دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا كريم. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل.

أما بعد؛ إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في القائمين عليها وفي معلميها وطلابها، وأن يجعلنا وإياكم ممن يكتب له هذا العمل، وأن يكون حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في درسنا الماضي حديثنا عن باب الإجارة، وكنا قد بدأنا في هذا المستوى حديثنا عن أبواب المعاملات، ودلفنا إلى المعاوضات المالية، ثم دخلنا إلى البيع، ثم إلى الإجارة. بينا في الدرس الماضي تعريف الإجارة وحقيقة الإجارة، وذكرنا عددا من الأمثلة المتعلقة بالإجارة، ثم ذكرنا أركان الإجارة، وختمنا حديثنا بالحديث عن حكم الإجارة، وقلنا إن الإجارة جائزة، والأصل في جوازها أنها معاملة من معاملات الناس المالية، والله سبحانه وتعالى قد أباح المعاملات للناس وجعل الأصل فيها الحل والإباحة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29].

والنبي ﷺ من حين بعثته إلى حين وفاته كان يشتري ويؤجر ويستأجر، صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك مما يؤكد هذه الإباحة ويعززها ويقويها ورود الإجارة في كتاب الله سبحانه وتعالى، من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [يوسف: 72]، والقراءة الأخرى «لاتخذت عليه أجرا».

إذن هذا دليل. وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]؛ فالمرأة المطلقة إذا أرضعت طفلها فإنها تستحق أجرا، أجرة على رضاع هذا الطفل وعلى المولود له، ﴿وَرزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ كما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى.

وكذلك مما يؤكد الإجارة في سنة النبي ﷺ أن النبي ﷺ قد استأجر هاديا خريجا في هجرته، صلوات الله وسلامه عليه. وهذه طبيعي أن الإنسان إذا أراد أن يسافر من مكان إلى مكان ومر بصحاري ومر بشيء من هذا، وكان خصوصا سابقا السفر على الإبل وعلى الخيل، فإنه يحتاج إلى شخص يدل على الطريق. هذه أمثلة للإجارة، والأصل كما ذكرنا في معاملات الناس الحل والإباحة.

كذلك من الأدلة التي تدل على إباحة الإجارة أنها تحقق مصالح الناس في العقود. وهذه قضية مهمة، ولا شك أن الشريعة أنزلها الله سبحانه وتعالى لدرء المفاسد عن الناس وتحقيق مصالح الناس الأخروية والدنيوية. وهذه قضية مهمة؛ فالله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، وإنما شرع هذه الشرائع رحمة بعباده وإحسانا إليهم، ليعود نفعها إليهم في آخرتهم ثم في حياتهم الدنيا.

نريد أن نستعرض الآن شروط عقد الإجارة. من المهم لطالب العلم وطالبة العلم أن يتعرفوا عليها؛ لأنها تعتبر أشياء مانعة أو محرمة ترد على عقد الإجارة فتجعله ممنوعا، لأننا نقول الأصل في عقود الإجارة الحل والإباحة، لكن إذا ورد أحد هذه العوارض التي تعرض على عقد الإجارة انتقل من هذا الأصل الحلو فيصبح في المنع والتحريم.

نضرب لذلك بعض الأمثلة؛ مثلا التراضي بين الطرفين، هذا الشرط الأول من شروط عقد الإجارة. التراضي بين الطرفين ذكرناه في عقد البيع ونكرره مرة أخرى في عقد الإجارة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. إذن كما أنه لا يجوز للإنسان أن يجبر شخصا آخر على عقد البيع، لا يجوز لك أن تجبر شخصا آخر على عقد الإجارة؛ لأن هذا الإجبار يعاقب الآمر، ولا يجوز؛ لأنه ليس فيه تراض شرعي. فالإكراه والغصب لا تحل به أموال الناس في البيع، ولا تحل به منافع الناس وخدماتهم في الإجارة.

لاحظوا أن هذا الشرط في هذا المقام فيه تطابق. ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾، إلا أن يكون إكراها بحق. لاحظوا أن هذا القيد قد ذكرناه سابقا في البيع؛ كيف يكون الإكراه بحق؟ مثلا لو احتاج الناس إلى نزع ملكية هذا المنزل الذي يقع ضمن طريق سريع مخطط له يراد له أن يصل بين بلدة وبلدة، فيريدون أن ينزعوا العقارات الواقعة في هذا الطريق، فلو أن أحدهم رفض، نقول لا يجبر؛ لأن هذه مصلحة عامة، والمصلحة العامة يجوز الإجبار لأجلها، أما المصلحة الخاصة فلا يجوز الإجبار لأجلها.

أو أن يكون إكراها بحق، مثلا يكون عليه دين ويلزمه الوفاء بالدين، وأبى هذا الشخص أن يبيع شيئا من أمواله لأجل وفاء الدين الذي عليه، وهنا القاضي يلزمه؛ لأنه مترتب عليه حق في ذمته. نفس الأمر في الإجارة بالضبط، فمثلا نفترض أن هناك إجارة لازمة لأجل المنفعة العامة نقول يجوز. طيب لو أن ثمة شخصا عليه دين، فقال القاضي: بدل أن نبيع بيتك سوف نؤجر هذا البيت لمدة سنة لأجل الوفاء بهذا الدين، أجبره أن يؤجره. نقول يكرهه القاضي على الإيجار هذا حتى يوفي بالدين الذي عليه، بافتراض أن الدين يسير لا يقتضي بيع هذا العقار، وإنما لو أجر هذا العقار سنة كفى في وفاء الدين الذي عليه، فإن القاضي يؤجر سنة ويفي بالدين الذي يأخذ الأجرة ويفي بالدين الذي عليه.

لاحظتم؟ هذا نوع من الإكراه بحق. هذا الشرط الأول وهو شرط التراضي، والتراضي لاحظوا أنه دائما شرط في كل العقود، ويستثنى منه دائما الإكراه الذي يكون بحق شرعي صحيح ثابت. لكن دائما تكون عندنا قاعدة، بحيث نعرف ما هي الأشياء المحرمة في العقود؛ فالإكراه، أو الدخول في العقود عن غير تراض، أو الإجبار، أو الغصب، أو أكل أموال الناس بالباطل، هذا محرم في العقود. هذه قاعدة محرمة في العقود.

لاحظوا مآل البيع، ومرت بنا في الإجارة، وستمر بنا إن شاء الله تعالى بعدد من العقود، وستمر بنا في القواعد المحرمة لمعاملات الناس: أن يكون الدخول في هذا العقد عن إكراه أو غصب أو دون تراضٍ.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل لمتابعة الحديث عن شروط عقد الإجارة. اقرأ؛ إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين ﷺ. إن الأمة الطريقة هي الأمة القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغاً عظيماً؛ قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب.

وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. ولكي تكون قراءتك واعية فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء.

ولدفع النفور من القراءة، ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات، ولدفع الملل استرح وارح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب، واستفد بما تقرأ لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5].

نتابع حديثنا معكم بعد الفاصل ونتحدث عن شروط عقد الإجارة. قلنا الشرط الأول: التراضي بين الطرفين. هل معنى التراضي بين الطرفين أن لا بد كل أحد منهم يتكلم ويقول: أنا رضيت، أو أنا أؤجر، أو أنا أستأجر، أنا قبلت وأنا أجرت؟ سواء كان بالكلام فهذا يقع به التراضي، أو كان بالفعل؛ فمثلاً لما أنت تضع الدرهم أو الدينار أو الريالات تضعها في اللعبة لأجل أن تشتغل هذه اللعبة، هذا تراضٍ فحصها للتراضي.

هذا مثال، أنت مثلاً لما تستأجر شخصاً معيناً أو سيارة مثلاً؛ افترض أن شخصاً يريد أن يستخدم خدمة تاكسي فاتصل بالتاكسي، فوصل إليه التاكسي أو طلبه من خلال التطبيقات الموجودة في الأجهزة المحمولة أو غيرها، فوصل التاكسي ونقله من مكان إلى مكان، ودفع النقد الذي له. قد لا يتكلم ولا كلمة أحد من الطرفين، لكن خلاص لأن التاكسي من خلال التطبيق الموجود في الجهاز المحمول يعرف من أين سينطلق وإلى أين سيصل، وربما كانت الأجرة مدفوعة من قبل أو سيدفعها صاحبها؛ فإذا تكلموا فهذا يحصل به التراضي، وإن حصلت بالمعاطاة أو بأي طريقة يحصل بها التراضي.

كذلك من أمثلة الإجارة المعاصرة اليوم مثلاً: لو جاءتك رسالة جوال وتقول إذا أردت الاشتراك في باقة بيانات مثلاً واحد جيجا فأرسل لنا الرقم مثلاً "1002"، إذا أرسلت هذا الرقم فأنت معنى ذلك أنك قد اشتركت في خدمة أو باقة من باقات الاتصالات أو نقل البيانات التي تخولك باستخدام واحد جيجا من الإنترنت؛ هذا عقد إجارة، أليس كذلك؟ عقد إجارة.

خلاص، أنت لما أرسلت "1002" أرسلت الرسالة هذه إلى الشركة المزودة بخدمة الاتصالات أو الشركة المزودة بخدمة الإنترنت، الآن هذا كأنك أنت طلبت الخدمة وهم يرسلون لك يقولون: تم قبول طلبك أو تم قبول هذه الخدمة، هذا يعتبر منهم قبولاً للخدمة. إذاً لاحظوا كيف انعقد عقد الإجارة؛ انعقد عقد الإيجار برسالة الجوال وبرد الشركة، وبالتالي زودوه بهذه الخدمة.

الآن كونه انعقد عقد الإجارة، معنى ذلك أنها صارت لازمة على الطرفين. قد يقول قائل: أين التراضي من الطرفين؟ نقول هذا التراضي حصل، الحمد لله حصل برسالة جوال والشركة الأخرى ردت برسالة جوال، هذا كافٍ. أو أن التراضي حصل من خلال العمل؛ هذا مد يده مئة ريال مثلاً أو مئة درهم، وذلك قدم الخدمة أو العمل المطلوب منه، هذا حصل التراضي. إذاً التراضي لا يشترط له ألفاظ معينة، وهذا قد نبهنا عليه في الصيام؛ أن الصيغة لا يشترط لها ألفاظ معينة، سواء كانت فعلية أو قولية، بأي شيء يدل على التراضي بين الطرفين.

نريد أن ننتقل للشرط الثاني من شروط عقد الإجارة، ألا وهو أن يكون العاقد جائز التصرف. ما معنى قولنا جائز التصرف؟ معناه أنه بالغ، وأنه رشيد، وأنه عاقل. ولذلك البالغ عكسه الصغير فلا يصح تصرفه، والعاقل عكسه المجنون فلا يصح تصرفه. هل المجنون أو الصغير يملك؟ قد يكون عنده أملاك من والده أو من قريب له أو أهديت له أو وهبت له، ويكون له أملاك، لكن هذا منا أن يكون بالغاً وأن يكون عاقلاً.

وعكس البالغ الصغير، وعكس العاقل المجنون، وأن يكون رشيداً؛ مش معنى رشيداً عكسه السفيه الذي لا يحسن التصرف في المال، وهذه مرحلة تكون بعد البلوغ؛ لذلك اليتيم لا يدفع إليه ما له كله مباشرة عند بلوغه، لا ينتظر حتى يرشد حتى يرشد ويحسن التصرف في المال، ويدفع ماله إليه شيئاً فشيئاً حتى يرشد ويتعلم؛ لأن كون الإنسان بلغ قد لا يعني أنه يحسن أن يدير شركة أو يدير أملاكاً كثيرة، وإنما يسلم ما له إليه شيئاً فشيئاً، ربما يعطى هذه الشركة فتضيع الشركة مباشرة في اليوم التالي، لذلك الرشد مهم.

نستثني من هذا الشرط في عقد الإجارة التصرفات المحقرة أو الصغيرة؛ تذكروا مثلما استثنينا في عقد البيع، في عقد البيع أن يكون العاقدان جائزي التصرف استثنينا المحقرات، كذلك هنا في عقد الإيجار نستثني المحقرات. هل هناك إجارة محقرة؟ نعم، كأن يدفع الصغير ريالاً أو ريالين يستأجر لعبة كهربائية، فهذه إجارة صحيحة ما فيها إشكال، هذه محقرات، أشياء صغيرة. أو مثلاً الشاب الصغير الذي عمره عشر سنوات، لما يبلغ بعده مثلاً يستأجر شخصاً أو سيارة لتوصيله من مكان إلى مكان بعشرة دراهم أو عشرة دنانير مثلاً لمكان قريب، هذا لا بأس به؛ إذاً هذه أشياء محقرة وصغيرة لا بأس بها.

لكن الإشكال عندنا دائماً في الإيجارات الأصل في الإجارة -بمعنى أنها تكون إجارة عليها قيام- يعني تكون مالاً ومنفعة معتبرة ومتقومة وكبيرة وتؤثر على مصلحة هذا الصغير، فهنا يمنع منها الصغير.

الشرط الثالث أن تكون المنفعة والأجرة معلومة ليزول عنها الجهالة والغرر. هذا شرط في شروط البيع، تذكرون قد ذكرنا أن يكون الثمن معلوماً وأن يكون المبيع معلوماً، وهذا مطابق نفس الأمر.

أن تكون الأجرة معلومة، وأن تكون المنفعة أو العمل المبذول معلومًا، إذاً هذا هنا يوازي ما منشأه شرط العلم؛ منشأ شرط العلم في عقد البيع أن النبي ﷺ نهى عن الغرر. وما منشأ شرط العلم بالأجرة وبالمنفعة في عقد الإجارة؟ منشأه النهي عن الغرر.

لاحظوا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: 5]، دلنا على شرط جواز التصرف. وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]، دلنا على شرط التراضي للبيع والإجارة، وهذا هو الأول في البيع والإجارة.

نهي النبي ﷺ عن الغرر دلنا على شرط العلم في البيع وفي الإجارة. كيف شرط العلم في الإجارة؟ العلم بالعوضين: الثمن والمنفعة. لو استأجرتك على أن تعمل عملاً، قلت يا أخي تعال أنا أريدك أن تبني مثلاً هذا المنزل خلال مدة سنة، قال طيب كم تعطيني أجرة؟ قلت خلاص أنا بعد سنة أنا أقرر، أشوف أنا بعطيك المبلغ الذي أراه مناسبًا ولا ما يصلح. أنت في آخر السنة يمكن تعطيه درهمًا ويمكن تعطيه مليون درهم؛ لازم أن تحدد ما المبلغ، لازم أن يكون ثمة معيار، فتقول مثلاً أنا أعطيك مقابل بناء هذه العمارة مليون درهم، أو تقول أنا أعطيك سعر السوق وننظر سعر السوق كم يساوي، أو أي يكون هناك ثمة معيار. أما أن تقول والله أنا سوف أعطيك ما أشاء، فهذه الإجارة لا تصح.

إذا سكتوا عن تحديد الأجرة دائمًا يرجع إلى أجرة السوق، يرجع إلى أجرة المثل. مثلاً نضرب مثالًا، لو أن إنسانًا ركب سيارة التاكسي وقال أوصلني إلى الحي الفلاني ولم يتفق معه على سعر، فنقول إذا المرجع في ذلك إلى الأجرة المعتادة في السوق. فلو أنه وصل إلى الحي الفلاني فجاوبه في الأخير أعطاه درهمًا واحدًا، نقول لا يا أخي ما يصلح، العادة والعرف أن التاكسي يأخذ عندما ينقل من هذا المكان إلى هذا المكان العادة أنه يأخذ مثلاً عشرين درهمًا، كيف تدفع ذا؟ قال نحن ما اتفقنا وأنا من حقي أن أدفع درهمًا، نقول لا ليس من حقي أن أدفع.

في المقابل نقول لصاحب التاكسي هذا: قال يا أخي ادفع أربعين أو خمسين، قال نحن ما اتفقنا وأنا من حقي أن أطلب ما أشاء، نقول لا ليس من حقي أن أطلب ما دام سكتنا، إذاً يرجع إلى أجرة المثل، أجرة العرف، أجرة العادة للنقل من هذا المكان إلى هذا المكان.

أن تكون الأجرة معلومة، وأن يكون العمل معلومًا. أضرب لكم مثالاً على العمل، قال: أنا سوف أدفع لك هذه المئة ريال وأريدك أن تعمل أعمالاً سأطلبها منك مثلاً، وسأطلب منك إما أن تبني وإما أن تقوم بأعمال كهربائية وإما أن تقوم بأعمال سباكة. يا أخي حدد، لأن هذه الإجراءات مختلفة، وأجرة البناء تكلفتها غير، وأجرة الكهرباء غير، وأجرة السباكة غير، لابد أن يكون ثمة محدد من محددات المنفعة. إما مدة فيقول: أنا أسلم لك نفسي ساعة، تبغاني أشتغل لك بناء أو سباكة ما عندي مانع، بس المهم أن تكون محددة بساعة، أو أن تكون محددة بعمل. فلا يصلح أن تستأجر إنسانًا بمئة ريال وتقول تعال أنا قد أطلب منك إصلاح شقة وقد أطلب منك إصلاح عمارة؛ لا، حدد العمل حتى لا يثور نزاع.

إذاً هذا شرط العلم الذي ينفي الجهالة والغرر، وهو مماثل لشرط العلم الذي ينفي الجهالة والغرر في عقد البيع. نقول مثله في عقد الإجارة.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.

إن مجالسة الكتاب أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة. من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: «ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين»؛ أي قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراءً وقراءة. قال ابن الجوزي: «ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت ألف مجلد كان أكثر».

وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلاً تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالالباني وبكر أبي زيد. احرص على التنويع في شراء الكتب ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهبًا لكان البائع مغبونًا.

نتابع حديثنا معكم بعد هذا الفاصل عن شروط عقد الإجارة. ذكرنا الشرط الأول وهو التراضي بين الطرفين، وذكرنا الشرط الثاني جواز التصرف من العاقدين؛ أن يكون كل واحد من العاقدين جائز التصرف، وذكرنا الشرط الثالث وهو العلم بالعمل والعلم بالأجرة، العلم بالمنفعة والعلم بالأجرة.

هنا ننبه تنبيهًا في العلم؛ وهو العلم كلما كان أدق كلما كان أبعد عن النزاع بين الطرفين، لكن أحيانًا التحديد الدقيق قد لا يتيسر للطرفين، فلذلك لابد من القبول بقدر من الجهالة، وهذا نوع من الحاجة المنتشرة عند الناس.

خلونا نضرب مثالًا في عقد البيع ونضرب مثالًا في عقد الإيجار. من الأمثلة في عقد البيع أنك لما تبيع دارًا يعقل أمر أن أساسات هذه الدار مجهولة، يعني لا يعلم المشتري مثلاً قوة الأساسات الباطنة في الدار وكيف أسست وما هو مقدار الحديد الذي جعل في هذه الأعمدة لهذه الدار، هذا نوع من الجهالة المغتفرة باعتبار أنه يصعب الوصول لها. مثلاً عندما الإنسان يبيع بعض أنواع الفواكه أو الخضروات أو شيء من هذا، قد يكون المقصود منها باطنها، فلا يصل إلى العلم بها مثلاً إلا بعد شقها وفتحها، هذا مثال، بل تغتفر الجهالة في مثل هذه الأشياء.

في الإجارة نفس الأمر، أحياناً قد يكون هناك جهالة مغتفرة. كيف؟ يقول مثلاً: أوصلني إلى المكان حيث أوقفك وحيث أدلك، فيطلع شخص مع التاكسي ويقول: أنا أطلب منك أن توصلني الآن وفق ما أدلك، فيقول له: اذهب يمنة ويسرى، اذهب كذا، ادخل من هذا الشارع، اخرج من ذلك الشارع حتى تصل إلى المكان، ثم يقول: كم أجرتك؟ يقول: أجرتي كذا. لاحظوا الآن العمل أو المنفعة المتعاقد عليها في البداية.

ما كانت معلومة للطرفين، معلومة لأحدهما، لكن هذه الجهالة مغتفرة، جهالة مغتفرة ويسيرة. نضرب لذلك مثلا آخر؛ الطفل مثلا لما يدخل محل الألعاب قد يكون هناك من ضمن الباقات أو الخدمات المقدمة أنه يدفع مثلا مئة درهم فيلعب ما شاء من العب، هذه كذلك جهالة مغتفرة، أنه يلعب ما شاء، لكن لابد من تحديدها بمدة. إذا لاحظتم أن هذه تنتقل كأنها بدل، لا تكون إجارة على لعبة معينة، صارت إجارة على مدة في ضمن نطاق هذه الألعاب.

الشاهد أن الأجرة أحيانا قد يغتفر فيها العمل، قد يغتفر فيها شيء من الجهالة. يضرب لذلك مثل آخر حتى نزيد توضيحا وبيانا؛ الكهرباء لو جاء شخص وقال يا أخي، طلب من الكهربائي، قال أنا أريدك أن توصل أسلاك الكهرباء في هذه العمارة أو في هذه الشقة. الكهربائي طبعا لن يقوم بعمل قائمة أو لست تفصيلي عن كل عمل سيقوم به، أنه سيكون هنا مثلا في هذا المكان فيش، وفي هذا المكان لمبة، وفي هذا المكان فيش كهرباء قدره كذا، وفي هذا المكان وفي هذا المكان مثلا توصيل الفلاني.

فهي قد يتفق معه اتفاق إجمالي، لماذا؟ لأن التحديد الدقيق عسير وصعب؛ أن أقول يا أخي لا ترى هذا الفيش لابد أن تمد السلك من هذه المنطقة إلى هذه المنطقة، ومن هذا المكان إلى هذا المكان، وهذا العداد يكون في المكان الفلاني، وهذا إلى آخره، وهذا المكان يكون فيه مكيف. يعني التفصيل هذا صعب أن تكتبه في ورقة وتطلب بناء عليه تسعيرة.

لكن أنت تقول تعال أنا أريدك أن توصل الأفياش مثلا في كل شقة، مسلا يكون فيها أربعون فيشا مثلا أو ثلاثون فيشا للكهرباء. الأفياش طبعا تختلف؛ لو كان هنا أو هنا هذا يأخذ عملاً أطول، وهذا يأخذ عملاً أقصر، هذا قريب وهذا بعيد. هذه جهالة مغتفرة، لماذا؟ لأن التحديد عسير وصعب، وكلما ازددنا نحن تحديدا فنحن نبتعد عن موارد النزاع.

ولكن أحيانا يكون التحديد صعبا، وكلما قل التحديد والتعيين والبيان والتفصيل، نعم يكون هناك قد يكون هناك أسباب النزاع تزداد عن الحالة السابقة، ولكنها لا زالت ضمن الحدود المقبولة. لذلك هذه القضية نؤكد عليها، وهي أن العلم مطلوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر، ولكن ليس معنى هذا العلم معناها تحديد تفصيل في قائمة لكل خطوة ولكل عمل يقوم به هذا الشخص، لا، وإنما المراد به العلم الإجمالي أو الجملة الذي يعني معتاد عند الناس أو يعرف عند الناس الاكتفاء به. ليس لا يكون شاذا في الإطلاق ولا يكون شاذا في هذه التحديدات.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى الشرط الرابع من شروط عقد الإجارة، وهي أن تكون المنفعة مباحة. تذكرون معنا في شروط عقد البيع؟ قلنا أن تكون العين مباحة، فلا يجوز بيع مثلا الخمر، ولا يجوز بيع الأصنام، ولا يجوز بيع الخنزير في عقد البيع. في عقد الإجارة نفس الفكرة، نقول لا يجوز أن يؤجر الإنسان آلات الموسيقى، لا يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه أو أن يستأجر لشخص ليقيم حفلة غنائية، هذا ما يجوز، محرم. ولا يجوز لشخص آخر أن يؤجر مثلا أدوات الموسيقى والغناء، أدوات اللهو، ما يجوز.

ولا يجوز مثلا تأجير العقار لدكان أو بنك يمارس في هذا العقار الربا، هذا ما يجوز تأجير مكان لممارسة الربا، أو تأجير مكان لممارسة البغاء، أو أي شيء من المحرمات، كل هذه الأشياء لا تجوز شرعا. لا يجوز أن يؤجر الإنسان نفسه مثلا لحمل الخمر أو لبيع الخمر، أو أن يؤجر مكانا لبيع الخمر، هذه كلها منافع أو خدمات أو أعمال محرمة لا تجوز.

الشرط الخامس أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونا له فيها. تذكرون هذا الشرط معنا في شروط البيع؟ أن يكون مالكا للعين التي يريد بيعها. نفس الأمر هنا في الإجارة؛ لأن تصرف الإنسان فيما لا يملك يعتبر عدوانا على المالك. أنا فرضا أني أريد أن أؤجرك عقارا لابد أن أكون مالكا للعقار، أو أن أكون مالكا للمنفعة.

أوريكم مثالا؛ لو استأجرت عقارا لمدة سنة، فأنا في ضمن هذه السنة يجوز أني أؤجر شهرا، شهرين، ثلاثة، عشرة أشهر، أحد عشر شهرا، اثني عشر شهرا، لكن لا يجوز لي أن أؤجر ثلاثة عشر شهرا؛ لأني سوف أتجاوز حدود ملكيتي، أنا ملكت العقار سنة، فنوّجر سنة فأقل. أو أن يكون مأذونا لي فيها، معنى أنه أنا وكيل في التصرف أو ولي في التصرف.

الشرط السادس أن تكون المدة معلومة، وهذا الشرط في واقع الأمر يمكن أن ندرجه في الشرط الثالث؛ الشرط الثالث قلنا أن تكون الأجرة معلومة وأن يكون العمل معلوما. قول العمل معلوم، أما أنه معلوم بقدره أو بقدر مدته أو بكميته. فمثلا لما أؤجر دارا لابد أن يبين أن المدة مدتها مثلا سنة الإجارة، أو أن الإجارة مدتها شهر.

الجهالة اليسيرة في المدة كذلك مغتفرة، كما ذكرنا أن الجهالة مغتفرة في الجهالة بالأجرة أو الجهالة بالمنفعة والخدمة. يضرب لذلك مثلا؛ لو قلت يا أخي أنا أؤجرك هذا المنزل في موسم الحج، موسم الحج يعني يبدأ الحجاج في القدوم من بداية شهر ذي الحجة، ويبدأون في الانصراف من بعد الثاني عشر والثالث عشر إلى قرابة عشرين ذي الحجة، في هذا ليس دقيق اليوم. أو قلت يا أخي أنا أؤجرك هذا الفندق أو هذه الغرفة في العشر الأواخر من رمضان، العشر الأواخر قد تكون عشر ليال وقد تكون تسع ليال بحسب الرؤية، هذه جهالة مغتفرة.

بخلاف لو قلت أنا أجرتك، ما قلت أجرتك العشر الأواخر، قلت أجرتك من تاريخ كذا إلى تاريخ كذا، فهنا الإجارة مختلفة؛ إذا لما أنا أقول العشر الأواخر من رمضان قد تكون عشرة أو تسعة، لكن لما أنا أقول والله الإجارة من تاريخ كذا إلى تاريخ كذا، فمعنى ذلك أنها سبعة أيام أو ثمانية أيام أو تسعة أيام، بغض النظر عن اكتمال الشهر أو نقصانه.

إذا هذه أمثلة لشروط عقد الإجارة. نلاحظ هنا ملاحظة في ختام حديثنا عن شروط عقد الإجارة، أنها تتقارب مع شروط عقد البيع لأن كلا منهما عقد معاوضة، لكن في اختلافات يسيرة؛ بعقد البيع قلنا أن يكون المبيع معلوما، هنا نقول أن تكون الأجرة معلومة.

في عقد البيع قلنا أن تكون العين مباحة النفع، لكن هنا نقول أن تكون المنفعة مباحة النفع؛ نتحدث عن المنافع في الإيجار لا نتحدث عن الأعيان. لكن القواعد التي تنطلق منها الشروط، سواء في عقد البيع أو في عقد الإجارة، قواعد واحدة.

فكلا العقدين لا يجوز فيه الغرر، وكلا العقدين لا يجوز فيه التصرف بدون تراضٍ. كلا العقدين لا يجوز فيه تصرف السفيه أو الصغير أو المجنون. كلا العقدين يشترط أن يكون الإنسان مالكًا لما يتصرف فيه، وهكذا كلا العقدين يشترط أن تكون المنافع أو الأعيان مباحة النفع، ولا يجوز للإنسان أن يقدم على محرم في هذا العقد. هذي قواعد عامة للتحريم؛ في عقد البيع نطبقها، وفي عقد الإجارة نطبقها.

وهكذا حتى نستكمل النظر في هذه الشروط، نقف عند هذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راضياً في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوالي ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها.