الحمد لله، الصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فأحياكم الله إخواني جميعاً، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً. نكمل هذه السلسلة التي عنونت بـ (العيش مع الصحابة)، واليوم معنا بإذن الله وقفات مع صحابي جليل اشتهر بلقب كاتم سر النبي عليه الصلاة والسلام، الخبير بالفتن، رضي الله عنه وأرضاه، ألا وهو حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه.
من الصحابة الأجلاء الذين آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك آمن والده اليمان، وكذلك آمنت أمه بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا البيت من البيوت التي عم بها النور، وانتشر بها الخير، وأسلم جميع أفراد هذا البيت؛ هو ووالده ووالدته، وكذلك إخوته، كلهم مسلمون. حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه خيّر النبي عليه الصلاة والسلام بين أن يكون من المهاجرين أو يكون من الأنصار؛ لأنه هو بالأصل من قبيلة عبس، وهاجر إلى المدينة والده، وسمي باليمان لأنه التحق بالأوس، والأوس قبيلة يمانية، والعبس قبيلة عدنانية.
لقب باليمان لأنه حالف أهل اليمن، حالف اليمانية وهم الأوس. القصد من ذلك أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، أنا من المهاجرين أم من الأنصار؟ أم أنا من المهاجرين باعتبار أنه هاجر إلى المدينة، أو من الأنصار باعتبار أنه حليف للأوس؟ فخيّره النبي عليه الصلاة والسلام بين ذلك، فاختار أن يكون من الأنصار. وفي هذا الاختيار دليل على سلامة الصدر، ودليل على الوفاء؛ هو ذهب إلى الأنصار ودخل على الأوس وأصبح من الأوس، ووالدته وأخواله من بني عبد الأشهل، أي مرة سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه.
القصد من ذلك أن حذيفة بن اليمان أسلم هو ووالده مع النبي عليه الصلاة والسلام وشهد المشاهد كلها إلا بدراً. وسبب تخلفه عن بدر هو أنه كان مع أبيه في طريق، فأوقفه كفار قريش وسألوهم فقالوا: نريد يثرب. فقالوا: تريدون محمد عليه الصلاة والسلام؟ فقالوا: لا نريد إلا يثرب. فأخذ عليهم العهد والميثاق بأن لا يقاتلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام. فلما رجعوا وذهبوا إلى المدينة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد تجهز للخروج، أخبره بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «نفي لهم عهدهم، ونستعين بالله عليهم». فلم يشهد بدراً بسبب هذا العهد. أما بقية المشاهد كلها فقد شهدها حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه.
قتل والده في يوم أحد، والده كان كبيراً في السن، وقاتل ودخل في المعركة، ولم يعرفه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فقتلوه خطأً. وكان يقول حذيفة: أبي، أبي، أبي! ولكن قتلوه ولم يكونوا يعرفون بأنه من جند المسلمين، لأن الرجل كان يقاتل منهم وهو مقنع، فإذا لم يكن بينه وبين هذا الشخص الآخر علامة قد يقتل الأخ أخيه كما يقول الإمام الذهبي. القصد من ذلك أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه كان من أجلة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وكلهم كريم، ولكن حذيفة ممن شهد المشاهد كلها إلا بدراً، ولتخلفه عن بدر سبب ذكرناه قبل قليل.
هذا القسم من الناس له مزية في الإسلام، أي الذي يشهد المشاهد كلها له مزية في الإسلام؛ الذي يبادر والذي دائماً يكون حاضراً، هذا في كل مرحلة يرتقي. وحذيفة بن اليمان لما ندخل الآن في سيرته نجد أن حذيفة بن اليمان كان يلفت نظر النبي عليه الصلاة والسلام إليه. كيف ذلك؟ حذيفة رضي الله عنه وأرضاه لما قتل الصحابة والده خطأً، وهذه الوقفة الأولى التي نريد أن نقفها مع حذيفة بن اليمان حتى ننظر طريقة اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه، وكذلك تعامل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام واستقرار الإيمان في قلوبهم، كيف أثمر ذلك العمل، كيف أثمر ذلك ظهوره في أقوالهم وأفعالهم.
حذيفة رضي الله عنه لما قتل والده خطأً قال: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين. فهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يدي والده، فتصدق حذيفة بهذه الدية، فأعجب فعله النبي صلى الله عليه وسلم. يقول عروة: ولم يزل به بقية خير. إذن الوقفة الأولى الآن في يوم أحد يقتل والده خطأً، وحذيفة يدعو لهم ويستغفر الله لهم، ولا يجد في نفسه غضاضة ولا حرجاً، ولما يهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يدي والده لأنه قتل خطأً، يتصدق حذيفة بهذه الدية على المسلمين.
هذا ما الذي يثمره؟ أو ما الذي يلفت الانتباه في هذا الفعل؟ غير نفس الديانة، الذي يلفت الانتباه هو موهبة الشخص أو قدرة الشخص. يعني حذيفة بن اليمان كان إنساناً قادراً على التحكم بمشاعره، لم تكن مشاعره تغلبه. وهذا الشخص أو هذه النوعية من الناس هي التي تصلح أن تكون في مواطن الخطر. بعض الناس ما يستطيع أن يتحكم بمشاعره، نفسه تغلبه؛ هذا ممكن أن يكون في مواطن القتال مثلاً، لكن لا يكون في مواطن الإدارة. لذلك هذا الموقف يكشف لنا لماذا النبي عليه الصلاة والسلام اختار حذيفة.
يعني الآن النبي عليه الصلاة والسلام يتفرس في أصحابه، ودعونا الآن ندخل في صميم الحديث عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه، وطريقة إقامة النبي عليه الصلاة والسلام دولة الإسلام ومشروع الإسلام؛ هذا المشروع لا يقوم إلا على رجال، لا يمكن أن يقوم المشروع إلا على أناس يحملون هذا المشروع، والحمل هذا ينقسم إلى قسمين: الحمل المتعلق بالصدق، أي بالمحبة، بالرغبة، بالإخلاص، بالتضحية للدين، هذا الشق الأول؛ الشق الثاني المتعلق بوضع الشخص في مكانه. قد يكون هناك صدق، قد يكون هناك محبة، تعظيم، إلى آخره، ولكن الشخص ما يكون في المكان الذي يستطيع من خلاله أن ينصر الدين، فهنا لا يقوم المشروع.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لما انتقل إلى المدينة كان يتفرس بالناس؛ هو الآن يعرف أهل مكة الذين هاجروا مع النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، يعرفهم النبي عليه الصلاة والسلام ويعرف من هو صديق، هكذا يعني تم اختبارهم عدة مرات، وهذه الاختبارات تكشف الرجال وتكشف الأشخاص. فلما انتقل إلى المدينة، الآن بدأ النبي عليه الصلاة والسلام يتفرس بالناس، أتى موقف بدر: من الذي خرج معي في بدر؟ من الذي لم يعتذر؟ هؤلاء هم العلية وهؤلاء هم الصفوة، هذا بالشق الأول؛ الشق المتعلق بالصدق، المتعلق بالإيمان، إلى آخره، يعني هؤلاء إيمانهم عظيم، ليس إيماناً عادياً، هؤلاء بالذروة.
ثم في المقابل مواهب الموجودين؛ حذيفة بن اليمان الآن يقتل والده بسيوف المسلمين، ثم بعد ذلك يقول: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، يعني ما يغضب ولا يفعل شيئاً. وهذا أمر مخالف لطبيعة النفس العربية، يعني كان يحتاج إلى مجاهدة كبيرة حتى ما يفعل هذا الشيء، لكن هو فعل بطيب نفس، وهو للتو أسلم، يعني قبل سنتين أو ثلاث سنوات، ليس هو من السابقين الأولين الذين كانوا في مكة.
إذن هذا الإنسان، مع الديانة العظيمة التي عنده، هذا الإنسان يملك قدرة هائلة في ضبط النفس. والذي يملك القدرة الهائلة في ضبط النفس، هذا هو الذي يكون في مواطن التقدير، في مواطن الإدارة؛ لأن الحوادث العامة لا تجعله يضطرب. يعني لما تقع عليه النوازل العامة وقع كذا، هو ما يضطرب ويفكر، ويعرف كيف يتخذ القرار لأن النفس ما تكون هائجة عنده، بخلاف الشخص الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه، وهذا نراه جلياً في سيرة حذيفة إلى أن مات.
القصد من ذلك أن اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه يقوم على ركنين أساسيين: الركن الأول متعلق بنفس الديانة، والركن الثاني متعلق بقدرة الشخص. حذيفة هنا يبين للنبي عليه الصلاة والسلام وللناس بأنه إنسان قادر على أن يكتم هذه المشاعر، قادر على أن يضبط النفس في أشد لحظات ثوران النفس. طيب هذه النفس كيف تضبط؟ تضبط بأمرين: الأول بقوة الديانة؛ فالدين أقوى سبب يستطيع الشخص من خلاله أن يقيد النفس وأن يضبط النفس. وكذلك تضبط النفس بقوة العقل بعد قوة الدين، يعني يكون عقله كبيراً وقادراً، ونفسه حتى لو كانت ثائرة في موطن إثارة -حتى لو كان الشخص حليماً لكن في موطن إثارة تثور النفس وهذا أمر طبيعي- فهنا عقل الإنسان يضبط هذه النفس ويسيطر عليها.
فالدين لما يجتمع هو مع العقل بتكبير النفس، النفس لا تستطيع أن تفعل ما تريده. إذن اكتشف النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الرجل أن هذا الرجل ما تهزه الحوادث، لذلك اختاره النبي عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب. إذن عندنا الآن الوقفة الأولى إظهار حذيفة هذه الموهبة، طبعاً هو لم يكن قاصداً أن يظهرها، إنما هو قاصد أن يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، لكن القائد البصير هو ينظر ويتفرس في أصحابه في لحظات الفتن، في لحظات ثوران النفس، في لحظات الاختبار: هو كيف يتعامل معها؟ هل هو من النوعية التي يسقط، أو يسقط ثم يرجع، أو أبداً هو ما يسقط من البداية، هو مسيطر عليها، كيف تتفاعل نفسه مع عقله؟ هذا الإنسان عبارة عن نفسه وعقله، نفسه وعقله كيف يتفاعلان في الحوادث؟ هو الذي اكتشفه النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الموهبة، وأعجب هذا الفعل النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً لقوة الديانة ولكن كذلك لما جاء يوم الأحزاب بعد غزوة أحد بسنتين، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يذهب ويأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟» فلم يقم أحد ثلاث مرات.
طيب، الآن ثلاث مرات ما أحد قام! لماذا؟ لشدة الجوع، وشدة البرد، وشدة الظلام. طبعاً هنا صعب جداً أن الشخص يقوم، وهذا الموطن موطن شدة وموطن بلاء. لذلك حذيفة قال لمن قال له: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت وفعلت. فأخذ حذيفة يقص له هذه القصة، قصة هذا الموقف، أنك لا تقول الآن كلاماً أنت لست أهل له أو لا تستطيع عليه: والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، ثم ذكر شدة الجوع، وشدة البرد، وشدة الخوف. فاجتمعت هذه الشدائد، هنا النفس ما تعطي الإنسان، الشخص ممكن يقول كلاماً في لحظة، لكن في لحظة الشدة يصعب على الإنسان أن يقوم بهذا الشيء. هنا يظهر تمام الإيمان أو تمام التوكل، لكن ليس الكل يستطيع أن يقوم بهذه المقامات، خاصة لما تشتد.
فهنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان من ضمن الموجودين. تفرس النبي عليه الصلاة والسلام ونظر في أصحابه الموجودين الآن، فاختار حذيفة. طيب، لماذا اختار النبي عليه الصلاة والسلام بالذات حذيفة بن اليمان؟ لماذا؟ لماذا لم يختر أي شخص آخر؟ الآن موطن اضطراب، هذا الموطن موطن اضطراب شديد، ليس اضطراباً عادياً، فالنفس هنا تكون متحركة تحركاً قويّاً. ولا أعظم من تجسيد صورة ما وقع لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في يوم الأحزاب مما نزل في سورة الأحزاب، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11] بلاء عظيم.
يختار النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه هذا الرجل بالذات. لماذا بالذات هذا الرجل؟ لأن هذا الرجل تميز بمميزات رآها النبي عليه الصلاة والسلام منه، وهو الخبير بالرجال عليه الصلاة والسلام وأعلم الناس بالرجال. رابعاً: هذا الرجل عنده قدرة على ضبط النفس، فلما يكون في موطن به شدة مثل هذا الموطن، هو أملك الصحابة بضبط نفسه، هو أقدر الصحابة الذين هم بين يديه بضبط نفسه، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: هذا الرجل ذكي، ليس فقط ذكي، بل هو سريع البديهة. قد يكون شخص ذكياً لكن ليس سريع البديهة، بمعنى: بعض الناس يكون عقله قوياً، لكن ليس عنده قدرة على الرد المباشر، إنما يحتاج إلى أن يفكر. بعض الناس عنده سرعة في الرد، ورده يكون بديهياً مباشراً، حذيفة من هذه النوعية من الناس. لذلك هذا لما يكون في مواطن التقدير الضيق يستطيع بإذن الله أن يخرج منها، ويستطيع أن يتعامل مع كل إنسان وفق طبيعة هذا الإنسان؛ لأن هذا الإنسان عنده سرعة في الرد، وعنده فهم سريع للذي أمامه، ويعرف كيف يتعامل مع الموقف من غير أن يحتاج إلى تفكير كبير.
هذه النوعية من الناس هي التي تصلح للمناظرات، وهي التي تصلح أن تكون في هذه المواقف؛ لأن في موطن المناظرة تحتاج أنك ترد مباشرة، ما تقول تجلس أن تفكر، ثم لما ترجع تقول: لو قلت كذا.. لا، هذه (لو قلت كذا) ما تصلح أن تكون في هذا الموطن. لذلك لما كان سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى في مجلسه، وكان يقول: ليس من الشقاء أن يلقى الرجل وفلان وفلان من التابعين محمد بن المنكدر وفلان وفلان، وقد لقي ورأى رسول جابر بن عبد الله..
من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله إلى آخره، ثم أصبح ينظر إليكم. فقام أحد الحضور وهو يحيى بن أكثم وقال: تسمع يا أبا محمد؟ قال: قل. قال: والله لشقائهم بك وقد رأوا من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من شقاء كبيره أشد من شقاء أشد من شقاء كبيره. فسكت سفيان ثم قال: إن هذا يصلح لهؤلاء، إن هذا يصلح لهؤلاء.
يقصد من؟ يقصد الحكام، لأن هذا سريع البديهة، هذا سريع البديهة فأصبح قاضياً وهو صغير في السن، وقصص منشورة. القصد من ذلك أن سرعة البديهة سرعة البديهة كانت ظاهرة في حذيفة، لذلك لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام وأمره وقال: ولا تذعرنهم علي. لا تفعل شيئاً، فقط أتني بخبر القوم. هذه الأمر أنك تأتيني بخبر القوم فقط. فانطلق هو وكأنما كان يمشي في حمام، فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام، فلما وصل إليهم وكانت الريح تعمل عملها بجيش قريش.
وقال أبو سفيان: يا أيها الناس، لينظر كل امرئ إلى جليسه. فحذيفة مباشرة أخذ بيد من بجانبه وقال: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان. هذه كلمة مباشرة، هذه تدل على سرعة البديهة. ثم هو لم يفعل شيئاً، كان يستطيع أن يقتل أبا سفيان لو أراد، ولكن ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبر الخبر ولم يخبر بذلك أحد.
هذا كذلك يكشف كتمان السر عند حذيفة، كتمان السر عند حذيفة، وسأتينا وقفة هكذا خاصة بكتمان السر. القصد أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هو من أسباب اختياره لأن يقوم بهذه المقامات التي بها حفظ للدين، أن حذيفة بن اليمان يملك الموهبة في أن يقوم في سد هذا المسد أو هذا الثغر. إذا تم إعطاء شخص أو توكيل شخص في مكان هو لا يستطيع عليه، طبيعي جداً أنه لن يسده، يكون اللوم من الذي اختاره وليس منه هو، ولكن إذا كان يستطيع وهو تكاسل يكون هو الملام. قصدي من ذلك أن هنا ننظر إلى معرفة النبي عليه الصلاة والسلام بالرجال، وكذلك سر تميز حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه.
لذلك قال محمود شيت خطاب، هذا محمود شيت خطاب هو من القيادات الإسلامية الشهيرة في القرن الماضي، كان يقول عنده كتاب بعنوان قادة المسلمين فتح فارس أو هكذا عنوانه، ذكر به صفة حذيفة بن اليمان بأن الذي يحتاج إليه في المخابرات أو ضابط المخابرات لابد أن توجد به بعض الصفات، كلها متوفرة في حذيفة. بمعنى الآن تريد أن تقيم دولة إسلامية، هل ممكن تقيم دولة عموماً من غير مخابرات؟ هل ممكن؟ لا يمكن.
طيب، من الذي يصلح أن يكون في المخابرات؟ من الذي يصلح أن يكون في المخابرات؟ المخابرات لابد أن يكون شخص كتوم، لابد أن يكون شخص كتوم، ولابد أن يكون شخص ذكي، ولابد أن يكون شجاع، ولابد أن يكون سريع البديهة. حذيفة بن اليمان هذه الصفات كلها مجتمعة فيه بل بالذروة، بل كانت بالذروة، حذيفة بن اليمان كان كتوم يكتم الأمر، يكاد يكتم الأمر عن نفسه. يكاد يكتم الأمر عن نفسه، وهذا موجود في بعض البشر وسيأتينا مثل ما ذكرت وقفة في الحديث عن كتمان السر عند حذيفة. لماذا بالذات اختاره النبي عليه الصلاة والسلام حتى يجعله هو مستودع أسراره عليه الصلاة والسلام؟
أسرار النبي عليه الصلاة والسلام المتعلقة بإدارة الدولة الإسلامية كانت عند حذيفة بن اليمان، سواء كان في أسماء المنافقين أو بالحديث عن الفتن. لماذا بالذات هو؟ ولم يختار النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً غيره؟ لأن هذا الرجل به موهبة، هذا الرجل يستطيع أن يكتم السر، وعنده قدرة على كتمان السر، ليس فقط الديانة، إنما مع الديانة كانت عنده قدرة على أن يكتم السر، وهكذا بعض الناس سبحان الله يكون شديد الكتمان للشيء حتى لو كان أمر عادى. حذيفة من هذه النوعية، حذيفة من هذه الشريحة من الناس وسيأتينا بإذن الله الحديث عنها. القصد من ذلك أن حذيفة بن اليمان لما نأتي دولة النبي عليه الصلاة والسلام نجد بأن حذيفة بن اليمان كان هو مسؤول المخابرات، كان نستطيع أن نقول بأنه هو من ضمن العاملين في المخابرات في دولة النبي عليه الصلاة والسلام، الشق المتعلق بحفظ الأسرار، الشق المتعلق بإدارة الدولة وحفظ الدولة من الفتن إلى آخره، كان حذيفة بن اليمان هو القائم عليه.
ولكن مع هذا كله هذا الأمر لم يفسد حذيفة. شوف يا إخوان الإسلام عظمة الدين هذا أنه متكامل تكامل عجيب، ويتعامل مع الإنسان ومع الواقع ومع المجتمع ومع الدولة ومع كل شيء وفق هذا الواقع من غير أن يفسده، من غير أن تتعارض أحكامه، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بالإسلام. بمعنى الآن أي شخص يدخل في أي باب من الأبواب أياً كان هذا الباب، ثغر علمي، دعوي، فكري، حتى في عمل يعمل بالشرطة، يعمل بالطب، لابد أن يكون عنده شيء من التضخم وشيء من الخطأ، لابد. أقصد خطأ هنا لما تأتي عند طبيب وتريد منه أن يدير الدولة، يديرها طبياً، يعني مثل ما وقع في كورونا مثلاً، الأطباء يفكرون تفكير طبي، الناس ستموت، الناس كذا، إذن لابد أن نفعل كذا، ولكن الدولة تذهب. لما تأتي عند التجار أو من يعمل بالاقتصاد يفكر تفكير اقتصادي، طبيعي جداً لذلك القائد لابد أن يكون واعي ومدرك لهذه التضخمات تقع حتى يكون هو الذي يستطيع أن يتخذ القرار بعد استيعابه لهذه الأمور التي يتداخل الناس فيها أو تداخل الأفكار فيها، لأن إدارة الدولة غير إدارة الفرد، إدارة الدولة شيء وإدارة الفرد شيء آخر.
النظام الإسلامي يستعمل كل شخص في مكانه مع أصل الصناعة الإسلامية من غير أن يفسد هذا الثغر، يعني من غير أن يحدث عنده تضخم يؤثر في ديانته، أو يؤثر كذلك في اجتهاده. وهذا الشيء العجيب الذي يعمل في المخابرات عادة يكون فاسد، عادة يكون خسيس، هذا الشق من العمل هذا فيه اطلاع على عورات الناس وفيه تتبع وفيه وفيه وفيه، هذا عادة الذي يكون بهذه الطريقة تجد أنه لا يمكن أن تكون رجولته كاملة، لا يمكن أن تكون رجولته كاملة. لأن هذا الإنسان اجتماع الوفاء مع المخابرات ما يركب، اجتماع الأمانة مع المخابرات ما يركب. لأن الذي يعمل في المخابرات بطبيعة الحال سيعتاد على سوء الظن، فيكون تعامله مع الناس مبني على هذا، تعامله مع الناس مبني على التهمة، تعامله مبني على كذا وكل شيء ينقله، لأنه معتاد على أن ينقل الكلام، معتاد على أن ينقل الكلام.
العجيب أن حذيفة بن اليمان هو الذي سيأتينا الحديث عن حفظ حذيفة في الأمة الإسلامية في كذا باب من الأبواب المتعلقة بالفتن العامة. لكن الذي أريد أن أقوله في هذا السياق أن حذيفة بن اليمان هو راوي حديث: «لا يدخل الجنة نمام». هو راوي حديث: «لا يدخل الجنة قتات». وسبب روايته لهذا الحديث أنه قيل له لما كان في العراق: إن هاهنا رجل يرفع الحديث إلى السلطان. فمر رجل فقال حذيفة: لا يدخل الجنة قتات، مد بها صوته، رفع بها صوته يريد أن يسمعه كما في صحيح مسلم.
وهو نفسه الذي كان يعمل، لكن هو ما أفسده هذا الثغر لأن هذا صاحب دين، والصناعة الإسلامية صناعة جداً قوية وعظيمة، فما يضغط الباب الذي يدخل منه الإنسان حتى يزلزل الأركان الإيمانية، مستحيل لأن هذا صنع صناعة عظيمة. وحذيفة هو نفسه راوي حديث الفتن، هو نفسه الذي صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام في قيام الليل، لما طال النبي عليه الصلاة والسلام وقال: قلت يركع عند المئة فلم يركع، لما قرأ سورة البقرة عند المئتين فلم يركع عليه الصلاة والسلام، ثم قرأ البقرة والنساء وآل عمران، وكان لا يمر على آية بها دعاء إلا سأل، ولا آية فيها رحمة إلا دعا الله سبحانه وتعالى برحمة وسأل الله الرحمة، ولا آية بها عذاب إلا استعاذ بالله سبحانه وتعالى من العذاب، ولما ركع قال: سبحان ربي. هو روى لنا هذا الحديث، هو نفسه كان صاحب ديانة، هو الذي روى لنا الحديث.
كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من الليل يشوص فاه بالسواك. يعني هو نفس الذي كان يعمل بهذا العمل في هذا الثغر الذي كان يسد، الذي قام عليه حذيفة هو نفسه الذي كان يصلي، هو نفسه الذي كان يتعبد، هو نفسه الذي كان يذكر مثل هذه الأحاديث التي عادة لا يذكرها الشخص الذي رآها. هو رأى النبي عليه الصلاة والسلام كيف يستيقظ من الليل يشوص فاه بالسواك، وكيف كان يصلي عليه الصلاة والسلام، هو صلى معه عليه الصلاة والسلام في قيام الليل.
فالصناعة الإسلامية صناعة شمولية، ليست صناعة جزئية أو صناعة ناقصة أو صناعة ضعيفة، تلك التراكمات لا وجود لها بالإسلام. التراكمات لا وجود لها بنفس من يريد أن يصنع لنفسه صناعة إسلامية، فالصناعة الإسلامية الأصل بها أن تكون قائمة على الإيمان، ثم بعد ذلك تكون الموهبة والثغر قائم على هذا الأصل وليس العكس. إذا ما كان هذا الأصل قوي: تعظيم الله، حب الله، جلال الله، الخشية، الصلاة، الدعاء، الذكر، إلى آخره، الثغر لا يمكن أن يستقيم لأنه سيكون هذا الثغر قائم على قاعدة معوجة قاعدة ضعيفة، هنا لابد أن يخترق هذا الباب الذي يدخل فيه الإنسان شيء من ديانة الإنسان، وما أثقل هذه الكلمة.
لذلك الذي ما تكون عنده الصلاة والعبادة وحب الله وتعظيم الله هذه الأمور ما تكون عنده عظيمة، لا يتكلم عن المواهب ولا يتكلم عن الثغور ولا يدخل في هذه الأبواب أصلاً، لأن هذه ما تقوم بالأصل إلا على صاحب إيمان، إلا على صاحب صدق، إلا محب لله ومعظم لله سبحانه وتعالى. فنفس حذيفة الذي كان خبير بالفتن وعرف الفتن وعرفة أسرار المنافقين ودخل في هذا هو نفس الذي كان يصلي، هو نفس الذي كان يدعو، هو نفس الذي كان يروي هذه الأحاديث وسيأتينا إن شاء الله تعالى توجيهات حذيفة في الفتن.
فقصدي من هذا حتى الآن لمن يتكلم عن الجرائم، يقول بأن نفس الشخص الذي يتم توكيله في متابعة المجرمين هو بعد فترة يصبح مجرم، لذلك يتم تبديلهم بسرعة حتى ما يفسدوا، لأن هذا الإنسان هكذا هو الإنسان، الإنسان يضعف ولا يستطيع إلا إذا كان عنده دين عظيم يحميه، أما ما سوى ذلك قيام الدولة الإسلامية وقيام مجتمع النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الصورة هذا شيء فريد. وهذا لا يكون إلا لمن كانت حاله مثل حال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في الصناعة، لأنه طبيعي جداً نفس الأمر ذاك الشخص يتعجب ويقول: كيف أنه بعد ذلك في دولة بني أمية مثلاً دولة بني العباس أن نفس هذا ما لأن نفس الديانة ما هي موجودة، فممكن يكون الناس أصحاب مواهب هذا موجود في كل جيل وفي كل عصر ولكن يكون معها ظلم، يكون معها كذا وكذا، يكون معها اختراق، لكن ذلك بخلاف الصحابة، الصحابة صنايعهم صنايع مختلفة. الصحابة نفس البنيان هم الأصل، أصل الصناعة كانت صناعة قوية جداً في الإيمان.
فاستعمال الشخص هذا لما يكون في السياق المعين هو يكون قائد عسكري، خالد بن الوليد هو خالد بن الوليد عسكري كموهبة لكن كذلك هو قائد، خالد بن الوليد العبد المؤمن الصالح التقي. فالاستعمال هذا ما كان يفتنه، ما كان يؤثر عليه التأثير الذي يتسبب باضطراب العمل أو بالخلل في القيام بالثغر. فلذلك نفس الصناعة الإسلامية هذه كانت فريدة، هذه الصناعة الإسلامية عجيبة وفريدة، والإسلام مثل ما ذكرت الشيء الذي يلفت الانتباه أنه كيف يتعامل مع الفرد وفق طبيعته، ويتعامل مع الواقع وفق طبيعته، ويتعامل مع المجتمع وفق طبيعته، وكذلك الدولة وفق طبيعتها، ومع ذلك ما يكون هناك تضارب ولا أي خلل، وهذا أمر جداً عالي، هذا تنزيل من حكيم حميد: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] هنا التسليم.
فحذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه نلاحظ به هذا الأمر، يعني نلاحظ أن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه كان صاحب ذكاء عالي وكان سريع البديهة رضي الله عنه وأرضاه. عرفنا الآن سلامة صدر حذيفة وقدرته على التحكم بمشاعره، وكذلك ذكاء حذيفة وسرعة بديهة حذيفة رضي الله عنه وأرضاه. هذا الموقف، أي موقف الأحزاب، جعل حذيفة يرتقي عند النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر أن هذا الإنسان يصلح الآن أن يوكل في أمور أثقل.
وزد على ذلك أن حذيفة كان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الفتن، وهذا الأمر يلفت الانتباه. يعني عامة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يسألون عن الخير، حذيفة كان يسأل عن الشر، ما كان يسأل عن الخير.
لماذا حذيفة تسأل عن الشر ما تسأل عن الخير؟ لأنه يخاف أن يدركه الشر، وإذا يعرف لما يأتي الشر كيف يتعامل معه. فالذي يعرف الشر ما يقع فيه، وهذه الطريقة، يعني سؤال حذيفة للنبي عليه الصلاة والسلام بهذه الصورة، هنا كذلك يكشف النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذا الإنسان يصلح أن يكون مستودعاً للحديث عن الفتن. فجعله النبي عليه الصلاة والسلام هو المستودع، لذلك كان يقول حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: ما من فتنة إلا إلى قيام الساعة إلا هو يعرفها.
وذكر بأن أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج المسيح الدجال. ولكن كتم الكثير من الحديث عن الفتن، واكتفى حذيفة بالحديث العام عن الفتن مع بيان طريق النجاة من الفتن. أما نفس تفصيل الفتن لم يذكرها حذيفة بن اليمان. وهذا يدل على عقل وافر لحذيفة، لماذا؟ قال حذيفة: لو حدثتكم بما أعلم، لكذبني ثلاثة أثلاثكم. لو حدثتكم بما أعلم، أي من الفتن، لكذبني ثلاثة أثلاثكم. فقال له رجل: إذاً من يصدقك؟ إذا كذبك ثلاثة أثلاث، يعني الجميع، فمن يصدقك؟ فقال حذيفة بين لهم وقال: لو شئت أن أحدثكم بالكلمات التي تصدقوني بها لحدثتكم، ولو شئت أن أحدثكم بالكلمات التي تكذبوني بها لحدثتكم.
بمعنى أن حذيفة كان يعرف مستوى عقول الناس، ويعرف بأن الكثير من الكلام لو قاله حذيفة لم يصدق الجميع. الغالب أن يصدقه، لذلك هو لما جلس مع عمر، هذا الآن كلام الكبار، لما قال عمر: أيكم يحفظ قول النبي عليه الصلاة والسلام في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا، أحفظه كما قاله. قال: إنك عليه أو عليها لجريء، أي أنت الذي كنت تبادر لسؤال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه المسائل. فقال: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر والنهي. فقال: ليس عن هذا أسأل، لكني أسأل عن فتنة تموج كموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً. فقال عمر: يكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر. قال: إذاً لا يغلق أبدًا. سكت حذيفة، سكت عمر.
وانتقل بعد ذلك الحديث إلى زمان كان حذيفة يحدث به أصحاب هذا الحديث، أي في العراق في الكوفة، أو في العراق وكان في المدائن، وكان في الكوفة. فقالوا له، قال: فذهبنا نسأله، أي أصحاب حذيفة، فمر بنا مسروق فسأله عن الباب، فقال: الباب عمر، يعني حذيفة لما كان يقول: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: يكسر أم يفتح؟ قال: يكسر. طيب من الباب؟ ما المراد بالباب؟ سئل حذيفة قال: الباب عمر. فسألوه قالوا: أكان عمر يعرف الباب؟ يعني عمر كان يعرف هذا المقصد. قال: أجل، ذلك لأن حديث ليس بغلط، كما أن دون الغد الليلة.
عمر كان يعرف بأنه هو الباب، وأنه هو حامي من الفتن، وأنه هو الباب العاصم للأمة من فشو الفتن وانتشار الفتن، فكان يعرف ذلك. لذلك هو حذيفة لما كان يقول هذا الكلام: لأحدثكم بما أعلم لكذبني ثلاثة أثلاثكم، هو يعرف أن عقول الناس لا يمكن أن تستوعب هذه المسائل، وهذه أعلى من قدرة الناس على استيعابها. وهذا هو سبب اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه، لقوة عقله وإدراكه وسرعة بديهته، وكذلك لديانته وكتمانه للسر، يعني كان يعرف أن اسمه حذيفة لن يقول شيئاً يفتن الناس.
وبالله قفوا معي بهذه الوقفة التي نحتاج إليها حقيقة، بعض الكلام يعرف الإنسان ويكون عنده علم فيه، ولكن إذا قلته ستفتن الناس. وليس من الصعب أن تقول ديانة، طبعاً هنا يأتي التقدير، هل تقولها أم لا تقول؟ حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ حذيفة كان يعرف هذا الشيء، ويعرف أن هؤلاء الذين الآن يعظمونه ويجلونه، لو أخبرهم بكلام لا تستوعبه عقولهم لانقلبوا عليه ولكذبوه، لذلك ما كان يقوله، ومات وهذا العلم في جوفه.
وكان وذكر بأنه يعرف جميع الفتن إلى قيام الساعة إلا ما يخرج المدينة من المدينة، قال: نسيت أن أسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، يعني ما سبب خروج أهل المدينة لأهل المدينة في آخر الزمان؟ لما يخرجون وأهل المدينة تكون على أفضل ما تكون، لماذا يخرجون؟ قال: هذا نسيت أن أسأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه، وأخبر أن هؤلاء الذين خرجوا على عثمان أو الذين رضوا بمقتل عثمان لو أدركوا الدجال لاتبعوه. وكان له حديث كبير عن الفتن رضي الله عنه وأرضاه، والقسم من ذلك أن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه كانت به هذه المميزات.
لذلك حذيفة نستطيع أن نقول بأنه هو فرد من أفراد الذين يوضعون بعقل الأمة، الأمة مثل الشخص، المجتمع مثال الشخص. بعض الناس مكان العقل، بعض الناس مكان البصر، بعض الناس مكان اللسان، وبعض الناس يكون مكان اليد، البطش. فالأمة الإسلامية الأفراد لما تعيد هؤلاء الأفراد إلى أعضاء الإنسان، بعض الناس هو عقل، بعض الناس هو يد، وهكذا يعني كل إنسان، دعونا الآن من نفس الفرد إنما بالمجموع هذا يوضع في اليد وهذا يوضع في العقل وهذا يوضع في اللسان.
فقسم من الناس يصلح أن يكون خطيب ويصلح أن يكون داعية ويصلح أن يكون هكذا إعلامي، هذا هو اللسان، هذا حسان بن ثابت، عبدالله بن رواحة، كعب بن مالك، هؤلاء هذا مكانهم. وقسم من الناس لا، مكان العقل، أي هو يحسن التدبير ويحسن التقدير، ويعرف كيف يتخذ القرار، ويعرف كيف يتعامل مع الحادثة لما تقع، هذا قسم من الناس مكان العقل. لا نستطيع أن نغير أماكن الناس، يعني واحد مكانه اللسان تضعه بالعقل ما يصلح، وواحد مكانه العقل تضعه باليد ما يصلح، فكل إنسان له مكان.
وببعض الناس يكون موهوب أكثر، مثل عمر بن الخطاب مثلاً ومثل كذلك الصديق، هؤلاء صفات هؤلاء ندرة من البشر الذي يكون في أكثر من مكان، ولكن الوضع الطبيعي أن الشخص يكون في مكان أقوى بكثير من غيره، فهذا يوضع في المكان الذي يصلح. حذيفة يصلح أن يكون بالعقل، لذلك عمر استعمله في العراق، وجعل وهو كان قائد مجاهد كذلك، وفتح الله به مجموعة من بلاد فارس، ففتحت أذربيجان على يديه وكذلك الدينور، وأصبح والي المدائن في زمن عمر وكذلك في زمن عثمان.
القصد من هذا أن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه كان مكان العقل مثل ما ذكرت، مكانه أن يكون بالعقل. ولما نريد أن نقيم عمل عظيم أو دولة عظيمة لابد أن نجمع كل من يستطيع أن يكون بالعقل، يعني لما يكون عندنا خمسون شخصاً يصلح أن يكون بالعقل ضعهم كلهم بالعقل، خمسون شخصاً يصلح أن يكون بكذا ضعهم كلهم بكذا، من غير أن يتذابرو، من غير أن يختلفوا وأن يتنازعوا. بهذه الطريقه تدير الأمر العام، لأن الأمر العام إدارته ما تكون بفرد، إنما تكون بمجموعة كبيرة من الأفراد.
فحذيفة مثل ما ذكرت هو يصلح أن يكون في هذا المقام. حذيفة لما وقعت الفتنة في زمانه مع سعيد بن العاص لما هو بعثه عثمان والي وقال بعض الأشخاص من أصحاب النبي عليه السلام: لا يرقن اليوم دم كثير. فقال: لا والله. فقال: بلى والله. فرد عليه قال: لا والله. هذا في يوم الجرعة، لما ثار جماعة من أهل العراق على سعيد بن العاص وغضبوا، وهذه أول مرة أن يرفض الناس والياً يبعثه الخليفة بهذه الطريقة، فهذا فيه استياءات على الإمام. فأراد بعضهم أن يرد بالقوة، فهنا حذيفة قال: لن يراق الدماء.
ولم يوله الموقف، إما أن يكون كان عنده علم بهذا الموقف من النبي عليه الصلاة والسلام، أو يكون هو لعلمه بحديث الفتن؛ مثل هذه الفتن لا تكون كبيرة عنده. تعرفون الشخص لما يكون يعرف الأمور العظيمة، أو وقعت له هو استوعب أن الأمر الكبير سيقع، فبالنسبة له الأمور الصغيرة ما يتأثر فيها، وهذا أمر طبيعي بالإنسان. يعني على سبيل المثال شخص معتاد مثلاً أن يسجن، هذا إذا سجن خمس سنوات وبعدين يطلع ويدخل سبع سنوات يسجن مرة أخرى، هذا بالنسبة له سجن يومين أو ثلاثة أيام أو شهر يعني لا شيء، لا شيء.
حذيفة يعرف الفتن الكبرى، يعرف مقتل عثمان، ويعرف المسيح الدجال، ويعرف هذه الفتنة العظيمة التي سيضطرب الناس لها وتضطرب الناس لها وتقضي على دين الناس. فمثل هذه الفتنة بالنسبة لحذيفة لا تعتبر فتنة كبيرة، لكن هو سينظر إلى طريقة التعامل معها، فكان يتعامل معها بهدوء، وليس باضطراب مثل ما ذكرت. وليس معنى بهدوء أنه لا يتخذ قرار، إنما كان صاحب قرار سريع لما يرى بأن الفتنة ستطل بقرونها.
لذلك حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هو من الأشخاص الذين حمى الله بهم الإسلام. شوف هذه الكلمة قلناها لما تكلمنا عن أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، حذيفة من الأشخاص الذين حمى الله بهم الإسلام. تقول لي كيف؟ أقول لك حذيفة لما فتح أذربيجان وكان معه جند من العراق وجند من الشام، وكان أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وأهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب، فاختلفوا. فاختلفوا، فأخذوا يقرأون القرآن الكريم ويقال بأنهم قرأوا قول الله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله، وبعضهم قرأها للبيت، فاختلفوا.
فلما اختلفوا وخشي حذيفة ورأى بأن هذا الاختلاف سيثمر ما أثمر الاختلاف في اليهود والنصارى، وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلا من بعد ما جاءهم البينات بغياً بينهم، فخشي وأرسل إلى عثمان رسالة سريعة يقول فيها لعثمان: يا عثمان يا أمير المؤمنين، أدرك الناس قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. ثم بين لهم، وكذلك هو ذهب إلى عثمان، ذهب إلى المدينة ولم يدخل بيته حتى أتى عثمان، هذا تمام الديانة.
والله أنا سبحان الله الصحابة، يعني تعرفون يا إخواننا المواقف التي ما يراها الناس أو المواقف السهلة هي التي تكشف عظم الديانة. يعني هو الآن يأتي من العراق ولا يدخل بيته، يذهب إلى عثمان مباشرة قبل أن يدخل بيته، يدل على حرص شديد وهذا لا يريد أن يفرط بثانية يستطيع أن يبلغ بها عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وفيها حماية للأمة. فعثمان جمع المصحف، الذي هو بين أيدينا الآن المصحف العثماني، بسبب قول حذيفة وصيحة حذيفة التاريخية صيحة النذير من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه.
فجمع حذيفة رضي الله عنه، أو جمع عثمان الناس على هذا المصحف، وأخذه من أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وأرضاها، ثم بعد ذلك أمر الصحابة بأن يكتبوا المصحف على لسان قريش إذا اختلفوا مع زيد بن ثابت. هذا جمع ثاني للمصحف والذي استقر عليه المصحف اليوم، وأحرق عثمان بقية المصاحف، وما فعل ما فعل إلا على مرأى ومسمع النبي عليه الصلاة والسلام كما يقول علي، وكذلك سويد بن غفلة.
والقسم لذلك أن صيحة حذيفة بن اليمان هي التي حميت الأمة الإسلامية من هذا الباب العظيم من الفتنة، هذا الباب الكبير بالفتنة. حميت الأمة الإسلامية بحذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه لما أخبر عثمان. طيب تقول لي كيف؟ أقول لك حذيفة كان بصير بالفتتن، فيعرف أن الفتنة في بدايتها عبارة عن خلاف، ثم يكون تكفير، ووقع التكفير في زمان عثمان في المدينة وكذلك في الأمصار. لذلك عثمان قال: أنتم، وأنتم عندي تختلفون إلى هذا الحد، فكيف الاختلاف الذي يكون في الأمصار؟ إذا كان في المدينة وقع الاختلاف بالقراء لما جاء الجيل الجديد، كيف الاختلاف الذي يكون في الأمصار البعيدة عن نفس المدينة؟
فحذيفة أدرك أن هذا الأمر إذا استمر ستنشأ حروب وفتن وبدايتها تكون بهذه الطريقه. هذا يا إخوان هذا هو العالم الكامل. شوف الآن الفتن التي نحن نعيش فيها اليوم التي تقع بين الإسلاميين، مثل الطعن مثلاً بالنووي مثلاً وكذا، هذه كانت في البداية يمكن القضاء عليها بسهولة وليس بصعوبة. ولكن الذي كان يستطيع أن يقضي عليها لم يقم بواجبه التاريخي، فتعم الفتنة ثم تأكل ما شاء الله أن تأكل من الناس. كل فتنة تعم أصلها كان من السهل القضاء عليها، ولكن الشيخ أو العالم أو العلماء أو الدعاة الذين كانوا موجودين لم يكونوا واعين لأن هذه فتنة، فغضوا الطرف عنها فكبرت الفتنة حتى أكلت ما شاء الله أن تأكل من الناس.
كثير من الفتن اليوم موجودة بين الإسلاميين أو المنتسبين للدعوة والعمل الإسلامي، كثير منها كان من الممكن القضاء عليها في بدايتها بسهولة وليس، ولكن الذي كان موجود وهو يسأل يوم القيامة هذا الشخص، لماذا قصرت في العلم بباب الفتن؟ لماذا لم تقم بالواجب عليك؟ لذلك يا ديانة ويا أمانة الشخص ما يحمل هذا العلم إلا الذي يستطيع عليه. فالحاصل أن حذيفة هنا قام لله سبحانه.
وتعالى في هذا المقام قام لله سبحانه وتعالى بهذا المقام، وحمى الله سبحانه وتعالى به الأمة.
حذيفة كذلك رضي الله عنه وأرضاه استمر في زمان عمر الفاروق، وعمر ولاه مثل ما ذكرت، وعمر كان يختبر. طبعًا عمر هو العليم بالرجال، وكان حذيفة يثني على عمر في هذا الباب، ويقصد قوة عمر وعلم عمر، وكان يطلق العبارات الثقيلة والتي يستحقها عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه في العلم والمعرفة. فكان عمر يولي الرجال ثم يختبرهم بعد ذلك، فولى حذيفة على المدائن، وبعد ذلك أمره بأن يأتيه. واختبره واختبأ له عمر فرآه كيف يرجع، هل سيرجع إليه بمثل ما ذهب يعني بنفس الهيئة؟ أو أن الفتن ستغير حذيفة بن اليمان؟
الواقع والإمارة تغير الرجل، والواقع والإمارة تغير الرجال إلا من يحميه الله سبحانه وتعالى. فجاء حذيفة بمثل الحال التي ذهب بها، فقال له عمر: أنت أخي وأنا أخوك رضي الله عنه. لذلك عمر كان يقول تمنوا، فكان الناس يتمنون، فقال: أما أنا فأتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان أقاتل بهم في سبيل الله، وفي بعض الروايات أنه قال: سالم مولى أبي حذيفة. فحذيفة كان من هذه النوعية.
وحذيفة قد يغفل أحيانًا، لكن بمجرد أن يُذكر يرجع، وهذا والله باب عظيم بالإنسان ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. هذا التذكر يدل على أن هذا الشخص صاحب إيمان. حذيفة تزوج كتابية، يعني انظروا هذا الموقف العجيب وإلى فقه عمر الفاروق وإلى طريقة تعامل حذيفة.
حذيفة تزوج امرأة كتابية في هذه الفتوحات، فأرسل له عمر طلقها. عمر صارم وشديد ومباشر بقراراته رضي الله عنه وأرضاه، لذلك هو الحامي لهذه الأمة من الفتن. فرد عليه حذيفة وقال: لم أطلقها؟ لماذا؟ ما هو السبب؟ حذيفة الآن عمر يدري يعرف أن عمر رضي الله عنه وأرضاه رجل كامل، ويعرف ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه مستحيل أن يعارض القرآن، ونزل نص واضح وصريح بجواز الزواج من كتابية إذا كانت عفيفة، طيب لماذا إذن نطلقها؟
فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: إن في نساء أهل الكتاب خلابة، وإني أخاف أن يحملكم الزواج من هذا القسم من النساء على التقصير في نساء المسلمات. فطلقها مباشرة حذيفة وقال: الآن طلقها. عمر يعرف بأن النساء في هذه البلدان البعيدة عن جزيرة العرب يكون بهن جمال، وخشي على الفاتحين بأن يفتنوا بالنساء الجميلات الكتابيات أي غير المسلمات، فيحمل هذا الأمر الفاتحين على الزواج من كتابيات، ثم بعد ذلك يتم التقصير في نساء المسلمات، ولا يتزوج المسلم من المسلمة عندما يتزوج من كتابية. هنا ما الذي سيحدث؟ سيقع الخلل الكبير في المجتمع، والمرأة لها أثر كبير على الرجل. ولما يعم هذا الأمر وينتشر خاصة عند القادة أو عند من يكون في موطن الإدارة وموطن التأثير الكبير سيفسد المجتمع، وهكذا تسقط المجتمعات.
فعمر أراد أن يغلق الباب من المباشرة. هو عمر لم يأمر الجميع يعني ما نهى عن شيء في كتاب الله، ولكن نهى حذيفة بن اليمان أي قائد من القادة حتى ما يقتدي الناس به ويتساهلوا به. وإن كان هذا الأمر يجوز، لكن عمر أراد أن يضبط هذا الميزان، يعني عمر مسؤول عن حفظ دين الناس، ويعرف أن هذا الأمر يجوز، لكن يجوز إلى أي حد؟ ومتى نقول بأن هذا الأمر ينبغي أن نغلقه؟ هذا هو الضبط، هذا ما يستطيع عليه إلا الكبار، ممن يفتح الله عليه بالفقه والعلم العالي، وكذلك قوة الديانة والبصيرة، وعمر من هؤلاء، عمر محدث وهو رأس المحدثين في هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه. ففهم حذيفة مقصد عمر، يعني الآن استدلال حذيفة أول كان بالعلم العام المجمل وهو حق، ولكن فهم أن عمر يرمي إلى شيء آخر، وأن عمر ينظر إلى ما لا ينظر إليه غيره، وهذه البصيرة. فمباشرة بمجرد أن كشف له عمر القصد طلقها.
هذا طبعًا هذا الباب لو كان شخص غير حذيفة ممكن ما يفعل يعني ممكن ما يقتنع، لكن حذيفة لماذا اقتنع؟ لأن حذيفة معتني بباب الفتن، لذلك التأثر عند حذيفة في هذا الباب سريع، لأنه معتني بهذا الباب ويريد أن يغلق كل باب ممكن من خلاله تطل الفتن أو تؤثر الفتن في المسلمين.
حديث حذيفة كذلك كثير عن الفتن، حذيفة كان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً عن الفتن، وهو نفسه راوي حديث: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم يكون ملكاً عضوضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة». فحذيفة هو نفسه راوي هذه الأحاديث.
حذيفة لما كان يكثر الحديث عن الفتن والناس علموا بأن حذيفة هو الخبير بالفتن، فكانوا يسألونه عن الفتن رضي الله عنه وأرضاه: كيف النجاة؟ ما هو السبيل للنجاة من الفتن؟ فكان حذيفة يقول رضي الله عنه وأرضاه: لا تضرك فتنة ما عرفت دينك. هذا هو الضبط الآن الميزان، يعني ليس من الصواب أن يغلبنا الفهم والتنظير عن نفس التطبيق العملي الذي من خلاله نحمى بإذن الله من الوقوع بالفتن. فحذيفة كان يبين: لا تضرك فتنة ما عرفت دينك، يعني إذا كنت تعرف الدين وملتزم على أمر الله سبحانه وتعالى مستقيم عليه لن تضرك الفتنة بإذن الله وسيحميك الله سبحانه وتعالى.
وحذيفة كان ينصح القراء ويحذرهم من الوقوع بالفتن، لأن حذيفة يعرف بأن القراء لما يكثرون ويقل الفقهاء، هنا تأتي الفتنة التي يشيب عليها الصغير ويهرم عليها الكبير. لذلك يقول للقراء: استقيموا، استقيموا. فكان يأمر القراء بالاستقامة على أمر الله سبحانه وتعالى وألا يحيدوا حيداً بعيداً.
كذلك كان يقول حذيفة: ليأتين على زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغريق. حذيفة يكشف الآن بأن الفتن لما تأتي تعصف بالناس ولن ينجو إلا صاحب دعاء، يعني لا تغتر بعقلك ولا بمعرفتك ولا بعلمك ولا بحفظك، إنما لابد أن تلجأ إلى حبل الله سبحانه وتعالى وتتمسك به وتلجأ إلى الله سبحانه وتعالى فتعتصم به. فلابد أن تدعو دعاء الغريق إذا أردت أن تحمى بإذن الله من الفتن.
كذلك لما سأله رجل: كيف أعرف أني أصبت بفتنة أو لا؟ فقال: إذا كنت ترى حراماً ما كنت تراه حلالاً، وترى حلالاً ما كنت تراه حراماً، فقد أصابتك الفتنة. يقصد به أن الشخص إذا تغيرت الفتيا عنده من غير أن يوجد علم جديد، أو من غير أن يكشف له شخص بأن هذا الأمر كان خطأ وبين له، أو ما غفل عن حديث أو آية، إنما تغير فقط بسبب ذنوب ومعاصي وبسبب الضرب على القلب، هنا هذا الانعكاس يدل على أن الشخص وقع بالفتنة.
مثل اليوم يعني شخص قبل سنوات يرى مثلاً بأن الموسيقى حرام، الآن يراها حلالاً. طيب ما الذي تغير عندك؟ ما هو العلم الذي تغير؟ لم يتغير شيء، لكن الواقع تغير. كذلك مثلًا الفتن المتعلقة باللباس إلى آخره، هو كان يعيش في واقع معين ثم تغير هذا الواقع، هل هذا الواقع يحملك على تغيير الفتوى؟ لا، لأن النص واضح وجلي، ولكن هو لأن الناس أصبحوا مع الناس، فما يقوله الناس يفعل ذلك، الشخص يخاف على نفسه الفتنة. يعني الشخص لما يكون في زمان أو في حالة من الحالات متحفظ ويخاف على دينه، ثم بعد ذلك لما يرى الناس مستسهلون أو هو لما يكبر يتعب قليلاً ويبدأ يتساهل مع الناس، هذه علامة إصابة بالفتنة.
ولذلك كان يتحفظ ويتحرز من نظر الحرام، ويتحرز من سماع الموسيقى ولو كانت موسيقى إخبارية كما يسمونها اليوم، وبعضهم يأتي باستثناء من هذا يجوز، وهو يتحفظ حتى من هذا. ثم لما يكبر يقول: خلاص الناس كلها كذا، وهنا المصيبة، هذا أصيب بالفتنة لكن بنسبة معينة.
لذلك حذيفة كان يقول لمن كان يسمع: إنكم تقولون الكلمة التي كانت تجعل الشخص منافقاً في زمان النبي عليه الصلاة والسلام، وإني لأسمعها اليوم من أحدكم في المجلس الواحد أربع مرات. يعني كلمة واحدة تقولونها، في ذلك الوقت كانتي هذه الكلمة تعقد بالشخص النفاق، يصبح منافقاً بمجرد الكلمة، واليوم أسمعها منكم أربع مرات في مجلس واحد. هذا هو الفارق بين الشخص الذي يكون عنده تعظيم للدين كبير ويعيش مع الإسلام ويخاف أن يدخل عليه هذا الباب من الدقائق، وبين الشخص الذي يتساهل بهذه الأمور: الناس كلها يفعلون هذا الشيء، طيب هم فعلوا النص! ولكن هذه هي الفتنة، ولا ينجو من هذا النوع من الفتن إلا الصفوة من خلق الله، إلا من دائماً يرتقي في مدارج العبودية، إلا من يكون دائماً يدعو الله سبحانه وتعالى ويسأله الحفظ والحماية والهداية.
لذلك كان يقول حذيفة رضي الله عنه: ما من يوم أحب إلي من يوم آتي به أهلي ولا أجد عندهم طعاماً. لماذا؟ يقول: لأن الله سبحانه وتعالى إذا أحب العبد حماه من الدنيا، وأن الله إذا أحب العبد داوم عليه البلاء. فهو كان يعيش مع هذا الباب بهذه الطريقة رضي الله عنه وأرضاه. والآثار الواردة عن حذيفة في هذا الباب عجيبة وتحتاج إلى تعليق طويل وخاص بها.
وكان يتكلم عن قوة الفتنة كذلك، ويذكر أثر الفتنة في عقول الناس، كان يقول: ما الخمر صرفاً ليذهب بعقول الرجال من الفتنة. يعني الفتنة أشد على عقل الرجل من الخمر الصافي، الخمر الذي يؤثر بالعقل ويذهب بالعقل أقل أثراً من الفتنة لما تضرب العقل. وكان يعبر عن الفتنة بأنها الفتنة السوداء المظلمة، وكان يقول كلاماً طويلاً جداً في الفتن، ومن ضمن كلامه يقول: الفتن خمس؛ فتنة خاصة، وفتنة عامة، فتنة خاصة، وفتنة عامة، والسوداء التي يكون الناس فيها كالبهائم لذهاب العقول. وكان يقول: ثلاث فتن، والرابعة تسوقهم إلى الدجال؛ التي ترمي بالرطف، والتي ترمي بالنشق، والسوداء المظلمة التي تموج كموج البحر، والرابعة تسوقهم إلى الدجال. وكان يقول: إياكم والفتن رضي الله عنه وأرضاه.
كان حذيفة رضي الله عنه كثير الحديث عن الفتن، وكان يقول لما سأله رجل: أي الفتن أشد؟ فقال: أن يعرض عليك الخير والشر ولا تدري أيهما تترك. يقول: هذا الباب لما يعرض عليك الخير والشر ولا تدري أيهما تترك، هذا الباب هو أشد الفتن لما يشتبه عليك هذا الأمر في اتخاذ القرار في مثل هذه الحال وهذه الصورة.
ثم قال كذلك: وإياكم ومواقف الفتن. قالوا: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدق كذبه ويقول ما ليس فيه. وكان يقول: لا تزالون بخير ما لم يكن عليكم أمراء لا يرون لكم عليهم حقاً إلا إذا شاءوا. وكان يقول: الفتنة حق وباطل يشتبهان، فمن عرف الحق لم تضره الفتنة.
طبعاً كلام حذيفة رضي الله عنه وأرضاه عن الفتن طويل وكثير، والحديث عن سرد حذيفة للفتن وطبيعة الفتن أظن يحتاج إلى مجلس خاص. لكن القسم الذي خص هذا الباب، باب مشكل ليس باباً سهلاً، هذا يحتاج إلى علم خاص وليس إلى علم عام، العلم العام ما ينفع كثيراً في أبواب الفتن.
ثم ننتقل الآن إلى الوقفة التي تليها مع حذيفة بن اليمان، وهو سبب اختصاصه بالعلم بالمنافقين. كان مع النبي عليه الصلاة والسلام حذيفة في غزوة تبوك، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام الناس أن يذهبوا إلى مكان العقبة، فارتفع الناس في العقبة ونهى الناس أن يأتوها، فجاء جماعة من الأشخاص وأرادوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام وكانوا ملثمين، فضربهم حذيفة وهربوا، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام حذيفة بن اليمان بأسماء المنافقين.
وكان عمر يسأل حذيفة ويقول: أنشدك الله أسماني رسول الله عليه الصلاة والسلام من المنافقين؟ فقال: لا، ولن أخبر أحداً بعدك، ولن أزكي أحداً بعدك. حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه كان هو كاتم سر النبي عليه الصلاة والسلام.
هو العليم بالمنافقين. لماذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بالمنافقين؟ حتى ما يأتي واحد من هؤلاء ويفتن الناس، فيكون حذيفة موجوداً، ويعرف حذيفة بأن هذا منافق. وذكر بأن ثمانية منهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. وكان عمر يرقب حذيفة، فإن رآه صلى على الميت صلى، وإذا لم يصلِ لا يقوم.
حتى أتي يوم من الأيام برجل ميت، وهمّ عمر بالصلاة عليه، فقرص حذيفة. فهم عمر فقال: صلوا على صاحبكم، ولم يقم يصلي عليه. ثم قال عمر لحذيفة: أفي عمالي أحد من هؤلاء؟ أي من المنافقين؟ قال: نعم، واحد. قال: من هو؟ فأبى أن يخبره. هذا من كتمان السر.
فعلم عمر بهذا الرجل فطرده ونبذه، ولم يجعله يكون من القائمين على الأعمال عمر رضي الله عنه وأرضاه. كيف عرفه عمر؟ إما أن يكون عرفه بالبصيرة أو بالدعاء، أو هكذا يعني فتح الله عليه، أو يكون عمر عرفه بنفس مواقفه، بنفس أفعاله. فرجع عمر ونظر في عماله من من هؤلاء لا يصلح، أو لم يتم اختباره بطريقة كافية، ففهم عمر بعد ذلك أن هذا هو الشخص، وطرده عمر.
يعني إما أن يكون المدخل هنا مدخل إيماني صرف، أو يكون المدخل متعلقاً بالاختبار ومعرفة الرجال. إذاً حذيفة بن اليمان كان كاتم سر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من الناس الذين يكتمون السر. وبعض الناس من شدة كتمانه للسر لا يتحدث به مع نفسه. هذا القسم من الناس هو الذي يكتم الأسرار، لذلك لا تستودع أحد سرك وأنت تعلم بأنه لا يكتم السر، وتعلم بأنه يتحدث.
بعض الناس ليس هو هكذا طبعاً، سبحان الله، هكذا طبع أن السر عنده بئر ليس له قاع. حذيفة من هذه النوعية من الناس؛ يعني هو عنده كتمان السر أمر طبيعي جبلي، ليس أمراً متكلفاً. هو طبيعي ما يظهر شيئاً، ولا هو أصلاً من طبعه أنه ما يتكلم إلا بأمر مهم أن يتكلم فيه، ويكون بقدر. هو بعض الناس هكذا، طبعاً هو ليس ثرثاراً، وليس حتى يعني يتكلم، إنما هو يكتم.
بعض الناس لا، السر هكذا ما يعرف يكتمه، إذا أخبر بسر لازم يتحدث فيه. فاحذر من هذه النوعية من الناس الذين يكتمون السر ولا يؤثر فيهم الحديث إلى آخره، يعني هو ليس من الناس الذين يخوضون مع الخائضين، لا، هو ليس بهذه الطريقة؛ لأنه من طبعه أصلاً ما يتكلم. وهذا موجود في قسم من الناس أن عنده كتمان السر عالي وقوي، ولا يحب أن يتحدث.
وليس الكل يستطيع ترى على هذا الشيء، لأن بعض الناس سبحان الله يتساهل في الإظهار والإفشاء والإبداء، وبعض الناس يحتاج إلى ديانة تمنعه. يعني بعض الناس نفسه لا تعينه، لكن يحتاج إلى ديانة قوية تمنعه. حذيفة ليس فقط ديانة، بل كذلك نفس؛ يعني لما يجتمع في شخص ديانة وكذلك نفس، يكون هذا الشخص أقدر على حفظ السر.
فلما يكون طبعه لا يظهر ولا يتكلم، ومع الطبع هناك دين، إذا حدث الرجل بحديث ما تفشيه أمانة. وحذيفة هو الذي روى الحديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنه في هذا الزمان ما كنت لأبايع إلا فلان أو فلان، أو أتمن إلا فلان أو فلان: إن الأمانة نزلت في جذور قلوب الرجال، فعلموا القرآن ثم علموا السنة، ثم ذكر بعد ذلك رفع الأمانة.
فحذيفة رضي الله عنه عنده هذا الباب قوي ديانة، وكذلك عنده هذا الباب قوي نفسياً؛ يعني طبيعة نفس حذيفة هي بهذه الصورة. فلما يجتمع هذا مع هذا مع الإنسان يكون أقدر على القيام بهذا الشيء. القصد أن حذيفة هو كان كاتم سر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، باب متعلق بالمنافقين. لماذا أخبر حذيفة بهذه الأسماء؟ حتى لا يؤثر هؤلاء فيكون لهم حذيفة بالمرصاد. وماتوا هؤلاء في زمان حذيفة رضي الله عنه وأرضاه.
هذا شيء مما يتعلق بالحديث عن حذيفة بن اليمان وإن كان الحديث عنه في نفسه يخص الباب المتعلق بالفتن والمتعلق بالنفاق وكيف أنه يقول إن الرجل يتكلم بكلمة ثم يصبح منافقاً، وأني سمعتها من أحدكم اليوم أربع مرات. يعني هذا الباب يحتاج إلى وقفات كبيرة؛ لأن هذا باب في باطنه فهم عظيم للدين، وكيف أن الشخص قد يضرب عليه النبي صلى الله عليه وسلم العافية على قلبه بسبب كلمة يقولها، كما قال الله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77].
فالشخص قد يدخل بالنفاق ويقع بالنفاق بسبب فعل يفعله أو قول يقوله. وكيف أن يقول هذه الكلمة اليسيرة، تعدونها، هذه الكلمة تجعل الشخص منافقاً، وأنا اليوم أسمعها من أحدكم أربع مرات. هذه الكلمة إيش هي؟ هل هي سب الدين؟ قطعاً لا، يعني الكلمة هذه ليست هي سب الدين، لكن كلمة قطعاً فيها تساهل. فهذا التساهل يوقع الشخص بأن يضرب على قلبه وما يرجع قلبه مثل ما كان.
وهو كذلك بصير، مثل ما ذكرت بالفتن، أن الشخص لما يقع منه شيء هو أن يكون مسارعاً للفتنة، ويعرف الأشخاص الذين جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم ميزان في الفتن؛ مثل ما قال عن عمار بن ياسر، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمار عندما قدم عمار إلى المدينة. فلما سألوه عن الفتنة، قال: عليكم بابن سمية، كونوا مع ابن سمية، وأمر أولاده بمبايعة علي رضي الله عنه وأرضاه.
وهذا ما يرجح أن علي رضي الله عنه كان هو على الحق؛ لأن حذيفة بايع علياً، ومات حذيفة بعد موت عثمان بأربعين يوماً، وبايع علياً وهو على فراش الموت. وكان يقول: أعوذ بالله من ليلة صبيحتها إلى النار. وأظهر ديانة وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في فراش الموت، وأمر أبناءه بأن يبايعوا علياً رضي الله عنه وأرضاه.
هذا ما يتعلق بحديث حذيفة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري