الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا يا كريم. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السابع من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد بالمستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن ينفع بها قائلها وسامعها ومن قام عليها ونشرها.
إخواني وأخواتي، كنا قد ابتدأنا هذا المستوى الرابع بالحديث عن المعاملات، وتحدثنا عن بعض قواعد المعاملات، ثم تحدثنا عن عقد مهم من عقود المعاملات ألا وهو عقد البيع. عقد البيع يندرج تحت نوع من أنواع عقود المعاملات يسمى عقود المعاوضات.
ولاستذكار سريع، نقول إن المعاملات قد تكون معاوضة بين طرفين، بحيث يدفع أحد الطرفين شيئًا يقابل شيئًا يدفعه الطرف الآخر، هذا يسمى عقد معاوضة. وقد تكون عقود المعاملات من جهة واحدة، ليست قائمة على المعاوضة بين طرفين، مثل عقود الهبة، أو المنح، أو التبرع، أو مثل عقد الضمان؛ فعقد الضمان ينعقد من طرف واحد بأن يضمن أو يكفل شخصًا آخر.
إذاً، هذه عقود قد تكون من طرفين وقد تكون من طرف واحد. العقود التي من طرفين فيها شيئان متقابلان غالبًا تسمى عقود المعاوضات. وعقود المعاوضات تتنوع بحسب أشكال هذه المعاوضة، وبحسب مواعيد التسليم فيها، وبحسب الشيء الذي تمت عليه المعاوضة. بينا من قبل أن عقد البيع هو معاوضة بين ثمن ومثمن.
اليوم إن شاء الله تعالى في هذا اللقاء سوف نستعرض، ونبدأ حديثنا عن عقد الإجارة. عقد الإجارة لا شك أنه من العقود المهمة المنتشرة انتشارًا كبيرًا عند الناس، لذلك من المهم على طالب العلم وطالبة العلم أن يفهموا عقد الإجارة وأن يفهموا أركانه وشروطه لانتشاره.
ما هو عقد الإجارة؟ هو معاوضة على منفعة على وجه مؤقت. دعونا نستعرض حقيقة الإجارة من خلال مقارنة بسيطة بينها وبين عقد البيع. عقد البيع عقد معاوضة يدفع فيه أحد الطرفين ثمنًا ويدفع فيه الطرف الآخر مثمنًا أو سلعة. أما عقد الإجارة، فيدفع فيه أحد الطرفين أجرة -وهي ما يقابل الثمن- ويدفع الطرف الآخر منفعة.
ما الفرق وما الشبه بين عقد الإجارة وعقد البيع؟ نلاحظ أنهما يشتركان في كونهما عقد معاوضة؛ فكلاهما عقد معاوضة، ليس أحد من هذين العقدين عقد هبة أو تبرع أو منحة أو شيء من هذا، بل في عقد معاوضة ومبادلة بين طرفين. لكن يختلفان في نوع هذه المبادلة؛ فالبيع مبادلة على وجه التمليك للطرف الآخر للشيء الذي تمت المبادلة فيه. فمثلاً لما أبيعك هذه السيارة، فمعنى ذلك أن ملكية هذه السيارة قد انتقلت إليك انتقالًا مؤبدًا تامًا، ثم بعد ذلك أنت لك حق التصرف فيها بالبيع أو بالهبة أو بالإيجار أو بغير ذلك.
أما عقد الإجارة، فما الذي تتم عليه المعاوضة؟ تتم المعاوضة على منافع الأعيان دون انتقال ملكية العين نفسها إلى الطرف الآخر. فإذا أجرتك هذه السيارة، فمعنى ذلك أن المعاوضة هل حصلت على نفس عين هذه السيارة وانتقلت ملكيتها؟ أم على منافعها؟ ولا زالت السيارة مملوكة للشخص المؤجر. نقول: الثاني، لا زالت السيارة مملوكة للشخص المؤجر وانتقلت فقط إلى الشخص المستأجر منافع العين؛ معنى أنه يستطيع أن يستخدم هذه السيارة وأن يركبها وأن يذهب بها وأن يسير بها وأن يتجول بها، انتقلت إليه المنافع فقط، لكن عين السيارة التي أجرتها لا زالت مملوكة لي أنا المؤجر.
لاحظتم الفرق؟ إذاً هذا فرق أساسي بين البيع والإجارة؛ فالبيع فيه معاوضة على نفس العين، معاوضة تمليكية على وجه التأبيد، وأما الإجارة فهي معاوضة على المنافع، معاوضة مؤقتة؛ بمعنى أني أقول: لك منافع هذه السيارة لمدة سنة، أو لمدة شهر، أو يوم، أو يومين أو ثلاثة، حسب ما نتفق عليه. إذاً هذا فرق مهم، يمكن أن نقول إن البيع يكون فيه التمليك على وجه التأبيد، وأما الإجارة فيكون التمليك فيها على وجه التأقيت للمنافع دون الأعيان.
لذلك، إذا فهمنا الفرق بين عقد البيع وعقد الإجارة، قد يقول قائل: أليس كلا العقدين مباحين؟ نقول: نعم، ولكن نحن نبحث هذه الفروق لمعرفة الشروط والأحكام المتعلقة بها. ومن المهم لنا أن نبين أننا عندما نستعرض هذه العقود ليس معنى ذلك أنه لا بد ألا يتعاقد الناس إلا بهذه العقود؛ فكل العقود التي يستحدثها الناس فيما بينهم كلها مباحة ما لم يقع فيها شيء من قواعد التحريم.
وقد قررنا هذا الأصل في بداية المستوى الرابع، وقلنا إن الأصل في معاملات الناس وعقودهم وانتفاعاتهم هو الإباحة، إلا ما حرمته الشريعة؛ كأن يكون فيها ربا، أو أن يكون فيها غرر، أو أن يكون فيها جهالة، أو أن يكون فيها أكل لأموال الناس بالباطل، وهكذا. هذه هي القواعد المحرمة للعقود، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بعدد من الدروس ما هي تفاصيل هذه القواعد المحرمة والمانعة للعقود المباحة بين الناس.
إذاً، ندرس عقد البيع باعتباره مثالًا مهمًا من العقود التي يتعاقد بها الناس اليوم، وندرس عقد الإجارة باعتباره مثالًا مهمًا لعمل الناس اليوم.
سؤال: ما هي أمثلة عقد الإجارة؟ من أمثلة عقد الإجارة تأجير السيارات مثلاً، وتأجير المنازل -بعض الناس يسميها قراء وبعضنا يسميها إجارة-. ومن أمثلة عقد الإجارة كذلك ما يسميه الناس اليوم بالوظائف، سواء كانت هذه الوظائف في القطاع الحكومي أو كانت في القطاع الخاص. لاحظوا أن تغير المسميات لا يؤثر لأنها كلها حقيقة واحدة؛ فهذا الموظف في القطاع الحكومي يقدم للحكومة منافع، يقدم أعمالًا ومنافع يقوم بها مقابل أجرة شهرية مثلاً، أو أجرة يومية في القطاع الخاص. هذا الموظف يقوم بأعمال، سواء كان الموظف على دوام كامل أو دوام جزئي، أو كان مستشارًا أو أياً من ذلك، فكلها يقدم فيها أعمالًا ومنافع ويستحق في مقابلها أجرة.
أجرة، إذاً هذه كل هذه محكومة بماذا؟ محكومة بعقد الإيجار. فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد الفاصل لاستعراض بعض أمثلة عقود الإجارة في حياتنا المعاصرة.
التعلم في صغرك كالنقش على الحجر، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم؛ فإذا علم الله منه حسن النية وفقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل. ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلقة العلم مع الصغار.
قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، فانظر إلى هذه الهمة العالية. وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبد السلام. ولأن يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط. سُئل مسلم: أيحسن بمثل أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتوحة للراغبين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن باب الإجارة، ما هي أمثلة عقود الإجارة في واقعنا المعاصر؟ حقيقة أن أمثلة عقود الإيجار أمثلة كثيرة، وربما إن كل واحد منا يمارس عقد الإجارة يومياً بشكل متعدد، ولكن قد لا يستشعر أنه يمارس عقد الإجارة، نضرب لذلك بعض الأمثلة.
من الأمثلة مثلاً كما ذكرنا استئجار المنازل، ومن الأمثلة كذلك استئجار السيارات، ومن الأمثلة كذلك الوظائف الحكومية أو الوظائف في القطاع الخاص. الوظائف الحكومية أو الوظائف في القطاع الخاص على أنواع، منها ما يكون العمل فيها محدداً بمدة معينة، كأن يقال إنه يطلب منك الحضور للدوام الساعة السابعة والنصف صباحاً أو الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الثانية والنصف مثلاً، أو إلى الساعة الرابعة أو الساعة الخامسة ظهراً أو عصراً؛ هذا مثال إذا طلب منك منافع تقدمها في خلال هذه المدة، أعمال تقدمها في خلال هذه المدة. لاحظ أن هذا ليس عقد بيع، يعني هذا الشخص الموظف لا يعتبر قد باع مثلاً شيئاً معيناً على وجه التمليك، وإنما عقد عمل، عقد عمل يقدم منافع وأعمالاً.
هناك مثال آخر، مثلاً الذي يكون العمل فيه ليس مقدراً بمدة من الساعة مثلاً الثامنة للساعة الرابعة، وإنما مقدر بإنجاز أشياء معينة، كأن يقال له أنجز لنا العمل الفلاني؛ مثلاً كأن تذهب إلى شخص كهربائي فتقول له أريدك أن توصل أسلاك وكهرباء البيت، أو أن تصلح الأعطال الكهربائية الموجودة في هذه الشقة أو في هذه العمارة مقابل كذا، فينظر ويعرف العمل المطلوب منه، ثم يقدر فيقول: خلاص أنا أعمل هذا العمل مقابل مئة دولار أو مئتي دولار أو أياً كان، هذا مثال.
من الأمثلة أحياناً يتقدر العمل في الإجارة بمدة ولكن ليست مربوطة بوقت محدد، كأن يقول: أنا أريدك أن تعمل لي ساعة أو ساعتين في اليوم، ولكن أنت مخير؛ أنت تريد أن تعملها في الصباح أو أن تعملها في المساء، لاحظ هذا كذلك إجارة منافع. من أمثلة الإجارة كذلك مثلاً إيقافك للتاكسي وصعودك بسيارة التاكسي ثم إيصالك إلى مكان معين، هذه إجارة، فهو قد قدم لك منفعة التوصيل من مكان إلى مكان مقابل عشرة دولارات مثلاً أو خمسة دولارات أو أياً كان.
من الأمثلة كذلك في عقد الإجارة الاستئجار الذي يكون ما يسمى اليوم وسائل الاتصال، وسائل الاتصال من خلال الجوال مثلاً؛ شركة الاتصالات التي تقدم لك خدمة نقل الكلام، أو التوصيل الصوتي، أو خدمة نقل البيانات مثلاً للإنترنت، تقدم لك خدمة مؤقتة، تقول مثلاً إن دقيقة الاتصال قيمتها مثلاً كذا درهم أو كذا دينار أو كذا ريال، هذا مثال لمنفعة، فأنت الآن تستأجر منهم منفعة بمقدار محدد.
كذلك منفعة البيانات، نقل البيانات كيف؟ مثلاً استخدام الإنترنت، كذلك يتقدر بطريقتين؛ إما أن يقال إنه نقدم لك أو نزودك بالبيانات الإنترنتية مثلاً، الجيجا بقيمته كذا، أو اثنين جيجا قيمتها كذا، أو مئة جيجا قيمتها كذا، هذا من حيث الحجم، أو أن تقدر هذه البيانات من خلال مدة، فيقال لك استخدام يوم مفتوح بكذا، أو يومين بكذا، أو أسبوع بكذا، أو شهر بكذا، أو سنة بكذا، هذه طريقة أخرى في التقدير، لكن ما الذي يقدمونه لك؟ يقدمون لك منفعة خدمة.
من أمثلة الإجارة كذلك خدمة التعليم، فأنت لما تذهب بابنك أو ابنتك إلى المدرسة وتدفع مقابل هذه كأنك تستأجر المدرسة لتعليم الطفل أو الطفلة. من أمثلة الإجارة كذلك مثلاً الاستشارة القانونية لمحامٍ مثلاً، فأنت لما تذهب إلى المحامي وتطلب منه استشارة قانونية أو مرافعة قانونية في محكمة من المحاكم وتقدم له أجرة مقابل عمله، أما العمل هذا فيتقدر بمجمل القضية أو أن هذا العمل يتقدر بكل جلسة بكذا، لاحظتم؟
كذلك لما تذهب إلى الطبيب وتقول أريد الكشف، فيقول الكشفية مثلاً عشرين دولاراً أو بخمسين دولاراً مثلاً أو بخمسين درهماً أو ديناراً أياً كان، هذا يعتبر إجارة في كشف الطبيب على هذا المريض مقابل هذه الأجرة. وعمل الطبيب في المستشفى كذلك هذا عقد إجارة، لماذا؟ لأن الطبيب إما أنه يكون ملتزماً في المستشفى بمدة محددة، كأن يقول أنا أعمل من الساعة الثامنة إلى الساعة الرابعة، أو أنا أعمل ثمان ساعات يومياً أو أربعين ساعة أسبوعياً، والمستشفى يوزع المناوبات بالاتفاق مع الأطباء، ولكنه قد استأجر منهم أربعين ساعة في الأسبوع مثلاً، فيعطيه مناوبة مرة في الليل ومرة في النهار ومرة في العصر بحسب توزيع الجدول المتفق عليه بين الأطباء، هذا عقد إجارة.
أحياناً تكون إجارة الطبيب ليست على جهة الوقت، يعني ما يأتي المستشفى ويقول للطبيب نريد أن نستأجرك مثلاً ساعة أو ساعتين أو أربع أو ثمان أو أربعين ساعة، لا، يقولون على عمل: نريد أن تنجز لنا هذه العملية بكذا، هذه العملية قد تستغرق ساعة أو ساعة ونصف أو ساعتين أو ثلاث، خلاص هم اتفقوا معه على إنجاز مهمة وعمل محدد، إذا لاحظتم الآن هذه كلها أنواع إجارة.
كذلك من أنواع الإجارة مثلاً الخدم في البيوت، مثلاً لما يكون عند الإنسان خادم أو يكون عند الأسرة خادمة تعمل في البيت، فهي إجارة عند أهل البيت تعمل لهم مقابل مثلاً راتب أسبوعي أو شهري أياً ما يتفقون معها على العمل، وكذلك السائق في المنزل هذا نوع إجارة كذلك، وكذلك من أنواع الإجارة مثلاً تذاكر الطيران، هذا نوع إجارة الإنسان لما يسافر مثلاً من أي بلد إلى جدة لأجل الحج مثلاً.
فهو الآن يركب الطائرة ويدفع تذكرة مقابل هذه التذكرة، هل هي إجارة؟ هل هي مقابل المبلغ الذي دفعه، ونفترض مئة دولار أو مئتين درهم أو دينار أو ريال، هل هو في هذا المقابل هذا؟ هل اشترى طائرة؟ ما اشترى طائرة.
ما الشيء الذي حصل عليه؟ حصل على منفعة، حصل على منفعة وهي خدمة النقل بالتاريخ المحدد في يوم كذا، ساعة كذا، في الدرجة الأولى أو في الدرجة السياحية، فقدمت له هذه الخدمة من هذا البلد إلى هذا البلد.
هنا تنبيه أريد أن أنبهكم إليه، لاحظوا أن هذه كلها تندرج في عقد الإيجار من حيث الحقيقة؛ لأنها معاوضة على منافع أو أعمال، لكن في ألفاظ الناس ما يسمونها إجارة. بعضهم يسميها إجارة، وبعضهم يسميها قرضًا، بعضهم يسميها وظيفة، وبعضهم يسميها عملاً، وبعضهم يسميها شراءً. مثلاً أنت في خدمة الطيران تقول: اشتريت تذكرة، أمر الشراء يعني هذا لفظ منك أنك تقول اشتريت تذكرة، ولا في واقع الأمر هي إجارة. لفظ "اشتريت" لا يجعلها من عقود البيع.
هذه قضية مهمة، العبرة عندنا بالحقائق والمعاني، فلذلك لما تقول والله أنا اشتريت التذكرة الفلانية، ما فعلت إلا أن استأجرت منفعة، وهي منفعة النقل في الرحلة المحددة من كذا من بلدة كذا إلى بلدة كذا على الدرجة المحددة التي اخترتها. إذاً هذه كلها، ولما تقول والله أنا مثلاً في الاتصالات اشتريت باقة الاتصال كذا وكذا، فالحقيقة ما اشتريت باقة الاتصال، أنت استأجرت هذه إجارة. إذاً أحياناً من المهم لنا أن ننظر للحقيقة؛ إذا كانت المعاوضة على منفعة أو على عمل أو على خدمة فهذه إجارة، لذلك لا بد أنها تنضبط بعقود الإجارة وبأركان الإجارة وبشروط الإجارة التي سوف نذكرها الآن إن شاء الله تعالى في سلسلة دروسنا هذه.
وإن سماها الناس فيما بينهم وظيفة، ولا شراء تذكرة، ولا شراء باقة اتصال معينة، أو شراء باقة بيانات، المسميات هذه تتغير من زمن لزمن ومن بلد لبلد وتختلف، لكن العبرة دائماً عندنا في الفتيا الشرعية، وفي التحليل الشرعي، وفي القضاء الشرعي، وفي العمل الشرعي، العبرة بالحقائق وليست العبرة بهذه المسميات التي جعلها الناس أسماء لهذه العقود. فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.
فستاني، وظائف، وأعمال، شاشات، وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة، فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات، فيجب الإقلاع عنها فورًا، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم؛ فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر، ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري.
ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهابًا وإيابًا في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات، واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والهواتف الذكية، والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي، وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم. وفي الحديث: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا». فاعمل للآخرة يكفيك الله هم الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة».
بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. نتابع حديثنا معكم عن عقد الإجارة. ذكرنا حقيقة الإجارة وذكرنا بعض الأمثلة المعاصرة التي نعيشها يوميًا في عقد الإجارة، نريد أن نتكلم الآن عن أركان عقد الإجارة. عقد الإجارة كما ذكرنا عقد معاوضة، ومعنى عقد المعاوضة هذا أن ثمة عندنا طرفين أو ثلاثة أطراف أو أربعة أطراف، أياً كان، المهم أنه لا تنعقد الإجارة بطرف واحد، وإنما لابد أن يكون هناك طرفين، لابد أن يكون شيء مقدم من الطرف إلى طرف آخر.
إذاً عندنا العاقدان، وقد ذكرنا في شروط البيع أنه لابد أن يكون العاقد بالغًا عاقلًا رشيدًا، إذاً هذا من الشروط؛ لماذا؟ لأن تصرف السفيه لا يصح، وتصرف الصغير لا يصح، لماذا لم نصححه؟ لمصلحة نفسه لأنه لا يعرف مصلحة نفسه، وإنما أجزنا تصرفه في الأشياء الصغيرة المحقرات مثلاً، لو أراد أن يشتري مثلاً حلاوة أو شيئًا من هذا، لكن الصغير مثلاً الذي عمره سبع سنوات أو ثمان سنوات لا يصلح منه مثلاً يبيع فندقًا أو أرضًا أو عمارة أو سيارة، لكن لو أراد أن يشتري مثلاً عصيرًا أو شوكولاتة أو شيئًا ما فلا إشكال إن شاء الله تعالى.
لاحظوا الشرط الذي قد ذكرناه في عقد البيع نطبق هنا كذلك في عقد الإجارة، فمثلاً يقبل إيجار الصغير في الأشياء الصغيرة، فمثلاً لو أراد أن يستأجر، لنفترض أن هذا الصغير أراد أن يستأجر لعبة، ذهب إلى محل الألعاب ودفع درهماً أو دينارًا مقابل أن يلعب بهذه اللعبة مثلاً، فيما يسميه الناس اليوم محلات الألعاب أو الملاهي أو أياً كان، فدفع هذا الصغير مثلاً دينارًا أو درهماً أو ريالاً مقابل أنه يلعب في هذه اللعبة، سيلعب فيها مثلاً دقيقة أو دقيقتين أو خمس دقائق ثم ينتهي وقت اللعبة، هذا نوع من أنواع الإجارة، استأجر كأنه استأجر هذه اللعبة.
فنقول للطفل الصغير: هل إيجاره تصح؟ نقول نعم تصح لأن هذه أشياء محقرة وصغيرة، لكن هل تصح من هذا الصغير إجارة لمثلاً لنفترض أنه يملك فندقًا ورثه عن والده، الملكية له لكنه لا يزال عمره ثمان سنوات، ربما يأتيه شخص ويقول: ما رأيك يا بني أن توقع هذا العقد، عقد إجارة الفندق، ومقابل أن يعطيك هذه الشوكولاتة مثلاً لتأكلها، الطفل الصغير ما يعرف هذا الكلام، فلذلك لا يصح تصرفه، تصرف الصغير السفيه لا يصح تصرفه حتى يبلغ ويرشد، لكن نحن نصحح تصرفه في هذه الأشياء المحقرة بناءً على أنها ليست قيامًا للناس، فلذلك يجوز بناءً على أنه يبتلى ويختبر ويعود شيئًا فشيئًا.
إذاً من أركان الإجارة العاقدان، وكذلك من أركان الإجارة وجود العوضين؛ هنا منفعة وهنا أجرة تقابلها، هناك عمل أو منفعة أو خدمة وهناك ثمن أو أجرة تقدم من هذا الطرف لهذا الطرف. فمثلاً لنفترض في إجارة اللعبة التي ذكرناها قبل قليل، هذه اللعبة قدمت منفعتها مثلاً لمدة خمس دقائق مقابل ماذا؟ مقابل درهم مثلاً أو درهمين أو ثلاث دراهم، عندنا جهتين: الجهة الأولى شركة الألعاب أو شركة الملاهي، والجهة الثانية الطفل أو والد هذا الطفل أو والدته مثلاً، الآن يوجد عندنا طرف أول وطرف ثاني، ويوجد عندنا منفعة وخدمة، ويوجد عندنا أجرة.
نحتاج إلى رابط بين هذين الطرفين، هذا الرابط يسمى الصيغة، اصطلح الفقهاء على تسميته بالصيغة. وش يعني الصيغة؟ يعني كونه أنه يوجد منفعة، ما هو الرابط بيني وبينها؟ أنني استأجرتها وهو قبل هذه الإجارة، فلابد من شيء يربط بين الأمرين.
مثلاً في البيع، عندنا هذا الكأس هنا، وعندنا في المقابل دراهم، وعندنا شخص يملك هذا الكأس، وعندنا شخص يملك هذه الدراهم، لابد من رابط يربط بينهما يعقد عقد البيع، هذا الرابط يسمى الصيغة؛ فيقول: يا أخي اشتريت منه، قال: نعم خلاص أنا بعتك، يمد يده فيأخذ الكأس، يمد يده يعطيه الدراهم، خلاص عقد. لابد من شيء يربط بين الطرفين يسمى الصيغة.
الصيغة هذه لو ما وجدت، معنى ذلك أن هذا الشخص غصب هذا الكأس، أو أن هذا الشخص سرق هذه الدراهم، هذه مشكلة؛ الآن ما في صيغة نعلم بها التراضي بين الطرفين. إذا نلخص أركان عقد البيع، فنقول: عقد البيع يشتمل على أركانه، ما هي؟ عاقدان وعوضان وصيغة تربط بين الطرفين. عقد الإجارة ما هي أركانه؟ نقول نفس الأمر: عاقدان وعوضان وصيغة إجارة تربط بينهم.
هل يشترط في الصيغة أنها تكون بلفظ معين؟ لازم أني أكون أجرتك مثلا: هذه السيارة مدة كذا، أو لو قلت: يا أخي خذ هذه السيارة وأعطني لمدة يوم وأعطني مئة، ما في مانع. نقول إذا قال: خذ وأعطني، أجرتك، استأجرت منك، اكتريت منك، وظفتك، ما في إشكال، أهم شيء أن هذه الصيغة تدل على رضا الطرفين.
قد لا يتكلمان، مثال ذلك الطفل الذي ذكرناه مثلا في الألعاب أو في الملاهي، أنه يذهب معه مثلا قرش يساوي مثلا ريالاً أو درهماً، فيأخذ هذا القرش ويضعه في هذه اللعبة، خلاص هذه الصيغة، يعني كأن الصيغة هي العلاقة بين الطرفين، العلاقة بين العوضين، لابد من رابط يربط بينهما يسمى الصيغة. فكونه أخذ القرش هذا ووضعه في اللعبة معنى ذلك أنه هذا تراضٍ، لكن إذا لم توجد صيغة معنى ذلك أن الرضا لم ينعقد بين الطرفين، أرجو أن هذا أمر ظاهر.
الآن هناك كثير من الشروط التي قد ذكرناها في عقد البيع لابد أن نستدعيها عندنا هنا في عقد الإجارة، وسوف نفصل إن شاء الله تعالى بشروط عقد الإجارة تفصيلاً واضحاً، بحيث إنه يتبين لنا عقد الإيجار.
لعلنا نختم درسنا هذا اليوم بحديث عن حكم عقد الإجارة، حكم عقد الإجارة قد ذكرناه من قبل في عقود المعاوضات، وقلنا إن الأصل في عقود الناس الحل والإباحة، وهذا الحكم كما طبقناه في عقد البيع نطبقه في عقد الإجارة، ونطبقه في جميع عقود الناس التي قد تحدث والتي ستحدث.
مثلاً الشركات المعاصرة اليوم، نشأ أنواع من الشركات المعاصرة، نقول خلاص هذه الشركات جائزة، نشأ أشكال جديدة من الشركة لا بأس، أشكال جديدة من المعاوضات بين الناس، المباحة والجائزة لا مانع، نشأ عقود فيها تركيب بين البيع والإجارة، نقول لا بأس، كذلك إن شاء الله تعالى هذه كذلك جائزة. عقود الناس تستجد دائماً وتحدث، والناس تستجد لهم حاجات ومنافع يقضونها من خلال هذه المبادلات التي تحصل بينهم، لذلك الأصل في عقود الناس الحل والإباحة.
ومن هذه العقود التي الأصل فيها الحل والإباحة الإجارة، ما لم يرد عليها أحد المحرمات أو الموانع الشرعية التي سوف نستعرضها إن شاء الله تعالى من خلال شروط عقد الإجارة.
نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي