الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا قائدنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطانا جميعاً. نكمل هذه السلسلة التي عنونت بعنوان العيش مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، واليوم معنا بإذن الله صحابية جليلة هي أول صحابية استشهدت، بل هي أول شهيدة في الإسلام، وهي سمية أم عمار بن ياسر رضي الله عنها وعن زوجها وعن ابنها.
هذه الصحابية الجليلة سمية الكل يعرف أنها أول شهيدة بالإسلام، والكل يعرف بأن سمية رضي الله عنها وأرضاهم ممن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام مبكراً، ولكن القليل من يعرف أثر سمية رضي الله عنها وأرضاهم في نصر الحق. تقول لي: كيف ذلك؟ اقول لك: لابد أن نبدأ بالمقدمة أن نتحدث فيها عن سمية رضي الله عنها وأرضاهم. سمية كانت أمة عند بني مخزوم، وهاجر الرجل, يقال له ياسر، من اليمن من قبيلة، كان من مذحج وهو من عنس، وهاجر إلى مكة وكان يبحث عن أخ له مع أخوين، فرجع أخواه وبقي هو في مكة، ثم أراد السيد سمية أن يزوج ياسر من سمية، فتزوج ياسر من سمية. وياسر عربي من أهل اليمن، وكذلك سمية، إلا أنها سبيت وهي صغيرة وأخذها هذا الرجل المخزومي وبقيت عنده، فتزوج ياسر بن سمية، ثم انجبت عمار بن ياسر.
بعث النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وقد يدعو الناس بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام، فكان أول من آمن به خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاهم، واستمرت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام حتى بدات هذه الدعوة تنتشر، فآمن عمار وآمن ياسر وأمنت سمية، آمن هؤلاء الثلاثة. الكفار لما بدأت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام تنتشر سلكوا مع النبي عليه الصلاة والسلام طرقاً عدة، فبدأوا معه بالإغراء ثم بعد ذلك انتقلوا إلى التعذيب. فبدأوا بالإغراء وحاولوا أن يغروا النبي عليه الصلاة والسلام وأن يسودوه عليهم وأن يعطوه من المال إلى آخره، ولكن هذه المحاولات كلها باءت بالفشل. فلما باءت بالفشل بعد ذلك بحثوا عن من آمن، بحثوا عن من أظهر إيمانه.
نتعجب بأن هذه الآن الوقفة الأولى، أن سمية هي المرأة الوحيدة التي أظهرت الإسلام، ولم تقوَ أي امرأة أخرى على أن تبدي دينها. كلكم يعرف قصة الصديق رضي الله عنه وأرضاه لما ضرب في مكة وحمل بعد ذلك، وكانت عند والدته فطلب منها بأن تدعو أم جميل، فدعت أم جميل، فلما جاءت أم جميل وكانت متخفية بإسلامها، سأل الصديق عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه أم جميل هي أم جميل بنت الخطاب، أخت عمر بن الخطاب، وهي فاطمة بنت الخطاب زوج سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فكانت أم جميل تخفي إسلامها، وكان الكثير يخفون إسلامهم.
إذاً، من الذي أظهر إسلامه؟ يحدثنا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قائلاً: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. إذاً، هؤلاء السبعة هم أول من أظهر الإسلام، ولم يتخفَ بإسلامه من هؤلاء السبعة امرأة واحدة إلا وهي سمية.
طيب، الآن يأتي السؤال: لماذا؟ هنا ذكر ابن مسعود سمية ولم يذكر ياسر؟ لماذا ذكر سمية ولم يذكر بقية الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ لماذا بالذات هذه المرأة أظهرت الإسلام؟ ما هو السر الذي جعل سمية تظهر هذا الدين بهذه القوة وهذه الصراحة وهذا الوضوح؟ إذا عرفنا قوة سمية في إظهار الدين نعرف ثبات سمية؛ الكل يتكلم عن ثبات سمية، ولكن ما يتكلم عن إظهار سمية. فهنا ابن مسعود ينص رضي الله عنه وأرضاه بأن أول من أظهر إسلامه سبعة، هؤلاء السبعة على رأسهم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم الصديق، ثم البقية كلهم كانوا من الضعفاء، ومن هؤلاء امرأة واحدة فقط في مكة هي التي صدعت باسلامها، وهي سمية أم عمار بن ياسر، سمية بنت الخياط رضي الله عنها وأرضاهم.
إذاً، الوقفة الأولى الآن معنا في قصة سمية رضي الله عنها وأرضاهم: إظهار سمية للإسلام. الآن لما ننظر في واقع مكة، واقع مكة يحكمه الكبار من قريش، وفي ذلك الوقت لم تكن المرأة تستطيع فعل أي شيء، وهذا أمر طبيعي، فكانت القوة كلها عند الرجال، وليس جميع الرجال بل العليا من الرجال. طيب، كيف تستطيع امرأة مثل سمية أن تجابه هذا المجتمع الجاهلي كله بإظهار الإسلام؟ بإظهار الدين الذي يخالف دين الكفار؟ ما هو السر الموجود في هذه المرأة؟ السر الموجود في هذه المرأة لا تحليل غير هذا التحليل: هو الإيمان فقط، لا يوجد أي تحليل آخر. إظهار سمية الإسلام وثبات سمية على الدين مع كل البلاء وعظم البلاء الذي تعرضت له، هو نفس الدين، لا يوجد أي تحليل ثاني، يعني قوة دين سمية رضي الله عنها وأرضاهم هو الذي جعلها تظهر الإسلام، وهو الذي جعلها تثبت على البلاء الذي وقع عليها من قبل أبي جهل وبني مخزوم.
إذاً، الوقفة الأولى المتعلقة بسمية: إظهار الإسلام. أبو بكر أظهر إسلامه ولم يخفِ إسلامه، وعمار وسمية وصهيب وبلال والمقداد هؤلاء كلهم أظهروا إسلامهم، وهذا يدل على قوة عظيمة في هذا الدين، أثمرت في هؤلاء الضعفاء في المجتمع أن لا يتخفوا بدينهم، وأن يظهروا إسلامهم، وأن يواجهوا الكفار. ومن هؤلاء كذلك عبد الله بن مسعود كان أول من صدع بالقران، أول من جهر بالقران. إذاً، الوقفة الأولى المتعلقة بقصة سمية: قوة الدين. قوة الدين الذي حملها على أن تظهر هذا الدين ولم تتخفَ به.
الوقفة الثانية المتعلقة بقصة سمية: سمية لما أظهرت الدين، طبيعي جداً أن هذا الإظهار للدين يقابل ببلاء، يقابل بشدة. إذا كان نفس الكفار يضربون أبناءهم والمقربين منهم، كيف سيكون الحال مع من ليس منهم؟ كيف سيكون البلاء الذي سيقع على أمثال سمية وياسر وعمار وصهيب وبلال وخباب والمقداد إلى آخره؟ لا شك بأن نوع البلاء الذي سيقع على هذا القسم من الناس سيكون أشد بكثير، لماذا؟ لعدم وجود الحامي لهؤلاء. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بهمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقول قومه، أما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس.
إذاً، البلاء الذي وقع على البقية كان بلاءً عظيماً جداً وبلاءً شديداً، واستمر هذا البلاء ولا يوجد في الأفق ولا يلوح بالأفق مخرج من هذا البلاء، فلا توجد قوة سياسية ولا قوة عسكرية تستطيع أن ترفع البلاء عن هذا القسم من المؤمنين. لكن هذا البلاء الذي اصطلي به أهل الإيمان في مكة هو الذي نشر الدعوة الإسلامية، بدم سمية، بدماء سمية وصبر سمية، والبلاء الذي وقع على سمية انتشرت الدعوة الإسلامية وحفظ الدين. القصد أن هذا البلاء كان كبيراً جداً على هذا القسم من الناس، واشتد البلاء وعظم البلاء حتى اخذ أبو جهل يستأذن من سيد سمية أن يعذب سمية، فأخذ سمية وأخذ ياسر وعمار وقد يعذبهم العذاب الشديد.
فبلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا القسم من الصحابه بدأ يعذب، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يملك القوة التي يستطيع من خلالها أن يرفع البلاء عنهم، فكان يذهب إليهم النبي عليه الصلاة والسلام ويذكرهم ويصبرهم: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». اختار الله سبحانه وتعالى آل ياسر حتى يكونوا نبراساً لكل من يتعرض إلى بلاء من أهل الإيمان، وهذا هو الاصطفاء الإلهي، هذا هو الاختيار الرباني. يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]، ويقول الله سبحانه وتعالى حاكياً على الملائكة في قوله ابن مريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
الآن هذه الآيات تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، ويتلقى الصحابة هذه الآيات، وسيكون من الصحابة والصحابيات من هو شبيه بهذا القسم من الصالحين والصالحات. فالله اصطفى من الصحابة أناساً أخياراً كما اصطفى آدم ونوحاً، واصطفى من بيوت الصحابة من هو شبيه ببيت آل عمران وبيت آل إبراهيم. أشبه البيوت بآل إبراهيم هو بيت أبي بكر الصديق، وأشبه البيوت بآل عمران هو بيت آل ياسر. فلم يؤمن في مكة من البيوت إلا بيتان اثنين؛ البيت الأول، طبعا بعد النبي عليه الصلاة والسلام، البيت الأول هو بيت أبي بكر الصديق، فآمن الصديق وآمن والده وأمنت كذلك والدة الصديق، وكذلك زوج الصديق وأبناء الصديق. وكذلك عمار آمن والده ياسر وأمنت كذلك سمية والدته، وهو كذلك آمن.
فالبيوت التي كانت مباركة، أقصد هنا في البيت أي الابن مع الأب والأم، كان فقط بيت الصديق وبيت عمار بن ياسر. فاشبه البيوت ببيت إبراهيم عليه السلام هو أبو بكر، واشبه البيوت ببيت عمران هو بيت آل ياسر. فالبلاء الذي تعرض له آل ياسر بلاء عظيم وشديد وكبير، وصلاح آل ياسر كذلك صلاح عظيم وعالي. فالله سبحانه وتعالى لم يصطفِ فقط عماراً إنما اصطفى آل ياسر كلهم، وهذا هو الفضل، هذا هو الاصطفاء، هذا هو العطاء الرباني.
فالله سبحانه وتعالى لما كان ينزل هذه الآيات، هذه تنزل حتى تحث الصحابة وتبين للصحابه أن الله سبحانه وتعالى سيصطفي أناساً، وأن الله سبحانه وتعالى اصطفى من قبل، فمن منكم سيكون حاله شبيه بحال هؤلاء؟ كان هذا البيت بيت آل ياسر من البيوت التي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى يجعلها نبراساً لكل من سياتي بعد ذلك، فكل من سياتي في هذه الأمة له سلف إن كان تشبه بها أو لا بال ياسر، وهذا هو الاصطفاء الكامل. مثل ما ذكرنا لكم أن المهاجرين والأنصار هؤلاء هم الصفوة من الخلق، هؤلاء هم الصفوة المختارة التي في كل جيل لابد أن يوجد من يتشبه بهم، في كل جيل لابد أن يوجد من يتشبه بهم، ولكن نسبة التشبه لا شك أنها تكون متفاوته، ولكن هذا يكون شبيه بابي بكر مع الفارق الكبير طبعا، وهذا يكون شبيه بعمر، وهذا يكون شبيه بعثمان، وهذا شبيه بابن مسعود، وهذه شبيهة بسمية.
هذه شبيهه بسمية بثباتها على الحق وعدم ضياعها الباطل مع عدم قدرتها أو مع فقدها لجميع الإمكانات. لما نعيش في واقع مكة، واقع مكة واقع جاهلي والبلاء عظيم، ومع وجود النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يفعل شيئاً إلا أن يصبرهم فقط. هذا الحال شبيه اليوم بحال الأسيرات من المؤمنات الصالحات في سجون الكفار والبلايا الكبيرة التي نراها في وسائل الإعلام، وهذا هو السبب جعلني أختار اسم سمية رضي الله عنها وأرضاهم لعل وعسى هذه الكلمات تصل إلى هذه الصفوة المختارة من النساء ممن اختارها الله سبحانه وتعالى حتى تكون شبيهة بحال سمية.
سمية رضي الله عنها وأرضاهم ثبتت على دينها وأظهرت إسلامها ولم تخضع، مع أن هذا أمر شديد على المرأة، هو على الرجل شديد فكيف على المرأة! فالمرأة أضعف من الرجل في المقاومة بالععادة، فلا تستطيع المرأة أن تقاوم المغريات والضغوطات، وكذلك الرجل لا يستطيع، لكن المرأة أضعف من الرجل في المقاومة من حيث الأصل. لذلك الأوامر جاءت في الرجال أكثر منها في النساء في الجهاد مثلاً إلى آخره، لقدرة الرجل على القيام في بعض العبادات التي لا تستطيع المرأة بالععادة أن تقوم بها، فإن قامت المرأة بمثل ما يقوم به الرجل من الثبات، فهنا لا يستطيع الرجل أن يلحق بالمرأة، لا يستطيع الرجل أن يلحق بالمرأة.
فمثال مريم ابنة عمران أو مثال آسيا بنت مزاحم تصبر على فتنة التعذيب وكذلك فتنة الإغراء، سيدة في مصر وهي الملكة وتترك هذا كله وتتعرض إلى بلاء عظيم وتثبت في هذا البلاء. حتى لو ابتلي الرجل بمثل هذا البلاء ليصل إلى درجة المرأة؛ لأن المرأة حالها أضعف من الرجل، فتقاوم مع وجود الضعف هذا لا شك بأنه أعلى. ولكن هل يستطيع الرجل أو تستطيع المرأة أن تثبت على هذا النوع من البلاءات؟ تقول: مستحيل إلا بأن يكون هناك تدخل إلهي، وهذا هو أثر الإيمان.
ذكرته قبل قليل لما سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا. لماذا؟ فذكر له هرقل وبين له بأن هذه حلاوة الإيمان، هذه بشاشة الإيمان. كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، لما يدخل الإيمان في القلب يتمكن من القلب فما يخرج من القلب حتى لو عذب، حتى لو ابتلي، حتى لو وقع عليه ما وقع؛ لأن هذا عبد، هذه أمة الله سبحانه وتعالى هو الذي يحميها وهو الذي يثبتها.
هل تظنون بأن آسيا بنت مزاحم تستطيع أن تثبت على البلاء الذي وقع عليها من قبل فرعون؟ كيف أن فرعون كان يثبت، كيف كان فرعون كان يربطها وكان يضع الصخرة الكبيرة وكان يجلدهم وكان يفعل ويفعل؟ هل يستطيع الإنسان الطبيعي أن يحتمل مثل هذا النوع من البلاء؟ والله عنتر وهو عنتر لا يستطيع أن يحتمل هذا النوع من البلاء. لو يؤتى بعنتر من شدة أو أشد الرجال قوة وصلابة ما يستطيع؛ لأن هذا البلاء أقوى من قدرة البشر على تحمله، ولكن هنا هناك تدخل إلهي، هناك اصطفاء رباني، هناك احتفاء لهذا القسم من الناس. فهي أظهرت إسلامها، فلما أظهرت إسلامها وبذلت الذي تستطيعه، هنا تدخل الله سبحانه وتعالى.
فحمى هذا القلب من أن يتغير، القلب لا يستطيع صاحب عليه لو كان أذكى البشر، لو كان أقوى البشر، لو كان أعقل البشر، هو لا يستطيع بمجرد أن تقع عليه المغريات وتقع عليه الضغوطات طبيعي جداً أنه يتغير ولو بنسبة معينة. الإنسان أطف بكثير من أن يحمي نفسه مما يقع عليه، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يحمي بدنه لو صدم بسيارة مثلاً أو لو تعرض هكذا سقط عليه شيء ثقيل لا يستطيع، طبيعي أنه ينكسر، طبيعي أنه يتأثر ولو كان أقوى الرجال، ولو كان أقوى الرجال في النهاية له حد، يعني في النهاية قدرة البدن لها حد لا تستطيع أن تقاومه.
كذلك القلب عنده قدرة، لو كان أشجع الناس، لو كان أشجع الناس عنده قدرة عنده حد لا يستطيع لا يستطيع أن يقاومه، فإذا وصل إلى هذه الدرجة إلى هذا الحد هنا خلاص قلب الإنسان ما يقاوم، هنا قلب الإنسان ما يقاوم. واليوم علماء النفس وعلماء الاجتماع درسوا الإنسان وفصلوا الإنسان وعرفوا طريقة كسر الإنسان، وعرفوا طريقة كسر الإنسان. فلا يغركم لما تقرؤون بالتاريخ صفة هذا الرجل الشجاع بأنه كان لا يخاف وكان إلى آخره، نعم هو لا يخاف، لكن لما يؤتى ببلاء ويتم التعذيب المستمر ويتم إهانته إلى آخره في النهاية سيكسر، في النهاية سيكسر بعد سنة بعد سنتين بعد عشرين سنة سيكسر لابد أن يكسر إذا طال، لأنه لا يستطيع أن يقاوم.
خلاص القلب والقدرة على التحمل تصل إلى حد لا تستطيع أن تقاوم، لا تستطيع أن تقاوم. وبدأ علماء الاجتماع مع علماء النفس يدرسون الإنسان ويفهمون طريقة كسر هذا الإنسان، ما هو الفعل؟ لو فعلت هذا الفعل معه هو ممكن يقتل ما عنده مشكلة، يعني يصل الحد أن القتل ما يخاف منه، ولكن إذا وصل التعذيب إلى حد معين مع طول أمد إلى آخره بعد فترة ممكن يكسر، بعد فترة بل هو لابد أن يكسر إلا بحالة واحدة فقط: أن يكون هناك تدخل إلهي فقط، أن يتدخل الله سبحانه وتعالى وأن يحمي هذا الإنسان من أن يكسر.
أما هو بمقاومته فقط بتجلده لا يستطيع. طيب هل معنى هذا أنه ما يتجلد؟ لا يتجلد ولا بد أن يبذل السبب، ولكن بذل السبب لوحده لا يمكن أن يحمي هذا الإنسان، لا يمكن. أبو جهل هذا الذي قال ما قال لما ارتقى عليه ابن مسعود، نفس أبو جهل لو يؤتى به ويتم تعذيبه إلى آخره لابد أن يكسر، عنترة لابد أن يكسر، لابد.
إذاً لماذا هذا القسم من الناس مثل سمية إلى آخره ما كسر؟ وإلى زماننا هذا نرى هذا القسم الشريف من الرجال، هذه والله من آيَاتِ الله سبحانه وتعالى في حفظ دينه وبيان أن هؤلاء أناس محميُّون من قِبل الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا القسم من البشر الله سبحانه وتعالى صفاه وحماه، ولا يستطيع الإنسان مثل ما ذكرت أن يفعل مثل هذه الأشياء.
الله يقول في كتابه العظيم عن أصحاب الكهف: قال ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا﴾ [الكهف: 14]. هم لم يقوموا ولم يقولوا إلا بعد ربط القلب، فلما ربط الله سبحانه وتعالى على القلب ثبت صاحبه فلم يهولها البلاء ولم يؤثر به.
البعيد يقول هذا مستحيل، نعم هو مستحيل إذا كانت الحسبة بشرية صرفة، ولكن لما يكون هناك تدخل إلهي ليس على الله سبحانه وتعالى شيء مستحيل، فالله هو الذي حمى. فمثال سمية رضي الله عنها وأرضاها هي وصلت إلى هذا الثبات لما صدقت مع الله سبحانه وتعالى، ليس الثبات بقوتها، هذا كلام لا يمكن أن يكون.
ولذلك يعني مثل هذه المحاضرات وهذه الكلمات ليس القصد منها الآن الحديث العام، إنما نريد أن نعرف كيف وصلوا إلى هذه المرتبة حتى نسلك الطريق. فلما نأتي ونذكر الناس بثبات سمية فقط هكذا ثم تنتهي الكلمة ونتعجب من ثبات سمية ونفخر بأن من أمتنا إناث بهذه الطريقة أو نساء بهذه الصورة، هذا أمر حسن، ولكن الأحسن منه أن نبين للنساء كيف نصل إلى هذه الدرجة، وكذلك نبين للرجال كيف الواحد يصل هذه المرتبة، هل فقط بالتربية؟ لا.
إذاً ماذا؟ هذا لابد أن يكون هناك تدخل. طيب كيف يكون تدخل إلهي؟ أقول لك: لننظر إلى سمية. سمية الآن قتلت في السنة السادسة من البعثة. إيمان سمية لم يكن إلا سنتين أو ثلاث سنوات فقط؛ فسمية آمنت لما جهر النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته، فلما بدأ عليه السلام بالدعوة الجهرية هنا دخلت سمية ودخل عمار ودخل ياسر. فلما انتشر صيت النبي عليه الصلاة والسلام وانتشرت الدعوة، يعني عمار وسمية وياسر لم يذهب إليهم شخص ويكلمهم كما وقع الحال مع من آمن في الدعوة السرية.
فأبو بكر الصديق النبي دعاه، عثمان وكذلك أبو عبيدة بن الجراح وبقية العشر المبشرين بالجنة إلا عمر بن الخطاب هذا كلهم آمنوا في المرحلة الأولى، يعني هناك كان هناك دعوة خاصة لهم، كانت لهم هناك دعوة خاصة. لكن عمار بن ياسر سمع بالدعوة، ياسر سمع بالدعوة، سمية كذلك استمعت بهذه الدعوة فآمنوا لما بدأت الدعوة تنتشر، لما بدأت الدعوة تنتشر، ثم هؤلاء لم يكتفوا بالإيمان بل أظهروا الإيمان.
طيب الآن المجموع من آمن بالنساء ليس قليل، تقريبا ربع من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام في بداية الدعوة كانوا من النساء، كنا من النساء. لماذا بالذات سمية؟ لماذا بالذات؟ لأن الله يريد من هذه المرأة أن تكون هي النبراس الأكبر، هي النبراس الأكبر لكل امرأة مسلمة تتعرض إلى بلاء شبيه ببلائها. والله علم صدق قلب سمية رضي الله عنها وأرضاها فاختارها الله سبحانه وتعالى على عينه واصطفاها الله سبحانه وتعالى من بين جميع النساء حتى يجعلها هي النبراس التي تقتدي بها النساء على مر الأجيال.
وذكرت لكم أن الآن صنف المهاجرين وصنف الأنصار هؤلاء الله سبحانه وتعالى اختارهم بعد ما اطلع على قلوبهم، حتى في كل جيل يتشبه الناس بهذا القسم من البشر الشريف حتى يتشبه الناس بهذا القسم من البشر الشريف. فسمية رضي الله عنها وأرضاها لم تكتفي بالإيمان بل أظهرت الإيمان. طيب هذا إظهار الإيمان أليس فيه خطر؟ نعم فيه خطر، لذلك هذا الإظهار لا يؤمر الشخص به، إنما هو يفعله، وثأر كبير بين أن يفعل الشخص الفعل ويكون أمر مستحب وبين أن يؤمر عليه أو يجبر أن يظهره. فسمية هي التي أظهرت الإسلام، سمية أظهرت الإسلام، أما من لم يظهر الإسلام في حال الضعف لا باس ولا حرج، ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28] فلا باس أن الشخص يكتم إيمانه ويكتم دينه كما كان يفعل مؤمن آل فرعون، لما يكون في مجتمع جاهلي، مجتمع كافر، مجتمع بعيد عن الحق، ويكون البلاء حقيقة شديد، وممكن المرأة تعرض إلى بلاء شديد أو الرجل كذلك يتعرض إلى بلاء شديد لا يستطيع عليه، وليس الواجب العزيمة ليست واجبة الآن.
العزيمة هنا واجبة على النبي عليه الصلاة والسلام وكذلك على الصفوة أو العلية، لكن هي ليست واجبة على الجميع، ليست واجبة على الجميع. سمية اخذت بالعزيمة ليس بالرخصة، أخذت بالعزيمة فهي لم تأخذ بالرخصة، إنما أخذت بالعزيمة فدخلت في هذا الصنف الشريف وكلهم شرفاء رضي الله عنهم وأرضاهم، لكن هي دخلت في الصنف الأشرف والصنف الأعلى. هنا الله ينظر إلى سمية، الله ينظر لهذه المرأة الصالحة التي اخذت الدين بحق ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وامر قومك يأخذوا بأحسنها، فنظر الله إلى هذه المرأة التي تصارع الجاهلية وتصارع الكفار وتجهر بما معها من الحق.
كيف امرأة بهذا الضعف تقابل رجل مثل أبي جهل سيد هذا الوادي، وهي يعني حتى هي كانت هي كانت أمة جارية عند بني مخزوم، لم تكن عند عشيرة أخرى أو روابط آخرين، إنما عند بني مخزوم أشد الناس عداوة لبني هاشم، أشد الناس عداوة للنبي عليه الصلاة والسلام، ومن يقود هؤلاء هو أبو جهل. فالبلاء الذي سيقع عليها قطعا سيكون مختلف عن البلاء الذي يقع على الجميع، فالبلاء الذي يوقع على آل ياسر يختلف عن البلاء الذي يوقع على البقية، ومع ذلك هذا كله لم يكن موجود في حسابها ولم تبالي به ولم تبالي به أبدا، بل صدعت بهذا الحق ووصلت هذه الدعوات إلى الله سبحانه وتعالى.
والله ينظر إلى هذا البلاء الكبير والآن الدعوة في بدايتها، والعمل في زمان الغربة والثبات في زمان الغربة أقوى بكثير وأعظم بكثير من العمل في زمان الظهور، الآن بداية الدعوة بداية ظهور النور، وإلى الآن النور ما عم ولا انتشر العالم، إنما هو الآن في مكة بدا يظهر. طيب هذا المشعل من يحمله؟ يحمله من نساء سمية، بل من أقوى من حمل من نساء سمية رضي الله عنها وأرضاها، هذا كله لا شك أنه يثير العجب، هذا كله لا شك بأن موقف يسطر في التاريخ.
فالله سبحانه وتعالى لما علم صدق هذه المرأة اختارها سبحانه وتعالى وحماها وثبتها في هذا البلاء حتى أصبحت أول شهيدة في الاسلام، هي أول شهيدة من الرجال والنساء، يعني أول من قتل في سبيل الله سبحانه وتعالى هي سمية رضي الله عنها وأرضاها. القصة من ذلك أن سمية ثبتت واستطاعت أن تقاوم لأنها صدقت مع الله سبحانه وتعالى، دخل الإيمان في القلب تمكن الإيمان، امتثلت بذلت الذي تستطيعه، بعد ذلك نزلت الحماية الإلهية، فلما نزلت الحماية الإلهية خلاص لا يستطيع لا أبو جهل ولا غير أبي جهل أن ينزع الإيمان من القلب، ما ينزع الإيمان حتى تنزع الروح، وهذا هو الذي وقع لسمية رضي الله عنها.
ولذلك أي تحليل يقال أن سمية هي متعلقه مثلا الأمر بنفس طبعها أو نفس هذا كله لا قيمة له وليس هو بصواب قطعا، إنما سبب ثبات سمية هو فقط الإيمان ولا شيء آخر، فقط الإيمان. الله أحب هذه المرأة واصطفى هذه المرأة فنزلت الحماية الإلهية التي لا يستطيع البشر على نزعها.
إذاً الوقفة الثانية المتعلقة بسيرة سمية رضي الله عنها وأرضاها فال ثبات على الحق رغم شدة الفتن، وأسعد الناس بسمية رضي الله عنها وأرضاها من يبتلى النساء البلاء الشديد في هذا العصر خاصة من هن في السجون، خاصة من هن في السجون، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يثبتهن وأن يتقبل منهن ما يقومن به من أعمال، اللهم آمين.
القصة من ذلك أن هذا الثبات عظيم وهذا البلاء شديد، وهي طعنت في موضع عفتها. فلما جاء الزنديق المجرم الخبيث أبو جهل عليه لعنة الله وطعن سمية، حاول بسمية بأن تسب الدين، بأن تطعن بالإسلام، بأن تسب النبي عليه الصلاة والسلام ولم تبالي به ولم تلتفت إليه، فلم تبالي به ولم تلتفت إليه. فلما أيس المجرم من إيمانها أو من نزعها للإيمان وسبها للإسلام طعنها، فطعن سمية، فلما طعن سمية قتلت سمية رضي الله عنها وأرضاها شهيدة سعيدة وسطر التاريخ ذكرها إلى يوم القيامة، سيسطر التاريخ ذكر اسم سمية ولم ولن يزل في هذه الأمة من النساء منهن أمثال سمية، ستخرج الأمة أمثال سمية حتى يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، وهذا كله اصطفاء مثل ما ذكرت إلهي لما يثبت العبد ولما تثبت الأمة محبتها لله سبحانه وتعالى بالأفعال وليس فقط بالاقوال.
إذاً الوقفة الثانية المتعلقة بسمية هي ثبات سمية على الحق، ثبات سمية على الحق وبينا سبب هذا الثبات مع شدة الفتن التي وقعت التي وقعت عليها.
الوقفة الثالثة المتعلقة بقصة سمية: دور سمية في نصر الحق. ما الذي فعلته سمية في نصر الحق؟ الآن المرأة المسلمة ما الذي تستطيع أن تفعله حتى تنصر الحق؟ المرأة المسلمة تستطيع أن تفعل أمرين اثنين: الأمر الأول: تستطيع المرأة المسلمة أن تثبت محبتها لله سبحانه وتعالى وللنبي عليه الصلاة والسلام وللإسلام من خلال عدم انصياعها للفتن التي تعيش في زمنها.
فهي تعيش في زمن معين، هذا الزمن وهذه البيئة وهذا المجتمع هناك فتن، والفتن إما أن تكون فتن متعلقة بالسب والطعن والشتم ونهايتها القتل، أو تكون فتن متعلقة بالأغراء والفتن المتعلقة بالسراء. دعونا نجمع نجمل أو نذكر الفتن تقسم قسمين: الفتن المتعلقة بالضراء، وفتتن المتعلقة بالسراء. الفتن المتعلقة بالضراء: سب شتم لإهانة إلى سجن إلى آخره، آخرها القتل أو الطعن بالعرض. الفتن المتعلقة بالسراء: الاهتمام بالدنيا أيا كان نوع هذا الاهتمام، أيا كان نوع هذا الاهتمام.
خلاص التفكير كله يكون في الدنيا، هي تريد أن تلبس مثل ما تلبس فلانة، تشتري مثل ما تشتري فلانة. يعني هو هذه نسبة تقل أو تكثر، هذه نسبة تعظم أو تقل، فالبعض يكون عنده هذا الأمر واسع جدا وكبير، وإن كانت متدينة التدين يكون ظاهر ليس حقيقي، تدين ما وصل إلى القلب، هذا التدين العام ليس التدين الحقيقي، يعني إلى الآن نفس المعدن ما تغير، نفس القلب ما تغير، إنما الذي تغير فقط هو الظاهر.
فقط ممكن تلبس اللباس إلى آخره، لكن نفس المعدن الداخلي إلى الآن ما تغير، ولا يظن الشخص بأن الدين الله يقول ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138]، لا يظن الشخص بأنه من السهل أنه يصل الدين إلى قلبه أو أن يكون الدين حقيقة هو المحرك والموجه الوحيد له. كثيرا ما توجه الشخص الأهواء وتوجه الانطباعات وتوجه هكذا الأعراف.
تحت مسمى الدين والدين والله بريء من هذه التوجهات، فالوصول إلى أن يكون الدين هو المحرك الوحيد للإنسان هذا لا يظهر إلا في موطن الفتنة فقط. قبل ذلك كل الدعاء، قبل ذلك كل الدعاء، لكن لما يأتي موطن الفتنة الآن يظهر التدين الحقيقي، الآن يظهر صاحب الدين من غير صاحب الدين.
لما وقع البلاء على أم عائشة رضي الله عنها ورضاها في حديث الإفك، كانت التي تسامي أمي عائشة أمي زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها، فلما سألها النبي عليه الصلاة والسلام قالت: أحمي سمعي وبصري، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً. قالت أم عائشة عصمها الله بدينها، وفي رواية بالورع، أما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك أي وقعت وطعنت.
طيب، لماذا زينب لم تقع وحمنة وقعت؟ هنا يظهر التدين الحقيقي، قوة التدين، نعم حمنة تابت ورجعت، ولكن قصدي الآن هو نفس الموقف هو الذي يكشف قوة الدين عند الشخص، أما قبل الموقف ما يكشف الدين، قبل الموقف الكل يدعي التدين والكل يدعي العلم والكل يدعي الصلاح والإصلاح.
لكن لما يأتي الموقف الذي يكشف معدن الإنسان، هذا هو الذي يظهر، هذا هو الذي يظهر تدين الشخص الحقيقي. لما نأتي الآن عند المرأة تعاني من فتنتتين، فتنة السراء والضراء، وكل يعاني من هاتين الفتنتين؛ فتنة الضراء المرأة تخاف أن يتم الطعن بها لابسة هذا اللباس وخاصة إذا كانت المرأة في مجتمع ما يلبس اللباس الشرعي، يعني العرف متغير فيه والأعراف تختلف.
الأعراف الآن الموجودة في البلدان الإسلامية شق كبير منها مشكل من الإسلام، يعني أصله دين، وشق كبير كذلك ليس أصله من الدين، إنما أصلاً نفس ثقافة المجتمع المخوذه من الغرب إلى آخره. أياً كان مصدر هذه الثقافة، هذا العرف، بعض المجتمعات يكون قريب جداً من الدين وبعض المجتمعات لا يكون بعيداً. لو ضربنا الآن مثال لباس مثلاً، هل الآن المرأة التي تعيش في هذا المجتمع لباس شرعي فيه هو عرفه؟ إذا كان هو عرفه وهي تلبس نفس هذا العرف فهي على خير إن شاء الله تعالى، لكن لن يكون أجرها مثل المرأة التي لبست اللباس الشرعي في عرف مخالف لها؛ لأن هنا فتنة واما هناك ليس فتنة، الكل يفعل هذا الشيء.
كذلك المرأة لما تكون في منصب أو تستطيع أن تحصل على فتنة عالية مثلاً بالسراء إلى آخره ومع ذلك تخالف هذا كله ويحقمه الدين، ليست مثل المرأة التي ما يكون عندها هذا الشيء. فمثال آسيا لما تكون هي السيدة الأولى هي الملكة وهذا كله سيذهب بسبب إيمانها، ليس مثل المرأة التي لن يذهب منها شيء كبير، طبعا هذه تكون صالحة ولها أجر، لكن لن يكون مثل هذا.
الفتنة كاشفة للمعدن، وكذلك رافعة للشخص، رافعة، فبعد الفتنة الشخص إما أن ينزل أو يرتفع ارتفاعاً عظيماً. فالآن المرأة هل هي كم نسبة تأثرها في الواقع الذي تعيش فيه؟ وكم نسبة تدين موجود عندها؟ هل في عقلها فقط مثل ما هو موجود في عقل سمية؟ بالله عليكم دعونا ندخل الآن في عقل سمية في واقع جاهلي مثل واقع مكة لما آمنت سمية السنتين هذه أو الثلاث سنوات، ما الذي تفكر فيه سمية؟ يعني ما الذي كان يقع بين سمية وياسر وعمار في البيت؟ هل تظنون بأنهم كانوا يتكلمون عن شيء غير الدين؟ ما هو الأمر الذي ممكن يتحدث عن غير الدين قطعا؟ هذه سنتين أو ثلاث سنوات هذه كلها كان الحديث في بيت سمية وبيت ياسر: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما الذي نزل من القرآن؟ وياتي عمار وينقل اليهم الآيات والأحاديث، فهم اليوم كله الحديث حول هذه المعاني الإيمانية.
ثم من الذي يريده الله سبحانه وتعالى منا؟ يريد منا أن نجهر بالحق، يريد منا أن نصدع بالدين نصدع. كل رجال سمية معهم، هذه هي المرأة التي تحقق العبودية الكاملة أو القريبة من كمال لله سبحانه وتعالى. فالقصد من هذا أن دور المرأة في نصر الحق مثل ما ذكرت انقسم إلى قسمين؛ قسم متعلق بنفس إثبات المرأة لحب الله سبحانه وتعالى حب النبي عليه الصلاة والسلام.
تقول لي طيب، أين الدور في نصر الحق؟ أقول لك الآن سمية، ما الذي أثرت به سمية في المسلمين؟ أثرت في نفس الموقف الذي قامت فيه، نفس الموقف هذا كم امرأة الآن تمر أو كم امرأة ستولد تاثرت بسمية وسمية هي نبراس لها؟ ونحن اليوم في عام 1447 سمية قتلت قبل أكثر من 1455 سنة، أكثر من 1455 سنة قتلت رضي الله عنها، ونحن اليوم نتدارس سيرتها وهذا المجلس الآن نقوله كله في ميزان سمية رضي الله عنها وأرضاها، وكذلك التأثر يعني نسبة الإيمان التي تتناقل عبر الأجيال.
هذه سمية كم تأخذ منها؟ كم تأخذ منها غير تثبيت الدعوة العام؟ يعني غير تثبيت نفس دعوة النبي عليه الصلاة والسلام العامة، سمية كم لها من الأجر غير تثبيتها لياسر وتثبيتها كذلك لعمار؟ عمار عاش حياته كلها ويفكر بسمية وياسر، هذا كله كم أجر عند الله سبحانه وتعالى؟
فدور المرأة لما تكون بهذه الطريقة ثابتة الحق ومصدرة للحق وكذلك مقاومة للفتتن التي تعتريها سواء ضراء أو سراء، سواء كانت هذه الفتن فتن متعلقة بالضراء أو فتن متعلقة بالسراء، هي لا تفكر إلا برضى الله سبحانه وتعالى والإيمان هو المحرك الحقيقي والوحيد لهذه المرأة.
قبل فترة كانت عندنا، قبل فترة يعني عدة سنوات كانت عندنا امرأة بهذه الطريقة، مثالها مثال سمية ويشبه الناس بسمية رضي الله عن أبهاتها كلهم. المرأة ما كانت تفكر إلا بشيء واحد فقط أن يكون أبنائها شهداء فقط، لا تفكر كثيراً بأي شيء آخر. فكنت أسأل أبناءها: هل كانت أمكم تحدثكم عن شيء آخر؟ فيقولون: أبداً، فقط تقول لنا والدتنا: إني أريدكم كذا وكذا. ولم، يعني هي تزوجت، قبلت بالزواج أن تكون ثالثة، يعني ليست الأولى ولا الثانية، لأن الذي تقدم لها متدين. انظروا إلى مستوى الديانه هذا نادر، لكن هذا المثال هذا هو النموذج، فقبلت بأن تكون المرأة الثالثة ليست الأولى ولا الثانية إنما الثالثة، والذي تزوجها أكبر منها بـ 30 سنة وتقدم لها كثير من الرجال ولكنها أبت إلا متديناً فتاها هذا الرجل الصالح المتدين، وقبلت به وهي أمن أصغر منه بـ 30 سنة. وكان مشروعها في الحياة أن تلد الرجال والنساء الصالحين والصالحات، هذا كان مشروعها، فولدت ستة من الرجال كلهم كانت تحدثهم وتقول لهم: انتم شهداء، وأنا لا أريد منكم إلا أن تكونوا شهداء.
قتل أحد أبنائها شهيداً وفرحت وكتبت: من يهنيني؟ من يهنوني؟ القصد من هذا أن هذا النموذج هذا موجود عبر التاريخ، هذا النموذج صنع من سيرة سمية رضي الله عنها وأرضاها. طيب، تقول لي: أين؟ أقول لك هذه المرأة بذلت وضحت بأغلى ما تملك، هذه المرأة لا يمكن أن تنافس لا يمكن، هذه المرأة تضحي بأغلى ما تملك بحياتها وبوقتها وبتلك بأبنائها، هذه لا يمكن أن تنافس.
الآن سمية تضرب، طيب، الآن سمية لما كان تضرب هي ما تنظر إلى عمار، ما تنظر إلى ابنها كيف يضرب؟ طيب هذا البلاء يقع على ابنها هذا ما كان يهز قلبها؟ يعني أمر عجيب، يعني الآن هذا البلاء الذي يقع على هذه المرأة ممكن تتحمل، طيب الابن كيف المرأة تقوى أن تتحمل وهي تنظر إلى ابنها ويعذب، كيف تتحمل؟ لا يمكن هذا، هذا بالحسبة البشرية لا يمكن. لذلك تعرفون قصة ماشطة بنت فرعون، ماشطة بنت فرعون لما أخذت المشط وقالت: بسم الله. فقالت من فرعون: ألك رب غيري غير أبي؟ قال: أتقصدين أبي؟ فقالت: ربي وربك ورب أبيك هو الله سبحانه وتعالى.
فدعاها فرعون وسأله، ثم بعد ذلك جاء بالقدر الكبير ووضع الزيت المغلي وأخذ يلقي بأبنائها أمامها حتى جاء بالابن الأخير الصغير، فكانها تأثرت ولكن هنا تكلم الابن وثبتها الله سبحانه وقفت بنفسها. فشم النبي عليه السلام ريح المسك في رحلة المعراج، فلما سأل جبريل قال: «هذا ريح ماشطة بنت فرعون».
طيب، الآن هذه المرأة، هذه المرأة الآن لماذا لماذا استحقت هذه المنزله العلوية؟ يعني الآن النبي يرتفع يلتقي بالملائكة يشفر حتى ماشطة بنت فرعون، لأنها تستحق هذه، لأنها ثبتت، لأنها ثبتت في موطن فتنة. شوفوا يا إخواني ويا أخواتي الموازين الأخروية تختلف عن فهمنا الإسلامي، نحن نفهم الإسلام بصورة يتاثر به 1000 شخص أو يحضر المحاضرة أو يستفيد، لا الموازين يخرج يسب طريقته هذا أضعف ميزان، هذا أضعف ميزان، أضعف معيار. الميزان الأخروي أعلاه أعلاه هو تجريد التوحيد لله سبحانه وتعالى، هذا أعلى شيء، وتجريد التوحيد ما يكون إلا في موطن الضعف.
يعني الآن لما يبتليه الكل هل تقول كما قال هود عليه السلام: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم﴾ [هود: 56]؟ هذا هذا أعلى شيء، هذا أعلى ما يمكن البشر.
كذلك هنا هذه تقابل فرعون وأبنائها واحد تلو الآخر يقتلون أمامها وهي مع ذلك صابرة محتسبة، استحقت أن تكون في رحلة النبي صلى الله وسلم في المعراج، أن أنها تشرك الأنبياء أنبياء صفوة الخلق، نعم تكون من هي جارية، جارية عند بنت فرعون لكن هي عند الله ليست بهذه المنزلة، هي عند أهل مصر في ذلك الوقت جارية، جارية في بيت الملك، ولكن هي عند الله سبحانه وتعالى مع الأنبياء. فارق كبير كبير جداً.
سمية من هذه الشريحة من النساء سمية رضي الله عنها وأرضاها من هذه الشريحة من النساء، هي ثبتت وأقامت الحق وأثبتت الله سبحانه وتعالى المحبة والتعظيم، فعمى الله سبحانه وتعالى سمية ومن عليها بأن تكون نبراساً مثل ما ذكرت وأن تفوز بتجريد التوحيد لله سبحانه وتعالى. فنعم تموت هي ويموت زوجها ويقتل ابنها في سبيل الله، كل شيء يهون مادام الأمر في سبيل الله فالامر هين.
وقبل فترة كنت يعني أكثر من أكثر نساء التي أثرن في حياتي امرأة تم عمل معها مقابلة في مصر، وكانت امرأة صالحة كبيرة بالسن عمرها قريب من الـ 80، فكان الذي المذيع الذي يقابلها ويقول لها: لماذا يعني قتل أبنائك في سبيل الله؟ يعني خلاص الأسرة مزقت في سبيل الله وزوجك كذا وأزواج بناتك كذا، فقالت لها كلمة: يا ابني، الإسلام غالي. يا ابني، الإسلام غالي.
هذه هي سمية، هذه النماذج هي نماذج سمية رضي الله عنها وأرضاها، يعني هي مشروع في حياة الإسلام، وتقول: الإسلام غالي. نعم غالي، الإسلام ليس كلمة تقال هكذا فقط نعمل الإسلام والدعوة إلى الله من غير أن نعطي الإسلام.
القصد إذاً سمية هي ثبتت بهذه الصورة وبذلت وضحست وفازت، والذي يقدم لله سبحانه وتعالى الشيء الذي نفسه تريده ليس مثل الذي يقدم فضله، ولو كان في ميزان الناس هذا شيء سهل أو يسير، ولكن مادام الناس معلقة بالشيء وما ذلك مادام الله يريده نحن نقدم الله سبحانه وتعالى، هنا يكون الأمر لا شك مختلفاً كثيراً.
القصد إذاً دور المرأة الأول في نصر الحق هو هذا، هذا الثبات. تقول لي طيب، ايش علاقة هذا الثبات بنصر الدعوة كلها؟ أقول لك الدعوة تنتقل من مرحلة إلى مرحلة بعمل تراكمي، ليس بعمل فردي، أي ليس بعملية، ليس بعملية تراكمية. كيف عملية تراكمية؟ الآن نريد أن نفتح القدس، نريد أن نفتح كذا وكذا، نريد أن نؤثر بكذا وكذا وكذا، لابد أن نسدد فاتورة بيت المقدس، الفاتورة لابد أن نسددها.
فاتورة بيت المقدس أن يوجد هذا وأن يقع كذا وكذا وأن يعجز وأن توجد النماذج الصابرة المحتسبة، هذه الدماء، هذه التضحيات، هذا البدل كله يجمع حتى يتم تسديد الفاتورة فاتورة النصر، فسمية من اعظم ما سدد هذه الفاتورة. هذا هو، هكذا هو الاسلام هذا هو، هذا هو نظام الإسلام هذا هو منهج الإسلام، تريد أن تفتح في البلاد، تريد أن تصل إلى أم عمارة، تريد أن تصل الدعوة إلى أم أيوب، أن تصل الدعوة إلى أم الدرداء إلى فلانة وفلاني من الأنصاريات لابد أن توجد امرأة مثل سمية في الطريق، لابد أن توجد امرأة مثل خديجة في الطريق، لابد أن توجد امرأة مثل أم جميل فاطمة بنت الخطاب في الطريق حتى تصل الدعوة إلى هذا القسم الآخر من النساء، أما قبل ذلك ما تصل، قبل ذلك ما تنتقل.
فهذا الانتقال من كان سبب في هذه النقلة له نصيب كبير من هذا الأجر، له نصيب كبير من هذا الأجر. فهنا لما قتل أبو جهل هنا قرب البلاء عليه وقرب أنزال العقوبة؛ لأن بدا الآن يستحق العقوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ﴾ [هود: 102]. إذاً بدأت تقترب الآن، بدأ هؤلاء يستحقون عقوبة الله أن تنزل عليهم، هم الآن أوجبوا على أنفسهم أنزال العقوبة.
طيب، لو ما تثبت سمية، لو ما هنا الأمر ما يكون بهذه الصورة فلم يقع بلاء ثم بلاء ويصبر الحق، هنا تقترب، يقترب النصر كثيراً. سمية ممن كان يسحب النصر، من كان يسحب النصر حتى يقترب من النبي عليه الصلاة والسلام، هي التي ساهمت رضي الله عنها وأرضاها مع زوجها وكذلك ابنها في هذه المساهمة العظيمة في نقل الحق. إذاً هذا الأمر الأول المتعلق بدور المرأة في نصره الحق.
الأمر الثاني المتعلق بدور المرأة نفس تبليغ الرسالة لكل من تستطيع أن تبلغ.
الرسالة؛ فالمرأة لابد أن تقوم بإصال رسالة لكل من تحت سلطان دعوتها، كل من تحت سلطان دعوتها، سواء كانوا أبناء، أبناء أخت، أبناء أخوة، أقارب، كذلك من كل النساء اللاتي تستطيع أن تصل إليهن؛ لابد أن تبلغ الرسالة إليهن. ولا بد أن تكون هي نفسها ممتثلة للحق، ممتثلة للدين حتى يتاثر الناس، ثم الله سيصفي ويختار من يشاء من عباده.
لا، شوفوا يا شباب، كذلك يا أخوات، الناس دائما ينظرون إلى دور الرجل، وهذه مشكلة كبيرة، وسبب هذه المشكلة أن المرأة كثيرا ما تظن بأن ما يقام للرجال لابد أن يكون للنساء دور مثله أو نفس العمل. الآن لما نأتي عند أي رجل من الرجال، هذا الرجل إما أن يكون زوجا، أو يكون أبا، أو يكون ابنا، إلى آخره، هل هذا الشخص الذي أصبح عالما، أو أصبح داعية، أو أصبح مجاهدا، لم تكن هناك امرأة مؤثرة في حياته؟ غالبا ما تكون المرأة هي المؤثر الأكبر.
لما ننظر في حياة النبي عليه الصلاة والسلام نجد بأن خديجة كان دورها عظيما جدا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، لما ننظر في حال موسى وعيسى نجد بأن مريم وآسية، اصطفى الله هاتين المرأتين لأن كل واحدة من هاتين المرأتين غيرت ثباتا على البلاء ونصرا للحق، أنهما كفيلتا نبي، هذه كفلت موسى وهذه كفلت عيسى عليهما السلام، وعلى هذا المثال فليُقس. فالآن لما تأتي وتنظر، هذا الزوج الصالح معه امرأة صالحة، لذلك إراهيم عليه السلام لما أمر إسماعيل أن يطلق الأولى وأن يثبت الثانية، لأن هذه هي التي تصلح أن تعين إسماعيل على دعوته، إسماعيل يراد منه أن يفعل شيئا كبيرا، إذا لابد تكون المرأة بهذه الصورة وبهذه الطريقة.
كذلك هاجر، كذلك سارة، وهكذا. إذا المرأة كان دورها عظيما جدا في نصر الحق، سواء كان في تثبيت نفس النساء التي ستستمر العملية معهم، في تثبيت البيوت المسلمة، أو كذلك في نفس امتثالها هي للحق، وتقريبها لها، وتقريبها للحق بنفس بذلها وتضحيتها وثباتها على الدين.
إذا نخلص من هذه الوقفة الثالثة إلى أمريني اثنين: الأمر الأول المتعلق بدور المرأة في نصر الحق، بنفس تجريدها للتوحيد، ثباتها عند الفتن، سواء كانت فتنة سراء أو فتنة ضراء، وتقديمها لله سبحانه وتعالى، وعدم تقديمها أحدا على الله سبحانه وتعالى. وذكرنا أثر ذلك في تقريب النصر، وكذلك في إنزال البلاء، وكذلك في إنزال العقوبة على الكفار، وكذلك في نقل الدعوة من مرحلة إلى مرحلة، فنقل الدعوة من مرحلة إلى مرحلة وتأخذ الأجر في نقل هذه الدعوة.
الصنف الآخر أو القسم الآخر أو الدور الآخر، هو المتعلق بنفس التثبيت للمؤمنات ونفس التثبيت لمن كان من محارمها، زوجها أو أبنائها إلى آخره، فتكون شريكة فيما يقومون به من نصر للحق. وأقول كلمة في ختام هذه الوقفة الثالثة، وهي أن المرأة التي تريد أن تضحي في سبيل الله لابد أن تتنازل عن كثير من حقها، إذا أرادت الفردوس الأعلى، أما إذا لم تريد الفردوس الأعلى فلا تتنازل، لكن لن تأخذ الفردوس الأعلى. المرأة التي تريد أن تحصل الفردوس الأعلى لابد أن تتنازل عن كثير من حقها، لابد؛ لأن الجنة ليست رخيصة، هي غالية، والفردوس الأعلى أغلى ما في الجنة، فلن تنال امرأة الفردوس الأعلى من غير أن تفعل وأن تضحي.
إذا كان الزوج مشغولا بالدعوة، المرأة لابد أن تكون معينة له، طيب، الآن هو سيقصر معها، فليقصر فليقصر، إذا كان هذا التقصير جبرا له سيكون فيه رضى الله سبحانه وتعالى. إلى أي حد؟ إلى حد عدم الفتنة، إلى حد عدم الفتنة، إذا وقعت الفتنة وشعرت المرأة بأنها ستفتن لا، هنا الأمر يختلف، لكن إذا ما وصلت إلى هذا الحد فالتنازل هنا محمود والأجر عند الله عظيم.
لذلك هذه المرأة هي التي تصلح أن تكون زوجة للصالحين والمصلحين، وتصلح أن تكون أما لهذا القسم من الناس، فلا بد أن تضحي، لابد أن تضحي، فهذه التضحية كلها أجر. يعني هذه التضحية لا تظن المرأة بأنها ستذهب، والمرأة الصالحة التامة أو الكاملة لا تقيس نفسها على غيرها، إنما فقط تنظر إلى الله سبحانه وتعالى. يعني فرق كبير يا إخواني أخواتي، بين الرجل أو المرأة الذي دائما يقيس هذا كم عنده من المال، أنا أصبح مثله، أنا هذا كيف يعيش، أنا سأعيش مثله، وبين الشخص الذي لا يفكر بهذه الطريقة، نفكر: ما الذي يريد الله مني؟ ما الذي يرضي الله علي؟ ما الذي يرضي الله علي الآن؟ هذا الموقف لما يقع، الله يريد مني أقول كذا وأقول كذا حتى لو كان حقي، حتى لو كان حقي، الله لا يريد منك أن تأخذ هذا الحق، خلاص اتركه.
خلاص اترك هذا الحق إذا كان الله سبحانه وتعالى سيغفر لي إذا تركت، أنا أريد مغفرة الله سبحانه وتعالى، كما أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. الصِّدِّيق قال: بلى -طاعن في عرض بنته نعم- لكن هو زل، خلاص، دام الله يحب أن نفعل هذا الشيء سافعله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. بلى والله يحب، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون؟ خلاص عفونا وصفحنا، والجزاء من جنس العمل.
كذلك المرأة إذا أرادت أن تعيش الحياة السعيدة في الدنيا وكذلك في الآخرة، طبعا هذا التنازل عن الحق ليس معناه ألم، لأن المؤمن ما يشعر بألم في نصر الدين؛ لأن هو عنده الدين أغلى من كل شيء، يعني هو يعيش بأن الإسلام ونصر الحق أحب إليه من كل شيء، فلذته أصلا في نصر الحق، لذته ومتعته وسعادته لما يكون في أن يقوم له هذه المقامات، نعم ممكن يتألم التألم البشري العادي، لكن مع هذا التألم لذة، مع هذا التألم حلاوة، هذه الحلاوة هي التي لا يحصلها شخص إلا مع الثبات على الحق ونصر الحق والتضحية من أجل الحق والتنازل عن الكثير من حقوقه، والتنازل عن كثير من حقوقه.
إذا المرأة تريد نصر الحق لابد أن تكون بهذه الطريقة، انظروا كيف الآن هذه المرأة ذكرتها لكم، أنها قبلت بأن تتزوج من شخص أكبر منها بكذا وهي ثالثة، هذا كله حتى تنتج الرجال، ولما ولدت هذا القسم من الشبان كانت تربيهم بهذه الطريقة وكذلك بنات، فيعني هذا مشروعها في الحياة، وكانت تمنى أن تموت شهيدة معهم، هي ماتت في مرض من الأمراض ونسال الله أن تكون نالت الشهادة بهذا المرض.
طيب الوقفة الرابعة، ننتقل الوقفة الرابعة المتعلقة بقصة سمية رضي الله عنها وأرضاها، وهي المتعلق بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة». الآن سمية تعذب وياسر يعذب وعمار، يعذبون الأسرة أسرة كلها تعذب في سبيل الله، وهذه الأسرة الوحيدة التي عذبت في سبيل الله، والأسرة التي بعدها عذبت في سبيل الله هي أسرة أم سلمة، أسرة أم سلمة. فالأسرة الأولى التي عذبت بكاملها في سبيل الله كانت أسرة آل ياسر، والأسرة الثانية هي أسرة أم سلمة رضي الله عنها وعن زوجها.
كذلك هنا النبي عليه الصلاة والسلام لما بلغ هذا التعذيب، ما كان يستطيع عليه الصلاة والسلام أن يفعل إلا تصبيرا، وهذا يا إخوان أجابه سؤال يعني من يسال من شباب، لما نرى بلاء يقع على بعض المسلمات أو بعض المسلمين وحقيقة ما نملك، يعني لما يوجه السؤال إلى شخص ما ما عنده القدرة، ما عند القدرة، فالناس يختلفون في الإجابة، والإجابة لابد أن تكون منضبطة بضابط الدين. وأقصد بضابط الدين ألا نقتل الغيرة فينا للدين ومحبة الإسلام، وكذلك أن نخالف طريق النبي عليه الصلاة والسلام في النصرة، فنحن متعبدون بنصر الدين بمثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام في مكة الآن لا يملك القوة، ولكن هو يملك أن يثبت وأن يصبر، إذا لابد أن تقوم بالواجب عليك بالتثبيت والتصبير. وكان النبي عليه الصلاة والسلام هنا يمر على هؤلاء الذين يعذبون ويصبرهم عليه الصلاة والسلام، فمر على آل ياسر وصبر آل ياسر، فكانت هذه الكلمات تطرق سمية وتزيد من همتها رضي الله عنها وأرضاها وتزيد من همة ياسر رضي الله عنه وأرضاه، فكان قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» له أبلغ الأثر في تثبيت هذه الأسرة على الحق؛ لأن البلاء ممكن يكسر الإنسان، البلاء مثل ما ذكرت ممكن يكسر الإنسان، لكن لما يوجد من ينصر ثابت ويثبته، ويقوم باعانة أسرته أو من بقي من أهله، يعني يسد مداخل الشيطان عليه بغاية ما يستطيع، هذا يكون له هذا، يكون شريكا معه بالأجر.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام من هذا القسم، بل هو هو الذروة عليه الصلاة والسلام، هو يعلمنا كيف نتعامل مع من يبتلى بهذا البلاء، ما كان يستطيع أن يرفع بلاءه، ما كان يستطيع يمنع أبا جهل، ما كان يستطيع عليه الصلاة والسلام أن يمنع أبا جهل من أن يقوم بما يقوم به، فثبت آل ياسر. هذا هو الواجب علينا اليوم، الواجب علينا في تثبيت المسلمين والمسلمات أو في نصرة المسلمين والمسلمات أن يكون بهذه الطريقة، أن نثبتهم وأن نبذل كل ما نستطيعه مما يخفف عنهم، ونذكرهم ما عند الله سبحانه وتعالى، ما عند الله سبحانه وتعالى من أجر ومثوبة، ندعو الله سبحانه وتعالى لهم بالثبات، وكذلك نبذل كل ما نستطيع من أعمال من أجل أن نغير هذا الواقع.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، ويرجع إلى أهل مكة ويدعوهم إلى الحق حتى تنتقل الدعوة من حال إلى حال، من مرحلة إلى مرحلة. فكان الحل ينقسم إلى قسمين: حل آني متعلق بنفس التصبير والتثبيت، وحل مستقبلي بأن ننتقل بعملنا من مرحلة إلى مرحلة حتى ما يتكرر هذا البلاء معنا. المشكلة التي نعاني منها أننا إما أن نتكلم عن الأول أو عن الثاني، فقسم الناس فقط يتكلم عن الأول، وقسم فقط يفكر بالثاني ولا يفكر بالاول، الكلام فقط عن الأول يعني نبدأ بجمع التبرعات مثلا وتثبيت إلى آخره والتصبير، من غير أن تكون عندنا خطة حقيقية، خطة حقيقية وفهم تفصيلي للدين الذي من خلاله نرتقي، نرتقي من واقعنا إلى واقع آخر، هنا ما نتغير فيستمر البلاء، فيستمر البلاء حتى ياتي اناس ينتقلون من الدعوة الإسلامية ويفهمون طبيعة الدعوة الإسلامية وطريق الانتقال حتى ما تتكرر هذه البلاءات، حتى ما تتكرر هذه البلاءات.
والقسم الآخر هو يفكر دائما بالانتقال إلى آخره، لكن لا يبالي بالنصرة الحالية ويتساهل فيها، وليس هذا هو الدين ولا هذا، إنما الدين هو الجمع بين الأمرين، بأن نثبت وأن نصبر وأن ننصر بغاية ما نستطيع مع التفكير بالانتقال بالعمل الإسلامي، وكيف الآن ننتقل بالدعوة حتى ما يتكرر عندنا مثل هذه البلاءات وهذه المواقف. لو لم ينتقل النبي عليه الصلاة والسلام استمر البلاء على أبناء سميه وعلى أبناء أبناء سمية ولبقي أبناء أبي جهل يعذبون أبناء سمية وهكذا، حتى متى؟ حتى ترجعوا إلى دينكم، حتى ترجعوا إلى دينكم منكم.
لذلك ناخذ من قصة كذلك آل ياسر الرجوع إلى الدين ومعرفة طريقة تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع مثل هذه البلاءات حتى نصيب دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ونكون حقيقة مقتفين لأثره بالدعوة: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَن تَبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. نعرف أن هذه المرأة تعاني من بلاء شديد بسبب ثباتها على الدين إلى آخره، وما تملك شيئا من المال، نعطيها المال حتى لو كان حساب أنفسنا، حتى لو كان حساب أنفسنا، وهكذا فيكون نصر المبتلين بهذه الطريقة.
طيب، كيف نجمع بين هذا الموقف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صبرا آل ياسر» وبين غضب النبي عليه الصلاة والسلام على من طلب منه الدعاء في في بدايه البلاء، كما جاء في حديث خباب بن الأرت لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة، فقال يا رسول الله قال شكونا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من بلاء، قلنا ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فغضب النبي عليه الصلاة والسلام واحمر وجهه، وقال: «إنه كان في من قبلكم»، ثم ذكر عليه الصلاة والسلام البلاء الذي كان يقع على اتباع الأنبياء من السابقين.
هنا أي في هذا الحديث، في حديث خباب، كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد من هذه الصفوة المختارة أن تثبت وأن تصبر، وأن تثبت لله سبحانه وتعالى، يعني إلى الآن البلاء الذي وقع عليكم ليس بلاء كبيرا، لابد أن تقاوموا. فلما تم استنفاذ الطاقة كلها ووقع البلاء وصل إلى مداه قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة».
هكذا يكون، هكذا تكون التربية الإيمانية، هكذا تكون التربية الإسلامية، يعني لا تتركه، ولكن كذلك لابد أن تثبته، بمعنى الآن هو لما يكون في موقف وقع عليه بلاء يسير ويتشكى تشكيا كأنه وقع عليه بلاء عظيم، هذا ما يليق بالشخص الذي يريد أن ينصر الحق، أن يريد أن يقوم لواء الإسلام، أن يقيم لواء الإسلام. ولكن لما يقع عليه البلاء، لا هنا لابد أن تثبته ولابد أن تصبره ولابد أن تقف معه؛ لأنه ممكن يكسر، ولا تجعل الشيطان ولا تكل إلى إيمانه، هذا خطأ كبير يقع فيه كثير كذلك من الأشخاص، يكل إلى إيمانه لا، ممكن يكسر ممكن.
الشيطان يدخل عليه ممكن يسقط الإيمان، إذا لا بد أن تقف معه، لابد أن تعزيه. إذا كنا جاء الحديث في فضل تفريج الكرب على المؤمنين: «فرج عن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، وكذلك تعزية المسلم هذه أجرها عند الله سبحانه وتعالى عظيم. لماذا التعزية والتصبير وتفريج الكربة والتيسير على المعسر إلى آخره أجرها عظيم؟ لما فيها من تخفيف، وفيها حفظ للإيمان؛ لأن النفس لما يقع عليها بلاء تكون محملة بالأثقال، هنا ممكن الوساوس والشيطان يدخل، فممكن يخرم الإيمان، ممكن يسيء الشخص ظناً بالله والعياذ بالله. فلما تأتي وتفرج الكربة، ما يصل الأثر النفسي إلى هذا الحد، فيحمى جدار الإيمان، يحمى جدار الإيمان فما يسقط، وهذه المسألة تحتاج إلى شرح، هذه المسألة تحتاج إلى شرح.
لذلك لما يقول النبي عليه السلام: «أعظم الأعمال عند الله سرور تدخله على مسلم»، لماذا؟ لأن هذا السرور لما تدخل على مسلم هذا الحزين، لما تدخل عليه السرور الحزن هذا ما يحمله على التشكي، ما يحمله على التذمر، ما يحمله على التساخط على قدر الله سبحانه وتعالى، ما يحمله على الشك بحكمة الله، ما يحمله على الوقوع في سوء الظن ظن الجاهلية، ما يقع في سوء الظن ظن السوء. فلما يأتي الشخص ويخفف عنه ويثبته، ما يصل الأثر النفسي إلى هذه الحال، فيحمى جدار الإيمان، يحمى التوحيد، يحمى الإيمان بالربوبية، الإيمان بالألُوهية، فما يقع شخص بمخالفة بالعبادة ولا كذلك، ولا يخرم إيمانه بالرب، الربوبية، وهذا يحتاج إلى شرح مثل ما ذكرت.
لذلك لا يفرط الشخص بتثبيت المؤمنين وتصبير المسلمين، هذه القربات عظيمة عند الله، هذه الأعمال جليلة وعالية، ولو استطاع شخص كل يوم أن يفرج كربة عن شخص، أو يثبت داعية من الدعاة، أو شخص مبتلى المبتلين، أو امرأة صالحة تعاني من بلاء أو وقع عليها هكذا بلاء بموت ابنها أو موت زوجها أو هكذا، هذا أجر عند الله فوق كثير من الأعمال التي يظن الشخص بأنها أعمال صالحة، هي قد تكون صالحة، لكن هذا أعظم بكثير، هذه الكربة التي تفرج.
جزاء عند الله سبحانه وتعالى أن يفرج الله عن كرب من كرب يوم القيامة، وهنا تصبير هذه المرأة المسلمه في هذا البلاء الشخص يكون شريك بتثبيت الإيمان والتوحيد في قلب هذه المرأة. فكان النبي عليه وسلم يقوم بهذا الدور ويثبت هذه المرأة ويثبت هذا الرجل ويثبت كذلك الابن عليه الصلاة والسلام. إذاً هذه وقفات أربع متعلقة بسيرة سمية رضي الله عنها وارضاها، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري