الله عنه وأرضاه بأن يثمر الإيمان عند هذه المرتبة، إذا هو صاحب أمانة وصاحب صدق وصاحب إخلاص، هذه كلها لما يصب القرآن الكريم على شخص هذا معدنه وهذه صفته، يثمر ما أثمر في عباد، يثمر ما أثمر في عباد.

استمر عباد رضي الله عنه ينصر الإسلام منذ آمن أواخر الدعوة المكية مع الأنصار إلى أن مات النبي عليه الصلاة والسلام وهو شاهد لجميع المجاهد، لم يتخلف يوم من الأيام عن القيام بالمقام الذي يحبه النبي عليه الصلاة والسلام منه، لذلك عباد قد لا توجد عليه معاتبة، فلم يعاتب النبي عليه الصلاة والسلام عبادا، لم يعاتب النبي عليه الصلاة والسلام عبادا، وهذا مثل ما ذكرنا مثل أبي عبيدة، فلا تجد في السيرة النبوية أن النبي عليه وسلم عاتب أبا عبيدة عاتب أبا عبيدة، وهذا هذا دليل على الأمانة ودليل على عدم ودليل على عدم حضور النفس وعلى التجرد، هذه نوعية من الناس هي هكذا تكون شريفة شرف عالي جدا، وصحبتها للقرآن الكريم توصلها إلى أن تكون يعني في هذه المقامات العالية كما قال الله: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ [النور: 35]، فيجتمع نور الإيمان مع نور القرآن مع نور المعدن الصافي ونور هذه الصفات الجميلة، فتثمر ما أثمرته في هذا القسم الفريد والشريف من البشر.

الموقف السادس والأخير المتعلق بعباد والذي يثبت فيه صدق عباد الكبير هو موقف يوم اليمامة، عباد بن بشر هو قد يكون السبب الأقوى في نصرة المسلمين في يوم اليمامة، لذلك قلت لكم بأن عباد له أثر عظيم في حفظ الإسلام، له أثر عظيم في حفظ حفظ الإسلام، يعني غير المواقف التي ذكرناها المتعلقة في جميع الغزوات، كذلك لما مات النبي عليه الصلاة والسلام وتعرفون ارتدت الجزيرة العربية قاطبة إلا مكة والمدينة وقرية صغيرة تسمى هجر، وكذلك بعض أهل الطائف، أما البقية كلهم ارتدوا وانقسموا إلى ثلاث أقسام: قسم عاد إلى عبادة الأوثان والأصنام، وقسم ادعى النبوة وهؤلاء خمسة، وقسم منع الزكاة، وقسم منع الزكاة وكان اشد من ارتد هم أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب، فكانت هذه المعركة أشد معارك ولكن رد على الإطلاق، وكان مسيلمة رجل خطيب وفصيح وكان قومه مسلمين له مستجيبين له، فصاح بهم بداية المعركة وقال: يوم الغيرة! واخذ يصيح بهم حتى أقام بني حنيفة وشنوا حملة شرسة في بداية المعركة، فانكسر الجيش المسلم، فانكسر الجيش المسلم، حتى وصلت بنو حنيفة إلى خيمة خالد بن الوليد ودخلوا على زوجته فمنعهم هم مجاعة الحنفي مجاعة بن مرارة الحنفي.

القصد من ذلك أن الجيش انكسر وفر الناس، هنا لما فر الناس وانكسروا الجيش وانتصر مسيلمة في البداية، قام عباد بن بشر، برز عباد بن بشر، برز هذا الصحابي الجليل، ولذلك ذكرت لكم بأن هذا الرجل يبرز لما يكون الموقف يحتاج منه أن يبرز، أما هو يطلب البروز من غير أن يحتاج منه الموقف ما يبرز، ولكن لما يحتاج منه الموقف ويريد منه الموقف أن يظهر، يظهر.

هنا في هذا الموقف رأى عباد بأن الإسلام الذي نصره والذي ناصره والذي دفع ودافع هو وقومه من الأنصار وأصحاب المدينة وضحوا هذه التضحيات العظيمة الباهظة سيذهب، سينكسر، فقام عباد هنا وصعد ربوة وقال ونادى في الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم وقال: يا معشر الأنصار، تميزوا يا معشر الأنصار، أنا عباد بن بشر، ألا إلي تميزوا، يا معشر الأنصار، يعني الآن الذي قاتل مع خالد مجموعة كبيرة من الناس من الطلقاء وغير هؤلاء، فعباد دعا الأنصار، دعا الأنصار، فقام بعد معن بن عدي البلوي الأنصاري، وقام بعدهم أبو عقيل الأنصاري، فلما قام عباد بن بشر وقال: يا معشر الأنصار، أنا عباد بن بشر، تميزوا يا معشر الأنصار، قام بعده معاوية الأنصاري ونادى بالأنصار صار رضي الله عنهم وأرضاهم.

ثم قام أبو عقيل وكان قد جرح وقام وصعد وأخذ يتحامل يريد أن يستجيب لدعوة عباد ودعوة معن بن عدي، فقام رضي الله عنه وأرضاه وصعد ونادى بالناس، فاجتمع أربعمائة من الأنصار، فاجتمع أربعمائة من الأنصار على عباد بن بشر وعلى معن بن عدي وعلى أبي عقيل، وكان في مقدم هؤلاء أبو دجانة سماك بن خرشة، كذلك البراء بن مالك وجماعة عظيمة من الأنصار، وهو من أهل القرآن وهو كان من أهل القرآن رضي الله عنه وأرضاه، فصارت الصيحة بعد ذلك في المهاجرين، وقد يقولون كما يقول سال المولى أبي حذيفه: يا معشر يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، زينوا القرآن بالفعال، ثم قال وفعلوا الأفاعيل العجيبة في هذه المعركة حتى الجأوا بني حنيفة إلى حديقة الموت، هؤلاء الأربعمائة هذه الكتيبة العظيمة التي نادى بها عباد بن بشر فاجتمعوا، فلما اجتمعوا هؤلاء الجأوا بني حنيفة إلى حديقة الموت ومات عباد بن بشر في هذه المعركة وهو يلجأ هؤلاء، مات في قتاله لبني حنيفة واستمر الأنصار حتى دخل البراء بن مالك وكذلك أبو دجانة وسقط وانكسرت رجله وفتح البراء وكذلك أبو دجانة.

باب الحديقة، وكان من أول من دخل خالد بن الوليد، ودخل المهاجرون والأنصار، وقتل مسيلمة الكذاب، قتله وحشي بن حرب، وقيل قتله أبو دجانة، والصواب أو الأشهر أنه قتل وحشي، ولكن كذلك أبو دجانة قطع رأسه، أبو دجانة قطع رأسه. وسأتينا إن شاء الله تعالى الحديث أو وقفة كذلك وعيش مع الصحابي الجليل سماك بن خرشة أبو دجانة رضي الله عنه وأرضاه.

إذا الموقف السادس هو موقف اليمامة، وأنا أفردت هذا الموقف لأن الشخص بعد ما تذهب الوسائل أو الدوافع للعمل يضعف. لما مات النبي عليه الصلاة والسلام، هذا لا شك أن الموقف يعني عظيم جداً في النفس وهذا أعظم بلاء وقع للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فسبب ارتداد من ارتد هو أن النبي عليه الصلاة والسلام قد مات، ولكن أن يوجد صنف موت النبي عليه الصلاة والسلام يحمل على الصدق ويزيد من الصدق، ويصدق النبي عليه الصلاة والسلام ميتاً كما يصدق حياً، هذا صنف نادر من البشر.

أكثر الناس يعملون لما توجد وسائل التأثير أو لما توجد دوافع، لكن لما تذهب جميع الدوافع ما يبقى الآن إلا الإيمان مجرد فقط يعني الآن النفس كل شخص وإيمانه، كل شخص وإيمانه. فلما يرتد الناس لما يفر الناس ويترك الناس، هذا يقبل وهذا ينصر، هذا دليل على صفاء كبير جداً، ودليل على أن هذا الشخص حقق العبادة التي بها الرضوان. لذلك لو ترك من ترك هو ما عنده مشكلة، هو غير متعلق أصلاً بهؤلاء الذين يتركون، إنما هو مستمر هو صادق، كما فعل أنس بن النضر يوم أحد لما أشيع بأن النبي عليه وسلم قد قتل، قام فتقدم فقاتل حتى قتل، هذا الصدق، هذا هو الصدق العالي جداً.

فعباد بن بشر مات النبي عليه الصلاة والسلام، ويأتي اليمامة وينظر الإسلام سيهتز وستسقط الإسلام ودولة الإسلام تذهب، فيقوم لله سبحانه وتعالى بهذا الموقف الشريف ويموت رضي الله عنه وأرضاه. فكان الله سبحانه وتعالى أبقى عباد حتى يجمع الناس، حتى يجمع الناس في يوم اليمامة ويحفظ الإسلام بصيحة عباد، فصيحة عباد في يوم اليمامة هي من اعظم الصيحات أو من أعظم المواقف التي يحفظ بها الإسلام.

ولما ننظر في سيرة الصحابه وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، ننظر بأن هناك وقفات كانت محوريه حمي الدين بسببها، مثل موقف طلحة بن عبيد الله في يوم أحد وموقف الصديق طبعاً كثيرة، وأكثر الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم مواقف. فعباد من ضمن هذه الشريحة من الصحابة الذي كان له دور محوري وأثر عظيم في حفظ الدين. إذا هذا بعض ما يتعلق بسيره هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.