الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاي خطاكم. نكمل هذه السلسلة التي عنونت بعنوان العيش مع الصحابة.
وذكرنا بأن من ضمن المقاصد التي من أجلها عقدت هذه السلسلة هو النظر في طريقة صناعة الإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام لهذا النفر من الناس. كيف استطاع النبي عليه الصلاة والسلام أن يصنع هؤلاء العظماء الذين حملوا لواء الإسلام على أكتافهم؟ ولا تظنوا يا شباب بأن من السهل نشر الدعوات؛ من الصعب جدًا أن تنتشر الدعوة في الناس، والأصعب أن تثبت الدعوة. بمعنى، الدعوة ممكن تنتشر، ولكن صعب جدًا أنها تثبت في عقول الناس وترسخ فيها. فكيف استطاع النبي عليه الصلاة والسلام أن يصنع من يحمل هذه الدعوة؟ وأزيد على ذلك كلمة مهمة ومعنى مهمًا، وهو أن الدعوة لما تكون حقة تختلف عن الدعوة لما تكون باطلة. لماذا؟ لأن الدعوة الباطلة هي مبنية على ما يتشرب الإنسان، أو مبنية على هوى الإنسان. والهوى يصنع عند الإنسان أو يوجه بناءً على الضغط.
كيف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم استطاعوا أن يقيموا الدعوة الحقة وليست الدعوة الباطلة؟ فالدعوة الحقة تتميز، أي تزيد في هذا السياق عن الدعوة الباطلة في الانتشار والثبات. الأسباب هي الأسباب في الانتشار والثبات، إلا أن الدعوة الحقة تتطلب قوة هائلة في مجابهة النفس وصراع النفس، حتى تخلص النفس من حظها. كيف وصل الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم إلى أن يسوسوا الناس ويقودوا الناس؟ ونفس الرجل هو في حال الضعف مثل في حال القوة. هو نفسه رضي الله عنه وأرضاه، أي الصحابي الجليل، لما يكون في حال الخوف والشدة هو نفسه في حال الرغد والسعة، هو نفسه لما يكون في ظل المجتمع الجاهلي يقاتل ويدافع عن الإسلام هو نفسه لما يكون الحاكم. لماذا ما تغيرت نفوسهم؟ كيف وصل الصحابي إلى هذه المرتبة العالية من الخلوص للإسلام؟
ممكن يقيم شخص الدعوة الباطلة ولا يحتاج مجاهدة كبيرة لهواه، لكن دعوة الحق تحتاج إلى مجاهدة كبيرة، إلى تجرد عظيم، حتى يكون المحرك فقط هو الإسلام. والنفس مثالها مثال الوعاء، وطبيعة النفس بها مساوئ كثيرة، إذا ضبطت النفس أخرجت هذه المساوئ الموجودة فيها المستكنة فيها. ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]. فالنفس بها داع إلى الشر، إلا من خلصت نفسه لله سبحانه وتعالى فهنا يضعف هذا الداعي جدا وتخلص هذه النفس وتكون نقية صافية.
القصد أن النفس مثالها مثال الوعاء، هذا الوعاء لما يضغط يخرج أسوأ ما فيه، الصحابة إذا ضغط الواحد منهم يخرج أنقى ما فيه. لماذا هذا الشيء؟ كيف وصلوا إلى هذه المرتبة؟ هذا هو الذي نريد أن نصل إليه في مثل هذه المجالس. فالشعارات العامة والكلمات العامة لا تفيدنا كثيرا في تحقيق الإسلام في الواقع الذي نعيش فيه. فإذا أردنا حقيقة ندافع عن الإسلام ونحمي الإسلام ونقيم الإسلام في أنفسنا أولا ثم في الواقع الذي نعيش فيه لابد أن نأخذ الإسلام بحق، ولابد أن ننظر إلى هذا الجيل الكريم، هذه المجموعة النقية كيف صنعها الإسلام؟ ما هي الأمور أو ما هي المميزات التي تميزت بها؟ بعض الناس يظن بأن الصحابة رضي الله عنهم بمجرد أن أسلموا هكذا مباشرة أصبح الواحد منهم في الذروة في التربية.
العملية التربوية كانت عملية مستمرة، يعني القصد ما هو دور النبي عليه الصلاة والسلام في صناعة هؤلاء؟ إذا كان الواحد بمجرد أن دخل الإسلام أصبح هكذا خلاص بالذروة بكل شيء، إذاً ما الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ ما هو العمل الذي قام به النبي عليه الصلاة والسلام الذي من خلاله استحق بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام أن يسمى بالمربي الأعظم؟ كيف أخذ هذه النفوس ثم أخذ ينقي هذه النفوس؟ طبعاً لا شك أن الآن عندنا دور متعلق بالقائد أو بالموجه أو بالعالم أو بالمربي ودور متعلق بالمتدرب بالمتعلم. إذا ما كان المتدرب يساعد هذا ما يصلح، لكن هنا استجابوا وهم في البداية انقادوا قبلوا بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم تدريجياً بدأ الإسلام يرتقيهم، هذه العملية التربوية التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام.
ففرق كبير يا شباب بين إقامة الدعوة على الشخص الذي لا يريد الانقياد للحق وبين تربية المنقاد للحق. فرق كبير جداً بين أبي جهل ومن كان معه ممن كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى الحق وبين من استجاب لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام وانقاد لها. والنبي عليه الصلاة والسلام كان في مكة يقسم وقته إلى قسمين، غير وقت العبادة الخاص به عليه الصلاة والسلام، إنما الوقت المتعلق بالدعوة؛ قسم متعلق بالصراع مع الكفار ودعوة الكفار وإقامة الحجة وبيان التصورات، وقسم متعلق بتربية من انقاد إليه، بتربية من يدخل في دعوته. هذه التربية المستمرة التي كانت مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم والتي أثمرت بعد ذلك إسلام الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم. وكذلك استمرت العملية التربوية في مكة وكذلك في المدينة.
هذه التربية لماذا تفاوتت؟ لماذا بعض الناس أصبح من أهل بدر وبعضهم ليس من أهل بدر إنما أقل من هذه المرتبة، وبعضهم بكذا يعني الصحابة انقسموا إلى أقسام رضي الله عنهم وأرضاهم، كلهم أخيار وكل جيل الصحابة كله جيل مفضل معظم، خير الناس قرني، الصحابة بالجميع وليس بالمجموع، إنما هم بالجميع أفضل. يعني لا أقول أقل الصحابة رضي الله عنهم، بل أقول أفضل تابعي لا يصل إلى آخر صحابي. يعني الصحابة رضي الله عنهم آخر صحابي منهم في المرتبة والعلو كلهم في العلو والمرتبة وكلهم في الدرجة العالية في المراتب يوم القيامة، أفضل تابعي وليس قرني لا يصل إلى هذا الأخير. لكن هؤلاء أنفسهم المجتمع هذا المجتمع كيف تقبل دعوة النبي عليه الصلاة أو كيف استجاب لها؟ وكيف كانت التربية؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بجهد معين.
طيب، طريقة أو تلقي الصحابة لهذه العملية التربوية هم على أقسام؛ أفضلهم الصديق هذا بالاتفاق، ثم فلان ثم فلان وهكذا، وأهل بدر أفضل من غيرهم. لماذا أهل بدر أفضل من غيرهم؟ لأن أهل بدر كانت عندهم استجابة زائدة، فالواحد منهم يعلم بأن الخروج الآن ليس واجب، ولكن لا يريد أن يفرط، هذا الذي لا يريد أن يفرط هذا ما كان عنده وقت ليفكر أو ما سمح لعقله بأن يمنعه، إنما مباشرة استجاب، هذه النفس التي تنقاد مباشرة، هذه النفس التي مباشرة تستجيب، هذه هي النفس هذه هي النفوس العلية في كل جيل.
قد يكون عندنا مجموعة كبيرة من الأشخاص المتدينين المحبين للخير، لكن ليسوا كلهم على درجة واحدة، هذا الذي يستجيب مباشرة وينقاد مباشرة ويريد أن يشارك في الخير حتى لو كان دقيق، حتى لو كان ما يرى بالعين المجردة عند الكثير من الناس، هذا لا هذا عنده بصيرة عالية جداً تجعله ينظر لهذا الخير وكذلك تعظم هذا الخير عنده. فالبصيرة كلما دقت وعظمت كلما كبر العمل القليل عند العامل الإسلام، فالبعض ممكن عند العمل اليسير هذا يقولك يسير يعني ليش مهم، لكن هذا لا هذا عنده اليسير كبير، وعنده اليسير من الذنوب والمعاصي كبير، يعني هو ينظر للأعمال الصالحة القليلة كبيرة وينظر للذنوب الصغيرة كبيرة لأنه يخاف. طبعًا هذا معيار يقيس الإنسان فيه قوته الإيمانية ومبادرته كذلك لنصر الحق.
وقس على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم هذا هم رباهم النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الذي نريده. العملية التربوية التي صنعها النبي عليه الصلاة والسلام شق متعلق بالمعلم وشق متعلق بالمتعلم. فلما مثلًا النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الناس بفضل الصلاة كلهم يسمعونه، لكن لما يصلون هل يصلون بنفس العدد؟ هل يستحضرون؟ كم نسبة الاستحضار؟ هذا متعلق بالمتعلم بالمتربي وليس بالمعلم. المعلم يبين ويوجه وينصح إلى آخره، ولكن هل المتربي يطبق أو ما يطبق؟ الصحابة في هذا الباب كانوا متفاوتين، كلهم استجابوا وقادوا وعلموا بأن هذا الدين حق، ولكن نسبة التطبيق في الأمور المستحبة في الأمور هذه يختلفون بها وكلهم مثل ما ذكرت كلهم في الذروة من الناس وهم أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين رضي الله عنهم وأرضاهم.
اليوم معنا بإذن الله سيرة صحابي جليل، وهو سعد بن الربيع، الصحابي الجليل سعد بن الربيع الخزرجي الأنصاري. هذا الصحابي الجليل لما تفتحون في كتب التراجم والسير ما تجدون كلام كثير عنه، وعامة ما يذكر عنه عبارة عن ثلاثة مواقف؛ الموقف الأول أنه هو من أحد النقباء، الثاني أنه نزل عليه جماعة من المهاجرين وآخى النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين عبد الرحمن بن عوف لما نزلوا المدينة، الثالث أنه استشهد يوم أحد وموقف يوم أحد سياتينا بإذن الله. فقط هذه مواقف ثلاث هي التي تذكر عادةً عن سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه.
طيب ما هي الوقفات التي نريد أن نقفها مع سعد بن الربيع؟ نريد أن نقف مع سعد أربع وقفات رضي الله عنه وأرضاه. الوقفة الأولى المتعلقة بإسلام سعد بن الربيع وميزة سعد بن الربيع عن غيره. سعد بن الربيع الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه هو من بني الحارث ابن الخزرج، وهو من العلية في قومه، ووالده كان له شأن في الخزرج، وبنو الحارث هم أشد الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، وإن كان هم بالفضل كما يروى في الحديث أنهم يأتون بعد بني عبد الأشهل، خير بيوت الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث ثم بنو ساعدة. ولكن القصد أن بني الحارث هم الذين ثبتوا يوم حنين، فلما كانت الدعوة في الأنصار ثم في الخزرج ثم في بني الحارث بن الخزرج فهم كانوا أشد الناس في يوم حنين رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن هؤلاء الصحابي الجليل سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه، واختاره النبي عليه الصلاة والسلام وجعله النقيب عليهم.
سعد كان من السابقين الأولين في الإسلام، وذهب إلى مكة ولما التقى النبي عليه الصلاة والسلام مع النفر القليل من الخزرج كان منهم، ثم في بيعة العقبة الأولى كذلك كان من ضمن الحضور، ثم في العقبة الثانية أي بيعة القتال كان هو أحد الحضور وكان أحد النقباء. فاختار النبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون اثني عشر نقيبًا، وكان أحد هؤلاء هو سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه. هنا اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل حتى يكون من هذا العدد القليل يدل على ميزة موجودة فيه، يدل على ميزة موجودة عنده تنقسم إلى قسمين؛ القسم الأول أنه من الأشراف بمعنى أن الناس يستجيبون له، يسمعون كلامه، لا يخالفونه، الثانية أنه يصلح أن يكون في هذا المقام والنقيب ضامن. إذن هذا الآن الإبراز الأول لسعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه بأن النبي عليه الصلاة والسلام اختاره من ضمن النقباء وتفقد يوم أحد.
ثم بعد ذلك لما نأتي الآن وننظر إلى إسلام سعد بن الربيع، هو الآن أسلم ورجع مصعب بن عمير كما تعرفون وذهب مع الأنصار إلى المدينة ونزل عندهم ومكث سنة كاملة يدعو الناس ما بين العقبة الأولى والعقبة الثانية، بيعة النساء وبيعة القتال، ثم رجع بعد ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما جرى في المدينة، وأن الإسلام انتشر وفشى وعم بيوت الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم. في السنة التي تليها هاجر النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم أكثرهم كان قبل النبي عليه الصلاة والسلام ونزلوا في بيوت الأنصار، وكان ممن نزل في بيوت الأنصار عبد الرحمن بن عوف مع جماعة من المهاجرين نزلوا في بيت سعد بن الربيع. إذن هنا كذلك أمر آخر يكشف لنا في سيرة سعد أنه كان رجل غني، وكذلك كان رجل مضياف كريم.
ولكن بروز سعد الكبير كان لما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، وهذه هي الوقفة الثانية. هذه الوقفة الثانية المتعلقة بهذا الموقف الذي يحتاج أن نقف عنده طويلاً، هو موقف المؤاخاة بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع. عبد الرحمن بن عوف كما تعرفون هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وسعد بن الربيع هو أحد النقباء. آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين هذا الرجل الشريف في قومه وكذلك الشريف بالإسلام وهو عبد الرحمن بن عوف، وكذلك هذا الرجل الشريف في قومه وكذلك الشريف بالإسلام وهو سعد بن الربيع. أول ما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهما فعل سعد فعل سطر التاريخ له وما زال يذكر، وهذا الموقف هو مع موقف يوم أحد أشهر المواقف التي خلدت ذكر سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه عند الناس.
هو موقف تضحية لكن تضحية هنا غريبة نادرة، العرب يعرفون التضحية بالمال، ويعرفون التضحية بالنفس وتضحية بالأبناء هذا موجود، ولكن أن يضحي بشيء أغلى من هذا أعظم من هذا ما يفعل الناس عادة، هذا خلد لهذا الرجل.
وهو أن سعد بن الربيع لما نزل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان عبد الرحمن بن عوف أعزب في المدينة ولا يوجد عنده مال. فسعد بن الربيع هنا قال لعبد الرحمن بن عوف: إني رجل كثير المال وكذلك إن عندي زوجتين. وقال بأني سأطلق إحدى زوجتي وأنت تتزوجها، وكذلك سأعطيك شطر مالي. شطر مالي هذه كبيرة جداً وعظيمة، ولكن أن أطلق إحدى زوجتي وتتزوجها أنت هذه هي صعبة أن يفعلها شخص.
طبعاً إلى الآن الإسلام في بدايته الآن الشرع ما نزلت الأحكام، لكن الآن الأمر متعلق فقط بالتضحية، يعني الآن الأمر إيماني صرف. واضح؟ يعني الآن الإيمان تلقاه هذا الرجل الشريف وأثمر فيه هذا النوع من التضحية. هذا النوع من التضحية. طبعاً كان رد عبد الرحمن بن عوف كذلك شريفاً، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، بل دلني على السوق.
الآن، كيف رجل للتو أسلم، ثلاث سنوات فقط أو سنتين، يصنع مثل هذا الأمر؟ لماذا الكثير من الناس ما يصنع هذا الشيء؟ يعني مثل هذه التضحية تحتاج إلى 20 سنة حتى يتجرد الشخص من هواه، وحتى يصل إلى درجة عالية بالتضحية إلى آخره، حتى تكون نفسه منقادة له انقياداً قويّاً. صعب أن النفس تنقاد لك في البداية، صعب جداً، إلا إذا كان الأمر عبارة عن هكذا اندفاع ثم بعد ذلك يكون نندم، نعم هذا يكون من الكثير من الناس.
لكن هذا الموقف ليس من هذا القبيل. النفس تنقاد لك بمعنى أنك تستطيع أن تسوس نفسك، وأنك تضحي بما لا يضحي به الناس عادةً، ولا تندم على هذه التضحية. هذا ما يكون بسهولة ويسر. إذاً هنا نسبة الاستجابة أو خلوص النفس مما تريده من ميول النفس كانت عالية جداً. بمعنى الآن الإيمان دخل، لما دخل الإيمان يتصارع مع ميول الإنسان، ميول الإنسان النفسية، يتصارع مع عاداته وتقاليده، يتصارع مع أعرافه، يتصارع مع ما تلقاه الإنسان في الصغر، يتصارع مع أشياء كثيرة جداً ومع هوى النفس الذي كل إنسان يوجد عنده، فيدخل الإيمان فتحدث عملية المصارعة ما بين هوى النفس، ما بين الأعراف، ما بين كل ما تتعلق به النفس، وكذلك مع الإيمان الآن يكون الصراع.
فالإيمان يدخل تدريجياً، ويبدأ الإيمان تدريجياً ينقي نفس هذا الشخص. ففي كل سنة المفترض أن الشخص يرتقي، لذلك يعني عبادة رمضان، طيب نزلت رمضان في السنة الثانية من الهجرة وبقية العبادات لماذا؟ كلها من أجل التقوى. طيب هذه التقوى كيف تكون؟ التقوى تكون مع المجاهدة، يعني تحتاج عملية قوية مع النفس حتى ترتقي وترتقي وترتقي هكذا. فصعب جداً أن يكون انقياد الشخص في السنة الأولى مثل شخص انقاد في السنة العاشرة.
صعب أن يكون شخص انقياده هو الآن في السنة الأولى، واحد ثاني دخل بعد 10 سنوات، هل ستكون استجابة الذي دخل بعد 10 سنوات مثل الأول؟ هذا صعب جداً. لماذا؟ لأن هذا في عملية مستمرة، هذا كل يوم يجاهد نفسه، فهو يرتقي تدريجياً حتى نفسه تصل لدرجة عالية من الخلوص من الهوى وما تتعلق به النفس عادةً. لكن مباشرة بس هكذا أسلم انقاد سلم، ولم يعد يحتاج أن يصالح نفسه مصالحة شديدة، هذا لا يمكن أن يكون بالعادة.
بمعنى الآن شخص دخل في محضر أو التزم أو تدين يريد أن يعمل إسلام عمره 20 سنة. هذا الإنسان طبيعي جداً لما دخل الآن هو دخل مع هو محمل بما تعلمه في الـ 20 سنة، أو منذ عقل من قريب هكذا من أكثر من 10 سنوات ومع شهواته مع ميوله إلى آخره، فطبيعي أن الآن تدينه يكون تدين صح أنه حر الدين، لكن الهوى هو المحرك الحقيقي، أو بمعنى أصح النفس، العرف، ويكون أخذه للدين أخذ ظاهري ليس أخذ باطني، هذا أمر طبيعي.
لكن مع النفس يبدأ الإنسان يتعلم مع الوقت، يبدأ الإنسان يجرد نفسه ويبدأ يتعلم، فيبدأ يصبغ تدريجياً بالإسلام، ويصل الإسلام إلى القلب ثم يثمر بعد ذلك ما يثمر في الناس. المشكلة اليوم الناس يأخذون الإسلام الظاهر ما يأخذون الباطن. يعني المرأة تأتي ممكن تلبس النقاب، ممكن تستر وجهها وكفيها إلى آخره، طيب هذا مهم جداً لكن هذا بالأصل ترى ثمرة، يعني لا نخلط بين المنازل والمراتب.
كذلك اللحية وتقصير الثوب هذه سنة عظيمة عن النبي عليه الصلاة والسلام، أملك فيها أسوة، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كثف اللحية عليه الصلاة والسلام. لكن هذا ثمرة الإيمان. ليس معنى هذا أن الشخص يخل بحجة أنه ما عنده الإيمان، لا، نتمنى يكون ترتيب واضح. لكن أقصد الآن لو عندنا الآن رجلين، شخص ملتحي ومقصر ثوبه وامرأة كذلك منتقبة وتلبس لباس شرعي كامل، وفي المقابل شخص آخر غير ملتحي ولكن يحب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، والأول لا، عنده الهوى هو المحرك، الثاني أفضل، الثاني أفضل عند الله سبحانه وتعالى.
لكن ليس معنى هذا أن الشخص يقول، لكن الشخص يجمع يأخذ الإسلام كله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]. لا تأخذوا شرعاً وتتركوا شرعاً، لا تفعلوا فعل اليهود.
هنا سعد بن الربيع الإسلام تمكن من قلبه، يعني هذا الرجل الإسلام لما بايع النبي عليه الصلاة والسلام هو بايع بيعة حقيقية ليست بيعة مزيفة. هو لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى على الإيمان، ثم بعد ذلك البيعة الثانية على القتال، وأنه مستعد أن يضحي بالإسلام، هذا هو الذي كان يعمل فيه. هذا ليس كلام يقال كلام شاعري أو كلام هكذا وعظي مجرد من غير أن يتبعه عمل حقيقي، هذا موجود عندنا في العصور المتأخرة، لكن هذا ما هو موجود عند الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ومن كان على شاكلتهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
هؤلاء لما يبايع، خلاص، أنا لم يعد لي حق الآن، الآن أجاهد نفسي حتى تصل نفسي إلى درجة الاستجابة التامة والكاملة، حتى يعطيني الله سبحانه وتعالى هذه الكرامة، حتى الله يمن علي بأن تنقاد نفسي للحق انقياد طوعي من نفسي هكذا، لا تميل إلا لمراد الله سبحانه وتعالى.
لذلك لما ابن مسعود استنكر لما جاءت امرأة بني أسد وقالت له رضي الله عنه وأرضاه إن بعض أهلك يفعلونه، لما قال: لعن الله النامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قالت: إن بعض أهلك يفعلونه. قال: ادخلي. فدخلت فنظرت فلم تجد شيئاً فخرجت. قالت: ما وجدت شيئاً. فقال لها كلمة عظيمة: لو كانت كذلك ما جامعتنا. مستحيل أني أجتمع مع امرأة في بيت واحد وهي تفعل هذه الكبائر، لأن الإسلام كان عندهم حقيقة عبارة عن عمل، ليس عبارة عن كذا هكذا فقط عبارة عن جدل. لم يكن بهذه الطريقة، هم أولى الناس في التطبيق.
لذلك هو لما مد يده وصافح النبي عليه الصلاة والسلام، هذه المصافحة لها لوازم، ليست كلمات تقال وهكذا، مد يده فقط خلاص لا، إنما يتبع هذا تطبيق. وهو استمر حتى وهو في النزع الأخير رضي الله عنه وأرضاه.
فههو الآن فهم هذه الأخوة الإيمانية قبل الأخوة النسبية، خلاص، هو الآن خرج من كونه من الخزرج إلا بالانتساب فقط، خرج من كونه من هذا وأن والده فلان وأنه يرجع إلى كذا، خرج، هو الآن أخي هذا عبد الرحمن بن عوف هذا قرشي، هو أخي، هو أولى الناس بي وهو أولى الناس به، فهو يريد أن يصل إلى الذروة في تحقيق هذه الأخوة، ليس إلى الـ يعني هو لا يريد الآن أن يفعل كما يفعل أكثر الناس، لا، الإيمان يعمل فيه.
يعني لما ندخل في جوف سعد بن الربيع وننظر إلى عقله وننظر إلى تفكيره وننظر إلى تحرك نفسه، نجد سعد بن الربيع خلاص، هو الآن يعيش سعد بن الربيع آخر غير سعد بن الربيع الأول الذي كان يعيش في يثرب وكان قتال بين الأوس والخزرج واليهود، هذا كله خلاص هو لا يفكر بهذا، يفكر الآن أني أنا بايعت هذا الرجل عليه الصلاة والسلام وصافحته، إذن هذه البيعة لها ثمرة ولابد أن يقوم بتحقيقها، وأن يحقق هذه البيعة، والله ينظر إليه ويستحضر هذه المعاني عنده، وهو خلاص الآن عبد آخر.
فهنا فعل هذا الفعل الذي ما يفعله الإنسان، يعني تمكن الإيمان من قلبه كان تمكناً قويّاً ليس تمكناً عاديّاً، وهذا دليل على صفاء هذا الإنسان، وهذا الصفاء هو الذي أورثه هذا الصفاء وتلقي الدين مباشرة ثم حمل النفس وقصرها هو الذي يجعل مستنقذ الإنسان، فالإنسان يضحي بكل ماله وما عنده مشكلة ويشعر بأنها هذه قربة وهي قربة حقيقية، ولا يندم، ولا يندم بأنه فرط بكذا. هذا النوع من الناس لا يندم على شيء من أمور الدنيا. شوفوا، يعني واحد يفوته شيء معين من أمور الدنيا مال مثلاً، منصب، جاه، شهادة إلى آخره، هذا ما يتأثر، هذا النوع من الناس لا يمكن أن يتأثر بأمور الدنيا، لأن هذا عنده أهم شيء إني كيف أنا تكبيرة الإحرام متى كيف ما تفوتني، كيف أنا الآن أقدم هذا الموقف، أنفق هذا المال، هذا هو الذي يندم عليه، أما الأمور الدنيوية هذه ما يفكر بها ولا تخطر له في بال.
إذن هذا الأمر المتعلق بالتضحية، هذا النوع من التضحية نوع يدرس ونوع يتنافس عليه. أنا شخص يضحي بهذه الطريقة، أنا ما أقصد نفس التضحية لكن أقصد نوع التضحية. يعني إيش؟ يعني شخص يضحي بما لا يضحي الناس به عادة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله». فلما ذكر الثلاثة الذين يحبهم الله قال: «رجل أتى قوماً فسألهم بالله»، سألهم بالله وما أعظم السؤال بالله، فلم يعطه أحد شيئاً ولم يسألهم بقرابة بينه وبينه. طيب الآن ما في أحد قام، لماذا؟ ما قال أنا بن فلان، أبداً ما سألهم بهذا الشيء. قال: «فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرّاً، لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه». هذا واحد بس تعظم هذا السؤال، السؤال بالله سبحانه وتعالى، ولكن كذلك ما أراد أن يعطيه أمام الناس حتى يكون خالص الموقف بينه وبين الله سبحانه وتعالى، فخرج وأعطاه، هذا يحب الله سبحانه وتعالى.
سعد بن الربيع هو هكذا من هذا النوع، أنا هذا أخي خلاص دام أخي إذن ما يصح أن أتركه هكذا. طيب يعني إيش؟ يعني ويـ لا ليس فقط أوي بل أنا أعطيك كذا وكذا وكذا. هذه الأخوة في الله، هذه الأخوة الحقيقية. طيب كيف تمكنت من هذا الإنسان؟ لصدق هذا الإنسان ولسفاء هذا الإنسان، والله ينظر إلى تحرك قلبك.
شوفوا يا شباب، إيش؟ يعني إنسى نظر الناس، إنسوا نظر الناس ولا تبالوا به كثيراً ولا تلتفتوا إليه، ولكن انظر فوق إلى السماء، دائماً انظر إلى السماء. الآن ما الذي يقال عنك في الملأ الأعلى؟ الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى شكلك، ما ينظر إلى جمالك، ما ينظر إلى مالك، ما ينظر إلا إلى منصبك وجاهك إلى آخره، هذا كله ما ينظر الله إليه ولا يبالي به سبحانه وتعالى، ولكن هذا القلب ينظر إلى قلبك وإلى عملك، قلبك هذا كيف هو؟ هل أنت لما قمت الآن وتكلمت وحدثت وذكرت وأرسلت إلى آخره، الله يعلم أنك لا تريد إلا هو؟
هنا يعينك الله سبحانه وتعالى، هنا يوصلك الله إلى مراتب بالتضحية ما تستطيع أن تصل إليها بجهدك ولا بجهادك، شوف ما تستطيع، لكن هنا لما القلب دائماً يكون مصفى، دائماً القلب يكون لا يريد إلا الإسلام، والله سبحانه ينظر إلى هذا العبد الذي ينفعل ويجاهد نفسه على الانفعال لتنفيذ أحكام الله سبحانه وتعالى وإقامتها، وهو لا يبالي إلا بما يريد الله فقط، ولا لا يريد شيء، فقط يا ربي أنت راضي عني؟ خلاص، إذا أنت راضي أنا راضي، أنا لا أريد إلا رضاك.
هذا الإنسان هو الذي يعطى، هذا الإنسان الله سبحانه وتعالى يكرمه بأن تنقاد نفسه له، فيبدأ يعمل أشياء الناس يتعجبون كيف عمل؟ هو ليس هو الذي عمل، الله هو الذي أكرمه. هو ما يستطيع لنفسه، هو جاهد في مرحلة معينة، لكن بعدها الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه.
فسعد بن الربيع هذا لما هاجر، يعني أنا أفكر أقول مرات أقول هو الآن لما ذهب إلى المدينة إلى مكة مع قومه، هو بماذا كان يفكر؟ يعني المرة الأولى، المرة الثانية، المرة الثالثة، ثلاث مرات، هذه المرات الثلاث ايش كان يفكر فيه وهو ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والله ينظر إلى هذا المشهد، يعني اجتماعهم مع النبي عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة الأولى، الله سبحانه وتعالى ينظر إلى هذا المشهد، هذا الرجل من بينهم، وهذا لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم ويبايعهم على الإيمان، البيعة المذكورة في سورة الممتحنة، هذه الكلمات، نحن كلنا نحفظ سورة الممتحنة، لكن هل البيعة هذه نفسنا نعيشها؟ هو لما كان يسمع من النبي يسمع هذه البيعة كيف كان يدخل الكلام إلى جوفه؟ ثم هو لما قام ورجع إلى يثرب في ذلك الزمان المدينة بعد ذلك، هو يفكر بماذا؟ السنة هذه كلها كيف عاش سعد بن الربيع؟ يعني كم مرة جاهد نفسه؟ وكيف قضى هذه الأيام؟
في المجاهدة وتحقيق العبودية، وخلال واحدة رجع بايع على القتال ومستعد أن يقاتل ويفارق الجميع، والله يعلم بأنه صادق. هو ما قال هذا الكلام قول هكذا مجرد، إنما نفس قلبه كان مطابقاً لما يقوله اللسان وما تصنع اليد من المصافحة؛ يعني مصافحة اليد مع قول اللسان، هذه كلها كانت مطابقة لما هو موجود في قلب هذا الرجل الشريف رضي الله عنه وأرضاه ومن كان معه من الأنصار.
إذن هذه التضحية مثل ما ذكرت هذه مرتبة عالية؛ لأن سعد بن الربيع في هذه المدة الزمنية التي اختبر فيها إيمانه، هو جاهد نفسه قطعاً مجاهدة قوية. وهذه المجاهدة القوية هي التي أثمرت أن يمن الله عليه بهذا النوع من التضحية التي لا يستطيع الإنسان عليها لو طلبت منه مباشرة، ليس هو من نفسه فقط يفعلها لو طلبت منه ما يستطيع. وفارق يعني لما يطلب منك الأمر ستجاهد نفسك على فعله، لكن لما تفعله من نفسك هاهنا يكون الأمر أقل، وهذا طبيعي في الإنسان، هذا أمر طبيعي في الإنسان.
الآن الوالد جالس، الوالدة جالسة، الابن من نفسه يقوم يأتيهم بالماء. هذا أمر عالي، لكن لما يقول الوالد: يا فلان قم وأتني، سيقوم، لكن بالأولى هل سيفعل أم لا يفعل؟ واضح الأمر؟ كذلك هاهنا. كذلك هو من نفسه، يعني هنا لم يطلب منه، هو من نفسه بادر. هذه المبادرة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، وهذه مرتبة عالية كرامة من الله لصدق هذا الإنسان.
فالإنسان هذا في مدة الاختبار الزمنية جاهد نفسه مجاهدة حقيقية، لذلك يا شباب خطر، خطر كبير جداً أن شخصاً ما يتقدم في نصرة الإسلام. نحن كل يوم مختبرين، كل يوم، اليوم الآن نحن في هذه الساعة، الله سبحانه وتعالى اختبرنا في اليوم هذا كله، كم نسبة المجاهدة عندنا؟ ماذا فعلنا؟ هل قمنا وأدينا؟ هل فعلنا؟ هذه ترقيك درجة، ليس درجة على حسب، بل على حسب مجاهدتك. بعض الناس في سنة واحدة تكون مجاهدته جداً قوية وتضحيته جداً عظيمة، فالله يعطيه شيئاً ما يعطيه آخر عشر سنوات؛ لأن هذا يأخذ شيئاً سريعاً.
يعني مثال ذلك مثال الشخص الذي يتاجر، بعض الناس الدينار ممكن يحصل منه دينارين، أما أخذ دينار وخسر منه عشرة. طيب هذا سنة وهذا سنة، هذا يملك الآن مثلاً عشرة آلاف وهذا عنده ألفان، طيب لماذا عشرة آلاف وهذا ألفان؟ هذا مثال. هنا في الإيمان كذلك، مع الفارق طبعاً هذا متعلق بالإيمان. هذا الشخص يجاهد نفسه، يقوم يفعل، والله يختبره، هو يقوم يفعل، تقع عنده مشكلة، يقوم يجاهد نفسه عليها وهو فقط تفكيره كيف أن أحقق مراد الله. في البداية ممكن ينفلت منه هذا التفكير، لكن هو يجاهد نفسه عليه، يعني الآن لما تقع عندك مشكلة مع أحد الأشخاص، أول شيء تقوله: ما الذي يريد الله مني أن أفعله؟ أو نفسك التي تقودك؟ إذا كنت تريد تقول كثيراً، ما الذي يريد الله مني؟ الآن ماذا يريد الله مني؟ في كل موقف الله له عبادة معينة يحبها منك، إذا كنت بهذه الطريقة هنا الآن يعطيك الله سبحانه وتعالى ما لا يعطي غيرك، ولا يصل إليه الناس عادةً، إنما يُصطفى من قبل الله سبحانه وتعالى، هل لأن هذا الشخص يجاهد ويجاهد ويجاهد؟
فهنا سعد بن الربيع في خلال هذه السنوات سنتين، هذا الرجل يعني من بيعة العقبة الأولى والثانية هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الرجل صادق في السنتين هذه مدة الاختبار أو الثلاث. هذا الصدق هو الذي جعله يفعل هذا الأمر، هذه التضحية إياكم أن تظنوا بأنها فقط من قبل سعد هكذا، لا، إنما هي إعانة إلهية عظيمة وكرامة ربانية حتى يسجل التاريخ اسم هذا الرجل. ولكن هو ما وصل إلى هذه الإعانة العظيمة والتضحية الباهظة التي ما يفعلها الناس ولم يذكر أصلاً في التاريخ أن رجلاً ضحى بهذه الطريقة، خاصة عند العرب الذين ما تألف نفوسهم أن يفعلوا مثل هذا. المال نعم، لكن أن يزوج إحدى زوجتيه، هذا صعب جداً، حتى في زماننا هذا لا يستطيع شخص أن يفعله، فكيف في ذلك الزمان الذي كان عندهم الأمر يعني جداً قوي؟ ولكن هذه كرامة وهذه عطية من الله سبحانه وتعالى لأمثال هؤلاء الذين صدقوا مع الله سبحانه وتعالى.
إذن هذا الموقف الثاني المتعلق بسعد رضي الله عنه، وهو الكرم والجود، وكذلك تحقيق المؤاخاة والتضحية. الموقف الثالث المتعلق بيوم أحد، لكن قبل هو شاهد بدر، هو شاهد بدر، إذاً هو ممن يصدق عليه حديث: «لا تدري يا عمر، لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، أو قال: «فقد وجبت لكم الجنة». وأهل بدر فيه ميزة مشتركة، وهي أنهم كانوا في الذروة في المبادرة، مثل ما ذكرنا في قصة عباد بن بشر رضي الله عنه وأرضاه. فهم كانوا في الذروة، موقف بدر ما كان موقف إلزام، إنما موقف فقط متعلق بالمبادرة، يعني كأن بدر أصبحت المعركة بهذه الصورة حتى يميز الله سبحانه وتعالى الذروة، حتى يميز الله سبحانه وتعالى ويستخرج من مجموع من آمن مع النبي عليه الصلاة والسلام صفوة الصفوة.
لذلك الله سبحانه وتعالى يوم بدر عظم تعظيماً كبيراً، ومن على هذا القسم من الناس؛ لأن هؤلاء صدقوا مع الله سبحانه وتعالى صدقاً عَالياً، هؤلاء ما احتاجوا أن يذكرهم أحد، إنما من يريد أن يخرج معنا يخرج. خرجوا، دام مع النبي عليه الصلاة والسلام سنخرج، ولا بد أن تقع في كل زمان مثل هذه الحوادث، لا بد أن تقع في كل زمان مثل هذه الحوادث التي من خلالها يميز هذا القسم النقي والصافي جداً من النص.
موقف أحد: النبي عليه الصلاة والسلام بعد ما وقع ما وقع للصحابة، وكذلك قبلهم، النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد افتقد النبي عليه الصلاة والسلام مجموعة من أصحابه، ويقول ابن هشام: فزع الناس لقتلاهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟». فقال له رجل من الأنصار، يقال بأن هذا الرجل هو محمد بن مسلمة، ويقال بأنه ابن أبي بن كعب، ويقال بأنه زيد بن ثابت، ذكر ابن القيم في زاد المعاد. ومنهم من يقول مثل ما ذكر السهيلي أنه محمد بن مسلمة، وذكرها الواقدي.
أن هذا الرجل قال: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد. فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق. وفي رواية السهيلي نقلها عن الواقدي أنه قال: يا سعد بن الربيع، مرةً بعد مرة فلم يجبه أحد، حتى قال: يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني أنظر ما صنعت. فأجابه حينئذٍ بصوت ضعيف. انظروا الآن كيف أن هذا الرجل لما نادى يا سعد بن الربيع هو الآن متعب خلاص ما يستطيع يجيب فما رد، لكن لما قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجابه بصوت ضعيف، هذه المجاهدة الأخيرة.
يعني الآن هو يناديه ويناديه ويناديه ما يرد، خلاص ما يستطيع، هو الآن في النزع، لكن لما طرق سمعه أن النبي عليه السلام هو الذي أرسل، هنا الآن استجمع كل ما تبقى من قوته وأجابه بصوت ضعيف. هذه بصوت ضعيف؛ لأن اسم النبي عليه الصلاة والسلام ذكر، هذه تبلغ بالعبد مراتب عالية بالجنة، هذه ثانية فقط، هذه ثانية هذه تبلغ بالعبد.
إذن هنا قال له، قال: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه السلام أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات. ثم قال: فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خيراً، ما جزى نبياً عن أمته. وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومنكم عين تطرف. ثم لم أبرح حتى مات.
قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره. انظروا كيف الآن هذا الرجل يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام يقول: جزاك الله عنا خيراً، ما جزى نبياً عن أمته. وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومنكم عين تطرف. هذا شخص يقول هذه الكلمات وهو في النزع الأخير، آخر ما تكلم به هذا الصحابي الجليل تذكير الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم بالاستمرار بنصر النبي عليه الصلاة والسلام وعدم مخالفة تلك البيعة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. رضي الله عن سعد بن الربيع وأرضاه.
الموقف الذي يلي هذا الموقف، والله ما أدري كيف يعلق شخص عليه، يعني هذا الموقف هكذا ما يعلق عليه، فقط شخص يقرأه ويتأثر فيه من غير أن يتم التعليق عليه؛ لأن التعليق عليه يضعف قوته على النفس والقلب.
الموقف الذي يليه: سعد بن الربيع لما مات كانت زوجته حاملاً وكانت عندها بنت، فذرية سعد عبارة عن ابنتين. والصديق رضي الله عنه وأرضاه تزوج أخت سعد بن ربيع لأمه، وابنة سعد بن ربيع كانت مقرأة وكانت فقيهة عابدة، وتزوجها زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، وتعرفون من زيد. وسيأتينا إن شاء الله تعالى يعني درس هكذا خاص بإذن الله في الحديث عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه.
وكانت وهي صغيرة تدخل على خالتها زوج الصديق رضي الله عنه وأرضاه. أبو بكر كما تعرفون تزوج امرأة من الأنصار من بني خارجة، وهي بنت خارجة بن زيد. فكانت هذه البنت الصغيرة ابنة سعد التي ما رأت والدها كانت تزور خالتها، فكان الصديق رضي الله عنه وأرضاه يقبلها وهي صغيرة، وكان يقول رضي الله عنه وأرضاه: إنها ابنة رجل خير مني. كان الصديق يضعها على صدره يرشفها ويقبلها، ويقال فقال له رجل ذكر هذا ابن هشام في السيرة: من هذه؟ فقال: هذه بنت رجل خير مني. سعد بن ربيع كان من النقباء يوم العقبة، وشهد بدراً، واستشهد يوم أحد.
هذا كلام من؟ كلام الصديق، ونقل بأن هذا الرجل هو عمر، وكذلك نقل بأن أبا بكر قال: إن هذه ابنة رجل خير مني ومنك. لكن هنا ذكر ابن هشام أنه قال: إن هذه بنت رجل خير مني. من يقول هذا الكلام؟ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. إذاً هذا الرجل له منزلة عظيمة إذا كان الصديق وهو من هو في المنزلة والرفعة والديانة يقول إن هذا الرجل خير مني. وذكر مواقف هذا الرجل شريفة وعظيمة، نقباء، وشهد بدراً، واستشهد يوم أحد. حياة قصيرة ثلاث سنوات تقريبا في الإسلام ولكنها كانت عامرة بطاعة الله سبحانه وتعالى.
بنت هذا الرجل تزوجها مثل ما ذكرت زيد بن ثابت، وهي يقال لها أم سعد، أم سعد بنت سعد بن ربيع، وكانت مقرأة كزوجها. والله سبحانه وتعالى حفظ هذه الذرية، إلى أن نأتي سعد بن الربيع وننظر إلى حاله وكيف أنه مات رضي الله عنه وأرضاه أو قتل يوم أحد، وكيف أصبحت ذريته بهذه الطريقة. طبعاً هو أسرته كلها أسرة مباركة، وأخته يتزوجها الصديق، وبنته يتزوجها زيد بن ثابت، وتصبح بهذه المرتبة العالية.
لا شك بأن المجتمع كان مؤثر، وكذلك زيد رضي الله عنه وأرضاه كان صحابياً جليلاً وكانت له أثر كبير على ابنة سعد، ولكن هذا الأمر القدري الإلهي الذي يكون لبنات صالحين ولأبناء صالحين، لا بد أن لا نغفل أثر الأب فيه. بمعنى الله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82]. الآن القرية كلهم لئام، كلهم لئام، لماذا بالذات هذا البيت حفظ؟ لأن الأب كان صالحاً. إذن صلاح الأب مؤثر تأثير عظيم جداً بصلاح الذرية.
فسعد بن الربيع الله سبحانه وتعالى حفظ له أعماله ومن عليه بأن حفظ له ذريته. انظروا كيف هو مات الآن، ولما مات ترك الميراث وجاءت زوجته إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت بأن أخ سعد بن ربيع يريد أن يأخذ أو أخذ المال كله وليس لي ولابنتيه شيء من هذا المال، هذا كله قبل أن تنزل آيات المواريث. فنزلت آية الفرائض وأمر النبي عليه الصلاة والسلام أخ سعد بن ربيع بأن يعطي الابنتين الثلثين والزوجة الثمن والباقي كله.
القصد أن الآن هاتين البنتين من الذي حفظ لهما الدين؟ الله سبحانه وتعالى. طيب لماذا حفظ دين هاتين البنتين؟ لكرامة لهذا الرجل الصالح. فهنا الإحسان في العبادة أعظم ما يورث الأب للأبناء. وكان يقول أحد التابعين رضي الله عنه وأرضاه، كان يقول: يا بني، إني أزيد في صلاتي من أجلك، إني أزيد في صلاتي من أجلك. فيصلي ويزيد من الصلاة ويكثر من العبادة حتى يحفظ هذا الابن، حتى تنزل البركة في هذا البيت، وبيوت هؤلاء مباركة، بيوت هؤلاء معها ملائكة أو فيها ملائكة. هذه البيوت التي بها الملائكة، الملائكة تكون بها قوية.
ليست مثل البيوت التي لا توجد بها ملائكة. وهذا طبعاً من الأسباب القوية جداً، أن يكون في البيت رجل صالح، هذا الرجل الصالح إذا كانت له ذرية الله سبحانه وتعالى يعينه على هذه الذرية إذا حقق العبادة لله سبحانه وتعالى.
ومن الأخطاء الكبيرة جداً والشنيعة في هذا العصر، والمشكلة أنها وصلت حتى عند عامة المتدينين، أنهم يظنون بأن التربية عبارة عن هكذا جلوس كثير مع الابن وتلقين كبير، هذا نوع من أنواع التربية أو سبب من أسباب التربية، لكن ليس هذا هو السبب الوحيد، أقوى من هذا وأعلى من هذا وأهم من هذا دعاء الله سبحانه وتعالى.
دعاء الله سبحانه وتعالى وإحسانك في عبادتك هذا كله يؤثر في أبنائك، وليس معنى هذا أن الشخص يخل في تربية أبنائه المتعلقة بالعيش معهم أو تعليمهم إلى آخره، فالإسلام أمر الأب بأن يعلم ابنه وأن يأمره مثلاً بالصلاة وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ولكن قصدي عدم ضبط الموازنة أو عدم ضبط الترتيب.
لما تحسن مع الله سبحانه وتعالى الله يحفظ لك أبنائك. استودعهم الله سبحانه وتعالى، إذا استودعت الله شيئاً الله سبحانه وتعالى سيحفظه لك. هنا سعد ضحى وبذل، فالله سبحانه وتعالى حفظ له هذه الذرية، وأصبحت هذه الزوجة صالحة لزوج صالح، وأنشأوا أسرة صالحة، وحفظوا المجتمع الصالح كلها بمثل هذه البيوت، إذاً نواة هذا المجتمع ترى عبارة عن أفراد.
مجتمع المدينة عبارة عن أفراد بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء الأفراد نتجت منهم الذرية الطيبة الصالحة فحفظت المدينة إلى زمننا هذا. انظروا كيف الآن كيف النواة، كانت النواة نواة المدينة ترى عبارة عن مجموعة قليلة من الأنصار، أسلموا وآمنوا بركة هؤلاء، بركة الدعوة، التحرك صنع البيت المبارك.
البيت المبارك هذا قتل الأب، ذهب الأب، الأب ما كان كثيراً مع ابنه، بل لم يرى ابنته هنا، الله سبحانه وتعالى يحفظ لك هذه البنت، ويزوجها من رجل صالح، وهذا الرجل صالح يؤثر في هذه البنت فتكون العملية هكذا تكاملية. ويستمر المجتمع بهذه الصورة وهذه الطريقة لوجود البركة الكبيرة الكبيرة فيه.
إذاً هذا ما يتعلق بسيرة سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري