يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الفقه الميسرة دون تعصب لفلان بالعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم فقهنا في الدين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل، اللهم اجعلنا مباركين حيثما كنا، وعلمنا ما ينفعنا يا رب العالمين.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع من سلسلة دروس الفقه بأكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها ومن قام عليها ومن شارك فيها ومن نشرها.
إخواني وأخواتي الكرام، كنا قد بدأنا حديثنا في هذا المستوى عن المعاملات عموما، ثم دخلنا إلى المعاوضات، ثم دخلنا إلى عقد البيع، ثم تحدثنا عن عقد الإجارة، وبدأنا حديثا عن عقد الإجارة ببيان تعريفه وحقيقته وأركانه وشروطه.
وقفنا عند شروط عقد الإجارة، وبينا أن الإجارة في الأصل جائزة، إلا أنها ينبغي أن تنضبط بضوابط شرعية تبعدها عن قواعد المحرمات الشرعية؛ فلا بد من تراض بين الطرفين، ولا بد أن يكون العاقل جائز التصرف، ولا يصح تصرف الصغير أو السفيه بغير الأشياء المحقرة الصغيرة، وأن تكون المنافع التي تعاقد عليها الطرفان منافع مباحة، وأن تكون مملوكة للشخص الذي يتصرف، أن يتصرف فيما يملك ولا يتصرف في شيء لا يملكه.
هذه بعض الشروط، وفي الجملة يمكننا أن نقول إن قواعد تحريم المعاملات هي قواعد تسري على جميع المعاملات؛ فلذلك لما تحدثنا عن شروط عقد الإجارة حرصنا في هذا الحديث أن نربطها بشروط عقد البيع، لأنها تنطلق من قواعد واحدة. سنضرب مثالا لذلك: التراضي بين الطرفين مشترط في عقد البيع ومشترط في عقد الإيجار.
كل ما ذكرناه في عقد البيع مثلا، انظر لذلك؛ ذكرنا في عقد البيع ألا يبيع الإنسان على بيع أخيه، فنقول هنا في عقد الإجارة كذلك ألا يؤجر الإنسان على إجارة أخيه. كيف لو جاء شخص مثلا يريد أن يستأجر من فندق وفاوض صاحب الفندق واتفق معه على أن يستأجر غرفة بمئة دينار، فجاء صاحب فندق آخر بعد أن اتفقوا قال: يا أخي تعال أنا أعطيك غرفة بنفس المواصفات وبنفس المستوى أؤجرها لك بتسعين دينارا؟ نقول هذا لا يجوز؛ لأنه من إجارة الإنسان على إجارة أخيه.
قد يقول قائل: الحديث ورد بـ «بيع الإنسان على بيع أخيه» ما جاء «إجارة الإنسان على إجارة أخيه»؟ نقول: نفس الفكرة، أصلا الإجارة ما هي؟ الإجارة هي بيع للمنافع لكن مؤقتة، يعني هي نوع من المعاوضة على المنافع لكن على وجه مؤقت، فلذلك لا نحصر هذا النهي في البيع؛ إذا قال بعتك مثلا هذه الأرض فقال الآخر أنا أبيعك أرضا مثلها بأقل سعر، نقول إن هذا محرم. وأما إذا قال أجرتك الأرض فقال الآخر أنا أجرك أرضا مثلها بسعر أقل، نقول لا هذا جائز، نقول لا، القاعدة واحدة تطبق في البيع وتطبق في الإجارة.
وهذا حقيقة معنى قول أهل العلم في المعاملات؛ يقولون إن المعاملات معللة. الأصل في المعاملات بين الناس وأحكامها الشرعية التعليل، بمعنى أنها ذات علل ومقاصد ظاهرة وواضحة، والأصل في العبادات التعبد والتوقيف. وقد ذكرنا في الدرس الأول من المستوى الرابع طبيعة نظر الشريعة إلى تشريعاتها في المعاملات وطبيعة تشريعات الشريعة في أبواب العبادات.
الشريعة تحكم كل مظاهر حياة المسلم سواء كانت عبادات أو معاملات مالية أو أسرية أو اقتصادية أو سياسية أو أمنية أو قانونية أيا كان، تحكمها جميع الشريعة، ولكن طبيعة تقنين الشريعة وتحكيمها في الأبواب تختلف. فهي في أبواب العبادات لها منهجية وطريقة معينة في التشريع، تفصيلية مبينة، الأصل فيها التوقيف إلا ما جاءت الشريعة بتشريعه. أما المعاملات فالأصل فيها الحل والإباحة والتجديد والتطوير إلا ما جاءت الشريعة بتحريمه.
الناس لهم حق التجديد والتطوير في المعاملات، لكن ما جاءت في الشريعة بتحريمه ومنعه يجب أن يقف عنده الناس ويطبقوا هذه التحريمات والموانع على معاملاتهم القديمة ومعاملاتهم الجديدة ومعاملاتهم التي ستستجد ولا يعرفون ما هي؛ يطبقون عليها قواعد تحريمات الشريعة.
إذا ذكرنا أن إجارة الإنسان على إجارة أخيه لا تجوز شرعا، نفترض أن هذا الفندق بقي فيه غرفة واحدة، فصاحب الفندق فاوض هذا الشخص على أن يستأجر منه هذه الغرفة الذي يريد أن يستأجر فاتفقوا على مئة دينار كما ذكرنا، فبعد أن اتفقوا جاء شخص آخر فقال: ما رأيك أن تؤجرني هذه الغرفة بمئة وعشرة دنانير؟ نقول هذا من استئجار الإنسان على استئجار أخيه، مثل ما قلنا في إجارة الفندقين المتنافسين على هذا العميل أو الزبون، هذا من إجارة الإنسان على إجارة أخيه.
يكون في غرفة يكون في عميلين متنافسين، هذا من استئجار الإنسان على استئجار أخيه. لاحظتم إذا نطبق نفس القاعدة هنا التي طبقناها في بيع الإنسان على بيع أخيه وشراء الإنسان على شراء أخيه، نفس الفكرة؛ لما يثيره من الضغينة والبغضاء بين المسلمين المتعاقدين في هذا العقد، ولأن هذا نوع حقيقة يسمى اليوم في القوانين المعاصرة المنافسة غير المشروعة.
كذلك نضرب مثالا آخر لتطبيق قواعد تحريم المعاملات، من القواعد التي ستأتينا في تحريم المعاملات مثلا: التصرف بالبيع أو بالمعاملات بعد نداء الجمعة الثاني. الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
لو جاء إنسان باع وهو يسمع نداء الجمعة الثاني، نداء الجمعة الثانية الذي أمره الله سبحانه وتعالى بالسعي عنده. وشو نداء الجمعة الثانية؟ هو الذي يكون مخالفا للنداء الأول، النداء الأول هذا الذي شرعه عثمان رضي الله تعالى عنه الخليفة الراشد الذي يكون قبل الزوال أو عند الزوال، والنداء الثاني الذي يكون بعد تسليم الإمام السلام على المأمومين في خطبة الجمعة، يقوم المؤذن في نادي النداء الثاني لصلاة الجمعة، وهذا النداء هو الذي كان موجودا في زمن النبي ﷺ.
عند هذا النداء لا يجوز أن يبيع الإنسان ويشتري، لو جاء إنسان قال يبايع شخصا آخر في عقار ولا في أرض ولا في كذا نقول لا خلاص قفوا، إذا سمعتم النداء الآن دار البيع، «واسعوا إلى ذكر الله»، ينصرف الإنسان ويسعى إلى ذكر الله سبحانه وتعالى. لو قال قائل: نحن الآن ما نتفاوض في البيع لكن حنا نتفاوض في إجارة هذه الأرض أو الفندق أو أيا كان وقت نداء الجمعة، قف كذلك.
اسعَ إلى ذكر الله، وذروا البيع، ومثله الإجارة. قد يقول قائل: الآية جاءت بنص البيع، نقول: ولكن الآية فيها علة ظاهرة وحكمة ومقصد بين، وهو ألا ينشغل الإنسان بهذه العقود عن ذكر الله. وكما أنه قد ينشغل بعقد البيع، ينشغل بعقد الإجارة؛ فإذاً نطبق هذا الحكم على البيع ونطبق هذا الحكم ذاته على الإيجار.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل، بشرى لنا، زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. أين أنت من العلم؟ وقد قال النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص، فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته. وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج؛ ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية، ثم كتاب التوحيد، ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم.
وليسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: 109]، وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له مع العلماء في كل حين. وليهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية.
ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة والاستمرار. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي؛ فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، يسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام عقد الإجارة. ذكرنا أن هناك تشابهاً في الأحكام بين عقد الإيجار وعقد البيع لأنها تنطلق من أحكام واحدة، وهي أن الأصل في المعاملات عند الناس الحل والإباحة، إلا ما جاءته الشريعة بقواعد التحريم فيه.
لو الإنسان باع بيعاً مثلاً مؤجلاً، قال: أنا أبيعك هذه السيارة بعشرة آلاف دينار، وأن تسددها لي بعد سنة، ولكن إن تأخرت في الدفع بعد سنة سوف تزيد عليك وتصبح المديونية عليك أحد عشر ألف دينار، كل ما تأخرت مثلاً شهراً أزيد عليك مئة دينار أو مئتي دينار؛ نقول هذا شرط ربا لا يجوز، وهو من ربا الجاهلية وهو من المحرمات في عقد البيع، لا يجوز أن يكون عقد البيع فيه ربا. وكذلك نقول في عقد الإجارة: إذا اشتملت على الربا فإنه لا يجوز شرعاً.
كيف عقد الإيجار يجتمع الربا؟ يقول: ترى أنا أجرتك هذا البيت وتسدد لي الأجرة في آخر السنة مثلاً، أو في منتصف السنة تسدد لي ألف دينار، ترى إذا تأخرت علي في السداد، ولم توفني في الوقت، كل ما تأخرت علي أزيد عليك عشرة دنانير كل يوم مثلاً بعشرة دنانير؛ نقول هذا لا يجوز شرعاً.
لاحظوا لو قال: كل ما تبقى في المنزل ترى كل يوم بعشرة دنانير، نقول هذه إجارة ما فيها شيء، لكن الآن نحن لا نتكلم عن بقائه في المنزل أنه مقابل عشرة دنانير في اليوم، الآن هو اتفق معه على إجارة المنزل لمدة سنة وكل شهر بألف دينار، يقول تسددني هذه الألف دينار مثلاً في نهاية كل شهر أو في بداية كل شهر حسب اتفاقهم.
الآن أجرة المنزل اثنا عشر ألف دينار لمدة سنة، اثني عشر شهراً، اتفقنا؟ قال: اتفقنا. قال: ترى شوف إذا ما سددتني في الموعد فالأجرة آخذ عليك مثلاً بدل ألف آخذ عليك ألف ومئة مقابل أنك تأخرت علي في السداد. لاحظوا المئة هذه ليست مقابل الانتفاع، أنا لي أن ندفع كل شهر بألف اتفقوا عليه واتفقوا على عقد إجارة واحد، لازم في حق الطرفين وهو أن تكون المنفعة فيه اثني عشر شهراً، وتكون أقساط سداد الأجرة اثني عشر قسطاً، لكن اشترط عليه شرط ربا، يعني إذا تأخرت في السداد فأنا سأزيد عليك، هذا ما يجوز.
طيب، لكن لو قال: كل ما تأخرت في البقاء في المنزل بعد السنة هذه، إذا بقيت في المنزل مثلاً شهراً إضافياً فآخذ منك ألفاً، يقول هذه ليست بربا، هذه أجرة جديدة. قال: بقيت في المنزل شهراً آخر آخذ منك ألفاً، هذه أجرة جديدة. إذاً لاحظوا هناك فرق بين الزيادة التي تقابل الأجرة وتقابل الانتفاع وتكون أجرة، وبين الزيادة التي تقابل تأخر الإنسان في السداد والوفاء، فهذه تكون من نوع الربا المحرم. وكما منعناه في عقد البيع، يمنع كذلك في عقد الإجارة.
إذاً هذا مثال، ونريد أن نطبق كذلك قاعدة أخرى من قواعد المعاوضات نطبقها في البيع وفي الإيجار، مثلاً قاعدة النجش. ما هو النجش؟ النجش أن يكون هناك مزايدة أو مناقصة في السعر. المزايدة إذا كان الإنسان يريد أن يبيع شيئاً فينظر من يزيد السعر، أعلى سعر يبيع به. المناقصة إذا كان الإنسان يريد أن يشتري شيئاً، مثلاً مثل الحكومة تريد أن تشتري أجهزة كمبيوتر فتطرح مناقصة للبائعين، فأقل سعر أنقص سعر تشتري به الحكومة. إذاً المناقصة يطرحها المشتري، والمزايدة يطرحها البائع.
فنفترض الآن ثمة مزايدة أو مناقصة، نقول إذا كان هناك مزايدة، البائع قال: أنا أريد أن أبيع سيارتي من يزيد؟ فقال هذا: أنا أشتريها بألف، هذا الثاني قال: أنا أشتريها بألف ومئة، الثالث قال: أنا أشتريها بألف ومئتين، ثم ألف وثلاث مئة، ألف وأربعمئة، وصلت إلى ألفين دينار مثلاً. ما هو النجش؟ النجش أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، يعني فقط هو يريد أن ينفع هذا البائع ويضر هذا المشتري لأنه لا يريد الشراء، ولكن وجد أن السعر وقف عند ألف وثلاث مئة أو ألف وخمس مئة، فأراد أن يرفع السعر وهو لا يريد الشراء، فقال ألف وست مئة.
الآن ذلك الشخص الذي يريد شراء السلعة أو السيارة سيضطر أن يقول ألف وسبعمئة، كان سيشتريها بألف وخمس مئة لكن جاء شخص رفع السعر لألف وست مئة، هذا الشخص لا يريد الشراء، وربما كان بينه وبين البائع أصلاً تواطؤ، قال: خلاص ترى أنا سوف أزيد إلى السعر الفلاني بحيث أننا نلزم المشتري أن يأخذ بهذا السعر، فقال خلاص هذا ألف وست مئة. فالآن الشخص الذي يريد شراء السلعة سيضطر أن يقول ألف وسبعمئة، وربما يبالغ هذا في إضراره الناجش فيقول بعد أن يقول هذا الشخص الذي يرغب في الشراء ألف وسبعمئة، فيقول هذا الناجش ألف وثمان مئة، فيضطر هذا الشخص الذي يريد الشراء.
يقول يزيد إلى ألف وتسعمئة، لاحظوا إذا النجس محرم لأنه فيه تلاعب في الأسعار بطريقة غير شرعية. نفس هذا الأمر نقوله في الإجارة، لو أن مثلاً من البلديات الحكومية طرحت موقعاً ما، أرادت أن تؤجر كشك ماء أو بعض الأملاك الحكومية، فلن تطرحها مزايدة، لكن مزايدة هل هي بيع أم إجارة؟ هي إجارة، فتقول مزايدة على إجارة هذا الكشك.
فهذا الشخص يأتي التاجر الأول يقول: أنا أستأجر هذا الكشك مثلاً أو هذا المحل أو هذا الدكان التابع للبلدية أو للحكومة، أستأجره بألف ريال في السنة. هذا يقول: أنا أستأجره بألف ومئتين، ألف، ألف وثلاثمئة، إلى أن تصل مثلاً إلى السعر الذي تنتهي إليه المزايدة. فنقول النجس في الإجارة كذلك لا يجوز، نطبق القاعدة؛ النجس في المناقصة في البيع لا يجوز، النجس في المناقصة في الإجارة لا تجوز، وهكذا.
الغش في البيع لا يجوز، والغش في الإجارة كذلك لا يجوز. إذاً نحن عندنا قواعد محرمة للمعاملات، هذه القواعد وظيفتنا نحن من خلال شروط عقد البيع وشروط عقد الإيجار أن نأخذ هذه القواعد ونطبقها على عقد البيع، وفي الإجارة نأخذ هذه القواعد ونطبقها على عقد الإيجار.
لو جاءنا عقد جديد، عقد مركب من البيع والإيجارة، هل هناك عقود مركبة فيها؟ مثلاً أضرب لكم مثالاً: عقد الفندقة. الفندق أنت لما تذهب إليه يقول لك: أنا أؤجرك الليلة بمثل خمس مئة ريال، مقابل ماذا؟ مقابل انتفاعك بالغرفة هذه ليلة مع إفطار، إذا أردت بدون الإفطار فإنها تكون مثلاً بأربعمئة وخمسين أو أربعمئة ريال، لكن مع الإفطار بخمس مئة. إذا أخذتها جميعاً، أنت لو تذهب إلى المطعم لوحدك سوف تدفع مثلاً مئة أو مئة وخمسين، لكن خذها مجموعة مع بعض كباقة، يقول: خلاص هذه الغرفة بالإفطار نعطيك إياها بأربعمئة وخمسين ريالاً.
لاحظوا الآن هذا العقد فيه إجارة وفيه بيع؛ الإجارة للغرفة لأنك سوف تنتفع بالغرفة، لكن البيع للإفطار، لأن الإفطار سيؤكل، هذا ليس انتفاعاً به ورده. إذاً الأكل أو الطعام في واقع الأمر لا تقع عليه الإجارة، وإنما يقع عليه البيع، الإفطار هذا سيعتبر كأنه اشتراه وأكله. فالآن هذا عقد الفندق مركب من الإجارة ومن البيع.
وهكذا أحياناً تكون العقود فيها أنواع من التركيب، لا يلزم أن يكون العقد منفرداً؛ عقد بيع منفرد وعقد إيجار منفرد، لا، أحياناً تتعاقد في معاوضة تكون مركبة. طيب كيف نطبق الضوابط الشرعية؟ نطبق الضوابط الشرعية فنقول: يشترط أن يكون العاقد جائز التصرف، وأن يكون الطرفان راضيين بهذا العقد، وأن تكون المنافع والأعيان هذه التي اشتراها معلومة، وأن تكون الأجرة معلومة لا يجوز أن تكون مجهولة، اللي هو ثمن الغرفة مع الإفطار في هذه الليلة أن يكون معلوماً، مئة وأربع مئة وخمسين ريالاً، وهكذا. فنطبق هذه القواعد التي تعلمناها في عقود المعاوضات المالية وننزلها على هذه العقود المفردة وعلى هذه العقود المركبة، حيث إننا نستخرج أحكامها وضوابطها الشرعية.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.
الحلف تعظيم للمحلوف به، لذا لا يجوز إلا بالله وبأسمائه وصفاته. وفي الحديث: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». والحلف بغير الله شرك، وهو شرك أكبر إذا قصد تعظيمه كتعظيم الله، وإلا فهو أصغر. ومن حلف على ترك شيء ثم رأى فيه الخير فليفعله وليكفر عن يمينه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]. أي لا تجعلوا أيمانكم مانعة من فعل الخير، ومن حلف بغير قصد فلا كفارة عليه. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]. واليمين على نية الحالف، إلا أن يخشى ظالماً فله أن يتأول. ومن فعل ما حلف على ترك شيء ناسياً أو مخطئاً أو مكرهاً فلا شيء عليه. والكذب في اليمين من صفات المنافقين، وغصب المال به من الكبائر. قال ﷺ: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة».
والنذر عبادة، وابتدائه مكروه، والوفاء به واجب. ومن نذر لغير الله كقبر أو ولي فقد أشرك شركاً أكبر. ونذر الغضب والمباح يُخير بين فعله وبين كفارة اليمين، ونذر المعصية يحرم فعله وتجب الكفارة، ونذر الطاعة المطلق يجب فعله. وكذا المعلق، إذا حصل الشر الذي أردت فاحرص على الوفاء لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام عقد الإيجار. ذكرنا كيف نتعرف على الضوابط الشرعية لعقد الإجارة، وأن الضوابط الشرعية له وشروط عقد الإجارة ومحرماته، أنطلق من قاعدة وهي أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، مع مراعاة قواعد التحريم الواردة على معاملات الناس وتطبيق قواعد التحريم على كل معاملة قديمة أو حديثة أو ستحدث.
نريد أن نتكلم الآن عن أشكال وأنواع عقد الإجارة. عقد الإجارة قد يتعلق بمنافع أعيان، قد تقول مثلاً: أجرتك منفعة هذا المنزل، هذه منافع أعيان، هذه السيارة. إذاً لاحظ أن الإجارة بينك وبين هذا الشخص وقعت على منافع هذه السيارة المحددة.
ما الفرق بين هذه الإجارة وبين لو قلت: أجرتك منفعة النقل من مثلاً جدة إلى المدينة بطائرة كذا على الدرجة الأولى؟ لاحظوا في النوع الأول لما أقول: أجرتك السيارة الفلانية، دعونا نقارن بين سيارتين أفضل؛ قال: أجرتك السيارة الفلانية، هذه عين، أو قال: أجرتك منفعة النقل من مكان كذا إلى مكان كذا بالسيارة مثلاً سيتم إيصالك بالسيارة من الحي الفلاني إلى الحي الفلاني.
لاحظوا لما أقول: أجرتك هذه السيارة، إن الإجارة ترتبط بعين هذه السيارة، فلو أتيت إلى المستأجر وقلت: يا أخي تراني احتجت هذه السيارة وأريد أن أعطيك سيارة أخرى بديلة، من حق هذا المستأجر أن يقول: لا يا أخي، أنا استأجرت هذه السيارة ونحن كتبنا في عقد الإجارة لوحة السيارة هذه، وليس من حقك في استبدالها أو تبديلها، وأنا أريد أن ألزمك أن تسلمني هذه السيارة، من حقي هذا الأمر لأن الإجارة وقعت على هذه السيارة المعينة. لكن لو قلت له: أجرتك سيارة من فئة السيارات الصغيرة، أو فئة السيارات المتوسطة، أو فئة السيارات الفارهة، أو فئة السيارات العائلية، معنى ذلك نستطيع أن نبدل بين السيارات.
لو قلت أجرتك خدمة النقل من كذا إلى كذا، هل من حق الطرف الآخر أن يشترط عليه؟ يقول يا أخي: «لما استأجرت خدمة النقل من كذا إلى كذا، أنا كنت أظن أنك سوف تنقل بالسيارة الفلانية هذه ذات اللوحة كذا، لم تنقل بالسيارة الأخرى؟».
أقول يا أخي: تعال أنت، لما تشترط عليه هذا الأمر ونحن قد تعاقدنا على خدمة ومنفعة، هي منفعة النقل، ليس من حقك أن تشترط عليه السيارة الفلانية أو الطائرة الفلانية أو الباخرة الفلانية؛ لا نسألهم على خدمة النقل فقط.
أحياناً يكون للناس غرض في عين السيارة، أو عين البيت، أو عين الطائرة أو الباخرة أو أياً كان، فهذه تكون إجارة أعيان، يستأجر العين هذه لمنافع العين المعينة. وأحياناً يكون الرغبة عندي فقط في الخدمة بغض النظر عن العين التي تقدم من خلالها الخدمة؛ إجارة الخدمات والأعمال ستأتينا التي تسمى إجارة الأشخاص، هذه لا ترتبط بالعين المعينة التي تم الاتفاق عليها.
أرجو أن هذا واضح وظاهر. أنت لما تستأجر، خلونا نطبق هذا الكلام، أنت لما تستأجر تشتري تذكرة طيران، ذكرنا أن تذكرة الطيران هذه عقد إجارة؛ هل هي عقد إجارة أعيان أم عقد إجارة خدمات ومنافع، التي هي إجارة الأشخاص التي ترتبط بالذمة؟ نقول: لا، هي إجارة أشخاص ومنافع ترتبط بالذمة كأنها دين عليهم، يعني لم يعينوا لك الطائرة ذات اللوحة رقم كذا أو ذات الرقم الفلاني، يقولون: سننقلك في طائرة من طائرات أو الأسطول الجوي لشركة الطيران هذه، سننقلك في إحدى طائراتنا، ولكن نتفق على تفاصيل المنفعة هذه؛ سيكون النقل في يوم كذا، ساعة كذا، ومدة الرحلة كذا، سيكون النقل على الدرجة الأولى أو درجة رجال الأعمال أو الدرجة السياحية، الدرجة الثانية مثلاً، يتفقون على التفاصيل في هذه المنفعة، لكن من حقهم أن يقدموا هذه الخدمة من خلال هذه الطائرة أو هذه الطائرة، المهم أن يقدموا الخدمة وفقاً للمواصفات المطلوبة منه في التذكرة.
إذاً هذه إجارة أشخاص ومنافع. لكن لو قال إنسان -وهذا موجود مثلاً في الطائرات الخاصة- هناك طائرات خاصة مثلاً، طائرة فلان الفلاني وطائرة فلان الفلاني، وهذه الطائرات تتفاوت في رفاهيتها أو في غيرها، فقال: يا أخي لا، أنا أستأجر هذه الطائرة؛ هذه إجارة أعيان لتنقلني من مكان كذا إلى كذا، وليس من حق هذا الشخص الذي أجره أن يبدلها؛ لأن هذه إجارة طائرة خاصة، هذه الطائرة المعينة التي فيها المواصفات الفلانية والتي حجمها الحجم الفلاني وذات الرقم الفلاني، هذه إجارة أعيان.
إذا اتضح الفرق بين إجارة الأعيان التي ترتبط بعين، والنوع الثاني من الإجارة وهي إجارة الأشخاص؛ كيف تكون إجارة الأشخاص؟ معناها أنها ترتبط بذمة الإنسان، وقد يكون شخصاً طبيعياً وقد يكون شخصاً اعتبارياً، يعني ترتبط بذمة مؤسسة أو شركة، شركة نقل، شركة خطوط طيران، شركة اتصالات، شركة ترتبط بذمتها بمعنى أن هذه المنفعة صارت ديناً عليها أو ديناً على هذا الشخص في ذمته.
كيف يقدم هذه المنفعة؟ يمكنه أن يقدم هذه المنفعة من خلال عدد من الأمور، إما أن يقدمها بنفسه؛ مثلاً في إجارة الشخص الطبيعي أنت لما تستأجر طبيباً، فإن عليه أن يقدم منفعة وهي منفعة الكشفية والعلاج والتداوي، وأنت لما تستأجر معلماً، عليه أن يقدم منفعة التعليم، وأنت لما تستأجر مدرسة لتعلم ابنك، فعليهم أن يقدموا لك منفعة التدريس والتعليم لابنك، يثبت عليهم في ذمتهم خدمة التعليم أو منفعة التعليم؛ إذاً هذه إجارة أشخاص.
أنت لما تستأجر شخصاً، تطالبه بمنفعة، وعندك طريقتين في تحديد المنفعة: إما أن تحددها بمدة، فتقول: أنا أطالبكم بتدريس ابني سنة دراسية ذات فصلين دراسيين، هذه منفعة على مدة، حددت المنفعة أو الخدمة التي تطلبها بمدة، وهذه يسميها أهل العلم الإجارة المؤقتة بمدة، ويسميها بعض العلماء الإجارة الخاصة، كأن تقول مثلاً: أنا أطلب منك أن تعمل لي هذا العمل بالمدة الفلانية من الساعة كذا إلى الساعة كذا.
النوع الثاني من أنواع تحديد المنفعة أن تحددها بمهمة أو بإنجاز، فتقول: أنا أطلب منكم تعليم ابني مثلاً لغة كذا حتى يجيدها وحتى يجتاز الاختبار الفلاني، هم قد ينجزون معه هذه المهمة في شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، إذاً هذه إجارة على مهمة أو عمل. مثلاً أنت قد تستأجر كهربائياً فتقول: أنا أستأجرك باليومية، اليوم كذا درهم أو كذا دينار، وقد تستأجره على مهمة وعمل.
من المهم لطالب العلم أن يعرف اصطلاحات الفقهاء، على أن هذه الإيجار المؤقتة مدة يسمونها أجيراً خاصاً، والإيجار الذي يكون على مهمة أو على عمل تسمى أجير مشترك. إذاً هذه بعض أنواع الإجارة، وطبعاً أنواع الإيجار حقيقية كثيرة، مواصفات الأجير المشترك أحياناً قد تقربها من الخاص، ومواصفات الأجير الخاص قد تقربها من المشترك، لكن من المهم لنا أن نعرف أنه سواء كانت الإجارة إجارة أعيان أو إجارة أشخاص وديون في الذمم، وهذه الإجارة التي في الذمة إما أن تكون محددة بوقت وإما أن تكون محددة بمنفعة أو بعمل، هذه كلها اصطلاحات مهمة ينبغي كلها أن ترجع إلى ضابط العلم بالعمل أو المنفعة.
يعني أنت يُطلب منك تحديد هذه المنفعة وتحديد طريقة الانتفاع أو مدة الانتفاع بها؛ هل أنت ربطت الانتفاع بإنجاز مهمة أم أنت ربطت الانتفاع بمدة؟ أضرب لكم مثلاً للموظفين الذين يعملون، تطلب منهم تقول: أنا أريدك أن تعمل مدة خمس ساعات في اليوم، هذه طريقة في التعاقد. الطريقة الثانية تقول له: أنا أطلب منك كلما بعت بمئة ريال لك أجرة ريال أو ريالين أو ثلاثة أو خمسة أو عشرة، لاحظ أن هذا على الإنجاز، أقول له: كلما بعت شيئاً فأنت لك كذا، كلما بعت أرضاً أو سيارة وهكذا؛ إذاً ربط المنافع بالإيجار يتفاوت بحسب العقد، المهم أن تكون كلها في جميع الأحوال معلومة ومتفقاً عليها.
نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوالاً ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي